انا واخويا حكايات زيزي
زرقا من محضر رسمي، فيها اسم الشخص اللي طلب تغيير الاتفاق.
قلت
إحنا لازم نلاقي النسخة دي.
بياتريس رفعت وشها بسرعة.
أنا عارفة مكانها.
سايمون بص لها پصدمة.
إيه؟!
قالت
فيكتور سلّم كينيث مجموعة أوراق قديمة بعد ما حصلت المشكلة. كينيث خبّاها في مكان محدش كان يعرفه غيره. بعد ۏفاته، حاولت أدور عليها، لكن ما لقيتهاش.
افتكرت الخزانة والدفتر الأسود والمفتاح الأحمر.
سألتها
هل تقصدي المكان اللي فيه النسخة الأصلية من أوراق التبني؟
أومأت.
ممكن. لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفوها. كينيث ماكانش بيدور على الورق عشان يثبت إن مريم ما سابتكمش وبس. كان بيدور على حاجة أخطر.
إيه هي؟
اترددت، وبعدها قالت
كان بيدور على دليل يثبت إن فيكتور استخدم منصبه عشان يغيّر مصير أطفال تانيين، مش أنتم بس.
سكتنا كلنا.
فجأة، القضية ما بقتش مجرد سر عائلي قديم.
بقى فيه احتمال إن اللي حصل لنا كان جزءًا من حاجة أكبر.
لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، تليفون سايمون رن.
كان رقم غريب.
رد بحذر
ألو؟
جاله صوت راجل كبير في السن، متوتر، وبيتكلم بسرعة
سايمون؟ أنا دانيال هاريس، ابن أخو المحامي اللي كان ماسك الملف بتاعكم. لازم تسمعني كويس. أنا راجعت مستندات جديدة ظهرت في الأرشيف، وفيه حاجة اكتشفتها النهارده.
سايمون بص لي، وحط المكالمة على السماعة الخارجية.
دانيال كمل
النسخة اللي عندنا بتقول إن مريم وافقت على نقل الولدين بشكل دائم، لكن فيه سجل تاني بيأكد إن الطلب كان مؤقتًا. المشكلة إن التوقيع الموجود على النسخة الدائمة مش توقيع مريم.
سألته بسرعة
أمال توقيع مين؟
سكت لحظة، وبعدها قال
لسه مش قادر أثبت ده بشكل نهائي. لكن فيه تطابق مبدئي مع توقيع شخص كان حاضر يوم نقل الطفلين.
بياتريس بدأت ترتعش.
سايمون سأل
مين الشخص ده؟
دانيال رد
فيكتور هاريس كان واحد منهم، لكن الاسم اللي ظهر جنب التوقيع في السجل القديم هو اسم شخص تاني من العيلة.
حسيت إن قلبي وقف.
مين؟
قال دانيال
كينيث.
سايمون رجع خطوة لورا، وأنا مسكت طرف الترابيزة عشان ما أقعش.
كينيث، الراجل اللي كان بيحبنا واحتفظ بأدلة عشان نعرف الحقيقة، كان اسمه موجود جنب توقيع مش توقيع أمنا.
لكن دانيال استعجل وقال
استنوا! أنا ما بقولش إنه زوّر التوقيع. ممكن يكون وقّع بصفته شاهد، وممكن يكون فيه حد استخدم توقيعه من غير علمه. عشان كده لازم أشوف النسخة الزرقا الأصلية.
قفلت المكالمة بعد ما اتفقنا نقابله تاني يوم.
سايمون فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال
لو كينيث كان عارف إننا اتفصلنا عن أهلنا ظلم، ليه ما قالناش؟
ماكانش عندي إجابة.
بياتريس قربت من الصندوق الخشب، وطلعت منه صورة قديمة ماكنتش واخد بالي منها.
كانت صورة لكينيث وفيكتور واقفين قدام مبنى حكومي، وبينهم رجل تالت وشه مش واضح بسبب تلف في الصورة.
على ظهرها جملة بخط كينيث
الشخص الثالث هو المفتاح. لو اختفى اسمه من السجلات، يبقى إحنا بندور في المكان الغلط.
قلبت الصورة ناحية الضوء، وحاولت أركز في وش الراجل.
سايمون شهق فجأة.
استنى… أنا شوفت الراجل ده قبل كده!
بصيت له.
فين؟
قال وهو بيشاور على الصورة
في بيت جدتي روز. فيه صورة قديمة معلقة في الصالة، وهو واقف جنب جدي. أنا كنت فاكره قريب بعيد من العيلة، لكن عمري ما سألت عنه.
بياتريس بصت للصورة، ولون وشها اتغير.
سألتها
إنتِ تعرفيه؟
ما ردتش.
مسكت الصورة بإيد مرتعشة، وقلبتها تاني، وبعدين همست
مستحيل… أنا كنت فاكرة إنه ماټ من زمان.
سايمون قرب منها
مين ده؟
بياتريس رفعت عينيها لينا، وقالت اسمًا ماكناش متوقعين نسمعه أبدًا.
ده أخو روز… الراجل اللي اختفى قبل ما تتولدوا، واللي رجع للبلد بعد عشرين سنة من غير ما حد يعرف إنه رجع.
وفي اللحظة نفسها، خبط حد على باب المخزن ثلاث خبطات قوية.
صوت راجل من بره قال
افتحوا يا بياتريس. أنا عارف إنكم لقيتوا الصورة.
بياتريس سابت الصورة تقع من إيدها.
ولأول مرة من يوم ما بدأت الحقيقة تظهر، شفت الخۏف الحقيقي في عينيها.
لأنها همست بصوت بالكاد سمعناه
ده هو… الشخص اللي كان موجود يوم اتاخدتم من أمكم.
بياتريس فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك، وعينيها معلقة بالباب.
سايمون قرب منها وقال بصوت مليان ڠضب
إنتِ عارفة الراجل ده من زمان، صح؟ وعارفة إنه كان موجود يوم اتاخدنا من أمنا! أمال ليه ماقولتيش؟
بياتريس حطت إيديها على وشها، وردت بصوت مبحوح
لأني كنت فاكرة إنه ماټ… ولأني كنت خاېفة لو ظهر تاني، كل حاجة عملتها هتتكشف.
خبط الراجل على الباب مرة تانية.
بياتريس! أنا مش جاي أهددك. أنا جاي أوقفكم قبل ما ترتكبوا نفس الغلطة اللي ارتكبتها العيلة دي من عشرين سنة.
بصيت لسايمون، وبعدها فتحت الباب بحذر.
كان واقف قدامنا راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد، وفي إيده عصاية خشب. كان لابس معطف غامق رغم إن الجو بره كان دافي.
أول ما شاف الصورة اللي على الأرض، انحنى والتقطها.
فضل يبص لها شوية، وبعدها قال
كنت عارف إن كينيث هيخبي الصورة دي لحد ما حد منكم يوصل للحقيقة.
سايمون سأله فورًا
إنت مين؟
الراجل رفع عينيه وقال
اسمي يوسف عبد الرحمن. أنا أخو جدتكم روز، وخال أمكم مريم.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
يعني الراجل اللي قدامنا مش مجرد قريب بعيد، ده شخص من عيلة أمنا، وشاهد على اللي حصل لنا وإحنا أطفال.
قلت له
إنت كنت موجود يوم اتفصلنا عن أمنا؟
يوسف أومأ ببطء.
أيوه. وكنت واحد من الناس اللي كان المفروض يمنعوا اللي حصل، لكني سكت.
سايمون اتقدم خطوة، وصوته بدأ يعلى
سكت ليه؟! إحنا عشنا عشرين سنة فاكرين إن أمنا سابتنا! كنا بننام وإحنا خايفين إننا نكون مش مرغوب فينا، وإنت كنت عارف الحقيقة؟
يوسف ماحاولش يدافع عن نفسه.
قال بهدوء موجع
أنا ماكنتش أعرف كل الحقيقة وقتها. كنت أعرف إن فيه خلاف كبير بين مريم وفيكتور، وإن فيه مستندات اتجهزت بسرعة غريبة. لكني صدقت كلام الناس اللي قالوا إن ده لمصلحتكم.
وإمتى عرفت إنهم كذبوا؟ سألته.
بص لبياتريس، وبعدها رجع يبص لنا.
بعد ما اختفيت من البلد بفترة قصيرة. وصلني خطاب من كينيث، قال فيه إنه اكتشف اختلافًا بين الاتفاق الأصلي والمستند اللي اتنفذ على أساسه. طلب مني أرجع وأشهد باللي شفته.
سايمون سأله
ورجعت؟
يوسف هز راسه بالنفي.
لأ. خفت.
الكلمة دي خلت سايمون يضحك ضحكة قصيرة من شدة القهر.
كلكم خفتوا! كل واحد فيكم خاف على نفسه، وإحنا اللي دفعنا الثمن!
يوسف نزل عينيه.
معاك حق.
دخل يوسف المخزن، وقعد على الكرسي الخشب اللي جنب الخزانة.
طلب يشوف الدفتر الأسود، ولما فتحناه على الصفحة اللي فيها أسماء الأشخاص، مرر صباعه على اسم فيكتور هاريس.
قال
فيكتور كان مسؤول عن مراجعة بعض إجراءات الرعاية وقتها، لكن القرار النهائي ماكانش من حقه لوحده. كان فيه اجتماع اتعمل قبل نقل الولدين، واتسجل فيه اتفاق مؤقت.
سألته
مين كان حاضر الاجتماع؟
رد
أنا، وروز، وفيكتور، وكينيث، ومريم. وكان فيه موظف تاني مسؤول عن تسجيل المحضر.
سايمون ركز معاه.
طيب مين اللي طلب إننا مانرجعش لأمنا؟
يوسف فتح بقه عشان يرد، لكنه سكت لما بياتريس قامت فجأة.
ما تسمعوش كلامه كله! يوسف مش بريء زي ما بيحاول يبان.
يوسف رفع وشه لها.
أنا ماقلتش إني بريء.
بياتريس أشارت للصورة اللي في إيده.
الصورة دي اتاخدت بعد الاجتماع بأسابيع، مش يومها. ويوسف مش بس كان عارف إن المستندات اتغيرت… ده كان معاه نسخة من المحضر الأصلي.
سايمون اتجمد.
نسخة المحضر الأصلي معاك؟
يوسف ما ردش.
مديت إيدي وخبطت على الترابيزة.
إحنا مش هنخرج من هنا قبل ما نعرف كل حاجة!
يوسف تنهد، وبعدها فتح جيب معطفه وطلع منه ظرف صغير قديم، أطرافه مصفرة من الزمن.
أنا احتفظت بالنسخة دي طول السنين اللي فاتت. كنت كل مرة أقول هسلمها للجهات المختصة، وبعدين أرجع أخاف من العواقب. لكن لما عرفت إنكم بدأتوا تدوروا، قررت إن الوقت جه.
فتح الظرف، وطلع ورقة عليها أختام وتوقيعات متعددة.
في أول الورقة كان مكتوب بوضوح
محضر اتفاق مؤقت بشأن رعاية الطفلين ميسون وسايمون عبد الرحمن.
قرأت أول سطرين، وبعدها انتقلت بعيني للتوقيعات.
كان توقيع أمي.
وتوقيع كينيث.
وتوقيع روز.
لكن في آخر الصفحة، تحت خانة الشهود، كان فيه اسم متشطب عليه بحبر أسود، لدرجة إن الورق نفسه كان متآكل من كتر المحاولات لإخفاء الاسم.
قلت
مين الاسم ده؟
يوسف قرب الورقة من عينيه وقال
ده اسم الشخص اللي كان مسؤولًا عن كتابة المحضر.
سايمون سأله
وإنت عارف مين هو؟
يوسف أومأ.
أيوه. وأنا متأكد إنه لسه عايش.
بياتريس بدأت تتحرك ناحية الباب.
سايمون وقف قدامها.
رايحة فين؟ لسه مخلصناش كلامنا.
قالت بعصبية
أنا مش قادرة أستحمل أكتر من كده.
رد عليها
إحنا استحملنا عشرين سنة! اقعدي.
رجعت مكانها، لكن عينيها كانت بتتحرك بين الورقة ويوسف، وكأنها مستنية لحظة معينة تحصل.
وفجأة، يوسف لاحظ حاجة في أسفل المحضر.
قرب الورقة من الضوء، ومسح التراب عنها، وبعدها قال
استنوا… فيه ملاحظة مكتوبة على ظهر الصفحة.
قلب الورقة.
كانت فيه جملة صغيرة مكتوبة بقلم رصاص، بالكاد باينة
في حالة اعتراض الأم، يتم الرجوع إلى التسجيل الصوتي للاجتماع المحفوظ في الأرشيف القديم.
سايمون قرب بسرعة.
تسجيل صوتي؟ يعني فيه تسجيل يثبت مين قال إيه؟
يوسف أومأ.
لو التسجيل لسه موجود، هنقدر نعرف مين اللي طلب تغيير الاتفاق، ومين اللي وافق، ومين اللي حاول يعترض.
سألته
والأرشيف القديم فين؟
يوسف بص لبياتريس، وبعدها قال
في المبنى اللي كان فيه مكتب فيكتور هاريس. المبنى اتقفل من سنين، لكن الأرشيف ما اتنقلش كله.
حسيت إننا أخيرًا قربنا من الحقيقة.
لكن قبل ما نقدر نتحرك، بياتريس قالت جملة خلتنا كلنا نلف ناحيتها
التسجيل ده مش لازم يتسمع.
سايمون قرب منها ببطء.
ليه؟
بياتريس بدأت ټعيط، لكن المرة دي ماكانش بكاء ندم بس؛ كان فيه خوف واضح.
لأنكم لو سمعتوه، هتعرفوا إن الشخص اللي وافق على إبعادكم عن أمكم ماكانش فيكتور، ولا أنا، ولا حتى كينيث.
يوسف قام من مكانه بعصبية.
بياتريس، كفاية! إنتِ عارفة إن القرار ماكانش بالشكل اللي بتحاولي تصوريه بيه.
لكنها كملت وهي بتبص لنا
الشخص اللي بدأ كل ده كان حد من دمكم. حد كان بيقول إنه بيحبكم، وكان مستعد يعمل أي حاجة عشان يحمي العيلة من ڤضيحة كبيرة.
سايمون همس
مين؟
بياتريس فتحت بوقها، لكن في اللحظة دي تليفون يوسف رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
رد بسرعة
أيوه… إيه؟ إنت متأكد؟
فضل ساكت وهو بيسمع، وبعدها قال
ماحدش ېلمس أي حاجة. إحنا جايين حالًا.
قفل التليفون، ولم الورقة وحطها في الظرف.
سألته بقلق
فيه إيه؟
بص لنا وقال
الأرشيف القديم حصل فيه حريق من شوية. جزء كبير من المستندات اتحرق، لكن رجال الإطفاء لقوا جهاز تسجيل قد