انا واخويا حكايات زيزي
بقيتش عايش زي الأول أصلًا.
فردت الورقة، وبدأت أقرأ…
لكن أول سطر فيها كشف إن الحكاية اللي اتقالت لنا عن التبنّي كانت مجرد جزء صغير من سر أكبر بكتير، وإن سايمون بالذات كان لازم يعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
والمفاجأة إن اسم الشخص اللي كان المفروض يقابلنا بعد ۏفاة كينيث كان مكتوب في آخر الورقة، ومعاه عنوان مكان ما سمعتش عنه في حياتي…
إيدي كانت بتترعش وأنا بفرد الورقة، وحروف خط كينيث القديم كانت باهتة، لكن أول جملة قدرت أقراها خلتني أحس إن كل حاجة أعرفها عن نفسي كانت مبنية على وهم.
إلى ميسون وسايمون… لو الورقة دي وصلت لكم، يبقى أنا فشلت إني أحميكم من الحقيقة، وبياتريس قررت تكمّل الكذبة اللي بدأتها من عشرين سنة.
رفعت عيني ناحية بياتريس، لقيتها واقفة مكانها، وشها شاحب وشفايفها بتترعش.
كملت قراءة.
أنا عارف إنكم كبرتوا وإنتوا فاكرين إن أمكم الحقيقية سابتكم ومشيت، وإن بياتريس وكأني أنا أنقذناكم من حياة صعبة. لكن اللي ما تعرفهوش إنكم ماكنتمش طفلين مجهولين محدش عايزهم. كان فيه شخص بيدوّر عليكم كل يوم، وفضل يحاول يوصل لكم رغم كل اللي حصل.
وقفت عن القراءة.
شخص بيدوّر علينا كل يوم؟
مين؟ وليه محدش قال لنا؟
بصيت لجدتي روز، وكانت دموعها بتنزل من غير صوت.
سألتها مين الشخص ده يا جدتي؟
حطت إيديها على وشها، وهمست أبوك يا ميسون.
حسّيت إن نفسي اتسحب مني.
أبويا؟! إنتِ بتقولي إيه؟ إحنا طول عمرنا فاكرين إننا اتسابنا في دار أيتام!
ردت وهي بټعيط أنا عارفة يا حبيبي… والله عارفة.
صړخت بياتريس روز! اخرسي! إنتِ مش هتصلحي اللي فات بالكلام ده!
لكن جدتي رفعت راسها وبصتلها پغضب عمره ما ظهر عليها قبل كده.
أنا سكتّ عشان وعدت بنتي، وسكتّ بعد ما كينيث ماټ عشان كنت خاېفة أخسر باقي عيلتي. بس كفاية! الولدين دول دفعوا تمن سكوتنا أكتر من أي حد.
رجعت أبص للورقة، وقلبي بيدق بسرعة.
كان فيه سطر تاني تحت كلام كينيث
أبوكم حاول يوصل لكم بعد ما اختفيتوا من حياته، لكن كل مرة كان بيقرب، كان بيلاقي باب مقفول أو عنوان غلط. وأنا احتفظت بالمستندات اللي تثبت ده، لأني كنت عارف إن اليوم اللي هتكتشفوا فيه الحقيقة لازم يكون معاكم دليل، مش مجرد كلام.
قريت الجملة مرتين.
اختفيتوا من حياته؟
إحنا ماكناش فاكرين إننا اختفينا من حياة حد. إحنا كنا فاكرين إن أمنا سابتنا بإرادتها، وإن أبونا مش موجود أصلًا.
رفعت راسي وسألت بياتريس إنتِ كنتِ عارفة إن أبويا بيدوّر عليّا أنا وسايمون؟
ما ردتش.
قربت منها خطوة.
كنتِ عارفة؟
صړخت في وشي أيوه! كنت عارفة! بس إنت مش فاهم اللي حصل!
الكلمة نزلت عليّا زي الصڤعة.
أيوه.
عشرين سنة من الإهمال، وعشرين سنة من الإحساس إني ضيف تقيل في بيتها، وعشرين سنة وأنا بحاول أثبت إني أستحق أكون فرد من العيلة… وكل ده وهي عارفة إن فيه حد تاني كان بيدوّر علينا!
سألتها بصوت مبحوح طب ليه؟ ليه عملتي فينا كده؟
قعدت على الكرسي كأن رجليها ما بقتش شايلة جسمها.
لأن يوم ما جيتوا البيت، كنت فاكرة إن وجودكم هيغيّر حياتي للأحسن. كنت فاكرة إن كينيث لما وافق ناخدكم، هنبدأ عيلة جديدة ونعيش كلنا مبسوطين.
ضحكت بمرارة وقلت وعشان كده كنتِ كل يوم تفكرينا إننا عبء عليكي؟
نزلت عينيها للأرض.
بعد ۏفاة كينيث، كل حاجة اتغيّرت. بقيت لوحدي، والمسؤولية كانت أكبر مني، وأنا…
قاطعتها المسؤولية مش هي اللي خلتك تكذبي علينا عشرين سنة!
سكتت.
وفي اللحظة دي، جدتي روز سحبت الورقة من قدامي، وقلبتها على الناحية التانية.
لسه ما قريتش أهم جزء يا ميسون.
كان فيه عنوان مكتوب بخط كينيث، وتحت العنوان اسم راجل، ورقم تليفون قديم.
لكن اللي لفت نظري أكتر كان السطر الأخير
لو عايزين تعرفوا ليه اتفصلتوا عن أبوكم، روحوا للمكان ده، واسألوا عن الملف رقم ٢١٧. وهناك هتعرفوا مين اللي وقّع على الورق اللي غيّر حياتكم.
بصيت لبياتريس.
كانت بتبص للمفتاح الصغير اللي في العلبة، وكأنها عارفة بالظبط هو بيفتح إيه.
مسكت المفتاح وقلت وده بيفتح إيه؟
ردت بسرعة مالوش لازمة. ارميه.
لكن جدتي قالت المفتاح ده مش بتاع بيتنا يا ميسون. ده مفتاح خزانة قديمة في مكتب المحامي اللي كان بيتابع موضوع التبنّي.
ساعتها فهمت إن كينيث ما سابش لنا رسالة وبس؛ هو ساب لنا طريق نوصل بيه للحقيقة.
لمّيت الورقة والصورة والمفتاح، وحطيتهم في جيبي.
بياتريس قامت من مكانها بسرعة.
استنى! إنت مش هتروح لأي مكان!
بصيت لها بهدوء غريب، هدوء عمري ما حسّيته وأنا واقف قدامها.
إنتِ ما بقيتيش من حقك تمنعيني من معرفة حياتي.
خرجت من المطبخ، لكن قبل ما أوصل لباب البيت، سمعت جدتي بتنادي عليّا.
لفّيت ناحيتها.
قربت مني، وحطت إيدها على كتفي، وقالت بصوت واطي
فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تروح للمحامي… أبوك ماكانش الشخص الوحيد اللي حاول يوصل لكم. أمكم كمان حاولت.
اتجمدت مكاني.
أمي؟ إنتِ لسه قايلة إن أبويا هو اللي كان بيدوّر علينا!
هزت راسها والدموع في عينيها.
الاتنين كانوا بيدوّروا عليكم. لكن فيه سبب خلّى أمك تختفي من الصورة، وسبب تاني خلّى أبوك يفضل بعيد عنكم. والسببين دول مرتبطين بالورقة اللي بياتريس وقّعتها بنفسها.
في اللحظة دي، سمعت صوت حاجة بتتكسر جوه المطبخ.
كانت بياتريس.
وبعدها سمعتها بتصرخ
لو راح للمحامي، كلنا هنضيع!
بصيت لجدتي، وسألتها آخر سؤال قبل ما أخرج
جدتي… بياتريس وقّعت على إيه بالظبط؟
جدتي سكتت لحظات طويلة، وبعدها قالت جملة خلتني أرجع خطوة لورا من الصدمة
الورقة اللي وقّعتها بياتريس ما كانتش ورقة تبنّي عادية يا ميسون… دي كانت الورقة اللي اتقرر بيها مين فيكم يعيش مع أبوه، ومين فيكم يختفي من حياته للأبد!
بصيت لها وأنا مش قادر أستوعب كلامها.
مين فينا كان المفروض يعيش مع أبوه؟ وليه أنا وسايمون اتفصلنا عن أهلنا بالطريقة دي؟
والأخطر من كل ده…
هل كينيث أخد السر معاه فعلًا للقبر، ولا كان سايب دليل أخير يثبت إن اللي حصل لنا ماكانش مجرد كڈبة، لكنه كان قرار اتاخد بإرادة شخص من عيلتنا؟
ركبت عربيتي وأنا حاسس إن دماغي ھتنفجر من كتر الأسئلة. حطيت الورقة على الكرسي اللي جنبي، وفضلت أبص للصورة القديمة اللي فيها أنا وسايمون واقفين قدام بيت ما شفتوش قبل كده.
كان فيه سؤال واحد مش قادر أطلعه من دماغي
إزاي اتنين إخوات اتبنّوا مع بعض، وفي نفس الوقت فيه ورقة بتقول إن واحد فيهم كان المفروض يعيش مع أبوه والتاني يختفي من حياته؟
طلعت موبايلي واتصلت بسايمون.
رد بعد رنتين أيوه يا ميسون، إيه الأخبار؟ روحت لبياتريس؟
قلتله أنا محتاجك تيجي تقابلني حالًا. الموضوع مش عادي.
ضحك وقال إيه ده؟ حصل إيه؟ الست عيطت من الفرحة لما شافت الورد؟
ما قدرتش أضحك معاه.
قلت بصوت مخڼوق سايمون، إنت فاكر إننا اتبنّينا وإحنا عندنا تلات سنين، صح؟
سكت لحظة، وبعدين رد أيوه… مالك؟
أنا اكتشفت إن بياتريس كانت مخبية عننا حاجة كبيرة، وإن كينيث ساب ورق يثبت إن أبوينا الحقيقيين حاولوا يوصلوا لنا. وفيه مستند بياتريس وقّعت عليه بنفسها، وغيّر حياتنا إحنا الاتنين.
سمعت صوت نفسه بيتغير.
إنت بتقول إيه يا ميسون؟
مش هقدر أشرح لك كل حاجة في التليفون. تعالى على البيت، ولازم نروح لمكتب المحامي اللي كينيث كتب عنوانه.
سايمون ما سألش أي سؤال تاني. قال إنه جاي، وقفل.
بعد حوالي نص ساعة، كان قاعد جنبي في العربية، ماسك الصورة القديمة بإيديه الاتنين.
فضل ساكت فترة طويلة، وبعدين قال
عارف يا ميسون؟ أنا طول عمري كنت حاسس إن فيه حاجة غلط.
بصيت له باستغراب.
كمل فاكر لما كنا صغيرين، وكان كينيث بياخدنا أحيانًا يتمشى بعيد عن البيت؟ كان بيقول لنا إن فيه ناس بتحبنا، حتى لو إحنا مش شايفينهم. كنت فاكر إنه بيحاول يواسينا عشان بياتريس كانت بتعاملنا وحش.
بلعت ريقي وسألته إنت عمرك ما سألت كينيث كان يقصد إيه؟
هز راسه.
سألته مرة. كان عندي حوالي سبع سنين. بص لي وقال لما تكبروا، هتعرفوا إن مش كل اللي بنفقده بيكون اتخلّى عننا بإرادته.
حسّيت بقشعريرة في جسمي.
الجملة دي كانت شبه الكلام المكتوب في الرسالة بشكل مخيف.
شغّلت العربية واتجهنا للعنوان اللي سابه كينيث.
كان مكتب المحامي في شارع قديم، داخل عمارة صغيرة واجهتها باهتة، وفوق الباب لوحة نحاسية مكتوب عليها اسم المحامي إدوارد هاريس.
دخلنا وسألنا السكرتيرة عنه، لكنها قالت لنا إنه تقاعد من سنين، وإن المكتب بقى تحت إدارة ابن أخوه، الأستاذ دانيال هاريس.
بعد دقائق، دخلنا مكتب مليان ملفات ورفوف خشبية. كان فيه راجل في أواخر الخمسينات قاعد ورا المكتب، ولما سمع اسم كينيث، رفع عينيه لينا باهتمام.
قلتله إحنا ميسون وسايمون. كينيث كان والدنا بالتبنّي، وساب لنا ورقة فيها عنوان المكتب ده ورقم ملف.
دانيال ما ردش على طول.
بص لينا واحد واحد، وبعدين سأل معاكم أي مستند يثبت إن كينيث طلب منكم تيجوا هنا؟
طلعت الرسالة والصورة والمفتاح.
أول ما شاف خط كينيث، وشه اتغير.
قام من مكانه، وقفل باب المكتب، وبعدين رجع قعد.
قال بهدوء كنت مستني اليوم ده، رغم إني ماكنتش متأكد إنه هييجي.
سايمون مال لقدام وسأله مستني إيه بالظبط؟
دانيال فتح درج مكتبه، وطلع سجل قديم، وفضل يقلب صفحاته لحد ما وصل لصفحة عليها رقم الملف اللي في الرسالة.
٢١٧.
حط صباعه على الرقم، وقال الملف ده اتفتح من عشرين سنة، وكان متعلق بترتيبات رعايتكم وانتوا أطفال. لكن قبل ما أوريكم أي مستند، لازم تعرفوا إن فيه معلومات قانونية حساسة، وإن بعض الإجراءات وقتها ما كانتش واضحة زي ما كان المفروض تكون.
سايمون اتعصب.
يعني إيه؟ إحنا عايزين نعرف مين أهلنا الحقيقيين، وليه اتسابنا!
دانيال بص له وقال أنا فاهم. بس اللي في الملف ممكن يغيّر فهمكم لكل اللي حصل.
فتح الملف، وطلع منه نسخة من مستند رسمي قديم.
كان فيه اسم كينيث، واسم بياتريس، واسم شخص تالت اتغطى جزء منه ببقعة حبر.
لكن في آخر الصفحة، كان فيه توقيع واضح.
توقيع بياتريس.
سايمون خطڤ الورقة وبص عليها، وبعدها رفع عينيه ليا.
يا ميسون… بص على التاريخ.
كان التاريخ مكتوب قبل ما ندخل بيت بياتريس بفترة قصيرة.
يعني القرار اللي غيّر حياتنا اتاخد قبل ما نعرفها أصلًا.
سألت دانيال إيه معنى المستند ده؟
رد المستند بيثبت إن بياتريس وافقت على شرط معين قبل ما تتم إجراءات انتقالكم لبيتها. لكن الشرط ده ماكانش متعلق بالتبنّي وحده.
حسّيت إن قلبي هيقف.
شرط إيه؟
دانيال سحب ورقة تانية من الملف، وحطها قدامنا.
الشرط كان متعلق بإنهاء أي محاولة للتواصل المباشر بينكم وبين أحد أفراد أسرتكم الأصلية، إلا من خلال إجراء رسمي محدد.
سايمون ضړب المكتب بكفه.
مين الشخص ده؟ أبونا؟ أمنا؟
دانيال سكت شوية، وبعدها قال الملف فيه اسمين، مش اسم واحد.
بصيت لسايمون، وبعدين رجعت بصيت للمستند.
كان اسم أمنا مكتوب في السطر الأول، واسم أبونا في السطر التاني.
لكن جنب اسم أبونا، كان فيه ملاحظة بخط مختلف
تم استلام طلب مقابلة الطفلين، ولم