بعد 8 سنين
سعاد قربت منها.
إيه ده؟
أحمد نزل من العربية.
منى قالت
إحنا جينا العنوان الصح؟
أحمد بصّ للفيلا.
طبعًا.
ضغط الجرس.
بعد لحظات، فرد أمن فتح البوابة الصغيرة.
أيوه يا فندم؟
أحمد قال
افتح البوابة.
الراجل بصّ له باستغراب.
حضرتك مين؟
أحمد ضحك بعصبية.
أنا صاحب البيت.
فرد الأمن هز راسه.
البيت اتباع يا فندم.
الصمت نزل عليهم.
الحاجة سعاد قالت
إيه؟!
المكان ملك الدكتورة نادين حمدي حاليًا، وبيتم تجهيزه لمركز طبي.
أحمد قرب خطوة.
إنت بتقول إيه؟ دي فيلتي!
حضرتك ممكن تتواصل مع المالكة.
الحاجة سعاد زقت الباب بإيدها.
افتح يا ابني بدل ما أجيبلك مصيبة! حاجتي كلها جوه!
فرد الأمن قال
مفيش متعلقات شخصية جوه يا حاجة.
منى قربت.
يعني إيه؟
المكان اتسلّم فاضي من المتعلقات.
الحاجة سعاد بصّت لأحمد.
حاجتنا فين؟
أحمد طلع موبايله واتصل بمريم.
المرة دي…
ردت.
ألو.
صوت أحمد انفجر
إنتِ فين؟!
مريم ردت بهدوء
في بيتي.
بيتك؟! وإحنا واقفين قدام بيتنا وفي واحد بيقول إنك بعتيه!
صح.
إنتِ بعتي الفيلا؟!
أيوه.
الحاجة سعاد خطفت التليفون.
إنتِ اتجننتي؟! تبيعي بيتنا من غير ما تقوليلنا؟!
مريم سكتت ثانية.
ثم قالت
بيتكم؟
الحاجة سعاد اتلخبطت.
مريم كملت
الفيلا كانت باسمي. أنا اللي اشتريتها. وأنا اللي دفعت تمنها. وبالتالي أنا اللي بعتها.
طب وحاجتنا؟!
في مخزن.
مخزن فين؟!
مريم بعتت العنوان.
الحاجة سعاد فتحت الرسالة.
ولما شافت المنطقة…
وشها اتقلب.
إنتِ حاطة حاجتي في مخزن هناك؟!
أيوه.
شنطي؟ هدومي؟ حاجتي كلها؟!
كلها.
الحاجة سعاد صرخت
والله لأربيكي!
مريم ردت
الحاجة سعاد…
أول مرة تناديها باسمها بالشكل ده.
فاكرة قبل السفر لما قلتيلي أعرف مقامي؟
سعاد سكتت.
مريم قالت
عرفته.
وقَفلت.
لما وصلوا المخزن، كانت الصدمة أكبر.
حر.
تراب.
صوت ورش.
كراتين مرصوصة فوق بعضها.
الحاجة سعاد فتحت أول كرتونة بجنون.
طلعت شنطة غالية وعليها بقعة كريم.
صرخت.
منى فتحت كرتونة هدومها.
فستان سهرة غالي كان متكرمش تحت جزمة طويلة.
فستاني!
أحمد مكانش مهتم.
كان بيدور وسط الكراتين على ملف معين.
ملف صغير أسود.
فتح كرتونة.
وبعدين التانية.
والتالتة.
مش موجود.
بدأ عرقه يزيد.
منى لاحظت.
بتدور على إيه؟
مفيش.
أحمد، مالك؟
قلت مفيش!
وفي اللحظة دي…
موبايله رن.
رقم مكتب المحامي.
رد.
ألو؟
الأستاذ أحمد محمود؟
أيوه.
مع حضرتك مكتب المستشار خالد فؤاد، وكيل السيدة مريم عبد الرحمن.
وش أحمد فقد لونه.
خير؟
تم إرسال إخطار رسمي لحضرتك بخصوص عدد من التحويلات المالية والمستندات محل الفحص.
أحمد سكت.
الحاجة سعاد قربت منه.
في إيه؟
المحامي كمل
وبناءً على تعليمات موكلتي، أي تواصل معها من الآن بخصوص الأمور المالية هيكون عن طريق المكتب.
أحمد قال بسرعة
في سوء تفاهم.
تقدر توضح موقفك قانونيًا.
المكالمة انتهت.
الحاجة سعاد سألته
إيه اللي حصل؟
أحمد قعد فوق كرتونة.
منى قالت
أحمد؟
رفع عينه لهم.
مريم عرفت.
عرفت إيه؟
مردش.
لكن سكوته كان كفاية.
خلال الأسابيع التالية، كل حاجة خرجت للنور.
التحويلات.
العقود.
التوقيعات.
الشركة اللي أحمد كان مستفيد منها.
والفلوس اللي خرجت من شركة مريم تحت مسميات وهمية.
المحامين بدأوا الإجراءات القانونية اللازمة لاسترداد الأموال والتحقيق في المستندات.
وفي نفس الوقت…
مريم بدأت إجراءات الطلاق.
أحمد حاول يقابلها.
رفضت.
بعت لها عشرات الرسائل.
خلينا نتكلم.
أنا غلطت.
ماما كانت السبب.
أنا كنت ناوي أرجع الفلوس.
إحنا عشرة 8 سنين.
مريم قرأت الرسائل مرة واحدة.
ولم ترد.
بعدها بعت رسالة أطول
مريم، أنا عارف إن اللي حصل كبير، بس متنسيش إننا كنا بنحب بعض.
وقتها فقط ردت.
كتبت
أنا مش نسيت إننا كنا بنحب بعض. أنا اكتشفت إن اللي كان بيحب كان طرف واحد.
وبلكته.
أما الحاجة سعاد…
فالحياة اللي كانت متعودة عليها اختفت بسرعة.
مفيش فيلا.
مفيش كروت.
مفيش عربية بسواق على حساب مريم.
مفيش مطاعم فخمة.
ومفيش سفر.
اضطرت تقعد فترة في شقة قديمة كانت العيلة محتفظة بيها.
منى رجعت تعتمد على مرتبها لأول مرة تقريبًا.
وأحمد باع عربيته علشان يغطي جزء من مصاريفه وأتعاب المحامين.
لكن المفاجأة الأخيرة وصلت بعد حوالي شهر.
كانوا قاعدين في الشقة القديمة لما خبط مندوب على الباب.
سلّم أحمد ظرف رسمي.
فتحه.
جواه مطالبة مالية.
مصاريف تخزين ممتلكاتهم.
نقل.
تحميل.
مدة إضافية.
وغرامات تأخير لأنهم اتأخروا في استلام جزء من الكراتين.
الحاجة سعاد بصّت للرقم وقالت
مين اللي هيدفع ده؟!
أحمد قلب الورقة.
كان فيه ملاحظة قصيرة
المصاريف على أصحاب المتعلقات.
منى قعدت تضحك.
ضحكة عصبية، شبه البكاء.
الحاجة سعاد زعقت
إنتِ بتضحكي على إيه؟!
منى بصّت لها وقالت
أصلها قالتلنا نرجع بيتنا…
طلع حتى الكراتين إيجارها علينا.
الحاجة سعاد رمت الورقة.
لكن أحمد فضل باصص لها.
لأن الفاتورة دي كانت أصغر حساب دفعوه.
الحساب الحقيقي كان أكبر بكتير.
كان تمن 8 سنين عاشوها وهم فاكرين إن كرم مريم ضعف.
بعد ست شهور…
مريم كانت واقفة في تراس شقتها الجديدة قدام البحر.
المكان كان مختلف تمامًا عن الفيلا.
أصغر.
أهدى.
وأجمل بالنسبة لها.
لأن كل ركن فيه اختارته لنفسها.
برونو كان نايم على كرسي في الشمس.
شركة مريم كملت شغلها.
وبعد ما راجعت نظامها المالي بالكامل، غيرت صلاحيات الحسابات، وشددت الرقابة على التحويلات والتوقيعات.
القضية المالية كانت ماشية في طريقها القانوني.
والطلاق انتهى.
في صباح يوم هادي، وصل لمريم ظرف.
فتحته.
آخر ورقة رسمية كانت مستنياها.
بصّت عليها.
ثم وقّعت.
مفيش دموع.
مفيش ندم.
حطت القلم على الترابيزة.
ومشت ناحية التراس.
بعد دقائق، رن موبايلها.
رقم مش مسجل.
ردت.
ألو؟
صوت الحاجة سعاد.
مريم عرفته فورًا.
لكن الصوت المرة دي مكنش فيه نفس القوة.
مريم…
سكتت.
مريم قالت
نعم؟
أنا… كنت عايزة أقولك حاجة.
مريم انتظرت.
الحاجة سعاد أخدت نفس.
يمكن أنا قسيت عليكي شوية.
مريم ابتسمت.
شوية.
بعد كل اللي حصل، لسه مش قادرة تقول أنا غلطت.
سعاد كملت
وإحنا في الآخر كنا عيلة… وأحمد حالته وحشة جدًا.
مريم سألتها
حضرتك عايزة إيه؟
سعاد سكتت.
وبعدين قالت
لو ممكن تساعديه في الفلوس اللي عليه… وبعدها كل واحد يروح لحاله.
مريم ضحكت.
مش ضحكة شماتة.
ضحكة واحدة أخيرًا فهمت كل شيء.
حتى الاعتذار…
كان طلب فلوس.
قالت بهدوء
فاكرة آخر حاجة قلتيهالي قبل ما تسافري؟
الحاجة سعاد سكتت.
مريم كملت
قلتيلي أنضف البيت وأخد بالي من القطة… لأن ده الحاجة الوحيدة اللي أنفع فيها.
مريم، أنا…
قاطعتها
عملت بنصيحتك.
سعاد ما فهمتش.
مريم بصّت حوالين شقتها الجديدة.
نضفت حياتي كلها.
وسكتت لحظة.
وبرونو كويس جدًا.
ثم أنهت المكالمة.
حطت الموبايل على الترابيزة.
برونو قام من مكانه، قرب منها وحك راسه في إيدها.
مريم شالته وضحكت.
قدامها كان البحر واسع.
مفيش حد بيقول لها تعمل إيه.
مفيش حد بيفتح دولابها.
مفيش حد بيصرف من حسابها.
ومفيش راجل واقف ساكت وهي بتتهان.
بعد 8 سنين، مريم فهمت إن أكبر غلطة عملتها مكانتش إنها دفعت فلوس كتير.
ولا إنها اشترت فيلا ب مليون.
ولا حتى إنها وثقت في أحمد.
أكبر غلطة كانت إنها فضلت تحاول تثبت قيمتها لناس مستفيدين من إنها تشك فيها.
الحاجة سعاد كانت فاكرة إن لما قالت لها
إنتِ آخرك تنظفي.
إنها كسرتها.
لكن الجملة عملت العكس تمامًا.
خلّت مريم تبدأ التنضيف الحقيقي.
شالت من حياتها الناس اللي كانوا بيهينوها.
قفلت الحساب اللي كانوا عايشين منه.
باعت البيت اللي حولوه لسجن.
واحتفظت بحاجة واحدة فقط من الحياة القديمة…
برونو.
أما البيت؟
اتباع.
والجواز؟
انتهى.
والفلوس؟
رجع جزء كبير منها بالطريق القانوني، والباقي فضلت الإجراءات ماشية لاسترداده.
وأحمد؟
لأول مرة في حياته اضطر يدفع حساب قراراته بنفسه.
أما الحاجة سعاد…
ففضلت محتفظة بالفاتورة اللي وصلتها بعد رجوعها من باريس.
فاتورة مخزن صغير، وسط التراب والورش، فيها تمن الاحتفاظ بالشنط والفساتين والحاجات اللي كانت يومًا بتتباهى بيها.
وكانت المفارقة إن الست اللي قالت لمريم إنها لا تصلح إلا لتنظيف البيوت…
هي نفسها خسرت البيت اللي كانت بتتصرف فيه كأنه ملكها.
وفي مساء هادي، وقفت مريم قدام البحر، رفعت كوب القهوة، وبصّت للشمس وهي بتختفي في الأفق.
ثم قالت لنفسها جملة واحدة
كان لازم أعمل كده من زمان.
وبعدها دخلت شقتها وقفلت باب التراس.
مش لأنها كانت خايفة من حد يدخل…
لكن لأنها أخيرًا بقت تملك الحق في تحديد مين يدخل حياتها…
ومين يفضل برّه.
النهاية.