استعادة الحب بعد سنوات الصمت حكايات انجى الخطيب

تعبت من النوم جنب جوزي كل يوم وانا حاسة إني لوحدي عاطفياً تعبت من عياطي في السر وقررت افجر المفاجأة اللى شيلتها جوايا سنين…
بعد ما جوزي مشي وراح مكتبة الصبح ، قعدت ساكتة على طرف سريرنا لوقت طويل أوي. البيت كان هادي. هادي زيادة عن اللزوم. العيال كانوا خلاص راحوا المدرسة، فكنت لوحدي أنا وأفكاري. كذا مرة، كنت خلاص هغير رأيي. أقوم… وبعدين أقعد تاني. أشيل شنطة إيدي… وبعدين أسبها مكانها تاني. الخوف كان مالكني أوي. “طب لو الموضوع باظ؟” “طب لو فهمني غلط؟” “طب لو الناس سمعت عن الموضوع؟” بس في جزء تاني جوايا كان خلاص تعب. تعب من التمثيل. تعب من الابتسامة المزبفة قدام الناس والعياط في السر. تعب من النوم جنب جوزي ومع ذلك حاسة إني لوحدي عاطفياً. غمضت عيني جامد. وبعدين في الآخر، قومت. الصبح ده كان الصبح اللي عملت فيه حاجة معملتهاش في عشر سنين جواز. لما وصلت مكتبة ، السكرتيرة ابتسمت على طول صباح الخير يا فندم!” أجبرت نفسي على الابتسامة. “صباح الخير. من فضلك اكتبي اسمي.” البنت باين عليها الاستغراب. “يا فندم، حضرتك تقدري تخشي جوه على طول.” قلتلها بالراحة: “لا، اكتبي اسمي.” ترددت قبل ما تقرب الدفتر منها. “أكتب اسم إيه يا فندم؟” للحظة، زوري اتخنق. وبعدين بهدوء، قلت اسم عيلتي قبل الجواز. الاسم اللي مفيش حد بقى يندهلي بيه خالص. السكرتيرة كان باين عليها المفاجأة بس كتبته على أي حال. أنا قاصدة أجي متأخر عشان اسمي يكون الآخراني. وبعدين قعدت ساكتة وسط ستات تانية مستنيين في ناس عرفوني على طول. كنت حاسة بعيونهم عليا. ناس باين عليها الاستغراب. وناس بتوشوش بالراحة. بس أنا طنشت الكل. كنت قاعدة وبس وشنطة إيدي على رجلي، وبراقب الناس وهي داخلة وخارجة من مكتب جوزي. ستات خارجين مبتسمين بعد الفضفضة ما انا جوزي استشاري علاقات . وناس خارجة بتمسح دموعها. وناس خارجة عندها أمل. وأنا براقبهم، صدري بدأ يوجعني أوي. عشان كل الستات دول عندهم فرصة للودن اللي بتسمع اللي كنت بدعي عشانها في جوازي أنا. في الآخر، السكرتيرة فتحت الباب موارب. “المدام إيمان عادل.” قومت بالراحة ومشيت ناحية المكتب. أول ما دخلت، جوزي رفع عينه عادي من على مكتبه. في الأول، الحيرة ظهرت على وشه. مكانش متوقعني. بالذات مش هنا. وبالذات مش بالشكل ده. وقبل ما يقدر يقول أي حاجة… نزلت على ركبي. عيونه وسعت على طول. “إيمان! بتعملي اية قولت انا جاية اترجاك تسمعني زي كل الناس اسمعني مرة وكأنك متعرفنيش…” صوتي اتقطع في ساعتها. “أرجوك ساعدني.” قام فجأة من على كرسيه. “أنتي بتعملي إيه؟ يا إيمان، بتعملي إيه؟” الدموع نزلت من وشي في ساعتها. “أرجوك ساعد جوازي.” الاوضة فجأة بقت هادية بشكل ما يستحملش. “أنا سمعت ستات بيشهدوا هنا مرات كثيرة أوي. أرجوك… ساعد بيتي أنا كمان.” “إيمان، قومي… ” “جوازي بيعاني، وانت رجل متخصص في الايتشارات الزوجية ساعدني … ” عيطت. “أنا بضيع جوزي.” وشه اتغير تماماً. كنت شايفه الصدمة مالياه كله. بس أنا كملت. “أنا حاولت أتكلم معاه. عيطت ليالي كثيرة جنبه. حتى أبوه اتكلم معاه.” صوتي كان بيترعش جامد. “أرجوك … اتكلم مع جوزي.” بصلي وهو مش قادر ينطق. “أنا مش طالبة فلوس. أنا مش طالبة مظاهر. أنا بس عايزة جوزي يرجعلي.” في اللحظة دي، الدموع اتجمعت في عيونه هو كمان. “إيمان…” همس بوجع. بس أنا هزيت راسي. “لا… أرجوك يا فندم. ساعدني . أنا مش عايزة أخرب بيتي.” لكام ثانية، جوزي مكنش قادر حتى يتكلم. وبعدين بالراحة، وطى ومسك كتافي بحنية. “قومي،” قالها بهدوء. قومت بالراحة وأنا بمسح دموعي. وبعدين فجأة، بدأ يجاري الموضوع بالراحة، وصوته بيترعش من التأثر. “يا مدام… أنا هتكلم مع جوزك.” بصيت له من وسط الدموع. “أتمنى يسمع المرة دي.” “هيتغير،” رد بهدوء. “أرجوك،” همست. “أنا تعبت.” عيونه بقت حمرا. “هيتغير يا مدام.” وبعدين مسك إيدي بس المرة دي كانت مختلفة. كنت سامعة الوجع جوا صوته. كنت سامعة الندم. وأنا خارجة من المكتب ده، كنت بجد حاسة بعيونه وهي متبعانى بصدمة. المغربية دي، جوزي رجع البيت بدري عن المعتاد وحصلت حاجة غريبة غير اللي توقعتها منه لما يرجع …..

في العادي، كان بيرجع حوالي الساعة 9 بالليل. بس اليوم ده، رجع بعد 7 بشوية. أول ما دخل، دور عليا بعيونه. كنت في المطبخ بسخن الأكل. العيال كانوا خلاص أكلوا. لما شافني، حط شنطته بهدوء وقرب مني. “أنا آسف إني مقدرتش أجي بدري عن كده،” قالها بالراحة. “كان عندي مواعيد متجدولة من الأول قبل…” صوته اختفى. للحظة، بس بصينا لبعض بهدوء. الليلة دي بعد ما العيال ناموا، كنت برص الأطباق لما فجأة حسيت بدراعاته حواليا من ضهري. مش مستعجل. مش ملهي. المرة دي… حضني بجد. زي حد خايف يخسر اللي كان خلاص هيطنشه لوقت طويل أوي. وبعدين بالراحة، همس في ودني، “أنا شفت حد شبهك بالظبط في المكتب النهارده.” غصب عني، ابتسمت ابتسامة خفيفة من وسط الدموع. “بجد؟” “آه،” رد بوجع. “وهي كسرت قلبي.” الدموع اتجمعت في عيني في ساعتها. لفني بالراحة عشان أواجهه. “إيمان… أنا آسف.” أسف بجد. مش “الأسف” العادي اللي الناس بتقولها عشان تقفل الكلام. دي كانت طالعة تقيلة. عميقة. مكسورة. “مكنتش أعرف إن الموضوع وحش كده،” اعترف بهدوء. “كنت فاكر إني ببني بيتي وأنا مش واخد بالي اني بهمل مراتي اللي ربنا ادهالي.” بصيت في الأرض على طول والدموع نازلة على خدودي. “وحشتني،” همست. غمض عينه لحظة. “وأنا نسيت إزاي أرجع البيت.” الجملة دي كسرتني تماماً. عيطت على صدره وهو حاضني جامد. الليلة دي، اتكلمنا لساعات. اتكلمنا بجد. مفيش تليفونات. مفيش استعجال. مفيش تشتيت. لأول مرة من سنين، حسيت إن جوزي بجد شافني تاني. ومن الليلة دي، الحاجات بدأت تتغير بالتدريج. مش بامتياز بين يوم وليلة. بس بقصد. بدأ يعمل وقت لينا. بقى موجود عاطفياً تاني. ساعات كنا بنقعد بره بعد ما العيال يناموا ونتكلم كأننا أعز أصحاب تاني. وساعات تانية، كان بيلغي مواعيد مش مهمة بس عشان يقضي وقت مع العيلة. وبالتدريج… بيتنا بقى دافي تاني. بعد عشر شهور، ربنا رزقنا بطفل تاني. وأنا شايلة مولودنا الجديد وبراقبة وهو بيلعب مع العيال الكبار في المغربية، الدموع ملت عيني بهدوء. عشان اتعلمت حاجة شخصية أوي من كل اللي مرينا بيه. ساعات، الناس مابتكونش شريرة بقصد. ساعات، بيبقوا بس مشغولين وشايلين الدنيا لدرجة إنهم بينسوا القلوب اللي مستنياهم بهدوء في البيت. وساعات، السكوت بيخرب الجواز أسرع من الشتيمة. لو كنت كملت في التمثيل… لو كنت كملت في المعاناة بسكات… يمكن جوزي مكانش عمره هيحس بجد أنا كنت بتتوجع قد إيه. الجواز مش بس مصاريف. الشريك ممكن ينام على سرير ناعم ومع ذلك يعيط كل ليلة. الحب محتاج اهتمام. وجود. حنية. كلام البيت مينفعش يبقى فاضي عاطفياً. عشان ميبقاش في جفا بين الزوجين … الناس اللي مستنياك في البيت لسه يستاهلوا حبك هما كمان…..
…………..
بصيت على العيال وهم بيجروا ورا بعض في الصالة، والبيبي نايم في حضني بياكل في صوابعه الصغيرة. الجو كان مغيم سيكا، والشمس بتنسحب بالراحة وبتسيب مكانها ضل دافي مغرق الأوضة. شريف دخل من الباب، وشيلته كانت تقيلة من تعب العيادة، بس أول ما عينه جت عليا، وشه نور. قلع الجاكت ورماه على الكنبة، وقرب مننا وهو بيقلع ساعته. وطى باسن راسي وباس بطن الرجل الصغيرة بتاعة ابنه اللي لسه مولود. قعد جنبي على طرف الكنبة، وسند ضهره وخد نفس طويل، كأنه بيفضي شحنة اليوم كله بره البيت. بصلي وقاللي بصوت هادي وفيه لسه نبرة الوجع القديم بس مخلوطة براحة: “عارفة يا إيمان.. أنا كل ما بدخل من الباب ده دلوقتي، بحس إني كنت أعمى وبصرت. كنت بصلح بيوت الناس وبيتي أنا كان قايد فيه النار وأنا مش حاسس.” نزلت عيني للبيبي وابتسمت وأنا بحرك صباعي على شعره الناعم: “المهم إنك رجعت يا شريف. السكوت كان هيكسر كل حاجة، والحمد لله إن ربنا ألهمني بالقوة دي في لحظة يأس.” شريف مسك إيدي، وضغط عليها جامد، عينيه كانت بتلمع بدموع محبوسة وهو بيفتكر اليوم ده في المكتب: “أنا عمري ما هنسى وقفتك قدامي، ولا هنسى اسم عيلتك اللي اتكتب في الدفتر. الاسم ده فوقني، رجعني للراجل اللي حبك زمان ومش الدكتور اللي بيوزع نصايح على الناس وهو غرقان.” قرب مني أكتر وخدني في حضنه هو والبيبي، وفضلنا ساكتين، بس المرة دي السكوت مكنش غريب ولا كان فيه وحدة. كان سكوت مليان كلام وأمان، سكوت بنسمع فيه دقات قلوب بعض وبنعوض بيه كل ليلة عيطت فيها لوحدي والسرير بينا كان أوسع من بلاد. العيال جم جريوا علينا واترموا في حضننا وإحنا بنضحك، والبيت اللي كان هادي زيادة عن اللزوم، بقيت سامعة فيه صوت الحياة بجد.
………….
شريف لف دراعه حوالينا احنا الكل، وضمنا جامد لدرجة إني حسيت بدفا ضلوعه. العيال كانوا بيضحكوا ويهزروا، والبيبي بدأ يكاغي بصوته الصغير الصافي. بصيت في عيون شريف، لقيت نظرة الأمان اللي كنت مستنياها بقالي سنين، النظرة اللي بتقول “أنا هنا، ومش هبعد تاني”.
​شريف سكت شوية، وبعدين بص للعيال وقالهم بلطف: “يلا يا أبطال، كل واحد على أوضته يجهز لبسه عشان بكره المدرسة، وعندي ليكم مفاجأة بعد ما تخلصوا.” العيال جريوا وهم بيتنططوا من الفرحة، والصالة فضيت علينا تاني. شريف خد البيبي من حضني بالراحة، ورفعه لفوق وهو بيبتسم له، وبعدين حطه في سريره الصغير اللي في ركن الأوضة وغطاه بحنية.
​رجع وقعد جنبي، مسك إيدي الاثنين وبصلي أوي: “إيمان.. أنا ساعات بقعد مع نفسي بالليل وأفتكر كل لحظة كنتي فيها لوحدك وأنا موجود في نفس الأوضة، وبموت من الندم. الشغل والنجاح وعلاج مشاكل الناس عموني عن أهم ناس في حياتي.”
​حطيت إيدي على وشه وبصيت في عينيه: “شريف، أنا مش حكاية عتاب.. أنا كنت حاسة إن روحي بتتسحب مني، والخطوة اللي عملتها في مكتبك كانت آخر طوق نجاة ليا وليك. أنا مكنتش عاوزه أخسر الراجل اللي حَبِيتُه.”
​دمعة نزلت من عينه، مسحها بسرعة وابتسم ابتسامة صافية: “وانتي أنقذتيني يا إيمان.. أنقذتي بيتنا. من يومها وأنا كل ما تجيلي حالة في العيادة، بفتكرك، وبقيت أقول للرجالة: اسمعوا لستاتكم قبل ما تيجوا تقعدوا على الكرسي ده.. البيوت بتبوظ لما السكوت بيبقى هو اللغة الوحيدة.”
​قرب مني وباس جبيني بوسة طويلة، حسيت فيها بكل الندم وبكل الحب اللي كان مستخبي تحت تراب المشاغل. في اللحظة دي، عرفت إن الوجع خلاص مشي، وإن الروح رجعت لبيتنا من تاني، وأننا عدينا المحنة وبقينا أقوى. نمت راسي على كتفه وأنا مطمنة، وسامعة صوت دقات قلبه المنتظمة، ودموعي اللي نزلت المرة دي.. كانت دموع فرحة وراحة، مش دموع وحدة وخوف.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *