بعد 8 سنين
سعاد.
مش علشان منى.
علشان مريم.
فقط.
وفي الوقت نفسه…
على بعد آلاف الكيلومترات…
كان التلاتة عايشين أحلى أيامهم في باريس.
الحاجة سعاد ماشية في الشوارع كأنها مليونيرة.
منى داخلة من محل لمحل.
وأحمد شايل أكياس المشتريات.
كلهم كانوا بيشتروا.
ويصرفوا.
ويختاروا أغلى الحاجات.
لأنهم كانوا مقتنعين بحاجة واحدة
فلوس مريم لسه فلوسهم.
بالليل دخلوا مطعم فرنسي فاخر.
إضاءة هادية.
موائد مرتبة.
خدمة راقية.
الحاجة سعاد فتحت المنيو وقالت
النهارده محدش يبص في الأسعار.
منى ضحكت.
ما إحنا جايين ننبسط بقى.
طلبوا محار.
ونبيذ فرنسي فاخر.
ولحمة بالترافل.
وحلويات.
وكل حاجة تقريبًا من أغلى الموجود في القائمة.
لما خلصوا…
الجرسون جاب الحساب.
أحمد بصّ للرقم.
ولا اهتم.
مد إيده في المحفظة.
وطلع الكارت الذهبي.
الكارت الإضافي المرتبط بحساب مريم.
مده للجرسون بثقة.
اتفضل.
الجرسون أخد الكارت ومشي.
الحاجة سعاد كانت بتحكي عن الشنطة اللي ناوية تشتريها بكرة.
منى قالت
وأنا شفت ساعة تحفة، بس غالية شوية.
أحمد ضحك.
اشتريها. إحنا مش كل يوم بنيجي باريس.
بعد دقيقتين…
الجرسون رجع.
وفي إيده الكارت.
ملامحه كانت محرجة.
عذرًا يا فندم… الكارت اترفض.
ابتسامة أحمد اختفت.
إيه؟
عملية الدفع متمتش.
أحمد أخد الكارت.
جربه تاني.
الجرسون جرب.
ورجع.
للأسف… مرفوض.
الحاجة سعاد قالت بعصبية
مستحيل. جرب كارت تاني.
أحمد طلع كارت تاني.
اترفض.
منى طلعت الكارت بتاعها.
اترفض.
الحاجة سعاد بدأت تعلي صوتها
إنتوا عندكم مشكلة في الماكينة ولا إيه؟!
الناس بدأت تبص عليهم.
أحمد حسّ إن وشه سخن.
طلع الموبايل بسرعة.
فتح تطبيق البنك.
دخل على الكروت.
وسكت.
كل الكروت الإضافية…
موقوفة.
الحد المتاح
صفر.
الرصيد المتاح للاستخدام
صفر.
أحمد قرب الموبايل من وشه كأنه مش مصدق اللي شايفه.
الحاجة سعاد سألته
في إيه؟
أحمد ما ردش.
أحمد! بقولك في إيه؟
قال بصوت واطي
الكروت اتقفلت.
يعني إيه اتقفلت؟
منى شهقت
كلها؟!
أحمد بدأ يتصل بمريم.
رن.
مرة.
مرتين.
ثلاثة.
مفيش رد.
اتصل تاني.
مفيش رد.
الحاجة سعاد بدأت تصرخ وسط المطعم
هي اتجننت؟! تسيبنا في بلد غريبة من غير فلوس؟!
أحمد اتصل للمرة الخامسة.
لكن قبل ما المكالمة تكمل…
موبايله اهتز.
رسالة.
من مريم.
التلاتة قربوا من الشاشة.
أحمد فتحها.
كانت جملة واحدة فقط
ارجعوا بيتكم.
الحاجة سعاد قرأت الرسالة.
وسكتت.
منى بصّت لأخوها.
هي تقصد إيه؟
أحمد فضل باصص للشاشة.
لأول مرة، بدأ يحس إن في حاجة غلط.
حاجة أكبر بكتير من مجرد كروت بنكية اتقفلت.
أما مريم…
فكانت في اللحظة نفسها قاعدة قدام البحر، وبرونو نايم جنبها.
حطت الموبايل على وضع الصامت.
وبصّت للأمواج.
لأن أحمد وأمه وأخته لسه فاكرين إن أسوأ حاجة حصلت لهم هي إن الكروت وقفت في مطعم بباريس.
ماكانوش يعرفوا إن البيت اللي مريم طلبت منهم يرجعوا له…
مبقاش بيتهم أصلًا.
وإن لما يرجعوا القاهرة ويفتحوا بوابة الفيلا…
هيكتشفوا إن حد تاني بقى عايش فيها.
وإن كل هدومهم وشنطهم وحاجاتهم…
مستنياهم جوه مخزن صاج رخيص على أطراف المدينة.
لكن حتى دي…
ماكنتش المفاجأة الأكبر.
لأن مريم وهي بتراجع حساباتها قبل ما تقفل اللابتوب…
اكتشفت حاجة خلتها تقعد مستقيمة في مكانها.
عملية مالية قديمة.
مبلغ ضخم.
وتوقيع باسمها…
هي عمرها ما عملته.
وساعتها فهمت إن أحمد وأمه ماكانوش بس بيستغلوها.
كان في حاجة تانية بتحصل من ورا ضهرها بقالها شهور.
وحسابها الحقيقي…
لسه مبدأش.
يتبع في الجزء الثالث والأخير…
الجزء الثالث والأخير
أحمد فضل باصص لرسالة مريم كأنه مستني الكلمات تتغير لو ركز فيها أكتر.
ارجعوا بيتكم.
الحاجة سعاد خطفت الموبايل من إيده.
يعني إيه ارجعوا بيتكم؟! ما إحنا هنرجع طبعًا! هي فاكرة نفسها بتطردنا ولا إيه؟
منى كانت أقل ثقة.
بصّت لأخوها وقالت
أحمد… أنا حاسة إن في حاجة مش طبيعية.
الحاجة سعاد زعقت فيها
حاجة إيه؟! دي واحدة بتعمل علينا نمرة علشان زعلت إننا مخدناهاش باريس.
وبصّت لأحمد.
كلمها وقل لها تفتح الكروت فورًا.
أحمد اتصل.
مفيش رد.
اتصل تاني.
مفيش رد.
بعت رسالة
مريم، افتحي الكروت. إحنا في مطعم وموقفنا وحش.
شاف علامتي الاستلام.
لكن مفيش رد.
كتب
إنتِ بتعاقبيني علشان موضوع السفر؟ لما نرجع نتكلم.
مفيش رد.
الحاجة سعاد كانت بتغلي.
هاتلي الموبايل وأنا أعرف أتكلم معاها.
أخدت التليفون وسجلت رسالة صوتية
اسمعي يا مريم، الهزار ده ميصحش. إحنا في بلد غريبة وإنتِ قافلة علينا الفلوس؟ افتحي الكروت حالًا، ولما نرجع هنتفاهم على قلة الأدب دي.
بعتت الرسالة.
مرت دقيقة.
اتنين.
خمسة.
ولا رد.
وفي النهاية، اضطر أحمد يدفع حساب المطعم من مبلغ صغير كان موجود في حساب شخصي قديم ليه.
خرجوا من المطعم من غير ما حد فيهم يتكلم.
أكياس المشتريات اللي كانوا شايلينها من الصبح فجأة بقت تقيلة.
ومتعة باريس اختفت.
لأنهم لأول مرة من سنين…
كانوا واقفين في مكان غالي من غير فلوس مريم.
تاني يوم، أحمد حاول يستخدم الكارت في الفندق.
مرفوض.
الحاجة سعاد حاولت تشتري شنطة كانت حجزاها.
مرفوض.
منى حاولت تدفع تمن ساعة.
مرفوض.
حتى حساب الفندق نفسه كان فيه مبلغ متبقي لازم يتدفع عند المغادرة.
وساعتها بدأت المشكلة الحقيقية.
الحاجة سعاد قالت
اتصل بالبنك.
الكروت إضافية يا ماما. مريم هي صاحبة الحساب الأساسي.
يعني إيه؟!
يعني البنك مش هيفتحهم من غيرها.
الحاجة سعاد ضربت كف بكف.
يا نهار أسود! يعني إحنا كنا ماشيين طول السنين دي بكروت باسمها؟!
أحمد بصّ لها.
الحقيقة إنهم كلهم كانوا عارفين.
لكن طول ما الفلوس موجودة، محدش كان مهتم باسم صاحبها.
لأول مرة، الاسم بقى مهم.
مريم عبد الرحمن.
الست اللي سابوها في البيت علشان تنضف.
في شرم الشيخ، كانت مريم قاعدة قدام اللابتوب.
لكنها مكانتش بتتفرج على البحر المرة دي.
قدامها كشوف حسابات آخر سنة.
فتحت العملية اللي لفتت نظرها.
تحويل مالي كبير.
3 ملايين و ألف جنيه.
التحويل خارج من حساب تابع لشركتها، ومتوجه لشركة اسمها
الأفق للاستشارات التجارية.
مريم عقدت حواجبها.
الاسم مش غريب.
لكنها مش فاكرة إنها تعاملت معاهم.
فتحت ملفات الشركة.
دورت.
لقت عقد خدمات استشارية.
وعليه توقيع باسمها.
فضلت باصة للتوقيع.
كان شبه توقيعها.
شبهه جدًا.
لكن مش توقيعها.
مريم كانت بتوقع اسمها بطريقة معينة من أيام الجامعة.
حرف صغير في آخر التوقيع عمرها ما نسيته.
التوقيع الموجود على العقد مفيهوش الحرف ده.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
اتصلت بمدير الحسابات في شركتها.
أستاذ حسام، محتاجة منك حاجة ومحدش يعرف عنها.
تحت أمرك يا فندم.
شركة الأفق للاستشارات التجارية. عايزة كل ورقة وكل تحويل وكل فاتورة تخصهم من أول يوم تعاملنا معاهم.
سكت حسام.
في مشكلة؟
لسه معرفش.
وبعد أقل من ساعة، الملفات كانت عندها.
مريم بدأت تقرأ.
كل ما تقرأ ورقة، وشها يتغير أكتر.
شركة الأفق اتأسست من حوالي سنة.
صاحبها شخص اسمه طارق شوقي.
لكن لما مريم طلبت بيانات الشركاء والمستفيدين الحقيقيين…
ظهر اسم تاني.
أحمد محمود السيد.
جوزها.
مريم رجعت بظهرها للكرسي.
فضلت ساكتة.
الموضوع مكانش 3 ملايين و ألف بس.
كان فيه تحويلات أصغر.
420 ألف.
650 ألف.
900 ألف.
مبالغ متفرقة تحت مسميات مختلفة.
استشارات.
دراسة سوق.
عمولات.
خدمات لوجستية.
الإجمالي…
أكتر من 7 ملايين جنيه.
مريم حطت إيديها على بقها.
مش من الحزن.
من الصدمة.
أحمد مكانش ساكت على إهانة أمه لمريم لأنه ضعيف.
أحمد كان مستفيد.
كان عايش على فلوسها…
وفي نفس الوقت بيسحب من شركتها من ورا ضهرها.
والأصعب…
إن بعض المستندات كانت تحمل توقيعها المزور.
مريم قفلت اللابتوب.
وقامت.
برونو كان نايم على الكنبة.
قربت من الشباك.
قدامها البحر.
ومن بعيد كانت الشمس بتنزل على الميه.
8 سنين.
افتكرت كل مرة أحمد قال لها
إنتِ مكبرة الموضوع.
كل مرة أمه أهنتها وهو سكت.
كل مرة أخته أخدت حاجة من حاجتها وقال لها
سيبيها تفرح.
كل مرة طلب منها فلوس.
كل مرة استخدم كروتها.
كل مرة أقنعها إنها حساسة زيادة.
دلوقتي فهمت.
هو مكنش بيحاول يحافظ على البيت.
هو كان بيحافظ على مصدر دخله.
مريم فتحت الموبايل.
واتصلت بمحامي الشركة.
أستاذ خالد؟
أيوه يا أستاذة مريم.
محتاجة أقابلك بكرة الصبح.
خير؟
مريم بصّت للملفات.
عندي شبهة تزوير توقيع وتحويل أموال من الشركة من غير موافقتي.
صوت المحامي اتغير فورًا.
معاكي المستندات؟
كلها.
متكلميش أي حد في الموضوع.
مش هتكلم.
ولا حتى جوزك.
مريم سكتت لحظة.
ثم قالت
هو أول واحد مش هكلمه.
بعد يومين، أحمد قرر يقطع الرحلة ويرجع مصر.
مكنش عنده اختيار.
الحاجة سعاد كانت طول الطريق بتتوعد.
أنا أول ما أشوفها هعرفها مقامها.
منى قالت
يا ماما، يمكن نهدى الأول ونفهم حصل إيه.
الحاجة سعاد بصّت لها بغضب.
نفهم إيه؟! هي اللي قفلت علينا الكروت ومرمطتنا في باريس!
أحمد كان ساكت.
من وقت ما اكتشف إن الكروت كلها اتقفلت، وفي خوف صغير بدأ يكبر جواه.
لكن الخوف مكانش من الفيلا.
كان من حاجة تانية.
كان بيفتح موبايله كل شوية ويراجع إيميله.
هل مريم اكتشفت؟
لا.
مستحيل.
الموضوع متغطي كويس.
أقنع نفسه بكده طول رحلة العودة.
وصلوا القاهرة بعد الظهر.
خرجوا من المطار مرهقين ومتعصبين.
ركبوا عربية ووصلوا للفيلا.
أول ما العربية وقفت قدام البوابة…
الحاجة سعاد قالت
أخيرًا.
نزلت.
وقبل ما تمد إيدها للجرس، لاحظت حاجة.
في لوحة جديدة جنب المدخل.
اسم مركز طبي.
الحاجة