انا واخويا حكايات زيزي
تتم الموافقة على تحديد موعد.
حسّيت بغصة في حلقي.
أبويا حاول يقابلنا فعلًا، واترفض طلبه.
لكن مين اللي رفضه؟
قلتلُه مين كان مسؤول عن القرار ده؟
دانيال أشار للتوقيع اللي تحت الملاحظة.
الشخص اللي وقّع على رفض المقابلة كان المسؤول عن متابعة ملفكم وقتها.
قربت الورقة من عيني.
الاسم كان واضحًا هذه المرة.
بياتريس.
سايمون قام من كرسيه، وفضل يمشي في المكتب رايح جاي.
يعني هي كانت عارفة إنه بيدوّر علينا، وكانت بتمنعه يقابلنا؟ كل السنين دي؟
دانيال رد بحذر المستند بيثبت إن طلب مقابلة اترفض، لكنه لوحده ما يثبتش كل الأسباب اللي أدت للقرار. عشان كده لازم تشوفوا باقي الملف قبل ما تحكموا على الصورة كاملة.
كنت لسه هسأله عن أمنا، لكنه فتح درج تاني وطلع منه ظرف بني قديم، مكتوب عليه بخط كينيث
يُسلَّم لميسون وسايمون فقط، بعد الاطلاع على الملف ٢١٧.
فتح الظرف، وطلع منه جواب قصير.
قرأ دانيال أول سطر، وبعدين وقف فجأة.
رفع عينيه لينا، وكان واضح إنه اتفاجئ من اللي قراه.
سألته إيه؟ مكتوب إيه؟
ناولني الجواب من غير ما يتكلم.
مسكته وبدأت أقرأ بصوت مسموع
يا ولادي، لو وصلتوا للرسالة دي، يبقى أخيرًا بقيتوا مستعدين تعرفوا إن اللي حصل لكم ماكانش بسبب إنكم أطفال غير مرغوب فيهم. فيه قرار اتاخد وقتها بحجة إنه هيحميكم، لكن القرار ده خلّى كل واحد فيكم يخسر جزءًا من حياته كان من حقه يعرفه.
وقفت لحظة، ودموعي بدأت تتجمع في عيني.
كملت
أنا حاولت أصلح الغلط، لكني ما قدرتش أواجه كل الناس لوحدي. عشان كده احتفظت بعنوان الشخص الوحيد اللي كان شاهدًا على كل اللي حصل، واللي يقدر يقول لكم ليه اتاخد القرار، ومين كان المستفيد منه.
قلبت الصفحة.
كان فيه اسم وعنوان جديد.
سايمون قرب مني وقرأ الاسم، وبعدها رجع بص لي پصدمة.
الشخص اللي كينيث كتب اسمه ماكانش محامي، ولا موظف في دار الأيتام.
كان راجل من عيلتنا إحنا نفسنا… شخص كنا بنفتكر إنه ماټ قبل ما نعرف أي حاجة عن ماضينا.
لكن قبل ما نقدر نستوعب المفاجأة، دانيال قال جملة خلتنا ننسى حتى نتنفس
استنوا… الراجل ده مش بس شاهد على اللي حصل. ده كان أول شخص قدّم طلب رسمي عشان ياخدكم تعيشوا معاه، قبل ما بياتريس وكينيث يدخلوا حياتكم أصلًا.
سايمون مسك الورقة بقوة وسأله
يعني مين؟ وإزاي نقدر نوصل له؟
دانيال بص لنا وقال
تقدروا توصلوا له، لكن فيه مشكلة… آخر عنوان مسجل ليه في الملف قديم جدًا، واللي وصلني من المعلومات إنه ساب المكان من سنين بعد ما حصلت مواجهة كبيرة بينه وبين بياتريس.
خرجنا من المكتب وإحنا شايلين نسخ المستندات، لكن المرة دي ماكنش معانا مجرد شكوك.
كان معانا دليل إن بياتريس منعت مقابلة رسمية بيننا وبين أبونا.
وكان معانا اسم شخص ممكن يفسّر ليه حصل كل ده.
ركبنا العربية، وسايمون فتح الصورة القديمة تاني.
فجأة، قلب الصورة على ظهرها، وقرّبها من النور.
ميسون… استنى!
بصيت له.
كان فيه كتابة صغيرة جدًا تحت التاريخ، ماخدناش بالنا منها قبل كده، وكأن حد حاول يخفيها بمسح جزء من الحبر.
سايمون قرأها ببطء
لو ماقدرتش أشوف الولدين، خليهم يدوروا على البيت اللي اتولدوا فيه… المفتاح الأحمر هيفتح لهم الباب الأخير.
بصينا إحنا الاتنين للمفتاح الصغير اللي كان في إيدي.
وفي اللحظة دي، فهمنا إن عنوان المحامي ماكانش نهاية الطريق.
كان مجرد البداية.
لأن البيت اللي اتولدنا فيه كان لسه موجودًا، والمفتاح اللي سابه كينيث ممكن يفتح بابًا لماضٍ اتخبّى عننا عشرين سنة كاملة…
لكن لما وصلنا للعنوان القديم، لقينا البيت مقفولًا، وعلى الباب لافتة مكتوب عليها إن العقار اتباع من سنين. ولما سألنا الجار العجوز عن أصحابه القدام، بص لنا طويلًا، وبعدها قال
إنتوا الاتنين ولاد الست اللي كانت بتيجي هنا كل سنة في نفس اليوم… وآخر مرة شوفتها، كانت شايلة صورة ليكم وبتعيط، وبتقول إنها مش هتسمح لحد يحرِمها من ولادها مرة تانية.
وبعدين مد إيده لجيب جلابيته، وطلع ورقة صغيرة.
هي سابت دي هنا، وقالت لو في يوم جه ولدين شبه بعض وبيسألوا عن البيت، أديهالهم.
فتحت الورقة، ولقيت مكتوب فيها عنوان جديد، وتحته جملة واحدة
يا ميسون وسايمون، لو وصلتوا لحد هنا، يبقى أخيرًا جه الوقت اللي أقول لكم فيه ليه اتاخد منكم كل ده.
مسكت الورقة بإيد بتترعش، وفضلت أقرأ العنوان المكتوب فيها أكتر من مرة، كأني خاېف أكتشف إن كل اللي بيحصل ده مجرد حلم وهفوق منه في أي لحظة.
سايمون خطڤ الورقة من إيدي وقال
العنوان ده في مدينة تانية يا ميسون! إنت فاهم معنى كده؟ إحنا ممكن نكون على بُعد ساعات من إننا نعرف أمنا الحقيقية.
بصيت له وقلت
وأبونا كمان. إحنا لحد دلوقتي ما نعرفش إذا كان لسه عايش ولا لأ.
الجار العجوز كان واقف قدامنا، بيتابع كلامنا بصمت. ولما سمعني بقول كده، قرب مننا وقال
أبوكم كان راجل طيب. أنا شوفته هنا أكتر من مرة، وكان كل ما ييجي يسأل عنكم، يمشي وهو مكسور. لكن أمكم… أمكم كانت حكايتها مختلفة.
لفّيت له بسرعة.
إنت تعرف أمي؟ شفتها بنفسك؟
هز راسه وقال
شوفتها كتير. كانت بتيجي في يوم ثابت من كل سنة، تقف قدام البيت، وتفضل باصة للشبابيك بالساعات. وفي آخر مرة، سابت لي الورقة دي، وقالت لي لو ولادها رجعوا، ما أمنعهمش من معرفة الحقيقة.
سايمون سأله بلهفة
طب ليه ماخدتش رقم تليفونها؟ أو سألتها عايشة فين؟
الراجل اتنهد وقال
سألتها، لكنها قالت لي إن فيه ناس أقوى منها، وإن أي محاولة منها إنها تتواصل معاكم ممكن تضيّع الفرصة الوحيدة اللي لسه عندها.
الكلام ده زوّد حيرتي بدل ما يوضّح أي حاجة.
مين الناس اللي أقوى منها؟ وليه أمنا كانت خاېفة تتواصل مع ولادها؟
طلعت موبايلي وصورت العنوان، وبعدها شكرت الراجل وركبنا العربية.
طول الطريق، سايمون كان ساكت. لحد ما فجأة قال
ميسون، إنت عمرك فكرت إننا ممكن نكون إحنا الاتنين فاهمين حكاية حياتنا غلط؟
بصيت له وقلت
أنا مش بس بفكر في كده. أنا بدأت أشك إن كل ذكرى عندي من طفولتنا اتفسرت لنا بالطريقة اللي بياتريس كانت عايزاها.
سايمون بص من الشباك وقال بصوت واطي
أنا فاكر يوم كينيث ماټ. بياتريس كانت بټعيط، لكن مش عشان مۏته بس. فاكر إنها دخلت أوضته وقفلت الباب، ولما خرجت كانت شايلة صندوق خشب صغير. بعدها بكام يوم، سألتها عن الصندوق، فقالت لي إنه اترمى.
سألته باستغراب
ليه ماقولتليش الكلام ده قبل كده؟
رد بحزن
لأني كنت طفل، وكنت فاكر إن الحاجات دي مش مهمة. بس دلوقتي بدأت أفتكر تفاصيل عمري ما ربطتها ببعض.
وصلنا للعنوان بعد ساعتين تقريبًا.
كان بيت قديم في شارع هادي، محاط بشجر طويل، وبابه أخضر باهت، وعلى جانبه جرس صغير.
نزلت من العربية، وقلبي بيدق پعنف.
قبل ما أخبط، لاحظت لوحة صغيرة جنب الباب مكتوب عليها اسم
مريم عبد الرحمن.
اسم أمي.
فضلت باصص للافتة، مش قادر أستوعب إن الاسم اللي عشنا عمرنا نعتقد إنه مجرد جزء من قصة قديمة، موجود قدامنا بالشكل ده.
سايمون وقف جنبي وهمس
خبط يا ميسون.
رفعت إيدي وخبطت ثلاث خبطات.
ماحدش رد.
خبطت مرة تانية، وسمعنا صوت خطوات بطيئة جاية من جوه البيت.
الباب اتفتح سنة صغيرة، وظهرت ست كبيرة في السن، شعرها أبيض تقريبًا، وملامحها مرهقة.
أول ما شافتنا، عينيها اتسعت، وإيدها مسكت طرف الباب بقوة.
بصت لسايمون، وبعدها بصت لي.
وبعدين همست
يا رب… هو أنا بحلم؟
ماقدرتش أنطق.
هي مدت إيدها ناحية وشي، لكن وقفت قبل ما تلمسني، كأنها خاېفة أختفي لو قربت مني.
قالت بصوت مبحوح
ميسون؟ سايمون؟
سايمون رجع خطوة لورا من الصدمة.
إنتِ تعرفي أسماءنا؟
الست حطت إيدها على صدرها، والدموع نزلت على خدودها.
أنا أمكم يا ولادي.
الكلمة دي كنت مستني أسمعها طول حياتي، لكن لما سمعتها فعلًا، ماحسّتش بالفرحة اللي كنت متخيلها.
حسّيت بالڠضب.
ڠضب على عشرين سنة من الأسئلة، وعلى كل مرة كنت بسأل فيها نفسي ليه أمي ماحبتنيش، وعلى كل ليلة كنت بتمنى فيها لو كانت موجودة جنبي.
قلت لها بصوت مرتعش
لو إنتِ أمنا، ليه سيبتينا؟ ليه ماجيتيش تدوري علينا؟ إحنا عشنا عشرين سنة فاكرين إنك مش عايزانا!
غطت وشها بإيديها وبدأت ټعيط.
أنا ما سبتكوش بإرادتي يا ميسون. والله ما سبتكوش.
سايمون رفع صوته
أمال إيه اللي حصل؟ بياتريس قالت لنا إنك مشيتي ومارجعتيش!
مريم بصت لنا، وبعدها فتحت الباب على آخره.
ادخلوا. أنا عارفة إن من حقكم تكرهوني، ومن حقكم تسألوني عن كل يوم عشتوه من غيري. بس قبل ما تحكموا عليّا، لازم تشوفوا حاجة.
دخلنا البيت.
كان بسيط جدًا، والأثاث قديم، وعلى الحيطة صور كتير. لكن صورة واحدة شدت انتباهي صورة ليا أنا وسايمون وإحنا صغيرين، قاعدين جنب كينيث في حديقة.
وقفت قدامها مذهولًا.
إنتِ عندك الصورة دي منين؟
مريم قربت من الصورة، ومسحت عليها بطرف صوابعها.
كينيث بعتها لي من سنين، قبل ما ېموت. كانت آخر مرة أعرف فيها إنكم بخير.
سايمون سألها بسرعة
يعني كنتِ على تواصل مع كينيث؟
هزت راسها.
في البداية، أيوه. كان بيحاول يساعدني، لكن بعد فترة بياتريس طلبت منه يوقف أي تواصل بيننا. ولما رفض في الأول، حصلت مشكلة كبيرة بينهم.
سألتها
إيه المشكلة؟
مريم راحت ناحية خزانة صغيرة، وفتحتها، وطلعت ملفًا بنيًا مربوطًا بشريط أبيض.
حطته قدامنا، وقالت
أنا احتفظت بكل ورقة قدرت أوصل لها. فيه مستندات تثبت إني حاولت أستعيد التواصل معاكم، وفيه رسائل ماوصلتلكوش أبدًا.
سايمون فتح الملف بسرعة، وبدأ يقلب في الأوراق.
كانت فيه خطابات مكتوبة بخط إيد أمي، وكل خطاب عليه تاريخ مختلف. بعضها كان مكتوبًا وإحنا أطفال، وبعضها بعد ما دخلنا المدرسة.
وفي آخر الملف، لقينا جوابًا موجّهًا لينا، مكتوبًا قبل ۏفاة كينيث بشهرين فقط.
فتحت الجواب وبدأت أقرأ
ولادي حبايبي، أنا مش عارفة إذا كنتوا هتقروا كلامي ده يومًا ما، لكني مش هبطل أدعي إنكم تعرفوا الحقيقة. أنا حاولت أوصلكم بكل الطرق، لكن كل محاولة كانت بتنتهي بباب مقفول. ولو جه اليوم اللي تقروا فيه رسالتي، أتمنى تعرفوا إن غيابي ماكانش اختيارًا سهلًا بالنسبة لي.
توقفت عن القراءة، لأن فيه ورقة تانية كانت ملحقة بالجواب.
ورقة رسمية عليها ختم قديم، واسم بياتريس واضح في أسفلها.
مريم شافت الورقة، وشها شحب فجأة.
همست
إزاي الورقة دي وصلت لكم؟ كنت فاكرة إنها اختفت من زمان.
بصيت لها بحدة.
إنتِ عارفاها؟
هزت راسها ببطء.
دي الورقة اللي بسببها خسړت قدرتي إني أشوفكم لفترة طويلة.
سايمون قرب منها وقال
عايزين الحقيقة كلها يا أمي. من غير أسرار تاني.
مريم قعدت على الكنبة، وفضلت باصة للورقة كأنها بتحاول تستجمع شجاعتها.
وبعد لحظات قالت
قبل ما تتبنّوا، كان فيه خلاف كبير بيني وبين أبوكم على المكان اللي هتعيشوا فيه. إحنا كنا بنحبكم، لكن ظروفنا وقتها كانت صعبة، وكان فيه ناس شايفة إن الأفضل ليكم إنكم تعيشوا في بيت مستقر، بعيد عن مشاكل الكبار.
سألتها
وأبويا وافق إننا نتبنى؟
ردت بسرعة
لأ. أبوكم ماكانش عايز يتخلى عنكم أبدًا.
حسّيت إن قلبي اتقبض.
أمال ليه ماخدناش عنده؟
مريم بصت لي طويلًا، وبعدها قالت
لأن في اليوم اللي كان