حبيت واحد مجوز ج٣

أنفاس شريف الهادية على الناحية التانية من الخط كانت بتخترق ودني زي تكتكة قنبلة موقوتة، مكنش فيه عصبية ولا زعيق، بالعكس، البرود اللي في صوته كان يجمّد مية نار.

سكت ثانية، تنهد تنهيدة طويلة وقال بلهجة خالية من أي مشاعر: “أنا مكنتش ناوي أكلمك تاني، ولا أعرف عنك حاجة.. بس لما عرفت باللي حصل للطفل، حسيت إنها رسالة من ربنا ولازم توهبلك فوق فووقك. شوفتي يا شيماء؟ شوفتي الديرة دارت إزاي وبسرعة؟ الوجع اللي عيشتيني فيه وأنا شايف ابني سيف حتة حديد مكسورة ومشلول مش قادر يتحرك، ربنا ردهملك في ابنك ومن لحمك.. العدالة الإلهية مابتتأخرش، وكل ساقٍ سيعزل بما سقى”.

دموعي نزلت مغرقة الإزاز اللي بيفصلني عن ابني في الحضانة، صرخت بصوت مبحوح والناس في الممر بتبص عليا: “حرام عليك يا شريف! ده ابنك أنت كمان! لحمك ودمك! ذنبه إيه الطفل ده يدفع تمن غلطتي وغلطتك؟ أنت كمان شاركتني في دمار بيتك الأولاني، ليه بتشيلني الشيلة لوحدي؟!”.

رد عليا بضحكة جافة ومريرة: “ابني؟ أنا قولتلك ماليش ولاد غير سيف.. الطفل ده نتاج غش وتدليس وخطة شيطانية، أنا مش معترف بيه ولا عمري هشوفه، وعشان تريحي نفسك.. أنا برة مصر خلاص، وأوراق الطلاق والبراعة من كل حقوقك هتوصلك مع المحامي بتاعي الأسبوع ده. عيشي بقى يا شيماء.. عيشي دوقي المر اللي دوقتيه لغيرك، واشربيها لوحدك”. قفل السكة في وشي.

الخط قطع، والمرة دي حسيت إن حبل المشنقة هو اللي اتلف حوالين رقبتي. وقعت على أرض المستشفى، سانة ضهري على الحيطة، ببص لـ أمي اللي جت تجري عليا وهي بتعيط وتلطم على وشها من منظر الانهيار اللي أنا فيه.

خرجنا من المستشفى بعد أسبوعين.. رجعت الشقة القديمة، بس المرة دي مكنتش لوحدي، كان معايا “شريف الصغير”.. طفل بريء مكتوب عليه يعيش عاجز، مبيتحركش، صراخه بالليل مبيقفش من الوجع. الشقة اللي كنت بهرب منها زمان عشان أشوف شريف الكبير وهو نازل ببدلته الكحلي، بقت هي السجنبتاعي.

كل قرش كان معايا صرفته على الدكاترة والمستشفيات، ومبقاش معانا أنا وأمي حرفياً تمن علبة اللبن الصناعي بتاع الواد. المحامي بتاع شريف جالي لحد البيت، ورمالي ورقة الطلاق الرسمي، وقالي ببرود: “الكابتن شريف تنازل عن الشقة دي لأم والدته، ومفيش ليكي أي نفقة ولا مليم واحد بناءً على حكم المحكمة بسقوط حقوقك للتدليس.. وقدامكم شهر واحد وتخلوا الشقة دي لأنها هتباع!”.

الدنيا اسودت أكتر وأكتر، مبقتش عارفة أأكل ابني منين ولا هروح فين أنا وأمي والطفل المشلول ده بعد شهر؟ الغل اللي كان جوايا اتمحى وبقى مكانه رعب وندم بياكل في ضلوعي.. كنت بقعد بالليل، والضلمة محاوطاني، أسمع أنين ابني وأفتكر طليقة شريف وهي بتبكي وتموت في جلدها وتدور وراه وهي مش فاهمة إن السك*ينة جايلها مني.. كنت بقول لنفسي: “أنا بستاهل.. بس ابني ذنبه إيه؟”.

وفي يوم، وأنا قاعدة على الكنبة والواد على حجري عمال يتلوى من الألم، الباب خبط.. قمت بجر رجلي، فتحت الباب وأنا متوقعة إنه المحضر جاي يطردنا.. بس الصدمة إن اللي واقفة قدام الباب كانت شخصية عمري ما تخيلت إنها هتعبرني أو تسأل فيا، ولما شفتها، اتسمرت في مكاني ونطق لساني باسمها بذهول.. واللي قالتهولي غير كل توقعاتي ودخل حياتي في مرحلة مرعبة تانية خالص!

الشخصية اللي كانت واقفة قدام الباب ومبتسمة ابتسامة غامضة، مكنتش طليقة شريف، ولا كانت أمي، ولا أي حد من الجيران اللي قاطعونا.. دي كانت “نجوى”!

نجوى دي كانت الصديقة المقربة جداً لطليقة شريف، والوحيدة اللي كانت دايماً بتبصلي بنظرات شك من أول يوم دخلت فيه بيتهم زمان، وكانت بتحذر طليقته مني وتقولها: “البنت دي مش مريحة وعينها من جوزك”. أنا وقتها عملت عليها خطة ووقعت بينها وبين طليقة شريف لحد ما قطعت معاها خالص عشان أفضى لشريف.. ودلوقتي، نجوى واقفة على بابي!

اتراجعت لورا بخوف وذهول، وقولت بصوت مرتعش: “نجوى؟! أنتي إيه اللي جابك هنا؟ جاية تشمتي فيا زي الباقيين؟ جاية تقوليلي تستاهلي؟”.

نجوى دخلت الشقة بكل برود من غير ما آذن لها، لفت نظراتها في الصالة المكركبة والقديمة، وبصت للطفل اللي في حضني وهو عمال يصرخ ويتلوى، ملامح وشها اتقلبت من البرود للجدية الشديدة، وقالت بصوت واطي ومسموع: “أنا مش جاية أشمت يا شيماء.. الشماتة في المرض والعيال قلة أصل، وأنا مش قايلة الكلمة دي عشان سواد عيونك.. أنا جاية أقولك إنك مغفلة! وأكاد أقسم إنك لحد اللحظة دي مش فاهمة اللعبة اللي اتلعبت عليكي من تلت سنين لحد النهاردة!”.

سندت ابني على الكنبة وقمت وقفت قدامها وأنا مش فاهمة حاجة، وبطني ببتعصر من القلق: “لعبة إيه؟ بقولك شريف طلقني ورجع لطليقته وسافروا الخليج، وابني اتولد عاجز زي ابنه سيف، ربنا عاقبني.. لعبة إيه اللي بتتكلمي عنها؟!”.

نجوى ضحكت ضحكة صفرا وقعدت على الكرسي وقالت: “ربنا بيعاقب طبعاً والظلم دينه وحش، بس البني آدمين ساعات بيلبسوا ثوب الملائكة وهما شياطين.. أنتي فاكرة إن طليقة شريف كانت غلبانة ومستسلمة؟ تفتكري واحدة جوزها يتغير عليها فجأة ويطلقها عشان جارتها، هتسكت وتنسحب بالبساطة دي وتروح تقعد عند أهلها تلت سنين؟!”.

برقت عيني وقولت لها: “قصدك إيه؟ ما هي رجعت ومعاها سيف والتقارير الطبية والفلاشة!”.

نجوى قربت مني وقالت بفحيح مرعب: “طليقة شريف عرفت بعلاقتك بجوزها من أول شهر.. من قبل ما تطلبي منه الطلاق بكتير! هي اللي سابتلك الملعب فاضي بمزاجها.. التسجيلات والفلاشة اللي واجهتكم بيها؟ دي مكنتش كاميرات البيت القديم بس، دي كاميرات هي اللي زرعتها في غرفتك وشقتك هنا بالاتفاق مع بواب العمارة القديم اللي كانت بتديله فلوس! هي كانت سيباكم تعيشوا أحلى تلت سنين عشان السقطة تبقى قوية والكسرة تهدكم هد.. الحادثة بتاعة سيف حقيقية، بس هي استغلتها في الوقت المناسب عشان تقلب شريف عليكي كلياً وتخليه يشوفك حية!”.

حسيت بنفَسي بيتقطع، وقولت: “طب وشريف؟ شريف كان بيموت فيا.. سافر معاها ورجع لها ليه؟!”.

نجوى قامت وقفت وقالت بثقة: “شريف مسافرش الخليج عشان يرجع لها يا ذكية.. شريف هربان! شريف عليه قضايا واختلاسات وتزوير في تقارير الطيران الطبية عشان يخبي مرضه، وطليقته كانت ماسكة عليه الأدلة دي ومهدداه بيها.. يا إما يطلقك ويرميليك ورقة الطلاق ويحرمك من كل مليم، ويوافق على شروطها، يا إما تسجنه وتضيع مستقبله! هو اختار نفسه، واختار يهرب برة البلد بفلوسه وسابك أنتي هنا تواجهي الفقر والمحاكم والطفل ده لوحدك!”.

وقع كلام نجوى عليا زي الصخر.. شريف مكنش ملاك ضحية لخطيئتي؟ شريف كان حاسبها بالورقة والقلم وباعني عشان يحمي نفسه؟ وطليقته مكانتش المسكينة اللي دمرتها، دي كانت بتخطط لدماري تلت سنين في السر؟!

بصيت لنجوى وأنا ببكي بهستيرية: “وأنتي.. أنتي جاية تقوليلي كل ده ليه دلوقتي؟ مصلحتك إيه تفتحي عيني على الجحيم ده؟!”.

نجوى قربت مني، طلعت من شنطتها ورقة مطوية، وحطتها في إيدي، وقالت بنظرة شريرة وعينين بتلمع بجشع عمري ما شفته فيها: “جاية عشان طليقة شريف بعد ما أخدت كل حاجة وسافرت، غدرت بيا أنا كمان ومادتنيش حقي من الفلوس اللي طلعت بيها من شريف.. وأنا معايا الدليل اللي يخليكي تخربي عليها حياتها هناك في الخليج، وتقدري ترفعي قض*ية دولية على شريف تاخدي بيها نص ثروته وتأمني بيها علاج ابنك.. بس بشرط واحد، النص بالنص في كل مليم هيطلع.. ها؟ قولي موافقة عشان أقولك إيه اللي مكتوب في الورقة دي، واللي هيقلب السحر على الساحر!”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *