انتي طالق يا فاتن

. إنتِ طالق يا فاتن. من قبل ما نركب الطيارة وانا واخد قرار الطلاق اول لما نوصل هنا.
الشنطة وقعت من إيدها على الأرض، والطرحة اتحركت من الهوا. بلد غريبة، لغة مش فاهماها، والراجل اللي اتكتب اسمها على اسمه… لسه سايبها وماشي.
دياب خلص إجراءاته بسرعة لأنه معاه ورق المنحة. استلم شنطته من على السير ووقف على جنب مستني. فاتن اتأخرت في طابور الجوازات. الضابط بيسألها بالإنجليزي وهي مش فاهمة، ووشها أصفر من الخوف. بعد محاولات، ختم لها ودخلت.
لقت دياب واقف بعيد، مديها ضهره وبيبص في موبايله. جريت عليه وهي بتجر الشنطة الصغيرة، نفسها مقطوع. أول ما وصلت جنبه، هو اتحرك ومشي بخطوة سريعة ناحية الباب، من غير كلمة.
فاتن لحقته بره الصالة، في الحتة اللي الناس بتستنى فيها التاكسي. الهوا البارد ضرب في وشها. شدته من طرف جاكيتته وقالت وهي بتنهج ودموعها على طرف عينها
دياب… استنى. أنا مش فاهمة حاجة هنا، هنروح فين؟
دياب وقف. ما زعقش. بص حواليه الأول، اتأكد إن مفيش حد مركز معاهم. بعدين قرب منها خطوة، وصوته طلع واطي بس مسموم، زي لدغة العقرب
هنروح فين؟ أنا رايح على سكن الجامعة. وإنتِ… إنتِ مشكلتي اللي لازم أخلص منها.
فاتن اترعشت
أنا… أنا مراتك. جدك قال أراعيك و…
دياب ضحك ضحكة قصيرة، مكسورة، مفيهاش أي فرح
جدك؟ جدك رماكي عليا . فاكراني هعترف بجوازنا وأقولهم دي مراتي؟ هقولهم إيه؟ دياب الهلالي الدكتور اتجوز واحدة مكملتش تعليمها وجاهلة؟ هبقى مسخرة يا فاتن. إنتِ هتضيعي مستقبلي اللي شقيت عليه عمري كله.
صوته كان بيترعش، مش من الغضب، من الرعب. رعب من جده، رعب من المستقبل، رعب من نفسه. فاتن حاولت تمسك إيده
دياب بالله عليك… أنا خايفة. مليش حد هنا.
دياب نطر إيدها، بس مش بعنف. نطرها كأنه بيتخلص من حاجة مقرفة. بص في عينها لأول مرة من ساعة ما ركبوا الطيارة وقال الكلمة اللي كان شايلها في قلبه من يوم كتب الكتاب
إنتِ طالق يا فاتن.
من قبل ما نركب الطيارة وإنتِ طالق في سري.
أنا ما كنتش موافق، وربنا شاهد.
الورقة هتوصلك لما أرتب أموري هنا… بس من اللحظة دي، كل واحد في طريق. أنا مش هضيع مستقبلي عشان كلمة جدي، وهو لو عايز يقتلني لما أرجع… يبقى يحصل.
سابها واقفة ومشي ناحية طابور التاكسي الأصفر. ما بصش وراه. ركب أول تاكسي، وقال للسواق وهو بيبلع ريقه بصعوبة
Columbia University please.
فاتن فضلت واقفة في البرد. الشنطة وقعت من إيدها على الأرض، والطرحة اتحركت من الهوا. بلد غريبة، لغة مش فاهماها، والراجل اللي اتكتب اسمها على اسمه… لسه سايبها وماشي.
دمعة واحدة نزلت على خدها، مسحتها بسرعة وهي بتتلفت حواليها. مش عارفة تروح فين، ولا تكلم مين. بس في جيب العباية، كانت صوابعها بتضغط على ورقة صغيرة… رقم المحامي اللي جدها ادهولها في المطار وقالت لها لو ضاقت بيكي الدنيا، كلميه.
التاكسي اختفى في زحمة نيويورك، وهي لسه واقفة… مش عارفة إن الكسر ده، كان أول خطوة في إنها تجبر نفسها بنفسها.
وهي واقفة مكانها. الشنطة القماش مرمية جنبها، والطرحة اتزحلقت على كتفها. مكنتش بتعيط بصوت… كانت شهقات مكتومة بتقطع صدرها، وشفايفها بتترعش بكلام مش واصل يا رب… أروح فين دلوقتي؟
الناس رايحة جاية، أحضان وضحك وشنط بعجل، وهي الوحيدة اللي واقفة في النص كأنها تمثال من ملح. اللي يبص عليها يبعد عينه بسرعة. البرد دخل في عضمها، بس البرد اللي سابه كلام دياب في قلبها كان أصعب.
في نفس اللحظة، من بوابة الخروج كانت جاية بنت لابسة بالطو بيج تقيل، شعرها أصفر وملموم، ونضارة شمس كبيرة. دي ساندي الصياد ، كانت راكبة نفس الطيارة،

درجة أولى. لمحت من بعيد بنت واقفة لوحدها، هدومها مش بتاعة سفر، وشنطتها قديمة، ووشها أصفر من الخوف.
ساندي قربت بخطوات مترددة. قلبها وجعها. نزلت النضارة وشافت وش فاتن كويس… عين حمرا وورمه من العياط، والنَفَس بيتاخد بالعافية. دي مش تايهة، دي مصدومة.
ساندي قربت أكتر وقالت بصوت واطي، نصه عربي ونصه إنجليزي
إنتِ كويسة؟… Are you okay؟ محتاجة مساعدة؟ في حد بتستنيه؟
فاتن رفعت وشها ببطء. أول ما شافت حد بيكلمها بحنية، الكسرة اللي كانت حبساها اتفجرت. مسكت طرف بالطو ساندي كأنها بتغرق، وقالت وسط شهقات
جوزي… هو… قالي مش عايزني. وسابني ومشي. قالي إنتِ طالق… أنا معرفش حد هنا، ولا عارفة أروح فين.
ساندي حطت إيدها على بقها من الصدمة.
دموعها نزلت غصب عنها. من غير تفكير حضنت فاتن وطبطبت على ضهرها
اهدي… اهدي يا حبيبتي، أنا معاكي، خلاص. مش هسيبك.
وفي اللحظة دي، صوت موتور تقيل وقف قدامهم. صف عربيات سودا فخمة. نزل منها اتنين بودي جاردز لابسين بدل سودا، فتحوا الباب اللي ورا باحترام.
نزل منه شاب طويل، لابس بدلة كحلي متفصلة، وشعره متسرح، وملامحه هادية بس فيها حسم. ده سليم الصياد، أخو ساندي الكبير. كان جاي بنفسه يستقبل أخته.
سليم قرب، وعينه لقطت المشهد كله في ثانية أخته حاضنة بنت منهارة، شنطة قماش على الأرض، والمنظر كله غلط. صوته طلع هادي بس فيه نبرة آمر متعود عليها
ساندي. إيه اللي بيحصل؟
ساندي بعدت عن فاتن شوية بس فضلت ماسكة إيدها اللي بتترعش
سليم، البنت دي كانت معانا على الطيارة. جوزها… سابها في المطار ومشي. طلقها. وهي ما تعرفش حد هنا ولا بتتكلم كلمة إنجليزي.
عين سليم نزلت على فاتن اللي كانت بتخفض وشها في الأرض من الذل. شاف الهدوم البسيطة، الإيد المتشققة، والرعشة اللي مش راضية تقف. شاف كسرة متكسرش غير اللي جربها…يتبع
صلوا على النبي في التعلقات
وتابعوا معايا القصه كامله ف اول تعليق
كان سليم ساكت كام ثانية. ملامحه ما اتحركتش، لكن عينيه ثبتت على فاتن كأنه بيقرا حكاية كاملة من غير ما تنطق.
فاتن حسّت بنظراته، فشدّت الطرحة على راسها بسرعة، ومسحت دموعها بطرف كم العباية.
قالت بصوت مكسور أنا آسفة… مش قصدي أعطلكم. أنا همشي.
لفّت تمسك شنطتها، لكن جسمها كان بيرتعش من البرد والخوف، وما قدرتش حتى ترفعها.
ساندي جريت مسكتها. تمشي فين؟ إنتِ حتى ما تعرفيش المدينة.
فاتن ابتسمت ابتسامة وجع. أي مكان… المهم ما أبقاش تقيلة على حد.
سليم اتكلم لأول مرة وهو باصص لها مباشرة اسمك؟
رفعت عينيها بتردد. فاتن.
معاكي جواز سفرك؟
هزت راسها بسرعة، وطلعته من شنطة صغيرة كانت ماسكة فيها كل اللي تملكه.
فتح سليم الجواز، بص للاسم، ثم قفله بهدوء.
إقامة؟ عنوان؟ حد تعرفيه هنا؟
هزت رأسها بالنفي.
ولا حد.
سكت لحظة، ثم قال للبودي جارد هات بطانية من العربية.
بعد أقل من دقيقة، كان الراجل راجع ببطانية صوف سميكة.
سليم أخدها بنفسه ومدها لفاتن.
البسيها.
ترددت.
خديها.
لفتها حول كتفيها وهي هامسة شكراً.
ساندي بصت لأخوها وهي فاهمة إنه بيفكر.
قالت بسرعة مش هنسيبها هنا يا سليم.
رد بهدوء أكيد مش هنسيبها.
فاتن رفعت رأسها بسرعة.
لا… بالله عليكم. أنا مش عايزة مشاكل.
سليم قال بنبرة ثابتة المشكلة موجودة بالفعل. وإحنا مش سببها.
ثم التفت لأحد الحراس.
هاتلي العربية التانية.
بعد لحظات وقفت سيارة سوداء أخرى.
فتح الحارس الباب.
فاتن رجعت خطوة للخلف.
أنا… أنا ما ينفعش.
ساندي ابتسمت لها بحنان.
هو إيه اللي ما ينفعش؟ هنوصلك مكان آمن.
فاتن عضّت على شفايفها.
جدي قال لي… لو حصل أي حاجة أكلم المحامي.
وفجأة افتكرت الورقة.
حطت إيدها بسرعة في جيب العباية، وأخرجت الورقة الصغيرة اللي كانت قابضة عليها طول الوقت.
ناولتها لسليم.
قرأ الاسم.
تغيرت ملامحه لأول مرة.
همس لنفسه ريتشارد موريس؟
ساندي استغربت.
إنت تعرفه؟
رفع عينيه وقال مش مجرد أعرفه… ده واحد من أشهر محامي الهجرة في نيويورك.
فاتن بصت بينهم بعدم فهم.
سليم أخرج موبايله واتصل بالرقم المكتوب.
رن مرتين.
ثم جاء صوت رجل كبير في السن Richard Morris speaking.
رد سليم بالإنجليزية بسرعة، وشرح له الموقف.
ساد الصمت للحظات.
ثم سمعه يقول اسمها فاتن؟… بنت الحاج عبد الرحيم؟
سليم اتفاجأ.
أيوه.
جاءه الرد فورًا
خليها مكانها… أنا في الطريق للمطار.
قفل المكالمة.
ساندي سألت بفضول قال إيه؟
رد وهو ينظر إلى فاتن
قال إنه يعرف جدها معرفة شخصية… وإنه مسؤول عنها من اللحظة اللي نزلت فيها أمريكا.
فاتن شهقت.
يعرف جدي؟
هز رأسه.
واضح إن جدك كان عامل حساب اليوم ده.
دموع جديدة نزلت من عينيها، لكنها المرة دي ما كانتش دموع ضعف… كانت دموع إحساس إن ربنا ما سابهاش وحدها.
وفي الجهة الأخرى من المدينة…
كان دياب قاعد في تاكسيه، يحاول يقنع نفسه إنه عمل الصح.
لكن فجأة رن هاتفه.
ظهر على الشاشة اسم واحد خلا الدم يتجمد في عروقه…
الجد.
ابتلع ريقه، وإيده ارتعشت قبل ما يضغط على زر الرد…
أيوه… يا جدي.
لكن أول جملة سمعها، خلت وشه يفقد لونه بالكامل
فين مراتك يا دياب؟… لأن المحامي كلمني من مطار نيويورك دياب حس إن قلبه وقع في رجله.
فضل ساكت ثانيتين، وبعدين حاول يطلع صوته طبيعي.
يا… يا جدي، الموضوع مش زي ما حضرتك فاهم.
جاءه صوت الجد حادًا لأول مرة
أنا سألت سؤال واحد… فين مراتك؟
بلع ريقه.
إحنا… حصل بينا خلاف.
خلاف يخليك تسيبها لوحدها في بلد غريبة؟
دياب سكت.
الجد كمل بصوت مليان غضب مكتوم
أنا ربيت راجل… ولا ربيت واحد يهرب من مسؤوليته؟
أغلق الخط.
دياب فضل باصص للموبايل، وإيده بتترعش.
أما في المطار…
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقفت سيارة رمادي قدامهم.
نزل منها راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض، وماسك شنطة جلد.
أول ما شاف فاتن، ابتسم ابتسامة هادية.
وقال بالعربي
السلام عليكم يا بنت عبد الرحيم.
فاتن بصت له بذهول.
إنت… بتتكلم عربي؟
ضحك بخفة.
بقالي أكتر من تلاتين سنة شغال مع الجالية العربية هنا.
ثم مد لها إيده.
أنا ريتشارد موريس… والمحامي اللي جدك وصاكِ عليه.
فاتن دموعها نزلت من جديد.
قالت بصوت مرتعش
هو… كان متوقع إن ده يحصل؟
تنهد المحامي.
جدك ما قالش إن ده هيحصل… لكنه قالي جملة واحدة.
سكت لحظة ثم أكمل
قال لي حفيدتي قلبها أبيض، ولو الدنيا قفلت في وشها، افتح لها باب.
خفضت فاتن رأسها وهي تحاول تمنع نفسها من البكاء.
سليم كان واقف يراقب المشهد في صمت.
المحامي التفت إليه.
أنت الأستاذ سليم الصياد؟
هز رأسه.
ابتسم المحامي.
واضح إن ربنا بعتهالك قبل ما أوصل.
سليم رد باقتضاب
أي حد مكاننا كان هيعمل كده.
لكن المحامي ابتسم ابتسامة عارف إنها مش الحقيقة.
ثم قال لفاتن
تعالي معايا.
خرجوا جميعًا من المطار.
ركبت فاتن مع المحامي، بينما ركبت ساندي مع أخيها في السيارة التي خلفهم.
وأثناء الطريق…
قالت ساندي وهي تنظر من النافذة
أنا مش قادرة أنسى شكلها وهي واقفة لوحدها.
سليم كان ساكت.
بعد دقائق قال بهدوء
في ناس بتنكسر… وفي ناس الانكسار بيغير حياتها.
ساندي ابتسمت.
حاسس إنها من النوع التاني؟
لم يجب.
لكن لأول مرة منذ سنوات، كان يشعر أن لقاءً عابرًا في مطار مزدحم قد لا يكون عابرًا أبدًا.
وفي الجهة الأخرى…
وصل دياب إلى سكن الجامعة.
استلم مفتاح غرفته، وصعد وهو يحاول يبدأ حياة جديدة.
فتح باب الغرفة…
فتجمد مكانه.
شاب أمريكي كان يقف أمام السرير يرتب أغراضه.
ابتسم ومد يده.
Hi! Im Ethan. Your roommate.
رد دياب بابتسامة باهتة.
لكنه لم يكن يسمع شيئًا.
كل ما كان يراه أمامه…
وجه فاتن وهي تقول له
أنا معرفش حد هنا…
هز رأسه بعنف.
لا… لازم أنسى.
لكن ضميره كان قد بدأ معركته الأولى، ولم يكن يعلم أن الأيام القادمة ستحمل له مفاجآت أكبر بكثير مما يتخيل في الليلة الأولى…
فاتن كانت قاعدة في غرفة الضيوف في بيت المحامي ريتشارد. البيت هادئ ودافئ، لكن قلبها كان أبرد من الشتا اللي برا.
قدامها كوب شاي سخن، ولسه ما شربتش منه رشفة.
ريتشارد قعد قدامها وقال بهدوء
يا فاتن… أنا محتاج أعرف الحقيقة كلها.
حكت له كل حاجة…
من يوم جدها أبلغها بالجواز، لحد لحظة ما دياب قال لها في المطار إنتِ طالق.
ريتشارد ما قاطعهاش ولا مرة.
ولما خلصت، فتح ملف صغير كان معاه، وأخرج ظرفًا بني اللون.
مده لها.
جدك سلّمهولي قبل سفرك.
فاتن اتفاجئت.
فتحت الظرف بإيدين بيرتعشوا.
كان فيه مبلغ من الدولارات، ونسخة من عقد الجواز، وخطاب مكتوب بخط جدها.
أول ما شافت الخط، دموعها نزلت.
بدأت تقرأ
يا بنتي فاتن… لو بتقري الجواب ده، يبقى الدنيا مشت غير اللي كنت بتمناه. أنا يمكن أكون غلطت لما افتكرت إن الجواز هيجمع قلبين. لكن أوعي في يوم تفتكري إن كرامتك أقل من أي حد. لو لقيتي نفسك لوحدك، ارجعي واقفي على رجلك. الفلوس دي بداية، والمحامي ريتشارد هيساعدك في أي خطوة. ومتجريش ورا حد مش عايزك… اللي يسيبك بإرادته، خليه يتحمل نتيجة اختياره.
فاتن ضمت الخطاب لصدرها وبكت بصمت.
ريتشارد قال بلطف
جدك كان راجل حكيم.
ثم سألها
تعرفي تعملي إيه؟
استغربت.
يعني؟
أي شغل… أي مهارة.
فكرت لحظة.
بعرف أخيط… من وأنا صغيرة.
ابتسم.
دي بداية ممتازة.
…
في صباح اليوم التالي…
أخذها ريتشارد إلى مركز يخدم المهاجرين الجدد، وساعدها في استخراج الأوراق اللازمة، ثم عرفها على سيدة عربية اسمها أمينة، كانت تملك مشغل خياطة صغير.
أمينة بصت لفاتن وقالت
تعرفي تشغلي ماكينة صناعي؟
فاتن هزت رأسها بثقة لأول مرة.
أيوه.
ناولتها قطعة قماش.
وريني.
بعد عشر دقائق…
أمينة قلبت القطعة بين إيديها، وابتسمت.
شغلك نضيف.
ثم قالت مباشرة
لو تحبي، تبتدي معايا من بكرة.
فاتن حست إن بابًا كان مقفول واتفتح فجأة.
…
في الوقت نفسه…
داخل الجامعة، كان دياب بيحضر أول اجتماع مع المشرف الأكاديمي.
لكن تركيزه كان ضايع.
كل شوية يبص للموبايل.
ولا رسالة.
ولا اتصال.
دخل عليه المشرف وقال
هل كل شيء بخير؟
دياب ابتسم ابتسامة مصطنعة.
نعم.
لكن الحقيقة كانت غير كده.
ولأول مرة، بدأ يسأل نفسه سؤالًا حاول يهرب منه من يوم السفر
هي راحت فين؟
لم يكن يعرف أنها في هذه اللحظة كانت تبدأ أول يوم في بناء حياة جديدة… بعيدًا عنه تمامًا.
وفي مكان آخر من نيويورك…
كان سليم الصياد واقف أمام نافذة مكتبه في الشركة.
دخلت ساندي وقالت وهي تبتسم
أخبار البنت إيه؟
رد سليم بهدوء
المحامي كلمني.
وقال إيه؟
اشتغلت.
ابتسمت ساندي بسعادة.
كنت عارفة إنها قوية.
ظل سليم ينظر من النافذة للحظات، ثم قال بصوت منخفض
أحيانًا… أقسى لحظة في حياة الإنسان، هي اللي بتكون بداية عمره الحقيقي.
ولم يكن يعلم أن الأيام القادمة ستجمع طرقه مع فاتن مرة أخرى… لكن هذه المرة، بطريقة لم يتوقعها أي منهما مرّت ثلاثة أشهر…
الثلاثة أشهر دول غيّروا ناس كتير.
فاتن بقت تصحى كل يوم الساعة ستة الصبح، تركب المترو مع الناس، وتروح مشغل أمينة.
في الأول كانت بتخيط هدوم بسيطة.
بعدها بأسبوعين، بقت أمينة تسيب لها الشغل الصعب.
وبعد شهر، الزباين بقوا يسألوا
مين اللي عمل التشطيب ده؟
فتبتسم أمينة وتقول بفخر
بنت مصرية. .. إيدها تتلف في حرير.
أما فاتن…
فكانت كل ليلة ترجع أوضتها، تفتح كشكول صغير، وتتعلم إنجليزي كلمة بكلمة.
كتبت في أول صفحة
Today… I start again.
اليوم… أبدأ من جديد.
في الناحية التانية…
دياب كانت حياته ماشية بالشكل اللي حلم بيه.
أبحاث.
معامل.
محاضرات.
أساتذة كبار.
لكن
لمحة نيوز

كل ما ينجح في حاجة…
يحس إن فيه حاجة ناقصة.
كل ليلة قبل ما ينام، يفتكر نفس السؤال
هي نامت فين أول ليلة؟
كان يهز دماغه ويطرد الفكرة.
لكنها كانت ترجع أقوى.
وفي يوم…
دخل سليم مشغل أمينة.
كان جاي يسلّم على خالته، لأن أمينة كانت قريبة والدته.
أمينة ابتسمت أول ما شافته.
يا ألف مرحب.
وبينما هي بتتكلم معاه…
كان صوت ماكينة خياطة شغال في آخر الورشة.
سليم بص ناحية الصوت.
وشاف بنت قاعدة منحنية على القماش، مركزة بكل حواسها.
فاتن.
كانت لابسة مريلة زرقا، ورافعة كم العباية، وشعرها مستخبي تحت إيشارب بسيط.
ملامحها اختلفت.
لسه هادئة…
بس الخوف اللي شافه في المطار اختفى.
أمينة نادت
يا فاتن.
رفعت رأسها.
وأول ما شافت سليم…
وقفت بسرعة.
السلام عليكم.
ابتسم باحترام.
وعليكم السلام.
قالت بخجل
أنا… ملحقتش أشكرك على
اللي عملته يوم المطار.
رد بهدوء
ما عملتش حاجة تستحق الشكر.
ابتسمت لأول مرة قدامه.
ابتسامة صغيرة…
لكنها كانت صادقة.
ولأول مرة، شاف في عينيها نور ما كانش موجود يوم لقائها الأول.
وفي نفس اللحظة تقريبًا…
كان دياب خارج من الجامعة.
رن موبايله.
المتصل…
الجد.
رد بسرعة.
السلام عليكم يا جدي.
جاءه صوت الرجل العجوز هادئًا هذه المرة.
أنا تعبان يا دياب.
دياب اتوتر.
مالك يا جدي؟
الدكتور طالب يشوفك… لو تقدر تنزل إجازة.
قلب دياب انقبض.
هحاول.
لكن قبل ما يقفل…
قال الجد جملة واحدة
وبالمناسبة… فاتن بخير.
دياب اتجمد.
إيه؟
عرفت توصل لناس محترمين وقفوا جنبها.
سكت لحظة ثم أكمل
واضح إن ربنا كان أرحم بيها منك.
انتهت المكالمة…
لكن الجملة فضلت ترن في ودنه.
ربنا كان أرحم بيها منك.
ولأول مرة منذ تركها في المطار…
شعر دياب بندم حقيقي.
ندم لم
يكن يعرف أنه سيكبر يومًا بعد يوم، حتى يتحول إلى عبء لن يستطيع الهروب منه مرّ عام كامل…
فاتن ما بقيتش البنت اللي نزلت من الطيارة وهي مرعوبة.
بقت تتكلم إنجليزي بسيط، وتفهم الزباين، وتشتغل في مشغل أمينة كأنها واحدة من أهل المكان.
وفي نهاية السنة، أمينة نادتها إلى المكتب.
قالت وهي بتحط قدامها ظرفًا
افتحيه.
فاتن فتحته باستغراب.
كان فيه عقد شراكة.
رفعت عينيها بدهشة.
ده إيه؟
أمينة ابتسمت.
أنا كبرت في السن، والمشغل محتاج حد أمين. إنتِ أثبتِّي إنك تستحقي الثقة. لو وافقتِ، هتبقي شريكة معايا بنسبة من الأرباح.
فاتن دمعت عينيها.
أنا؟
أيوه… لأنك اشتغلتي بضمير، وعُمرك ما استغليتِ حد.
وافقت فاتن، وهي لأول مرة تحس إن تعبها بدأ يثمر.
في نفس الأسبوع…
كان سليم بيمر على المشغل علشان يسلّم على أمينة.
ولما دخل، لقى فاتن واقفة مع زبونة أمريكية، بتشرح لها المقاسات بالإنجليزية.
الكلمات كانت بسيطة، لكن واثقة.
الزبونة ابتسمت ومشيت راضية.
سليم وقف يتابعها من بعيد.
لما خلصت، قال لها
واضح إن الإنجليزي بقى أحسن.
ابتسمت بخجل.
لسه بتعلم.
رد بابتسامة خفيفة
التقدم أهم من الكمال.
ولأول مرة، قعدوا يشربوا قهوة في استراحة المشغل ويتكلموا.
عرف إنها بتحب القراءة، وإنها كانت نفسها تكمل تعليمها، لكن الظروف منعتها.
وحكت له إنها ما بقتش تدعي على دياب.
قالت بهدوء
في الأول كنت زعلانة منه أوي… لكن دلوقتي بدعي إن ربنا يهديه. كل واحد فينا هيتحاسب على أفعاله.
سليم بص لها بإعجاب.
القوة اللي فيها ما كانتش في الصوت العالي… كانت في إنها خرجت من محنتها من غير ما يتحول قلبها لقسوة.
أما دياب…
فأنهى سنته الأولى بتفوق.
ونال إشادة من أساتذته.
لكن فرحته ما كملتش.
وصلته رسالة من المحامي الذي كان يتابع إجراءات الطلاق.
قرأها أكثر من مرة.
نظرًا لعدم استكمال الإجراءات في الوقت المحدد، وبسبب مغادرة الزوجة دون إنهاء المعاملات القانونية، يلزم حضور الطرفين لإتمام الملف.
دياب تنهد.
كان يظن أن كل شيء انتهى يوم تركها في المطار.
لكن الماضي لم ينتهِ.
وفي المساء، اتصل بالمحامي.
يعني لازم أقابلها؟
جاءه الرد
إذا أردت إنهاء الإجراءات بشكل قانوني، نعم.
أغلق الهاتف وهو شارد.
بعد سنة كاملة…
سيقف أمام فاتن مرة أخرى.
لكنها لن تكون تلك الفتاة المرتجفة التي تركها في المطار.
ولن يكون هو الشاب الواثق من قراره.
فالأيام غيّرت الاثنين… وكلٌ منهما يحمل الآن قصة مختلفة تمامًا بعد أسبوع…
وصل إلى فاتن اتصال من المحامي ريتشارد.
قال لها بهدوء
يا فاتن، لازم تيجي المكتب بكرة الصبح. فيه موضوع قانوني يخص جوازك.
قلبها دق بسرعة.
رغم إن سنة كاملة عدّت، إلا إن كلمة جوازك رجّعت لها كل الوجع.
…
في اليوم التالي…
دخلت مكتب ريتشارد.
كان سليم موجودًا بالصدفة، لأنه كان جاي يوقّع على أوراق تخص إحدى شركاته مع المكتب نفسه.
لما شافها، وقف باحترام.
صباح الخير.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
صباح النور.
خرج سليم إلى قاعة الانتظار حتى يترك لها خصوصيتها.
جلس ريتشارد أمامها وقال
دياب قدّم طلب لاستكمال إجراءات الطلاق.
فاتن أغمضت عينيها لثوانٍ.
ثم قالت بثبات
تمام.
استغرب ريتشارد.
مش هتسألي عن السبب؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
هو قال السبب من أول يوم… كان شايفني عائق في حياته.
هز ريتشارد رأسه.
الإجراءات بتتطلب حضور الطرفين.
سكتت قليلًا.
ثم قالت
أنا موافقة.
…
بعد ثلاثة أيام…
دخل دياب قاعة المكتب.
كان أول مرة يشوف فاتن من سنة كاملة.
لكنه اتجمد مكانه.
دي مش فاتن اللي سابها في المطار.
كانت واقفة بثقة، ملابسها بسيطة وأنيقة، ملامحها هادئة، وعينيها ما بقاش فيهم خوف.
أما فاتن…
فلما شافته، قلبها وجعها للحظة.
لكنها تماسكت.
وقف دياب قدامها وقال بصوت منخفض
السلام عليكم.
ردت بهدوء
وعليكم السلام.
ساد صمت ثقيل.
أخيرًا قال
إنتِ… عاملة إيه؟
ردت باختصار
الحمد لله.
كان يتوقع منها لومًا… أو دموعًا… أو غضبًا.
لكنه لقى هدوءً أربكه أكثر.
دخل ريتشارد بالأوراق.
دي أوراق الطلاق.
وضعها أمام الاثنين.
أمسك دياب بالقلم.
لكن يده توقفت.
رفع عينيه إليها.
وقال لأول مرة منذ سنة
أنا آسف.
فاتن نظرت إليه في صمت.
أكمل وهو يخفض رأسه
أنا ظلمتك.
لم ترد.
قال بصوت مكسور
كل يوم من السنة دي كنت فاكر اليوم اللي سيبتك فيه.
تنهدت فاتن.
ثم قالت بهدوء شديد
الاعتذار كويس… لكنه ما بيرجعش اللي اتكسر.
خفض رأسه أكثر.
عارف.
ثم وقع على الأوراق.
أخذت فاتن القلم بعده.
نظرت إلى اسمها المكتوب بجوار اسمه.
ثم وقعت هي أيضًا.
في تلك اللحظة…
انتهى الزواج رسميًا.
لكن الذي انتهى على الورق، كان قد انتهى في قلبها منذ وقفت وحدها في ذلك المطار.
خرج دياب من المكتب وهو يشعر أن خسارته لم تكن زوجة فقط…
بل إنسانة لم يعرف قيمتها إلا بعدما فقدها.
أما فاتن…
فخرجت إلى الشارع، واستنشقت الهواء بعمق.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لأول مرة منذ سنوات…
شعرت أنها حرة.
وبينما كانت تنزل درجات المبنى، سمعت صوتًا خلفها
آنسة فاتن.
التفتت.
كان سليم واقفًا، يحمل في يده ملفًا.
ابتسم وقال
بما إن الصفحة دي اتقفلت… تسمحي أعزمك على فنجان قهوة؟
نظرت إليه لحظة…
ثم ابتسمت ابتسامة صادقة لأول مرة منذ بداية الحكاية.
وقالت
أظن… القهوة المرة، بعد كل اللي فات، ممكن يبقى طعمها حلو جلسا في مقهى هادئ يطل على النهر.
لم يكن اللقاء يشبه أي لقاء بين رجل وامرأة.
لا مجاملات زائدة… ولا نظرات طويلة.
كان مجرد حديث بين شخصين جمعتهما ظروف صعبة.
سليم سألها وهو يقلب فنجان القهوة
إيه أول حاجة عملتيها بعد ما خرجتي من المطار يومها؟
ابتسمت فاتن ابتسامة صغيرة.
عيطت.
ثم ضحكت بخفة لأول مرة وهي تكمل
وبعدين شربت أول كوب شاي في بيت الأستاذ ريتشارد… وكان مالح من كتر دموعي.
ضحك سليم هو الآخر.
وقال
دلوقتي بقيتي أقوى بكتير.
هزت رأسها.
لا… أنا لسه بخاف.
استغرب.
من إيه؟
إني أصدق حد بسهولة.
ساد صمت قصير.
ثم قال سليم بكل هدوء
وده حقك.
…
في الأيام التالية…
أصبح يمر على المشغل كل فترة بحجة الاطمئنان على خالته أمينة.
وكانت ساندي تبتسم كلما رأته.
وتقول لأمينة
أخويا عمره ما كان بيزور المشغل كل الأسبوعين!
فتضحك أمينة دون تعليق.
أما فاتن…
فكانت تتعامل معه باحترام وحدود واضحة.
لم تسمح لقلبها أن يسبق عقلها.
…
وفي أحد الأيام…
رن هاتف فاتن.
كان الرقم من مصر.
ردت بسرعة.
ألو؟
جاءها صوت جارتهم القديمة.
يا بنتي… جدك تعبان أوي.
تجمدت.
إيه؟
بقاله يومين في المستشفى… وكل شوية يقول عايز أطمن على فاتن.
دموعها نزلت فورًا.
أغلقت الهاتف وهي ترتجف.
دخلت عليها أمينة.
مالك؟
قالت بصوت مبحوح
جدي… لازم أرجع مصر.
في أقل من ساعة…
كان سليم قد أنهى إجراءات حجز أول رحلة متاحة.
ناولها التذكرة.
قال
هتلحقي إن شاء الله.
نظرت إليه بامتنان.
أنا هرجعلك تمنها.
ابتسم.
لما تقدري.
…
في اليوم التالي…
وصلت فاتن إلى مصر.
دخلت المستشفى تجري.
ولما دخلت الغرفة…
كان الجد مستلقيًا على السرير، وجهه شاحب، لكن أول ما شافها، ابتسم.
جات بنتي.
ارتمت على يده تبكي.
أنا هنا يا جدي.
ربت على رأسها بصعوبة.
سامحيني.
رفعت رأسها بسرعة.
على إيه؟
قال وهو يلتقط أنفاسه
افتكرت إني بجوزك راجل يحافظ عليكي.
مسكت يده بكلتا يديها.
اللي حصل خلاص فات.
هز رأسه.
لا… في حاجات لازم تتصلح.
ثم أشار إلى درج الكومود.
افتحيه.
فتحت الدرج.
وجدت ملفًا أزرق.
ناولها إياه.
قال
ده حقك.
فتحت الملف…
واتسعت عيناها من الصدمة.
كان يحتوي على أوراق تثبت أن الجد كتب قبل سفره بأشهر قطعة أرض كبيرة ومنزلًا قديمًا باسمها، بالإضافة إلى حساب ادخار جمعه لها على مدار سنوات.
همست بدهشة
كل ده… باسمي؟
ابتسم الجد بصعوبة.
كنت عايز يبقى ليكي سند… حتى لو أنا مش موجود.
انفجرت في البكاء وهي تحتضنه.
وفي الخارج…
كان شخص يقف خلف باب الغرفة، وقد وصل لتوه بعد أن علم بمرض الجد.
وقف مترددًا، لا يملك الجرأة على الدخول.
كان دياب.
سمع كل كلمة قيلت في الداخل.
وأدرك للمرة الثانية أن الرجل الذي ظن أنه أجبره على الزواج… كان في الحقيقة يحاول أن يؤمّن مستقبل حفيدته بكل ما يملك.
لكن السؤال الذي ظل يطارده وهو واقف خلف الباب كان أصعب من أي شيء
هل فات الأوان ليطلب الصفح… أم أن بعض الأبواب إذا أُغلقت، لا تُفتح مرة أخرى؟دياب ظل واقفًا خلف الباب، كأن قدميه اتثبتوا في الأرض.
سمع بكاء فاتن…
وسمع صوت الجد الضعيف وهو يقول
يا بنتي… أوعي في يوم تشيلي كره لحد. الكره بيأكل صاحبه.
أغمض دياب عينيه.
أول مرة يحس إن كل كلمة قالها لها في المطار بترجع تضربه في قلبه.
قرر يدخل.
خبط على الباب بخفة.
فاتن التفتت.
أول ما شافته، وشها اتغير، لكنها ما قالتش كلمة.
الجد رفع عينيه بصعوبة.
دياب… تعالى.
دخل بخطوات بطيئة، ووقف عند آخر السرير.
السلام عليكم.
رد الجد
وعليكم السلام.
أما فاتن، فاكتفت بإيماءة بسيطة.
فضل دياب واقف، ثم قال بصوت مكسور
أنا عرفت إن حضرتك تعبان… فجيت أطمن.
الجد ابتسم ابتسامة خفيفة.
كويس إنك جيت.
ثم أشار إلى الكرسي.
اقعد.
جلس دياب وهو لا يستطيع رفع عينيه.
وبعد لحظات من الصمت، قال
أنا غلطت.
الجد سأله بهدوء
تعرف غلطت في إيه؟
رد بسرعة
سيبتها.
هز الجد رأسه بالنفي.
لا.
استغرب دياب.
قال الجد
إنت غلطت قبل ما تسيبها.
سكت الجميع.
ثم أكمل
لما حكمت عليها من تعليمها… ومن لبسها… ومن ظروفها… قبل ما تعرف قلبها.
انخفض رأس دياب أكثر.
حضرتك عندك حق.
قال الجد
أنا أجبرتك على الجواز… وده كان غلطي أنا.
فاتن رفعت رأسها بسرعة.
يا جدي…
أشار إليها أن تسكت.
ثم أكمل وهو ينظر إلى دياب
لكن اللي عملته بعد كده… كان اختيارك إنت.
امتلأت عينا دياب بالدموع.
أنا مستعد أتحمل أي نتيجة.
ابتسم الجد بتعب.
النتائج بدأت من يوم سبتها في المطار.
…
بعد ساعة…
خرج دياب من المستشفى.
وقف في ساحة المستشفى وحده.
رن هاتفه.
كان المشرف الأكاديمي من الجامعة.
دكتور دياب، المنحة فيها مرحلة جديدة، ولازم ترجع خلال أسبوع.
نظر إلى السماء.
ثم قال
هارجع.
أغلق الهاتف.
وكان يعلم أن عودته هذه المرة لن تكون كما كانت.
فهو سيعود حاملًا نجاحًا علميًا…
وإحساسًا بالفشل الإنساني لا يفارقه.
…
داخل المستشفى…
كانت فاتن تساعد جدها يشرب الدواء.
ابتسم لها وقال
سعيدة؟
ابتسمت لأول مرة منذ وصولها.
الحمد لله.
ولو رجع الزمن… كنتِ هتوافقي على الجوازة دي؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت
يمكن.. . لو ما كانتش حصلت، ما كنتش هعرف قوتي.
ابتسم الجد.
يبقى ربنا طلع من الوجع خير.
هزت رأسها.
أيوه… لكن الثمن كان غالي.
…
في المساء…
وقبل سفر دياب بيوم، كتب رسالة بخط يده.
تركها عند الاستقبال باسم فاتن، ثم غادر إلى المطار دون أن يحاول رؤيتها.
كانت الرسالة قصيرة
يا فاتن… مش بطلب ترجعي، ولا بطلب تسامحيني. أنا بس بطلب منك تصدقي إن ندمان. كنت ضعيف، وخوفت على مستقبلي، فضيعت إنسانيتي. أتمنى تلاقي في حياتك كل الخير اللي أنا حرمتك منه. دياب.
أخذت فاتن الرسالة، وقرأتها بهدوء.
ثم طوتها بعناية.
وضعتها داخل الملف الأزرق، بجوار خطاب جدها.
ولم تمزقها…
ولم تحتفظ بها لأنها اشتاقت إليه…
بل لأنها كانت آخر صفحة من قصة قررت أن تغلقها، وتمضي إلى مستقبل اختارت أن تبنيه بنفسها مرّت ستة أشهر…
تحسنت صحة الجد تدريجيًا، وبدأ يستعيد قوته.
أما فاتن، فكانت تقضي معظم وقتها في مصر بجواره، تُرتب أملاكها، وتزور والدتها، ثم بدأت تُجهز للعودة إلى نيويورك لاستكمال حياتها وعملها.
وفي يوم السفر…
كان الجد يجلس في شرفة البيت.
ناولها صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال مبتسمًا
افتحيه في الطيارة.
قبلت يده، وودعته، ثم غادرت.
بعد ساعات…
كانت الطائرة تحلق فوق المحيط.
فتحت الصندوق.
وجدت داخله خاتمًا فضيًا قديمًا، ورسالة.
فتحت الرسالة.
كان مكتوبًا فيها
يا فاتن… يمكن ما بقيتش أقدر أمشي معاكي في باقي الطريق. لكن عايزك تفتكري حاجة واحدة. الإنسان ما بيتقاسش بعدد اللي ظلموه… بيتقاس بعدد المرات اللي وقع فيها وقام. وأنا فخور بيكي. جدك.
أغلقت الرسالة وهي تبتسم والدموع تلمع في عينيها.
في نيويورك…
كان سليم في انتظارها بالمطار، ومعه ساندي.
أول ما خرجت، ساندي جريت حضنتها.
وحشتينا.
ضحكت فاتن.
وإنتوا كمان.
أما سليم، فاكتفى بابتسامة هادئة.
الحمد لله على السلامة.
بدأت الأيام ترجع لطبيعتها.
لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف.
وجود سليم في حياتها أصبح ثابتًا.
لم يكن يفرض نفسه.
ولم يكن يكثر الكلام.
لكنه كان دائمًا موجودًا وقت الحاجة.
إذا تعطلت سيارتها… ظهر.
إذا احتاجت مساعدة في الأوراق… وجدته.
إذا مرضت أمينة… كان أول من حضر.
وذات مساء…
كانت فاتن تغلق المشغل.
قال لها سليم
تمشي نتمشى شوية؟
وافقت.
سارا على ضفة النهر في صمت.
ثم توقف سليم فجأة.
وقال
فاتن…
نظرت إليه.
أنا هقول كلام، ولو رفضتيه، مش هيتغير بينا أي احترام.
انتظرت بصمت.
أخذ نفسًا عميقًا.
أنا معجب بيكي من زمان.
خفضت عينيها.
أكمل
مش لأنك جميلة… رغم إنك جميلة.
ابتسمت بخجل.
ولا لأنك قوية بس.
ثم قال
أنا معجب بالطريقة اللي خرجتي بيها من أصعب أيام حياتك من غير ما تفقدي احترامك لنفسك ولا رحمتك بالناس.
ساد الصمت.
وأضاف
لو يومًا حسّيتي إن قلبك مستعد يبدأ من جديد… يشرفني أطلب إيدك.
فاتن لم تجب فورًا.
ظلت تنظر إلى مياه النهر.
ثم قالت بهدوء
أنا خايفة.
ابتسم.
عارف.
وخوفي مش منك.
عارف برضه.
أنا محتاجة وقت.
ابتسم ابتسامة واسعة لأول مرة.
وده حقك.
ثم مد يده.
أصدقاء؟
ابتسمت، وصافحته.
أصدقاء.
وفي مكان آخر…
كان دياب ينشر بحثه العلمي الجديد، وسط تصفيق الحضور.
الجميع يهنئه.
لكنه، عندما عاد إلى شقته، وجد على مكتبه صورة قديمة التُقطت له يوم السفر.
نظر إليها طويلًا.
ثم وضعها داخل درج، وأغلقه.
همس لنفسه
بعض النجاحات… تيجي بعد خسارة عمر.
وفي تلك اللحظة، كان كل واحد منهم يسير في طريقه…
فاتن تتعلم أن تثق بالحياة من جديد.
وسليم ينتظر بصبر.
ودياب يتعلم، متأخرًا، أن الطموح لا يبرر القسوة، وأن بعض القرارات قد تغيّر مصير إنسان إلى الأبد مرّت أربعة أشهر أخرى…
وفي صباح خريفي هادئ، كانت فاتن في المشغل تراجع طلبية كبيرة، لما سمعت صوت أمينة بتناديها
يا فاتن… في حد مستنيكي برة.
خرجت وهي فاكرة إنه زبون.
لكنها لقت راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي، وماسك ملف.
ابتسم باحترام.
حضرتك الأستاذة فاتن؟
أيوه.
ناولها بطاقة.
أنا المستشار القانوني لمؤسسة الهلالي.
اتسعت عيناها.
اسم الهلالي رجّع لها ذكريات كانت فاكرة إنها انتهت.
قال الرجل
الحاج عبد الرحيم طلب اجتماع مع عائلة الهلالي في مصر… قبل وفاته.
فاتن عقدت حاجبيها.
قبل وفاته؟
هز رأسه بحزن.
حضرتك لسه ما عرفتيش؟
تجمدت مكانها.
أعرف إيه؟
خفض الرجل رأسه.
الحاج عبد الرحيم توفي من أسبوع.
وقع الملف من يدها.
وشعرت أن الأرض بتدور بها.
آخر مرة كلمته كانت قبل يومين من سفرها، وكان يضحك ويقول لها
خلي بالك من نفسك يا بنتي.
ولم يخبرها أحد… تنفيذًا لوصيته حتى لا يقطعوا عليها بداية حياتها من جديد.
جلست على أقرب كرسي وهي تبكي بحرقة.
ساندي احتضنتها.
وسليم وقف بعيدًا،

تاركًا لها مساحة لحزنها.
بعد أيام…
عادت فاتن إلى مصر لحضور مراسم الأربعين.
كان البيت ممتلئًا بالمعزين.
دخلت غرفته.
كل شيء كما تركه.
نظارته.
ساعته.
وعصاه الخشبية.
جلست على سريره، واحتضنت وسادته.
ولأول مرة منذ سنوات، بكت كطفلة صغيرة.
بعد انتهاء العزاء…
طلب المستشار حضور الجميع.
كان هناك أفراد من عائلة الجد، وبعض أفراد عائلة الهلالي… ومن بينهم دياب، الذي عاد خصيصًا من أمريكا.
فتح المستشار ملف الوصية.
وقال
هذه وصية المرحوم الحاج عبد الرحيم.
ساد الصمت.
بدأ يقرأ
أوصي ألا يظلم أحد حفيدتي فاتن بعد رحيلي… وأشهد أمام الله أن كل ما كتبته باسمها، كتبته عن رضا ومحبة، ولا يحق لأحد الاعتراض عليه.
ثم أكمل
أما إلى حفيدي بالحب، دياب…
رفع دياب رأسه.
قرأ المستشار
لو قرأت كلماتي دي، فاعرف إني سامحتك. لكن سامحي لي إني حملتك مسؤولية أكبر من سنك لما أجبرتك على جوازة ما اخترتهاش. الغلط كان غلطي… وغلطك. وكل واحد فينا دفع تمنه.
انهمرت دموع دياب.
ثم أكمل المستشار آخر سطر
ولا يحاول أحد أن يجبر فاتن على الرجوع إلى أي علاقة انتهت… خليوا البنت تختار حياتها بنفسها.
ساد صمت طويل.
كانت أول مرة يسمع الجميع اعتراف الجد بأنه أخطأ أيضًا.
خرج دياب من المجلس، وهو يشعر أن الرجل الذي رباه علّمه آخر درس… حتى بعد وفاته.
في المساء…
كانت فاتن تقف في جنينة البيت.
جاء سليم بهدوء.
وقف بجوارها دون أن يتكلم.
بعد دقائق قالت
كنت فاكرة إني مستعدة لفراقه.
تنهدت.
طلعت لأ.
قال سليم بهدوء
الناس اللي بنحبهم… عمرنا
ما بنكون مستعدين لغيابهم.
مسحت دموعها.
ثم نظرت إلى السماء.
وقالت بابتسامة باكية
كان دايمًا يقول لي… قومي يا فاتن، الحياة ما بتقفش.
ابتسم سليم.
يبقى نعمل بوصيته.
هزت رأسها ببطء.
ولأول مرة منذ وفاة جدها…
شعرت أن الحزن سيبقى في قلبها، لكنه لن يمنعها من مواصلة الطريق الذي كان يحلم أن يراها تسير فيه بعد انتهاء الأربعين بثلاثة أيام…
طلب المستشار القانوني من فاتن الحضور مرة أخرى.
قال لها
فيه حاجة المرحوم أوصى إنها ما تتفتحش إلا بعد الأربعين.
دخلت المكتب، وكان سليم معها، لكنه انتظر خارج الغرفة.
أخرج المستشار صندوقًا خشبيًا صغيرًا، عليه اسمها.
وقال
ده أمانة.
فتحت الصندوق ببطء.
وجدت ظرفًا مغلقًا، ومفتاحًا قديمًا.
فتحت الظرف.
كان بداخله خطاب جديد من الجد.
بدأت تقرأ، ودموعها تنزل في صمت
يا فاتن…
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.
يمكن أغلطت في قرارات كتير، لكن أكتر حاجة كنت خايف منها هي إنك تعيشي مكسورة.
عشان كده، المفتاح اللي في الصندوق ده… مفتاح البيت القديم في البلد.
البيت ده ما بعتهوش رغم إن ناس كتير عرضوا عليّ فلوس.
كنت دايمًا بقول هييجي يوم وترجع فاتن تفتحه وهي مرفوعة الرأس.
أغلقت الرسالة وهي تبكي.
في نفس اليوم…
قررت تزور البيت.
كان بيتًا قديمًا، تحيط به أشجار الليمون.
فتحت الباب بالمفتاح.
دخلت ببطء.
رائحة الخشب القديم ملأت المكان.
كل شيء كما تركه جدها.
حتى ماكينة الخياطة القديمة الخاصة بجدتها كانت في ركن الغرفة.
مررت يدها عليها وابتسمت.
همست
أنا رجعت يا جدي.
بينما كانت تتجول…
لاحظت بابًا صغيرًا في
آخر الممر.
كان مقفلًا.
جربت المفتاح الآخر الموجود في الصندوق.
انفتح الباب.
كانت غرفة صغيرة لم تدخلها من قبل.
في منتصفها صندوق حديدي.
فتحته.
وجدت بداخله ألبومات صور قديمة.
جلست على الأرض تقلبها.
صور جدها وهو شاب.
صور والدتها وهي طفلة.
ثم توقفت عند صورة واحدة.
شهقت.
كانت صورة قديمة بالأبيض والأسود…
لجدها واقفًا بجوار رجل آخر.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط اليد
عبد الرحيم الهلالي… وصديقه عمر الصياد سنة 1978.
اتسعت عيناها.
الصياد؟
يعني…
جد سليم؟
في تلك اللحظة دخل المستشار، الذي كان قد لحق بها.
نظر إلى الصورة وابتسم.
وقال
أخيرًا لقيتيها.
رفعت رأسها باستغراب.
حضرتك كنت تعرف؟
هز رأسه.
أكيد.
إيه الحكاية؟
جلس على الكرسي وقال
جدك وجد سليم كانوا أعز أصحاب.
إيه؟
اشتغلوا مع بعض في بداية حياتهم، وفتحوا أول ورشة خياطة سوا.
فاتن لم تنطق.
أكمل المستشار
لكن بعد سنوات، كل واحد سافر في طريق مختلف… ومع ذلك، الصداقة ما انتهتش.
وسليم يعرف؟
ابتسم الرجل.
يعرف إن بين العيلتين معرفة قديمة… لكنه ما يعرفش كل التفاصيل.
خرجت فاتن وهي ما زالت تحمل الصورة.
وفي الخارج…
كان سليم ينتظرها.
ابتسم وسألها
خلصتي؟
نظرت إليه، ثم إلى الصورة في يدها.
وقالت بابتسامة هادئة
واضح إن حكايتنا بدأت قبل ما إحنا الاتنين نتولد.
أخذ الصورة منها، وما إن رأى وجه جده بجوار جدها، حتى اتسعت عيناه من الدهشة.
وقال بصوت منخفض
يبقى… القدر كان بيجمع الطريق من زمان.
وتبادل الاثنان نظرة صامتة، مليئة بالدهشة والامتنان، وكأن الماضي كان يترك لهما خيطًا يقودهما إلى بداية جديدة وقف سليم يتأمل الصورة طويلًا.
مرر أصابعه على حوافها القديمة، ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
أنا عمري ما شفت الصورة دي.
فاتن سألته بهدوء
وجدك عمره ما حكالك عن جدي؟
تنهد.
كان يجيب سيرته أوقات… ويقول عبد الرحيم ده راجل ما يتعوضش. لكن عمره ما حكى لي التفاصيل.
في تلك اللحظة، قال المستشار
في حد لازم يقابلكم.
نظر الاثنان إليه باستغراب.
مين؟
رد
الحاج محمود.
…
بعد نصف ساعة…
وصل رجل في أواخر الثمانينيات، يمشي بعصا، لكن عينيه كانتا ما زالتا مليئتين بالحياة.
أول ما رأى الصورة، ابتسم.
لسه محتفظين بيها.
وقف أمام فاتن وقال
إنتِ حفيدة عبد الرحيم؟
هزت رأسها.
ابتسم بحنان.
شبه أمك… وأخلاقك شبه جدك.
ثم التفت إلى سليم.
وإنت شبه جدك عمر… نفس الهدوء.
جلس الجميع، وبدأ الحاج محمود يحكي.
زمان… جدك يا فاتن وجدك يا سليم كانوا فاتحين ورشة صغيرة للخياطة. كانوا بيشتغلوا من الفجر لحد نص الليل.
ابتسم وهو يتذكر.
كانوا يقولوا الرزق ييجي بالتعب.
سألته فاتن
طيب ليه افترقوا؟
ضحك الرجل.
ما افترقوش بسبب خلاف.
استغرب سليم.
أمال؟
عمر جات له فرصة يسافر بره ويكبر شغله، وعبد الرحيم رفض يسيب البلد لأنه كان مسؤول عن أهله.
سكت لحظة، ثم أكمل
لكن عمره ما انقطعت بينهم المودة.
أخرج من جيبه ورقة قديمة مطوية.
ودي آخر رسالة بعتها جد سليم لجدك.
ناولها لفاتن.
فتحتها بحذر.
كان مكتوبًا فيها
يا عبد الرحيم… لو سبقني العمر، اعتبر أولادي أولادك. ولو سبقتني، أولادي هيبقوا سند لأولادك.
امتلأت عينا فاتن بالدموع.
وسليم هو الآخر ظل صامتًا.
قال الحاج محمود
يمكن هما ما كانوش يعرفوا إن الزمن هيحقق وصيتهم بالطريقة دي.
…
في طريق العودة…
كان الصمت يملأ السيارة.
أخيرًا قالت فاتن
غريبة…
نظر إليها سليم.
إيه؟
يوم المطار افتكرت إن الدنيا انتهت.
ابتسم.
وطلعت لسه بتبدأ.
هزت رأسها وهي تبتسم.
سبحان الله.
…
بعد أسبوع…
عاد الاثنان إلى نيويورك.
وفي أول يوم عمل بعد العودة، دخلت فاتن المشغل.
وجدت أمينة معلقة لافتة جديدة فوق الباب.
اقتربت لتقرأها.
وكان مكتوبًا عليها
ورشة عبد الرحيم وعمر للأزياء اليدوية.
نظرت إلى أمينة بدهشة.
ابتسمت أمينة وقالت
سليم هو اللي اقترح الاسم.
التفتت إليه.
كان يقف عند الباب، مبتسمًا في هدوء.
قال
يمكن يكون ده أحسن تكريم لجدودنا.
ابتسمت فاتن، وشعرت أن الماضي، بكل ألمه، لم يعد عبئًا… بل أصبح جسرًا يحمل ذكرى طيبة، ويفتح بابًا لمستقبل يُبنى على الاحترام والاختيار، لا على الإجبار والخوف وقف سليم يتأمل الصورة طويلًا.
مرر أصابعه على حوافها القديمة، ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
أنا عمري ما شفت الصورة دي.
فاتن سألته بهدوء
وجدك عمره ما حكالك عن جدي؟
تنهد.
كان يجيب سيرته أوقات… ويقول عبد الرحيم ده راجل ما يتعوضش. لكن عمره ما حكى لي التفاصيل.
في تلك اللحظة، قال المستشار
في حد لازم يقابلكم.
نظر الاثنان إليه باستغراب.
مين؟
رد
الحاج محمود.
…
بعد نصف ساعة…
وصل رجل في أواخر الثمانينيات، يمشي بعصا، لكن عينيه كانتا ما زالتا مليئتين بالحياة.
أول ما رأى الصورة، ابتسم.
لسه محتفظين بيها.
وقف أمام فاتن وقال
إنتِ حفيدة عبد الرحيم؟
هزت رأسها.
ابتسم بحنان.
شبه أمك… وأخلاقك شبه جدك.
ثم التفت إلى سليم.
وإنت شبه جدك عمر… نفس الهدوء.
جلس الجميع، وبدأ الحاج محمود يحكي.
زمان… جدك يا فاتن وجدك يا سليم كانوا فاتحين ورشة صغيرة للخياطة. كانوا بيشتغلوا من الفجر لحد نص الليل.
ابتسم وهو يتذكر.
كانوا يقولوا الرزق ييجي بالتعب.
سألته فاتن
طيب ليه افترقوا؟
ضحك الرجل.
ما افترقوش بسبب خلاف.
استغرب سليم.
أمال؟
عمر جات له فرصة يسافر بره ويكبر شغله، وعبد الرحيم رفض يسيب البلد لأنه كان مسؤول عن أهله.
سكت لحظة، ثم أكمل
لكن عمره ما انقطعت بينهم المودة.
أخرج من جيبه ورقة قديمة مطوية.
ودي آخر رسالة بعتها جد سليم لجدك.
ناولها لفاتن.
فتحتها بحذر.
كان مكتوبًا فيها
يا عبد الرحيم… لو سبقني العمر، اعتبر أولادي أولادك. ولو سبقتني، أولادي هيبقوا سند لأولادك.
امتلأت عينا فاتن بالدموع.
وسليم هو الآخر ظل صامتًا.
قال الحاج محمود
يمكن هما ما كانوش يعرفوا إن الزمن هيحقق وصيتهم بالطريقة دي.
…
في طريق العودة…
كان الصمت يملأ السيارة.
أخيرًا قالت فاتن
غريبة…
نظر إليها سليم.
إيه؟
يوم المطار افتكرت إن الدنيا انتهت.
ابتسم.
وطلعت لسه بتبدأ.
هزت رأسها وهي تبتسم.
سبحان الله.
…
بعد أسبوع…
عاد الاثنان إلى نيويورك.
وفي أول يوم عمل بعد العودة، دخلت فاتن المشغل.
وجدت أمينة معلقة لافتة جديدة فوق الباب.
اقتربت لتقرأها.
وكان مكتوبًا عليها
ورشة عبد الرحيم وعمر للأزياء اليدوية.
نظرت إلى أمينة بدهشة.
ابتسمت أمينة وقالت
سليم هو اللي اقترح الاسم.
التفتت إليه.
كان يقف عند الباب، مبتسمًا في هدوء.
قال
يمكن يكون ده أحسن تكريم لجدودنا.
ابتسمت فاتن، وشعرت أن الماضي، بكل ألمه، لم يعد عبئًا… بل أصبح جسرًا يحمل ذكرى طيبة، ويفتح بابًا لمستقبل يُبنى على الاحترام والاختيار، لا على الإجبار والخوف مرت سنة جديدة…
لم تعد فاتن تلك الفتاة التي وقفت في مطار نيويورك تحمل حقيبة صغيرة وقلبًا محطمًا.
أصبح لها مكان معروف في عالم الخياطة.
المشغل الصغير توسع، وأصبح له زبائن من جنسيات مختلفة، وأصبحت أمينة تقول لكل من يسأل عنها
دي مش موظفة عندي… دي بنتي وشريكتي.
وفاتن لم تنسَ أبدًا بدايتها.
كانت تساعد الفتيات الجدد اللواتي يصلن البلد ولا يعرفن شيئًا، وتقول لهن دائمًا
أصعب لحظة مش معناها إن النهاية قربت… ساعات بتكون أول الطريق.
أما سليم…
فكان وجوده في حياتها يزداد يومًا بعد يوم.
لم يستعجلها.
لم يضغط عليها.
كان يعرف أن قلبًا مرّ بما مرت به فاتن يحتاج أمانًا قبل أي شيء.
وفي مساء هادئ…
كانا يجلسان في حديقة صغيرة بالقرب من النهر.
قال لها
فاتن.
نظرت إليه.
نعم؟
أخرج من جيبه علبة صغيرة.
تجمدت للحظة.
قال بسرعة
قبل ما تخافي… اسمعيني.
ابتسمت رغم توترها.
فتح العلبة، وكان بداخلها خاتم بسيط.
قال
أنا مش جاي أطلب منك تنسي الماضي. ومش جاي أكون بديل عن حد.
سكت قليلًا.
أنا عايز أكون الشخص اللي تختاريه وإنتِ مطمنة.
نظرت للخاتم، ثم إليه.
قالت بصوت منخفض
أنا كنت فاكرة إن بعد اللي حصل… مش هقدر أثق في حد تاني.
اقترب بصوته فقط، دون أن يضغط عليها.
ودلوقتي؟
ابتسمت.
دلوقتي عرفت إن مش كل الناس بتمشي لما الدنيا تصعب.
ظل ينظر إليها منتظرًا.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
موافقة.
بعد أيام…
وصل الخبر إلى مصر.
كان دياب قد أنهى دراسته، وعاد ليبدأ مشروعه الخاص.
سمع بزواج فاتن من أحد.
جلس طويلًا وحده.
لم يشعر بالغضب.
ولا بالغيرة.
شعر بشيء آخر…
راحة ممزوجة بألم.
قال لنفسه
الحمد لله إنها لقت حد عرف قيمتها.
وفي يوم الزفاف…
كان بسيطًا ودافئًا.
لم يكن هناك مظاهر ضخمة.
فقط أهل وأصدقاء، وناس أحبوا فاتن كما هي.
قبل أن تدخل القاعة، وقفت لحظة وحدها.
أخرجت من حقيبتها الرسالة القديمة التي كتبها جدها.
قرأت السطر الأخير
قومي يا فاتن… الحياة ما بتقفش.
ابتسمت ومسحت دمعة نزلت من عينها.
ثم دخلت.
وكان سليم واقفًا ينتظرها.
ابتسم لها وقال
جاهزة؟
نظرت حولها.
ثم إليه.
وقالت
المرة دي… أنا اللي اخترت.
ابتسم.
وده أهم فرق.
وبعد سنوات…
كان هناك معرض كبير للأزياء في نيويورك.
وقفت فاتن أمام مجموعة من التصاميم التي تحمل اسمها.
وبجوارها سليم، وأطفالهم يركضون حولهما.
اقتربت منها ساندي وهي تضحك
تفتكري البنت اللي كانت واقفة في المطار ومش عارفة تروح فين؟
ضحكت فاتن.
فاكراها.
نظرت إلى المكان حولها.
بس هي كانت محتاجة بس حد يقول لها قومي.
ابتسمت ساندي.
وإنتِ قمتي.
نظرت فاتن إلى السماء.
وتذكرت كل شيء…
الوجع.
الخوف.
الخذلان.
ثم ابتسمت.
لأنها فهمت أخيرًا…
أن بعض الأبواب تُغلق بعنف، ليس لأنها نهايتنا…
بل لأن خلفها طريقًا لم نكن نجرؤ على اختياره.
تمت بحمد الله لكن الحكاية لم تنتهِ تمامًا…
بعد خمس سنوات من ذلك اليوم…
كانت فاتن تقف في مكتبها الجديد، تنظر من الزجاج الكبير إلى شوارع نيويورك المزدحمة.
لم تعد المدينة المخيفة التي استقبلتها بالبرد والوحدة.
أصبحت المكان الذي شهد ولادتها من جديد.
على مكتبها كان هناك إطار صغير لصورة قديمة…
صورة لجدها وجد سليم أمام أول ورشة خياطة.
وبجوارها صورة أخرى…
لها وهي واقفة في المطار يوم وصلت، بملامح خائفة وحقيبة صغيرة في يدها.
كانت تحتفظ بها لتتذكر دائمًا من أين بدأت.
دخلت ساندي وهي تحمل كوبين من القهوة.
قالت مبتسمة
لسه بتبصي للصورة دي؟
ضحكت فاتن.
عشان ما أنساش.
جلست ساندي أمامها.
تفتكري لو حد قال للبنت دي زمان إنها هتبقى صاحبة أكبر دار أزياء عربية في نيويورك… كانت هتصدقه؟
هزت فاتن رأسها.
كانت هتضحك.
ثم سكتت قليلًا.
بس يمكن كانت محتاجة حد يصدقها.
في المساء…
عاد سليم إلى البيت.
كان يحمل ملفًا وبعض الأوراق.
استقبلته فاتن بابتسامة.
يوم طويل؟
خلع جاكيته وقال
طويل… لكنه يستاهل.
جلس بجوارها.
ثم أخرج ورقة.
نظرت إليها باستغراب.
إيه دي؟
ابتسم.
مشروع جديد.
فتحتها.
كانت خطة لإنشاء مركز لتعليم الخياطة للفتيات المهاجرات الجدد.
رفعت عينيها إليه.
عملت ده عشاني؟
هز رأسه.
عملناه عشان البنت اللي كنتِها.
سكت لحظة.
البنت اللي وقفت في المطار ومكانش عندها حد.
ابتسمت فاتن، وعيناها امتلأتا بالدموع.
وفي نفس الوقت…
في مصر…
كان دياب يقف أمام طلابه في الجامعة.
لم يعد الشاب المغرور الذي كان يخاف من كلام الناس.
أصبح شخصًا مختلفًا.
بعد سنوات من العمل، بدأ يشارك في مبادرات لمساعدة الطلاب الذين ظروفهم صعبة.
وفي أحد اللقاءات، سأله طالب
دكتور دياب… إيه أكتر قرار ندمت عليه في حياتك؟
سكت طويلًا.
ثم قال
لما حكمت على إنسان قبل ما أعرفه.
تعجب الطالب.
وطب إيه أكتر حاجة اتعلمتها؟
ابتسم دياب بحزن.
إن الإنسان ممكن يخسر شخص كويس… مش لأنه ما كانش يستحقه، لكن لأنه ما كانش ناضج كفاية يعرف قيمته.
وفي ليلة هادئة…
كانت فاتن تقرأ رسالة جدها القديمة مرة أخرى.
ثم كتبت في دفترها
كنت أظن أن دياب أخذ مني حياتي…
لكن الحقيقة أنه دفعني لأجد حياتي بنفسي.
أغلقت الدفتر.
ونظرت إلى سليم وأطفالها وهم يضحكون في الغرفة الأخرى.
ابتسمت.
فهي أخيرًا فهمت…
أن الإنسان أحيانًا لا يحصل على ما كان يتمناه…
لكنه يحصل على ما كان يحتاجه.
وأن الفتاة التي خرجت من المطار مكسورة…
لم تكن نهاية قصتها.
كانت مجرد أول صفحة مرت سنوات أخرى…
كبرت دار الأزياء التي أسستها فاتن، ولم تعد مجرد ورشة صغيرة في نيويورك.
أصبح لها فروع، وموظفات كثيرات، وأهم شيء بالنسبة لها… أنها لم تنسَ أبدًا أن المكان الذي وصلت إليه بدأ من لحظة ضعف.
كانت كل سنة تختار مجموعة فتيات جدد وتدربهن بنفسها.
وكانت تقول لهن
أنا مش بعلمكم خياطة بس… أنا بعلمكم إن الظروف مهما كانت صعبة، الإنسان يقدر يبدأ من جديد.
وفي يوم…
دخلت فتاة صغيرة إلى المشغل.
كانت تحمل حقيبة قديمة، وتشبه كثيرًا فاتن في يومها الأول.
كانت خائفة، لا تتكلم الإنجليزية جيدًا، ولا تعرف أحدًا في المدينة.
اقتربت منها فاتن.
سألتها بالعربي
إنتِ كويسة؟
رفعت الفتاة رأسها بدهشة.
إنتِ عربية؟
ابتسمت فاتن.
أيوه.
وبمجرد أن سمعت الفتاة صوتًا مألوفًا، بدأت تبكي.
قالت
أنا مش عارفة أعمل إيه.
نظرت فاتن إليها للحظة…
ورأت نفسها القديمة.
جلست بجانبها وقالت
أنا كنت مكانك قبل كده.
في البيت مساءً…
حكت لسليم عن الفتاة.
ابتسم وقال
علشان كده ربنا حطك في طريقها.
نظرت إليه.
تفتكر لو دياب ما سابنيش يومها… كانت حياتي هتبقى إزاي؟
فكر قليلًا.
ثم قال
يمكن كانت هتبقى مختلفة.
سكت.
لكن مش شرط تكون أحسن.
ابتسمت.
أنا كمان فكرت في كده.
وفي نفس الوقت…
كان دياب في مصر يستعد لزيارة نيويورك لحضور مؤتمر علمي.
لم يكن ينوي مقابلة فاتن.
كان يعرف أن لكل إنسان طريقه.
لكن القدر أحيانًا يحب أن يغلق الدوائر بنفسه.
بعد انتهاء المؤتمر…
وصلته دعوة لحضور معرض أزياء خيري.
نظر إلى اسم

صاحبة المعرض.
فاتن عبد الرحيم.
ظل ينظر للاسم طويلًا.
ثم قرر أن يذهب.
ليس ليعيد الماضي…
بل لأنه أراد أن يرى بعينيه الإنسانة التي كادت تضيع بسببه.
في قاعة المعرض…
كان الجميع يصفق.
دخل دياب بهدوء.
ومن بعيد…
رآها.
كانت تقف وسط الناس، تتحدث بثقة، والكل يحترمها.
لم تكن الفتاة التي تركها.
اقترب بخطوات بطيئة.
وحين التقت عيناها بعينيه…
توقف الزمن للحظة.
لكن هذه المرة…
لم يكن هناك خوف.
ولا ألم.
فقط نظرة بين شخصين يعرف كل منهما أنهما أصبحا شخصين مختلفين.
قال دياب
السلام عليكم يا فاتن.
ابتسمت بهدوء.
وعليكم السلام يا دياب.
ساد صمت قصير.
ثم قال
أنا فخور بيكي.
ردت
شكرًا.
لم يكن هناك عتاب.
لأن بعض الجروح لا تحتاج إلى فتحها مرة أخرى…
يكفي أن تعرف أنها شُفيت.
وفي تلك اللحظة، فهم دياب شيئًا مهمًا
هو لم يخسر فاتن يوم تركها في المطار فقط…
بل خسر فرصة أن يعرفها كما كانت تستحق أن تُعرف.
أما فاتن…
فكانت تعرف أخيرًا أن أصعب لحظة في حياتها…
كانت الباب الذي قادها إلى أجمل طريق بعد انتهاء المعرض…
خرج دياب إلى الشارع، والهواء البارد ضرب وجهه.
توقف للحظة أمام المبنى الزجاجي الذي يحمل اسم فاتن.
ظل ينظر إلى الاسم المكتوب بخط كبير.
دار فاتن للأزياء.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
لم يكن فيها حسرة هذه المرة…
كان فيها اعتراف.
اعترف أن الفتاة التي ظنها عبئًا على مستقبله، أصبحت هي صاحبة مستقبل لم يكن يتخيله أحد.
في اليوم التالي…
ذهبت فاتن إلى المشغل كعادتها.
وجدت ظرفًا على مكتبها.
سألت الموظفة
مين سابه؟
قالت
الدكتور دياب قبل ما يسافر.
فتحت الظرف.
لم يكن فيه سوى ورقة واحدة.
قرأت
يا فاتن…
زمان كنت فاكر إن النجاح معناه إني أوصل لوحدي. لكن اتعلمت إن الإنسان اللي يكسب نفسه أهم من اللي يكسب أي منصب.
أنا مش بكتب علشان أرجع حاجة انتهت. بكتب علشان أقولك شكرًا… لأن وجودك في حياتي، حتى لو كان قصير، علمني درس عمري ما أنساه.
أتمنى لك السعادة دائمًا.
دياب.
طوت الورقة بهدوء.
لم تبكِ.
لم تتألم.
فقط ابتسمت.
لأنها أخيرًا شعرت أن الماضي أصبح مجرد ذكرى.
بعد أيام…
كانت فاتن تجلس مع سليم في البيت.
قال لها
سرحانة في إيه؟
نظرت إليه.
بفتكر أول يوم هنا.
ابتسم.
المطار؟
ضحكت.
أيوه.
قال
لو حد قالك وقتها إنك هتبقي هنا دلوقتي… كنتي هتصدقي؟
هزت رأسها.
ولا في الأحلام.
ثم نظرت إليه.
بس عارف إيه أغرب حاجة؟
إيه؟
إن أكتر يوم حسيت فيه إني خسرت
كل حاجة… كان اليوم اللي بدأت فيه ألاقي نفسي.
ابتسم سليم.
وده لأنك ما كنتيش لوحدك.
نظرت له بحب.
لا… كنت لوحدي الأول.
سكتت لحظة.
بس ربنا بعتلي ناس في الطريق.
وفي صباح جديد…
كانت فاتن في مركز التدريب الخاص بها.
دخلت فتاة جديدة، خائفة مثلما كانت هي.
اقتربت منها.
وقالت
اسمك إيه؟
ليلى.
أهلًا يا ليلى.
نظرت الفتاة حولها وقالت
أنا خايفة.
ابتسمت فاتن.
طبيعي.
بس أنا مش عارفة أبدأ.
أمسكت فاتن يدها بلطف.
وقالت الجملة التي كانت تحتاج سماعها يومًا
ابدئي بخطوة واحدة… والباقي هييجي.
نظرت الفتاة إليها وابتسمت.
وفاتن في داخلها شعرت بشيء دافئ.
لأنها لم تعد فقط الناجية من الحكاية…
أصبحت الشخص الذي ينقذ غيره.
وفي آخر اليوم، وقفت أمام نافذة مكتبها.
رأت انعكاسها.
لم ترَ فتاة مكسورة في مطار غريب.
رأت امرأة صنعت طريقها بيديها.
وهمست
الحمد لله يا جدي…
ثم أغلقت الأنوار.
ومشت نحو حياتها الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *