عدل ربنا في قاعة المحكمة حكايات انجى الخطيب

اتنازلت عن كل حاجة لجوزي وانا حامل وعلي وش ولادة وطلبت من قاضي محكمة الاسرة الطلاق في الوقت اللي عشيقة جوزي ضحكت فيه بس قاعة المحكمة بقت ساكتة خالص لما القاضي نادى على بنت صغيرة كشفت اللي عمله أبوها و”الست اللئيمة”…..
قاعة المحكمة في مديرية الغربية في الدلتا بقت ساكتة وقفت إيمان كامل جنب المحامي بتاعها وهي ساندة بإيد واحدة على بطنها المنفوخة حامل في الشهر الثامن ووشها مخطوف من الارهاق وقلة النوم و الناحية التانية من الممر كان قاعد تامر وهو ضامم سنانه على بعض وبدلته الكحلي الغالية مفيهاش غلطة ومكوية تمام وخاتم الجواز ملوش أثر في إيده وجنبه كانت قاعدة مستريحة فريدة بسيوني عشيقته عندها واحد وتلاتين سنة ومظبطة نفسها وحلوة وبتتسم كأنها كسبت كاس وكل كام ثانية تميل على تامر وتوشوشه بحاجة تخلي طرف بقه يتحرك ابتسامة عدلت القاضية ميرفت شاكر نظارتها “مدام إيمان الطلب المكتوب بيقول إنك طالبة الطلاق الفوري ومتنازلة عن حقك في شقة الزوجية وحساب التوفير والعربيتين ونصيب الأستاذ تامر في الشركة الكلام ده صحيح؟” طلعت همهمة في قاعة المحكمة ومحامي إيمان اتخشب “يا سيادة القاضي موكلتي فاهمة —”
​قالت القاضية “أنا سألت المدام إيمان” رفعت إيمان دقنها “أيوه يا سيادة القاضية أنا رافضة آخد أي حاجة من الحاجة المشتركة يقدر يحتفظ بيها كلها” ضحكت فريدة ومش ضحكة متوترة ده صوت عالي ورخم وشوشها تامر “فريدة” بس هي مخبتش بوقها إلا بعد فوات الأوان وعينيها بتلمع وهي بتبص لإيمان بصت القاضية ميرفت من فوق منصتها “يا مدام فريدة أي حركة تانية وهتتطردي بره” كملت إيمان وصوتها بيترعش بس واضح “أنا مش عايزة الشقة اللي جابها فيها وأنا كنت بكشف عند دكتور النسا مش عايزة الفلوس اللي اشترى لها بيها الدهب مش عايزة العربيات ولا العفش ولا أي حاجة لمسها وهو بيكدب عليا أنا عايزة بس ابني يتولد بعيد عنه” وقف تامر على رجليه بسرعة “ده تلعب بالمشاعر هي مش متزنة وبتحاول تطلعني وحش” قالت القاضية “اقعد يا أستاذ تامر” قعد بس وشه بقى دم ولعت فيه بصت إيمان عليه علطول “أنت خلاص خدت الحاجة المهمة” ابتسمت فريدة تاني بس المرة دي قفلت القاضية الدوسيه اللي قدامها ووقفت
​”قبل ما أحكم في أي حاجة” قالت القاضية ميرفت بالراحة “في حاجة لازم المحكمة دي تشوفها قبل الجلسة قابلت بنت صغيرة في الطرقة كانت بتعيط جنب مكنة الحواجة اللي بتبيع الحاجة الساقعة ووشوشت في ودني باللي عمله أبوها مع الست اللئيمة” وش تامر هرب منه الدم ولفت القاضية لعسكري المحكمة “لو سمحت دخل البنت دي قاعة المحكمة” وقفت ضحكة فريدة في ثانية ومسك تامر الترابيزة جامد لحد ما عقل صوابعه ابيضت وعند الببان الورانية ظهرت بنت صغيرة لابطة جاكتة صفراء وماسكة في إيدها أرنب دبدوب ومحضناه لإيمان اتخضت وخدت نفسها بالعافية دي كانت ليلى بنت تامر اللي عندها ست سنين…..
……….
إيمان شهقت، وحطت إيدها التانية على بوقها والدموع نزلت مغرقة وشها وهي مش مصدقة: “ليلى؟! إيه اللي جابك هنا يا بنتي؟ ومين اللي جابك من عند تيتة؟”
​ليلى كانت بتعيط وصوت شهقاتها الصغير مالي القاعة الساكتة، مشيت بخطوات بطيئة وهي جارة رجليها وضامة الأرنب الدبدوب لحضنها جامد، وعينيها بتلف في المكان بخوف لحد ما لقطت أبوها.
​تامر وقف طوله فجأة، وشه اتقلب ألوان وجسمه كله بقا بيترعش، زعق بصوت مكتوم ومرعوب: “ليلى! أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ ومين اللي سمح لكِ تدخلي اصلاً؟”
​القاضية ميرفت خبطت بالشاكوش خبطة واحدة قوية هزت القاعة: “اقعد يا أستاذ تامر ومتقاطعش المحكمة، وإلا هأمر بحبسك بتهمة إهانة الهيئة!”
​تامر قعد وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه، وبص لفريدة اللي وشها ابيضّ تماماً والابتسامة اتمست من على وشها وحلت مكانها نظرة رعب وهي بتبص للبنت.
​القاضية شاورت لليلى بحنية: “تعالي يا ليلى، تعالي يا حبيبتي وماتخافيش من حد.. قولي لطنط القاضية اللي قولتيهولي بره في الطرقة، قولي لـ ماما الحقيقة.”
​ليلى قربت من منصة القضاء، وبصت لأمها اللي كانت هتقع من طولها والمحامي بيسندها، وقالت بصوت طفولي ومبحوح من العياط: “يا ماما.. أنا مكنتش عند تيتة يوم الخميس اللي فات.. بابا جه خدني من المدرسة ووداني الشقة الكبيرة اللي فيها جنينة، وقال لي العبي في الأوضة وجاب لي تابلت وقفل عليا الباب.”
​إيمان بصت لتامر بنظرة كلها قرف وذهول: “قفت عليها الباب يا تامر؟ بنتك؟”
​ليلى كملت وهي بتبكي وتفرك في عينيها: “أنا جعت وكنت عايزة أشرب، فتحت الباب براحة وخرجت.. سمعت بابا والطنط دي..” شاورت بصابعها الصغير على فريدة اللي اتنفضت من مكانها: “.. كانوا قاعدين في الصالة، وبابا كان ماسك ورق كتير وبيضحك، وقال لها: (خلاص يا فوفا، الشقة والشركة بقوا باسمك، والغباء بتاع إيمان مخليها تمضي على كل حاجة وهي مش دارية وبتقول ده ورق القرض بتاع المستشفى عشان الولادة).. والطنط دي ضحكت وقالت له: (أهو كده غارت في داهية هي واللي في بطنها ونبقى خلصنا من قرفها).”
​القاعة كلها اتقلبت، همهمات وزعيق من الناس، ومحامي إيمان وقف وهو بيزعق: “يا سيادة القاضية! ده تزوير واستغلال لحالة موكلتي الصحية، دي جريمة كاملة الأركان!”
​فريدة وقفت تصرخ زي المجنونة: “كدابة! البنت دي كدابة وأمها ومحفظاها الكلام ده عشان تاخد الفلوس! أنتِ هتصدقي عيلة عندها ست سنين؟!”
​القاضية ميرفت شاورت بحدّية لعسكري المحكمة: “هات الورق اللي في إيد الأستاذ تامر فوراً.”
​تامر حاول يخبي الشنطة الجلد اللي معاه ورا ضهره، بس العسكري شدها منه بالقوة وطلع منها الدوسيهات وقدمها للمنصة. القاضية فتحت الورق وعينيها كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، وشها ملامحه اتغيرت وبقت غضبانة جداً، وبصت لتامر وفريدة بنظرة موت.
​القاضية ميرفت زعقت بقوة: “الورق ده عقد بيع وتنازل مؤرخ من أسبوعين، مستغلين فيه توكيل عام كانت المدام عملاه لجوزها، ومكتوب فيه إنها باعت كل أملاكها وشركتها لفريدة بسيوني بمبلغ وهمي! ده مش بس تزوير ونصب، ده غدر وخسة!”
​إيمان حست بركبتها مش شايلاها، ووقعت على الكرسي وهي بتنهج وصوت نفسها عالي، والوجع بدأ يمسك في بطنها فجأة، صرخت بوجع: “آآآه.. بطني.. يا سيادة القاضية الحقيني.. أنا بولد!”
​المحامي صرخ: “طلب إسعاف بسرعة يا حرس!”
​تامر جه يجري على إيمان وهو بيصطنع الخوف: “إيمان! حبيبتي أنا—”
​إيمان رفعت إيدها وهي بتترعش وزقته بعيد عنها بكل قوتها: “ابعد عني.. متلمسنيش.. يا رب تموت أنت وهي.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفيها.”
​القاضية ميرفت وقفت بكل هيبتها، وبصت للحرس وزعقت: “يتحفظ فوراً على المدعو تامر والمدعوة فريدة بسيوني، وتحويلهم للنيابة العامة بتهمة النصب والتزوير واستغلال الأوراق، مع وقف أي إجراءات نقل ملكية.” وبصت لإيمان اللي كانت بتصرخ والمحامين والستات في القاعة ملمومين حواليها بيحاولوا يسندوها: “حكمت المحكمة غيابياً وبإجماع الآراء، بطلاق المدعية إيمان كامل من المدعى عليه تامر طلاقاً بائناً للضرر، مع احتفاظها بكامل حقوقها الشرعية ونفقة المتعة وحضانة أطفالها، والتحفظ على أموال المتهمين لحين انتهاء التحقيقات الجنائية! رفعت الجلسة!”
​الحرس هجموا على تامر وفريدة وكلبشوا إيديهم وسط صراخ فريدة وشتيمتها في تامر، وتامر اللي انهار تماماً وبقى يبص للأرض بقمة الخزي والعار وهو شايف بنته ليلى بتجري على حضن أمها اللي كانت بتنقلها الإسعاف، والناس في القاعة بتدعي عليهم وبتسقف لحكم العدالة.
……..
الإسعاف أخدت إيمان ودموعها مش راضية تقف، ماسكة في إيد ليلى وبطنها بتتحجر من الوجع، والدكاترة حواليها بيجروا عشان يلحقوا الجنين. وفي نفس اللحظة، جوه قاعة المحكمة، كان تامر وفريدة بيتسحلوا والكلابشات في إيديهم وسط نظرات القرف من كل اللي واقفين. فريدة كانت بتصرخ في تامر بهستيريا: “أنت اللي ضيعتني! منك لله.. كله بسبب فكرتك السودة!” وتامر وشه في الأرض مش قادر يرفع عينه في حد، هيبته والبدلة الغالية وفلوسه وكل حاجة ضاعت في ثانية، وبقى مجرد متهم بجريمة تزوير ونصب رخيصة.
​بعد ساعتين في مستشفى طنطا الجامعي، كانت إيمان في أوضة العمليات، والمحامي بتاعها واقف بره مع ليلى الصغيرة اللي كانت ضامة الأرنب ومستنية أمها بخوف. الدكتور خرج وهو بيمسح عرق من على جبينه وابتسم أول ما شاف ليلى: “مبروك يا جماعة، المدام قامت بالسلامة وجابت ولد زي الفل، رغم كل الضغط اللي مرت بيه، ربنا كتب لهم عمر جديد.” المحامي اتنفس الصعداء ووليلى تنططت من الفرحة وهي بتقول: “ماما هتبقى كويسة يا عمو؟ وأخويا جه؟” الدكتور طبطب عليها: “آه يا حبيبتي، ماما بطلة وبقت كويسة خالص.”
​لما إيمان فاقت ودخلت أوضتها، الممرضة جابت لها البيبي الصغير وحطته في حضنها. إيمان بصت لوشه الملايكي، وحست إن كل الوجع والخيانة والتعب اتبخروا. ليلى جريت عليها وحضنتها: “حمد الله على السلامة يا ماما.. أنا أسفة إني خبيت عليكي.” إيمان بوست رأسها ودموعها نازلة: “أنتِ اللي أنقذتينا يا ليلى، ربنا اللي بعتك في الوقت المناسب عشان تكشفي الحقيقة.”
​المحامي دخل الأوضة وابتسامة النصر على وشه، وحط ملف على السرير جنبها: “مبروك يا مدام إيمان، الطلاق اتثبت، والنيابة أمرت بحبس تامر وفريدة 4 أيام على ذمة التحقيق بعد ما ورق التزوير اتكشف بالكامل، والتحفظ على الشركة وكل الحسابات رجع تاني لاسمك بقوة القانون. أنتِ كسبتِ كل حاجة.. كسبتِ كرامتك، وحقك، وولادك.”
​إيمان بصت لابنها الصغير اللي في حضنها، وبعدين ل بنتها ليلى، وأخدت نفس طويل ومرتاح لأول مرة من شهور، وقالت بصوت مليان قوة وأمل: “أنا مكنتش عايزة فلوس ولا شركات يا متر.. أنا كان كل همي أخرج من المستنقع ده ونضيفة.. والحمد لله، ربنا جاب لي حقي لحد عندي، والنهاردة بس أنا وأولادي اتولدنا من جديد.”
………
مرت تلات شهور على اليوم ده.
​إيمان كانت قاعدة في بلكونة بيتها الجديد، بيت بسيط بس هادي والشمس بتدخله من كل حتة، مفيهاش ريحة الكدب والخيانة اللي كانت خانقاها في شقتها القديمة. كانت هازة رجليها بالراحة وهي بتهز سرير ابنها الصغير “يوسف”، اللي كان نايم في هدوء وشبه الملايكة، وجنبها ليلى قاعدة على ترابيزة صغيرة بتلون في كشكولها وضحكتها مالية المكان.
​صوت جرس الباب رن، قامت إيمان فتحت ولقت المحامي بتاعها، الأستاذ أحمد، واقف وعلى وشه ابتسامة عريضة وهو شايل شنطة ورق تقيلة. دخل وقعد على الكرسي وهو بيفك زراير جاكتته: “مساء الخير يا مدام إيمان.. جايب لك معايا أخبار هتبرد قلبك ع الآخر.”
​إيمان قعدت وقالت بلهفة: “مساء النور يا متر.. خير؟ طمني، القضية وصلت لإيه؟”
​الأستاذ أحمد طلع الحكم من الشنطة وحطه قدامها بفخر: “النهاردة محكمة الجنايات أصدرت حكمها الرادع.. تامر وفريدة أخدوا خمس سنين سجن مشدد بتهمة التزوير في أوراق رسمية والنصب والاستيلاء على أموال الغير، ده غير الحكم اللي أخدوه في قضية الشهادة الزور واستغلال قاصر. فريدة انهارت في القاعة وجالها حالة هيستيريا، وتامر مكنش قادر يقف على رجليه والعساكر بتسحبه على الحجز.”
​إيمان غمضت عينيها وأخدت نفس طويل، حست كأن جبل كان شايلآه على كتافها وانزاح، دموعها نزلت بس المردي دموع راحة ونصر: “الحمد لله.. ربنا مبيسبش حد مظلوم، ويمهل ولا يهمل. كان فاكر إن بفلوسه وذكائه هيقدر يدوس عليا وعلى عياله، بس ربنا كشفه بأصغر حاجة.. ببنتنا اللي استهون بعقلها.”
​المحامي كمل وهو بيطلع ملف تاني: “والأهم من كل ده، الشركة والمصنع وكل الحسابات اللي كان ناقلها باسم فريدة رجعت لملكيتك بالكامل بحكم المحكمة، والصيغة التنفيذية أهي.. يعني من بكرة تقدري تنزلي تمشي شغلك بنفسك وتديري حلالك وحلال عيالك.”
​إيمان بصت ل ليلى اللي سابت الألوان وجت وقفت جنبها ومسكت إيدها، وبعدين بصت ليوسف اللي بدأ يفتح عينيه الصغيرة. ابتسمت إيمان ومسحت دموعها وقالت بقوة وثقة: “أنا مش هنزل عشان الفلوس يا متر.. أنا هنزل عشان أكبر الشغل ده ل ليلى ويوسف.. عشان لما يكبروا يعرفوا إن أمهم مضعفتش ولا استسلمت، وإنها وقفت على رجليها ورجعت لهم حقهم تالت ومتلت.”
​شالت إيمان يوسف من سريره وضمته لحضنها، وبإيدها التانية خدت ليلى في حضنها وقالت وهي بتبص للسما: “خلاص يا ولادي.. الكابوس انتهى، ومن النهاردة مفيش خوف، ومفيش حد يقدر يكسرنا تاني.”
………
مرت خمس سنين كاملين على اليوم ده.
​إيمان واقفة قدام مراية كبيرة في مكتبها الواسع، بتعدل ياقتها وبتطمن على لفت طرحتها. ملامح التعب والخوف اللي كانت على وشها زمان اتمست تماماً، وحل مكانها هدوء وثقة ووش منور. الشركة اللي كانت هتروح منها، بقت دلوقتي واحدة من أكبر شركات الاستيراد والتصدير في الدلتا كلها، وبقى اسمها “مجموعة كامل لإدارة الأعمال”.
​الباب اتفتح ودخلت منه ليلى، اللي بقى عندها حداشر سنة، ملامحها كبرت وبقت شبه أمها في كل حاجة، وماسكة في إيدها يوسف، طفل عنده خمس سنين، وشه شقي وعينيه بتلمع بالذكاء وجاري على إيمان: “ماما! ليلى مش راضية تخليني ألعب بالتابلت بتاعي!”
​إيمان وطت وخدته في حضنها وهي بتضحك: “ليلى عندها حق يا جوجو، إحنا قولنا ساعة واحدة في اليوم وبس.. يلا بوس أختك وصالحها.” يوسف باس ليلى على خدها فضحكت وطبطبت عليه.
​في اللحظة دي، دخل الأستاذ أحمد المحامي، وعلى وشه علامات الذهول، قعد على الكرسي وبص لإيمان وقال: “مساء الخير يا مدام إيمان.. أنا لسه جاي من المجمع وعرفت خبر مكنتش متوقعه خالص.”
​إيمان سابت يوسف يقعد يلون مع ليلى، وقعدت ورا مكتبها: “مساء النور يا متر.. خير؟ خبر إيه؟”
​الأستاذ أحمد سكت ثانية وقال بالراحة: “تامر خرج من السجن الأسبوع اللي فات.. بعد ما قضى مدة عقوبته كاملة هو وفريدة.”
​إيمان مفيش شعرة واحدة تتهز فيها، ملامحها فضلت هادية تماماً، وقالت ببرود: “اممم.. ربنا يسهل لكل حي، خرجوا راحوا فين يعني؟”
​المحامي اتنهد وكمل: “تامر خرج ملقاش لقمة يأكلها، أهله اتبروا منه بعد الفضيحة، وفلوسه كلها راحت في المصاريف والتعويضات اللي دفعناها. فريدة أول ما خرجت سابته وراحت اتجوزت راجل قداها في السن مرتين عشان تضمن فلوس، وهو دلوقتي شغال موظف حسابات صغير في شركة شحن في الإسكندرية، ساكن في أوضة فوق السطوح.. سبحان المعز المذل، من البدلة الكحلي الغالية لـ لا شيء.”
​إيمان بصت من شباك مكتبها الإزاز على العربيات والشوارع، واهتزت جواها ذكريات قديمة بس بسرعة قفلت الصفحة دي في دماغها. بصت للمحامي وقالت: “الدنيا دوارة يا متر، واللي بيظلم ويفتري على لحمه ودمه بيترد له في الدنيا قبل الآخرة. أنا مش شمتانة، بس فرحانة إن ربنا وراني عدله في حياتي.”
​فجأة يوسف شد جيب الجاكيت بتاع إيمان: “ماما.. يلا عشان نروح النادي، أنتِ وعدتيني.”
​إيمان ابتسمت وبصت لأولادها، رأس مالها الحقيقي في الدنيا، وقفت ولمت حاجتها من على المكتب وأخدت ليلى ويوسف في حضنها وهي بتقول للمحامي: “يلا بينا يا متر.. اللي فات مات واندفن، وإحنا ملناش دعوة باللي ورايا.. إحنا باصين قدامنا وبس.”
​خرجت إيمان من مكتبها وهي ماسكة إيد أولادها، وخطواتها ثابتة على الأرض، سايبة وراها ماضي اتمحى، ومستقبل هما اللي بيكتبوه بإيديهم.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *