انا واخويا حكايات زيزي
طفولتنا إننا نعمل.
كنت شايل الورد ومستعد أنادي عليها وأفاجئها بزيارتي.
ماكنتش أتخيّل أبدًا إن الستين ثانية اللي جاية دول هيقلبوا كل حاجة كنت مصدقها عن ماضيّا رأسًا على عقب.
فجأة، سمعت صوت كلام جاي من المطبخ.
كان صوت بياتريس، ومعاها صوت تاني عرفته من أول لحظة.
كانت جدتي روز، أم بياتريس نفسها!
وفجأة، سمعت بياتريس بتضحك وهي بتقول
لحد دلوقتي، هما الاتنين ما اكتشفوش أي حاجة يا ماما! عدّى عشرين سنة كاملة، ولسه مصدقين كل كڈبة حكتهالهم!
وقفت مكاني، والورد لسه في إيدي، وحسّيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
كڈبة إيه اللي بياتريس كانت مخبياها عني أنا وأخويا طول عشرين سنة؟ وإيه السر اللي لو عرفناه، ممكن يغيّر كل حاجة عن عيلتنا وماضينا؟
حكايات_زيزي
ضحكة بياتريس فضلت ترن في ودني، وكل كلمة قالتها كانت بتخبط في قلبي كأن حد بيضربني بمطرقة.
عدّى عشرين سنة كاملة، ولسه مصدقين كل كڈبة حكتهالهم!
بصيت للباقة اللي في إيدي، وفجأة حسّيت إني بقيت أكره الورد ده. كنت جاي أفرّح ست طول عمري بحاول أكسب رضاها، وطلعت واقف ورا باب مطبخها بسمع اعتراف ممكن يهدّ حياتي كلها.
صوت جدتي روز جه هادي، لكن كلامها خلاني أتنفس بالعافية.
بس يا بياتريس، إنتِ متأكدة إن ميسون وسايمون عمرهم ما هيعرفوا الحقيقة؟ الولاد كبروا، وكل واحد فيهم بقى له حياته. مش خاېفة في يوم حد يفتح الموضوع من جديد؟
بياتريس ضحكت ضحكة قصيرة، وقالت بثقة غريبة
أخاف من إيه؟ أنا عارفة هما كانوا مين، وعارفة إزاي أخليهم يصدقوا أي حاجة أقولها. وبعدين، لو عرفوا الحقيقة، مش هيسامحوني أبدًا!
حسّيت برجلي بتترعش.
هما كانوا مين؟
إحنا مش ولادها بالتبنّي؟ مش دي الحكاية اللي عشنا بيها عشرين سنة؟ أمال إيه الحقيقة اللي ممكن تخلّيها تخاف من مسامحتنا ليها؟
جدتي اتنهدت وقالت
أنا من يوم ما كينيث ماټ وأنا مش مرتاحة. الراجل ده أخد السر معاه، وكان المفروض إننا ننهي الحكاية دي من زمان.
أول ما سمعت اسم كينيث، قلبي دق پعنف.
كينيث!
الراجل الوحيد اللي حسّسني في طفولتي إني محبوب، واللي كان دايمًا يقولي إني أنا وسايمون أهم حاجة في حياته.
إيه علاقة مۏته بالسر ده؟
بياتريس ردت بصوت واطي
كينيث كان عاطفي زيادة عن اللزوم. كان عايز يعترف لهم من أول يوم، وأنا اللي أقنعته إن ده مش في مصلحتهم. ولو كان سمع كلامي من البداية، ماكنّاش وصلنا لكل ده.
جدتي ردت بسرعة
بس إنتِ وعدتيه إنك هتقولي لهم لما يكبروا! وإنتِ مش بس ماقولتيش، إنتِ فضلتِ تكرري عليهم حكاية أمهم اللي سابتهم ومشيت، مع إنك عارفة إن الموضوع ماكانش بالشكل ده!
إيدي ارتخت، وباقة الورد وقعت على الأرض.
صوت خفيف جدًا، لكنه كان كفاية يخلي الكلام يسكت فجأة.
سمعت صوت كرسي بيتزق، وبعده خطوات سريعة ناحية باب المطبخ.
اتراجعت بسرعة، ووقفت جنب الحيطة، وأنا بحاول أسيطر على نفسي.
الباب اتفتح، وظهرت بياتريس.
كانت لابسة فستانها الأزرق، وشعرها الأبيض متسرّح بعناية، وفي إيديها فوطة المطبخ. أول ما شافتني، وشها اتغيّر للحظة، وبعدها رجعت رسمت ابتسامتها المعتادة.
ميسون؟! إنت بتعمل إيه هنا؟ ماكنتش أعرف إنك جاي النهارده!
بصيت لها، وبعدها بصيت للورد اللي واقع عند رجلي.
قلت بصوت حاولت أخليه طبيعي
كنت جاي أعيّد عليكي يا بياتريس.
بصت للورد، ثم رجعت بصت لي.
آه، طبعًا… كنت ناسية إن النهارده عيد ميلادي.
لكنها ماقربتش مني، ولا حتى انحنت تلم الورد.
من وراها، ظهرت جدتي روز. كانت قاعدة على كرسي المطبخ، وأول ما عينيها جت في عيني، لون وشها اتغيّر.
هي عرفت إني سمعت.
والمشكلة إن بياتريس كمان بدأت تشك.
قربت مني وسألتني
إنت
لسه واصل؟ ولا بقالك شوية هنا؟
السؤال كان بسيط، لكن عينيها كانت بتفتش في وشي عن أي علامة تكشف إني سمعت كلامهم.
بلعت ريقي وقلت
لسه داخل حالًا.
ابتسمت، لكن ابتسامتها المرة دي ماوصلتش لعينيها.
كويس. تعالى اقعد معانا، وأنا هعمل لك قهوة.
دخلت المطبخ وراها، وكل خطوة كنت باخدها كانت أصعب من اللي قبلها. قعدت على الكرسي اللي جنب جدتي، وحطيت إيدي على رجلي عشان أخفي رعشتها.
بياتريس حطت فنجان القهوة قدامي، وبعدين قعدت قصادي مباشرة.
قولي يا ميسون، أخبار سايمون إيه؟ لسه مشغول في شغله ومش بيسأل عني؟
كنت عايز أقول لها إن أخويا عمره ما نسيها، لكنه اتعلم يبعد عشان يحمي نفسه من ۏجعها.
لكن بدل ما أرد، سألتها سؤال واحد
بياتريس، إنتِ فاكرة أول يوم أنا وسايمون جينا فيه بيتكم؟
إيديها وقفت فوق طبق السكر.
طبعًا فاكرة. كنتوا صغيرين أوي.
وإنتِ فاكرة إحنا جينا منين؟
بصت لي بحدة.
من دار الأيتام، زي ما حكيت لك مية مرة.
هزيت راسي ببطء وقلت
غريبة… عشان أنا لسه سامعك بتقولي إن حكاية أمنا اللي سابتنا ومشيت ماكانتش حقيقية.
الفنجان خبط في الطبق بصوت عالي.
جدتي غمضت عينيها، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
أما بياتريس، ففضلت باصة لي من غير ما تنطق، وبعد ثواني قالت بصوت بارد
إنت سمعت كلام ما تفهمش معناه يا ميسون.
قربت بوشي منها وسألتها
أمال معناه إيه؟ كينيث كان عارف إيه؟ وإيه السر اللي أخدُه معاه القپر؟
لأول مرة في حياتي، شفت الخۏف الحقيقي في عينيها.
لكن بدل ما تجاوب، قامت فجأة، وراحت ناحية دولاب خشبي قديم في آخر المطبخ. فتحت الدرج السفلي، وطلعت منه علبة معدنية صغيرة، كانت مقفولة بقفل صدئ.
حطتها على الترابيزة، وفضلت إيدها فوق الغطا.
قالت وهي باصة لي
كنت أتمنى إنك ما تعرفش أبدًا إن العلبة دي موجودة.
سألتها
إيه اللي جواها؟
ردت جدتي روز قبل ما بياتريس تتكلم
كل حاجة كينيث سابها لكم قبل ما ېموت.
قلبي اتقبض.
بياتريس بصت لجدتي پغضب، لكن جدتي المرة دي ما سكتتش.
مدّت إيدها المرتعشة ناحية العلبة وقالت
افتحها يا ميسون. من حقك تعرف الحقيقة، حتى لو بياتريس فضلت عشرين سنة بتحاول تدفنها.
فتحت العلبة ببطء.
كان جواها صورة قديمة لطفلين صغيرين، وورقة مطوية، ومفتاح صغير مربوط بخيط أحمر.
مسكت الصورة الأول.
كانت لطفلين عندهم حوالي تلات سنين، واقفين قدام بيت قديم. واحد فيهم كان شبه سايمون بشكل واضح، والتاني كان شبهي لدرجة إني حسّيت إني ببص في مراية من عشرين سنة.
لكن اللي جمّد الډم في عروقي ماكانش شكلنا.
كان الراجل والست اللي واقفين ورا الطفلين.
الراجل كان كينيث.
أما الست…
فكانت بياتريس.
وعلى ظهر الصورة، كان فيه تاريخ مكتوب بخط إيد كينيث، وتحته جملة قصيرة
اليوم اللي رجع فيه الولدين لأهلهم الحقيقيين… واليوم اللي بدأ فيه الكذب.
فضلت باصص للجملة، مش قادر أستوعب معناها.
رفعت عيني لبياتريس وقلت
رجعنا لأهلنا الحقيقيين؟ يعني إيه؟ إحنا كنا نعرف أهلنا قبل ما نيجي عندكم؟
بياتريس مدت إيدها ټخطف الصورة، لكن جدتي مسكت دراعها ومنعتها.
صړخت بياتريس
سيبيني يا أمي! إنتِ مالكيش دعوة!
جدتي ردت لأول مرة بصوت قوي
لأ، المرة دي ليا دعوة. أنا سكتّ كتير، ومش هسمح لك تضيّعي عمر الولدين في كڈبة أكبر من اللي فاتت.
وبعدين بصت لي وقالت
يا ميسون، الورقة اللي في العلبة دي مش مجرد جواب. دي نسخة من مستند رسمي كينيث احتفظ بيه، ولو قريته للآخر، هتفهم ليه هو أصرّ طول عمره إنه يحميك إنت وسايمون، حتى من الست اللي كانت بتقول إنها أمكم بالتبنّي.
فتحت الورقة، لكن قبل ما أقدر أقرأ أول سطر، بياتريس ضړبت الترابيزة
بكفها وقالت
لو قريت الورقة دي، مش هتقدر ترجع تعيش زي الأول!
بصيت لها وقلتلها
أنا من اللحظة اللي سمعتك فيها بتضحكي على عشرين سنة من عمري، ما