انا واخويا حكايات زيزي
المفروض ياخدكم فيه، حصلت واقعة غيّرت كل حاجة. وبعدها اتقدمت مستندات خلت الجهات المسؤولة تعتقد إن بقاءكم بعيد عنه هو الحل الأنسب.
سايمون سألها
مين قدّم المستندات دي؟
مريم ما ردتش فورًا.
مدت إيدها ناحية الملف، وطلعت منه صورة تانية، مختلفة عن الصورة اللي لقيناها في علبة كينيث.
الصورة كانت لبياتريس واقفة قدام مبنى رسمي، وبجانبها راجل ماعرفناهوش.
وعلى ظهر الصورة، كان مكتوب
الشاهد الوحيد على اللي حصل يوم اختفاء الطفلين.
بصيت للصورة، وبعدها رفعت عيني لأمي.
مين الراجل ده؟
مريم اتنفست بعمق، وقالت
اسمه توماس. كان الشخص اللي سلّمكم لبياتريس وكينيث أول مرة، وكان المفروض إنه يحافظ على سرية الإجراءات. لكنه اختفى بعد الواقعة بوقت قصير.
سايمون مسك الصورة، وفضل يدقق في ملامح الراجل.
وفجأة، عينيه اتسعت.
استني… أنا شوفت الراجل ده قبل كده!
بصيت له باستغراب.
فين؟
رد وهو بيقرب الصورة من وشه
في صورة قديمة عند بياتريس. كانت مخبياها في درج مكتب كينيث، وشوفتها مرة وإحنا بننضف البيت بعد ۏفاته.
مريم قامت من مكانها بسرعة.
صورة عند بياتريس؟ يبقى هي لسه محتفظة بحاجة تخص توماس!
سألتها
وإيه اللي ممكن يكون عندها؟
مريم بصت لنا، ووشها اتغير تمامًا.
دفتره الأصلي. توماس كان بيسجل فيه كل زيارة وكل قرار اتاخد بخصوصكم. لو الدفتر ده لسه موجود، ممكن نعرف مين اللي بدأ كل حاجة، وليه اتمنعتوا من إنكم تعيشوا مع أبوكم وأمكم.
وفي اللحظة دي، رن موبايلي.
كان رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت راجل كبير في السن، بيتكلم بصعوبة
إنت ميسون؟
قلت بحذر
أيوه، مين معايا؟
قال
اسمي توماس… وعندي حاجة تخصك إنت وأخوك. حاجة كان المفروض أوصلهالكم من عشرين سنة.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال، قال جملة واحدة خلتني أبص لسايمون وأمي پصدمة
لكن لو بياتريس عرفت إني كلمتك، هتسبقكم للمكان اللي مخبي فيه الدليل الأخير.
وبعدين ادّاني عنوانًا، وقال إنه مستنينا هناك بكرة الصبح.
قفلت المكالمة، وبصيت لأمي.
كانت واقفة من غير حركة، ودموعها بتنزل بصمت.
سألتها
إنتِ تعرفي هو مخبي إيه؟
مريم هزت راسها وقالت
مش بالظبط… لكن لو توماس قرر يتكلم بعد كل السنين دي، يبقى أخيرًا حد مستعد يقول الحقيقة كاملة.
أما سايمون، فكان باصص للموبايل بتاعي، ووشه مليان ڠضب وقلق.
لأنه في نفس اللحظة اللي قفلت فيها المكالمة، وصلتني رسالة من رقم مجهول
ما تثقش في توماس. واسأل أخوك عن اللي حصل في يوم عيد ميلاده التالت… لأنه فاكر أكتر مما بيقول.
فضلت باصص للرسالة اللي وصلتني، وبعدين رفعت عيني ناحية سايمون.
إيه اللي حصل يوم عيد ميلادك التالت؟
سايمون اتجمد مكانه.
أمي مريم بصت له باستغراب، وقالت عيد ميلاده التالت؟ إنتوا كنتوا لسه صغيرين أوي وقتها، إيه اللي ممكن يكون فاكره؟
لكن سايمون ما ردش.
فضل باصص للموبايل، وبعد ثواني حط إيده على وشه وقال بصوت واطي
أنا فاكر حاجة… بس عمري ما حكيتها لحد.
قربت منه وقلت فاكر إيه يا سايمون؟
رفع عينيه ليا، وكانت نظراته مختلفة عن أي وقت شفته فيه.
أنا فاكر ست كانت بټعيط، وكانت ماسكاني من إيدي وبتقولي ما تسيبش أخوك لوحده. وبعدها راجل أخدك مني، وقال لي إننا هنرجع لبعض قريب.
حسّيت ببرودة تسري في جسمي.
إنت فاكر الكلام ده من وإنت عندك تلات سنين؟
هز راسه.
مش فاكر كل التفاصيل. عندي صور متقطعة في دماغي، زي حلم قديم. بس فيه حاجة تانية… فاكر إني كنت ماسك عربية لعبة حمرا، ولما الراجل أخدك، العربية وقعت مني.
أمي مريم حطت إيدها على بقها، وبدأت ټعيط.
سايمون بص لها بسرعة.
إنتِ تعرفي حاجة عن اللي بقوله؟
هزت راسها، لكن دموعها كانت بتقول إنها مش قادرة تخبي أكتر.
العربية الحمرا دي… أبوكم جابهالكم في عيد ميلادكم التالت. كان جايب عربيتين شبه بعض، واحدة ليك وواحدة لميسون.
بصيت لها بذهول.
يعني إحنا كنا مع أبويا وأمي يوم عيد ميلادنا؟
ردت بصوت مكسور
أيوه. وده كان آخر يوم شفتكم فيه مع بعض قبل ما تبدأ كل المشاكل.
سايمون وقف فجأة، وبدأ يتحرك في الصالة بعصبية.
طب إزاي؟ إزاي كنا مع أهلنا، وبعدها لقينا نفسنا في بيت ناس تانية؟ وليه بياتريس كانت بتقول إن أمنا سابتنا؟
أمي مسحت دموعها وقالت
لأن اللي حصل في اليوم ده ماكانش مجرد خلاف عائلي. حصلت مشكلة كبيرة، وكل واحد فينا سمع رواية مختلفة. أبوكم كان مقتنع إن فيه حد تعمّد يبعدكم عنه، وأنا كنت بحاول أثبت إن اللي حصل ماكانش بإرادتي.
سألتها ومين اللي كان مسؤول؟
سكتت.
وبعدين قالت أنا مش عايزة أتهم حد من غير دليل. لكن توماس كان موجود يومها، وهو الوحيد اللي شاف كل اللي حصل من البداية للنهاية.
قضينا الليلة عند أمي، لكن محدش فينا عرف ينام.
قبل الفجر بشوية، صحيت على صوت سايمون بيتكلم في التليفون في البلكونة.
ما كنتش أقصد أتنصت عليه، لكن أول ما سمعت اسم بياتريس، وقفت مكاني.
كان بيقول
أنا مش عايز أسمع منك أي تبرير تاني. لو كنتِ عارفة حاجة عن اللي حصل لنا وإحنا صغيرين، كان لازم تقولي من زمان.
سكت شوية، وبعدين قال پغضب
لأ، مش هرجع. ومش هغيّر رأيي مهما قلتي.
قفل المكالمة، ولما لف وشافني، اتفاجئ.
سألته كانت بياتريس؟
هز راسه.
أيوه. عرفت إني قابلت أمنا.
عرفت إزاي؟
رد وهو بيحط الموبايل في جيبه
هي اللي اتصلت بيا. قالت لي إنك روحت تدور على مشاكل، وإن أمنا بتحاول تستغلنا عشان تاخد فلوس مننا.
اتعصبت وقلت بعد كل اللي عرفناه، لسه بتصدقها؟
سايمون بص لي بحزن.
أنا ما صدقتهاش. لكن فيه حاجة قالتها خلتني أشك في موضوع تاني.
قربت منه.
إيه هي؟
اتردد لحظات، وبعدين قال
قالت إن كينيث قبل ما ېموت، طلب مني وعدًا، وإن الوعد ده له علاقة بالملف اللي بندوّر عليه.
استغربت.
إنت؟ كينيث طلب منك إنت وعد؟
هز راسه.
أنا مش فاكر إني وعدته بحاجة، لكن بياتريس قالت لي إن فيه جواب كان كينيث عايزني أقراه لما أكبر، وإنها خبّته عشان ما أتأذيش.
حسّيت إننا كل ما نكتشف سر، بنلاقي وراه أسرار تانية.
قلت له يبقى لازم نرجع البيت ونفتش عن الجواب ده.
رد بسرعة لأ. الأول لازم نقابل توماس. يمكن عنده الإجابة اللي هنحتاجها عشان نفهم باقي الحكاية.
واتفقنا نتحرك بعد شروق الشمس.
وصلنا العنوان اللي ادّاهولي توماس في الموعد المحدد.
كان المكان مخزنًا قديمًا على أطراف المدينة، بابه الحديدي مصدي، والشبابيك متغطية بألواح خشب. نزلنا من العربية، وفضلنا نبص حوالينا، لكن ماكانش فيه أي حد.
خبطت على الباب.
مفيش رد.
خبطت مرة تانية، وسمعت صوت حركة من الداخل.
الباب اتفتح ببطء، وظهر راجل عجوز، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد.
بص لي وقال
ميسون؟
قلت أيوه. وإنت توماس؟
هز راسه، وفتح الباب عشان ندخل.
المخزن كان مليان صناديق وملفات قديمة، وفي النص ترابيزة عليها ظرف كبير.
توماس قفل الباب، وقعد قصادنا.
أنا عارف إن عندكم أسئلة كتير، وعارف إن عشرين سنة وقت طويل أوي عشان طفلين يعيشوا من غير ما يعرفوا الحقيقة.
سايمون سأله بحدة
طب ليه استنيت كل السنين دي؟
توماس نزل عينيه للأرض.
لأني كنت جبان. ولأني صدقت إن السكوت هيحميكم. لكن لما عرفت إن كينيث ماټ، وإن بياتريس لسه مخبية الحقيقة، فهمت إن سكوتي ما حماش حد.
مد إيده ناحية الظرف.
اللي جواه نسخة من التقرير الأصلي اللي اتكتب يوم ما اتنقلتوا لبيت بياتريس وكينيث. التقرير ده فيه أسماء الأشخاص اللي كانوا موجودين، وتفاصيل القرار اللي اتاخد وقتها.
سايمون مد إيده عشان ياخده، لكن توماس سحب الظرف بعيدًا.
قبل ما تقرأوه، لازم أقول لكم حاجة. فيه جزء من الحقيقة ممكن يوجعكم أكتر من كل اللي عرفتوه لحد دلوقتي.
قلت له إحنا عشنا عشرين سنة في كڈبة. مفيش حاجة ممكن تخوفنا أكتر من كده.
بص لي بحزن.
متأكد؟ حتى لو اكتشفت إن الشخص اللي كنت فاكره بيحميك، كان عنده سبب تاني يخليه يسكت؟
افتكرت كينيث، وافتكرت كل مرة كان بيحضننا ويقول لنا إننا أهم حاجة في حياته.
قلت بحزم افتح الظرف.
فتح توماس الظرف، وطلع منه تقرير طويل، وصورتين، وورقة عليها توقيعات رسمية.
بدأنا نقلب الأوراق.
كان التقرير بيحكي إن أسرتنا مرت بأزمة مالية كبيرة قبل ما نتم ثلاث سنين، وإن فيه خلافات حصلت بين أهلنا وبعض أفراد العيلة حول مكان إقامتنا ورعايتنا.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر صفحة.
كان فيه بند مكتوب بخط واضح، وتحته توقيع بياتريس، وشاهدين.
تتعهد السيدة بياتريس بالحفاظ على سرية المعلومات المتعلقة بالطفلين، وعدم السماح بأي تواصل مباشر مع والديهما دون موافقة الجهة المختصة.
سايمون ضړب الترابيزة بكفه.
هي كانت عارفة من البداية!
توماس هز راسه.
أيوه. لكنها ماكنتش الشخص الوحيد اللي وافق على الاتفاق.
بصيت للتوقيعات.
توقيع بياتريس كان واضحًا.
والتوقيع التاني كان باسم كينيث.
حسّيت كأن حد ضړبني على صدري.
كينيث؟ لأ… مستحيل! كينيث كان بيحبنا!
توماس رد بهدوء
هو فعلًا كان بيحبكم. لكن فيه جزء من الاتفاق اتعمل لحمايتكم من ظروف صعبة وقتها، وجزء تاني اتغيّر بعد كده من غير ما كل الأطراف تعرف الحقيقة كاملة.
سايمون سأله يعني كينيث كان مشارك في إخفائنا عن أهلنا؟
توماس سكت طويلًا.
وبعدين قال
كينيث وافق إنكم تعيشوا معاه، وكان مقتنع إن ده الحل الأفضل وقتها. لكنه ماوافقش على إنكم تفضلوا محرومين من معرفة أهلكم للأبد. ولما اكتشف إن الاتفاق اتستخدم بطريقة مختلفة عن اللي فهمه، بدأ يجمع الأدلة عشان يصلح اللي حصل.
بصيت للتقرير تاني.
فجأة، فهمت ليه كان كينيث بيحاول يعوضنا عن كل حاجة، وليه كان ساعات يبص لنا بحزن من غير ما يقول أي كلمة.
لكنه برضه كان جزءًا من القرار اللي فصلنا عن أهلنا.
والسؤال اللي فضِل يعذبني هل كان يقدر يمنع كل ده، لكنه اختار يسكت؟
قبل ما أقدر أسأل توماس، سايمون لاحظ إن فيه ورقة صغيرة ملزوقة في ضهر التقرير.
نزعها بحذر.
كان مكتوب عليها بخط كينيث
أنا عارف إني أخطأت لما وافقت من غير ما أتأكد من كل التفاصيل. لكني اكتشفت متأخر إن فيه شخصًا استغل ثقتي، وغيّر المستندات من ورايا. لو ولادي وصلوا للحقيقة، لازم يعرفوا إن التوقيع وحده مش كفاية عشان يحكموا على اللي حصل.
رفعت عيني لتوماس.
مين الشخص اللي غيّر المستندات؟
توماس مد إيده لصورة من الصورتين، وحطها قدامنا.
كانت صورة قديمة لمكتب صغير، فيه ثلاثة أشخاص واقفين جنب بعض.
بياتريس.
كينيث.
وشخص ثالث ماعرفناهوش.
لكن توماس أشار للشخص الثالث وقال
ده الشخص اللي كان مسؤول عن تسجيل الاتفاقات وحفظ المستندات وقتها. وهو الوحيد اللي كان عنده صلاحية يغيّر النسخة الرسمية من التقرير.
سايمون قرب الصورة من عينيه.
وفجأة، وشه اتغيّر.
أنا أعرف الراجل ده!
بصيت له بذهول.
إنت تعرفه منين؟
رد بصوت مهزوز
مش من زمان… أنا شوفته من كام شهر.
فين؟
بلع ريقه وقال
في جنازة واحد من معارف العيلة. بياتريس كانت واقفة معاه، وكانت بتتكلم معاه كأنهم يعرفوا بعض من سنين.
توماس قام من مكانه فجأة.
إنت متأكد إنك شوفته معاها؟
سايمون هز راسه.
متأكد. حتى إنها لما شافتني، طلبت مني أروح أجيب لها حاجة من العربية، ولما رجعت ماكانش موجود.
توماس قعد تاني، ووشه بقى شاحبًا.
يبقى هو لسه على تواصل معاها… وده معناه إن الدليل الأخير ممكن يكون في خطړ.
وفجأة، سمعنا صوت خبطة قوية على الباب الحديدي.
كلنا