بعد 8 سنين

وهي تبص من الشباك للحاجة سعاد ومنى وأحمد وهما بيتصوروا في الجنينة قبل السفر.
وقالت
أيوه يا أستاذ شريف… فاكر لما قلتلي إن لو فكرت أبيع الفيلا في أي وقت عندك مشتري جاهز يدفع فورًا؟
سكت الرجل لحظة.
أيوه طبعًا فاكر.
مريم ضمت العقود لصدرها.
وقالت بهدوء
كلمه.
حضرتك قررتي تبيعي؟
مريم بصّت ناحية عيلتها للمرة الأخيرة.
ثم قالت
أيوه.
وسكتت ثانية قبل ما تضيف
وعايزة البيع يتم بأسرع وقت ممكن.
لأن العيلة دي كانت على وشك تروح باريس…
من غير ما تتخيل إن رجوعها للقاهرة هيكون بداية الحساب الحقيقي.
يتبع في الجزء الثاني…
الجزء الثاني
يوم السفر، الحاجة سعاد خرجت من الفيلا وكأنها ملكة خارجة من قصرها.
كانت لابسة نضارة شمس غالية، ومعطف أبيض شيك جدًا…
طبعًا مريم هي اللي كانت دافعة تمنه.
وكانت بتجر وراها شنطة سفر ضخمة لدرجة إن السواق مقدرش يرفعها لوحده، واضطر يطلب من واحد من العمال يساعده علشان يحطها في العربية.
الحاجة سعاد وقفت عند باب الفيلا، ولفّت ناحية مريم.
بصّت لها من فوق لتحت وقالت بنبرة أوامر
وخلي بالك من اللي قلتلك عليه.
مريم ما ردتش.
الحاجة سعاد كملت
بلاش بقى تعيشي الدور وإحنا مش موجودين وتعملي نفسك ست البيت. الفيلا دي كلها تتنضف من أولها لآخرها قبل ما نرجع.
وبعدين أشارت ناحية القطة وقالت بسخرية
وخدي بالك من برونو كويس… أهو ده على الأقل شغل تعرفي تعمليه.
منى، أخت أحمد، ضحكت وهي بتحط شنطتها الصغيرة في العربية.
يا ماما سيبيها بقى، إحنا هنتأخر على المطار.
الحاجة سعاد نفخت بضيق.
أنا بس بفهمها تعمل إيه علشان منرجعش نلاقي البيت متبهدل.
مريم فضلت واقفة مكانها.
هادية جدًا.
لدرجة إن هدوءها نفسه كان غريب.
بعدها أحمد خرج من البيت وهو ماسك موبايله.
قرب من مريم.
وللحظة، مريم افتكرت إنه جاي يودعها.
يمكن يحضنها.
يمكن حتى يقول لها إنه آسف على اللي حصل امبارح.
لكن أحمد وقف جنبها، ووطّى صوته علشان أمه متسمعش وقال
صحيح… عليتي الحد بتاع الكارت؟
مريم بصّت له.
أنهي كارت؟
أحمد اتضايق.
الكارت بتاعي يا مريم. إنتِ عارفة إن ماما ناوية تشتري حاجات كتير من باريس، وأنا مش عايز الكارت يقف وإحنا هناك وأتحرج قدامهم.
ثواني عدت.
مريم فضلت باصة في وش الراجل اللي كانت متجوزاه بقالها 8 سنين.
8 سنين كاملة.
وفي آخر لحظة قبل سفره…
ده كان أهم شيء بالنسبة له.
مش زعلها.
مش كرامتها.
مش حقيقة إن أمه وأخته أهانوها قدامه.
لأ.
كان أهم شيء بالنسبة له هو
الكارت.
مريم ردت بمنتهى الهدوء
أيوه.
ملامح أحمد ارتاحت فورًا.
تمام.
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
رحلة سعيدة.
الله يسلمك.
ولا حضنها.
ولا حتى باسها.
لف وركب العربية.
مريم فضلت واقفة عند الباب.
الحاجة سعاد كانت في الكنبة الخلفية بتتكلم بحماس عن الأماكن اللي ناوية تروحها.
منى كانت بتصور نفسها بالموبايل.
وأحمد كان بيراجع حجوزات الرحلة.
السواق شغّل العربية.
البوابة الحديد الكبيرة بدأت تتفتح.
وبعد ثواني…
العربية خرجت.
مريم فضلت مكانها لحد ما شافتها بتبعد في الشارع.
لحد ما اختفت تمامًا.
البوابة اتقفلت.
والفيلا سكتت.
مريم نزلت عينيها.
برونو كان بيلف حوالين رجليها وبيحك جسمه فيها.
انحنت وشالته.
بقينا لوحدنا يا برونو.
دخلت الفيلا.
بصّت حواليها.
الصالون الفخم.
السفرة الرخام.
السلم الكبير.
النجف.
اللوحات.
كل حاجة كانت اشترتها بفلوسها.
ومع ذلك، طول الشهر اللي عاشوا فيه هنا، كانت الحاجة سعاد بتتصرف كأن الفيلا ملكها.
حتى مريم نفسها كانت بتعاملها كأنها ضيفة.
لكن ده انتهى.
مريم طلعت موبايلها.
فتحت الأسماء.
واختارت رقمًا كانت محتفظة بيه من سنين.
داليا شريف.
صاحبتها من أيام الجامعة.
بعد التخرج، داليا دخلت مجال العقارات، ومع السنين بقت واحدة من أقوى الوسطاء العقاريين في القاهرة، خصوصًا في الفيلات والعقارات الفخمة.
مريم ضغطت اتصال.
ألو؟
داليا.
مريم! إزيك يا بنتي؟ عاش من سمع صوتك.
مريم دخلت مباشرة في الموضوع.
محتاجة أبيع الفيلا.
فيلا إيه؟
الفيلا اللي اشتريتها الشهر اللي فات.
داليا ضحكت في الأول، فاكرة إنها بتهزر.
إنتِ مجنونة؟ دي من أحسن الصفقات اللي عملتيها.
مريم قالت
عايزة أبيعها النهارده.
داليا سكتت.
النهارده؟!
أيوه.
مريم، إنتِ عارفة الفيلا دي تمنها كام؟ بيع عقار بالحجم ده محتاج وقت.
نزلي السعر.
قد إيه؟
بالقدر اللي يخلي حد يدفع كاش ويخلص فورًا.
إنتِ بتتكلمي جد؟
جد جدًا.
داليا سكتت كام ثانية.
وبعدين سألتها
في حاجة حصلت؟
مريم بصّت ناحية السفرة.
نفس المكان اللي كانت واقفة عنده لما الحاجة سعاد قالت لها إنها لا تصلح غير لتنظيف البيت.
بصّت للكرسي اللي كان أحمد قاعد عليه وهو ساكت.
وقالت
مفيش حاجة حصلت.
وسكتت لحظة.
ثم أضافت
في حاجات كتير خلصت.
داليا فهمت إن السؤال مش وقته.
طيب. إنتِ عايزة إيه بالضبط؟
مشتري كاش. ومحامي أو موثق يخلص الورق النهارده. عايزة قبل آخر اليوم الفيلا دي متبقاش باسمي.
متأكدة؟
مريم بصّت حوالين البيت للمرة الأخيرة.
عمري ما كنت متأكدة من قرار قد ده.
داليا بدأت تتحرك فورًا.
وبعد ساعتين تقريبًا…
البوابة اتفتحت من جديد.
دخلت عربية سوداء فخمة.
نزلت منها الدكتورة نادين حمدي.
واحدة من أشهر صاحبات مراكز التجميل والعناية بالبشرة في القاهرة، وكانت بتدور من فترة على مكان كبير وفخم تحوله لمركز خاص للعلاجات المتقدمة ومكافحة الشيخوخة.
أول ما دخلت الفيلا…
عينيها لمعت.
المكان رائع.
مريم أخدتها في جولة.
ورتها الصالون.
المطبخ.
الغرف.
التراس.
الجنينة.
الإضاءة الطبيعية.
والمساحات الواسعة.
الدكتورة نادين كانت كل ما تدخل مكان تقول
ممتاز.
ولما خرجت الجنينة، وقفت تتخيل شكل المكان بعد تحويله لمركز طبي فاخر.
أنا ممكن أبدأ تجهيز هنا تقريبًا فورًا.
مريم قالت
الفيلا هتتباع بالحاجات الثابتة فيها.
الدكتورة نادين بصّت لها.
والأثاث؟
نتفق عليه. لكن المتعلقات الشخصية كلها هتتشال النهارده.
السعر اللي عرضته مريم كان أقل من القيمة الحقيقية للفيلا بفارق واضح.
لدرجة إن الدكتورة نادين بصّت لداليا باستغراب.
السعر ده نهائي؟
مريم ردت
لو الدفع والتحويل النهارده.
الدكتورة مدت إيدها فورًا.
اتفقنا.
مفيش فصال.
مفيش مفاوضات.
مفيش وقت ضايع.
داليا اتصلت بالموثق والمحامي.
الأوراق اتجهزت بسرعة.
وقبل الساعة خمسة العصر…
مريم كانت قاعدة على نفس السفرة اللي الحاجة سعاد أهنتها عندها.
لكن المرة دي…
مكان تذاكر باريس، كانت موجودة عقود بيع الفيلا.
مريم مسكت القلم.
وقعت.
الدكتورة نادين وقعت.
وتم التحويل.
بعد دقائق، موبايل مريم اهتز.
فتحت تطبيق البنك.
المبلغ دخل حسابها.
فضلت باصة للشاشة كام ثانية.
داليا كانت مستنياها تبتسم.
أو تحتفل.
لكن مريم معملتش أي حاجة.
قفلت الموبايل.
وأخدت نفس طويل.
الإحساس اللي جواها مكنش فرحة.
كان…
راحة.
كأن حمل تقيل جدًا كان فوق صدرها بقاله 8 سنين واتشال فجأة.
بعدها وصلت عربيات النقل.
دخل مجموعة من العمال.
واحد منهم سألها
حضرتك، ننقل إيه؟
مريم أشارت ناحية الدور العلوي.
كل حاجة تخص أحمد والحاجة سعاد ومنى تتحط في كراتين.
نحط الهدوم إزاي؟
مريم ردت من غير تردد
زي ما تيجي.
العامل استغرب.
يعني منطبقهاش؟
لأ.
والحاجات القابلة للكسر؟
اللي يخصني أنا بس يتاخد بالراحة.
وسكتت لحظة.
حاجتهم هما… طلّعوها وخلاص.
وبدأ البيت يتفكك.
العمال فتحوا الدولايب.
الأدراج.
التسريحات.
الجزامات.
دولاب منى كان أول كارثة.
فساتين غالية اتسحبت واتحطت فوق بعضها.
جزمة بكعب وقعت فوق فستان سهرة.
شنط اتحدفت في كراتين.
علب ميكاب اتقفلت بالعافية.
وفي أوضة الحاجة سعاد…
الكريمات والبرفانات والشنط والإكسسوارات كلها دخلت في كراتين من غير ترتيب.
أما بدل أحمد…
فاتشالت من الشماعات واتحطت فوق بعضها كأنها شوية هدوم قديمة.
مريم كانت ماشية بينهم بمنتهى الهدوء.
لمّت حاجتها هي بس.
أوراقها.
مستندات الشركة.
مجوهراتها.
هدومها.
صور قليلة تخصها.
وبعدين راحت لركن برونو.
شالت سريره الصغير.
أطباقه.
ألعابه.
والبوكس بتاع السفر.
واحد من العمال سألها
طيب يا فندم، الحاجات دي كلها نوديها فين؟
مريم كانت مجهزة الإجابة.
أدت له عنوان مخزن رخيص في منطقة شعبية على أطراف القاهرة.
مخزن سقفه صاج.
حوله ورش عربيات.
وتراب.
وضوضاء.
وكلاب بلدي بتجري في الشارع.
مكان بعيد جدًا عن المستوى اللي الحاجة سعاد كانت شايفة إنها تستحقه.
العامل سأل
كله هناك؟
مريم قالت
كله.
وبعد العصر، خرج آخر كرتونة من الفيلا.
مريم وقفت وسط الصالون الفاضي.
الصوت كان بيرد من الحيطان.
الدكتورة نادين وصلت تستلم المكان.
مريم مدت لها المفاتيح.
مبروك.
شكرًا. بس بجد، إنتِ متأكدة إنك مش هتندمي؟
مريم بصّت ناحية السلم.
وبعدين ابتسمت.
بالعكس.
سلمتها المفاتيح.
وخرجت.
من غير ما تبص وراها.
بعد ساعات…
كانت مريم في المطار.
لكنها مش رايحة باريس.
حجزت رحلة لشرم الشيخ.
دخلت صالة كبار الزوار، وبرونو نايم بهدوء جنبها في الحقيبة المخصصة له.
فتحت اللابتوب.
وبدأت تتصفح العقارات.
شقة واسعة.
إطلالة مباشرة على البحر.
تراس كبير.
خصوصية.
وأهم شيء…
بعيدة عنهم.
اختارت شقة فاخرة في منتجع راقٍ على البحر.
ودفعت مقدم الحجز.
لأول مرة من 8 سنين…
مريم كانت بتشتري حاجة علشان هي عايزاها.
مش علشان ترضي أحمد.
مش علشان الحاجة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *