قلق الجد علي حفيدتة حكايات انجى الخطيب
روحت لبيت ابني عشان أديله هدية عيد ميلاده وحفيدتي قربت مني أوي ووشوشتني وقالت لي يا جدو ممكن تقول لماما تبطل تحط حاجات في العصير بتاعي أنا أخدتها جري على الدكتور ولما التحاليل طلعت الدكتور سكت خالص وقلبي اتقبض من الصدمة….
كان يوم تلات في أواخر أكتوبر لما حفيدتي قالت السبع كلمات دول اللي خلوا نفسي يتكتم كأني نزلت في مية تلج فجأة.
”يا جدو ممكن تقول لماما تبطل تحط حاجات في العصير بتاعي؟”
كنت رايح سايق لحد بيت ابني محمد في طنطا والهدية على الكرسي اللي جنبي والابتسامة كنت عمال أدرب نفسي عليها في مراية العربية وليلى كان عيد ميلادها الثامن الأسبوع اللي جاي وكنت منقي الهدية من محل لعب أطفال صغير لسه بروحله عشان أصحابه فاكرين اسم مراتي الله يرحمها رغم إنه عدى أربع سنين على وفاتها وكنت لافف الهدية بنفسي ومقفلة من الجناب وبشكل ملخبط كده وكنت فاكر إني هيدخل هسمع صرخة الفرحة اللي البنات الصغيرين بيعملوها لما بيتفاجئوا وممكن أقعد أشرب فنجان قهوة وأمشي قبل ما الزحمة تزيد في الطريق.
منة فتحت لي الباب بذوقها البارد المعتاد مش قليلة الأدب يعني بس كأني طرد مش طالباه ومش عايزة تمضي على استلامه وقالت لي محمد في الشغل بطريقة كأنها بتقول لي إنت مش معزوم يعني وسألتنيش حتى عامل إيه ولا ابتسمت هي بس فتحت الباب كفاية عشان أدخل وشاورت على الجنينة ورا حيت ليلى كانت قاعدة لوحدها على المرجيحة الكاوتش.
منظرها وجع قلبي أكتر ملي كنت متوقع ليلى طول عمرها شقية وحركتها كتيرة ومن النوع اللي بيملى البيت حيوية بس الصبح ده وحتى من شباك المطبخ كانت باينة مهدودة رجلها كانت بتجرجر في الأرض وإيدها ماسكة الحبل كأنه تقيل عليها أوي.
لما ندهت عليها وشها نور زي عوايدها بس النور ده كان بيطفي ويرجع تاني زي لمبة مصلحة وسابت المرجيحة وجريت عليا وأنا وطيت وأخدتها في حضني بنفس الطريقة من وهي عندها تلات سنين وشعرها كان ريحته تفاح من نوع الشامبو الرخيص بتاع الأطفال ده ولثانية واحدة غبية وفيها أمل ضحكت على نفسي وقولت الريحة دي معناه إن كل حاجة طبيعية.
قعدنا على السلم الوراني والهدية بيننا وحطتها في حجرها وفضلت تبص على ورق الهدية بدل ما تقطعه وتفتحه معظم العيال بيهجموا على الهدية كأنها تحدي ليلى كانت بتمشي صباعها على اللزق براحة وساكتة.
قولت لها إنتي كويسة يا حبيبتي؟
هزت رأسها بسرعة أوي وقالت آه.
أنا قضيت معظم حياتي مهندس مدني ببني حاجات المفروض تستحمل الضغط كباري ومحاور وحوائط ساندة وإنت بتتعلم تقرأ الإنذارات الصغيرة قبل ما حاجة تقع شرخ صغير صدى في مكان مش مفروض يكون فيه صدى صوت في الهواء مش ماشي مع الحسابات سكوت ليلى كان شبه كده شرخ صغير باين ممكن ميكنش معناه حاجة وممكن يكون معناه إن في حاجة تحت بتنهار فعلاً.
بعدين بصت لي بعيونها البنية الواسعة دي وقالتها.
”يا جدو ممكن تقول لماما تبطل تحط حاجات في العصير بتاعي؟”
ثبت ملامح وشي ومبينتش أي رد فعل عشان حسيت إن ده أضمن من إني أتخض وقولت لها قصدك إيه يا قلب جدو؟
هزت كتافها بقلة حيلة زي الأطفال لما يبقوا عارفين إن في حاجة غلط بس مش لاقيين الكلام اللي يوصفها وقالت العصير اللي قبل النوم طعمه غريب وبعدين بنام كتير كتير أوي وصوتها وطي خالص لحد ما اضطريت أقرب منها وقالت ساعات مبفتكرش الصبح خالص.
كل عضلة في ظهري اتشدت وحطيت إيدي بين كتافها عشان أطمنها وعشان أثبت نفسي أنا كمان وقولت لها هي بقالها قد إيه بتديكي العصير ده؟
ليلى كشرت وهي بتفكر جامد وقالت من الصيف يمكن أو من وقت ما المدرسة بدأت وبربشت ببطء كأن حتى مجرد التفكير بيتعبها وقالت بيخلي دماغي تقيلة وماما بتقول دي فيتامينات بس الفيتامينات مش المفروض تخلي رجلي سايبة كده ومش حاسة بيها.
وفي انعكاس الباب الألوميتال اللي ورايا منة ظهرت لثانية واختفت تاني كأنها بتطمن على الجو م ندهتش على ليلى تدخل ومسألتش لو محتاجين حاجة هي كانت بتراقب وبتحسب.
قولت لليلى إني بحبها وقولت لها إننا هنكلم باباها وقولت لها إن كل حاجة هتبقى تمام لأن الأطفال يستحقوا الهدوء حتى لو الكبار بيترعشوا وبعدين زقيت الهدية ناحيتها وخليت صوتي فرفوش وقولت لها يلا افتحيها دي مفاجأة عيد ميلادك بدري.
شالت الورق براحة وابتسمت في الوقت المناسب وحضنتني لما كان المفروض تحضنني وأنا ضحكت لما كان المفروض أضحك بس من جوايا قلبي كان بيدق جامد لدرجة حسيت إنه هيطلع من مكاني.
لما مشيت وصلت لآخر الشارع قبل ما أضطر أركن على جنب وقعدت هناك وإيديا الاثنين على الدريكسيون وباصص ورايا على البيت مراتي كانت هتبقى عارفة بالظبط المفروض تعمل إيه دي كانت الشخص اللي بكلمه لما أحس إن في حاجة غلط بس مش قادر أثبتها لسه سرطان البنكرياس أخدها في واحد وأربعين يوم بس من وقت التشخيص وفي جروح بتتعلم تعيش معاها وفي جروح لسه بتوجع لما النور ييجي عليها غلط وأنا قاعد هناك وحشتني أوي لدرجة حسيت بتقل على صدري.
بعدين عملت اللي متعود أعمله لما مبنى ميعجبنيش شكلة كلمت حد يقدر يفحصه.
الدكتور بتاعي رد عليا وقولت له بالظبط ليلى قالت إيه وخليت صوتي هادي على قد ما أقدر كأني بوصف شرخ في عمود خرسانة وهو سمع من غير ما يقاطعني ولما خلصت سكت لثانية.
وقال لي البنت لازم يتعمل لها تحليل دم وبول النهاردة وقولهم إنك شاكك إنها أخدت مهدئ متهيأش.
لفيت العربية بسرعة لدرجة إن شنطة الهدية اتزحلقت من على الكرسي ولما منة فتحت الباب تاني ابتسامتها كانت كأنها ملزوقة بالعافية.
وقولتلها كدب أنا نسيت حاجة أنا وعدت ليلى بهامبرجر وعصير وقعدة في المكتبة وهجيبها قبل ما محمد يرجع من الشغل.
لنص ثانية في حاجة ظهرت على وش منة مش مفاجأة ومش ضيق ده كان خوف واختفت بسرعة لدرجة كنت هقنع نفسي إني باتخيل لو مكنتش ليلى ظهرت جنبها وهي لابسة جزمتها وجاهزة اصلاً.
وقالت ليلى وهي ماسكة الهدية في حضنها عشان خاطري يا ماما؟
منة ترددت لوقت كفاية يخلى الجو بيننا يبقى غريب وبعدين وطت ولمت شعر ليلى ورا ودنها وقالت بصوت واطي أوي بلاش حلويات قبل الغدا ماشي؟
صوابع ليلى اتشدت على إيدي.
وفي الثانية اللي بقينا فيها في العربية وفي نص الشارع هي خدت نفس طويل كأنها كانت كاتمة نفسها جوه وأنا خليت نبرة صوتي عادية وسألتها عن العصير اللي هي عايزاه وسألتها عن المدرسة وبعدين قولت لها احكي لي عن العصير.
فضلت تلعب في الشريط بتاع الهدية وقالت بيبقى في الكوباية الموف اللي بغطاء ساعات عصير برتقال وساعات قصب وماما بتجيبه بعد ما أغسل سناني وكرمشت مناخيرها وقالت طعمه شبه الجير ومرة شفت حاجة بيضاء على المعلقة.
قولت لها بابا يعرف؟
إجابتها جت بسرعة لدرجة خوفتني وقالت ماما قالت لي ملقولوش عشان هو بيتعصب من الأدوية وقالت ده سرنا عشان هو بيقلق زيادة عن اللزوم وبعدين قالت بصوت أوطى أنا حاولت أفضى صاحية مرة بس عيني كانت تقيلة وصحيت والشمس عالية وماما قالت لي إني بس كنت محتاجة أرتاح.
على ما وصلنا العيادة كانت إيديا عرقانة على الدريكسيون وقولت لموظفة الاستقبال بالظبط اللي الدكتور قال لي أقوله كلمة مهدئ دي غيرت الأوضة كلها ومبقاش في انتظار ممرضة جت من ورا المكتب وبصت في وش ليلى وأخدتنا على جوه علطول.
دكتور سامح كان حنين بالطريقة اللي ميعرفهاش غير الناس اللي بيتعاملوا مع أطفال خايفين كل يوم ووطى لمستوى عين ليلى وسألها عن العصير وسألها لو ده بيحصل كل ليلة وسألها بتحس بإيه بعده وليلى كانت بتجاوب بالوشوشة دماغ تقيلة ورجل مش شيلاني وأيام بتضيع وحاجات مش فاكراها.
أخدوا دم وأخدوا عينة بول وكشفوا على عينها ونبضات قلبها وضغط دمها وليلى كانت قاعدة ثابته خالص في كل ده وماسكة في ميدالية الأرنب اللعبة اللي كنت معلقها في شنطة الهدية وأنا كنت واقف جنب سرير الكشف وبحاول مبانش خايف زي ما أنا حاسس.
كلمت محمد ثلاث مرات من الممر ومردش وسبت له رسالة واحدة مكتوب فيها كلمني حالا الموضوع يخص ليلى.
لما دكتور سامح رجع بالنتائج أخيراً متكلمش علطول وقفل باب أوضة الكشف وراه وبص لليلى وهي نايمة تحت الملاية الورق وبعدين بص للتقرير اللي في إيده كأنه كاره اللي مكتوب فيه.
قولت له يا دكتور؟
رفع عينه في عيني وكل الهدوء اللي كان مدربه على وشه اختفى وبقى ثابت أوي.
وقال لي براحة يا فندم أنا عايزك تقول لي بالظبط إيه الأدوية اللي مرات ابنك بتشيلها في البيت ده لأن اللي أنا شايفه في تحاليل حفيدتك هو…
*********
“لأن اللي أنا شايفه في تحاليل حفيدتك هو نسبة عالية جداً من مادة مهدئة قوية وممنوعة اصلاً تتاخد للأطفال، دي مادة بتنيم وممكن تعمل غيبوبة لو الجرعة زادت، وكمان باين في الدم إن المادة دي بتدخل جسمها بانتظام وبقالها فترة مش قليلية.”
أنا حسيت الأرض بتلف بيا، والشرخ اللي كنت خايف منه في الأول انشق وبقى حفرة غريقة هتبلعنا كلنا. مسكت في طرف مكتب الدكتور عشان مقعش وسألته بصوت مرعوش: “يعني إيه يا دكتور؟ يعني هي كانت بتسممها؟”
الدكتور حط إيده على كتفي وقال لي: “يا فندم أنا تواصلت مع إدارة المستشفى وحالياً إحنا بلغنا الشرطة والنيابة، دي حالة تسميم عمد لchild وحماية البنت هي أولويتنا دلوقتي. البنت مش هينفع تخرج من هنا مع أي حد من أهلها لحد ما التحقيق يبدأ والمحضر يتعمل.”
في نفس اللحظة دي، تليفوني رن في جيبي وكان محمد ابني. طلعت التليفون وإيدي بتترعش وفتحت الخط وجالي صوته وهو لسه مجهد من الشغل: “إيه يا بابا؟ في إيه؟ الرسالة بتاعتك خضتني، ليلى مالها؟”
مقدرتش أتمالك نفسي ودموعي نزلت، وقولت له بصوت مكتوم: “تعال على مستشفى طنطا العام فوراً يا محمد… مراتك كانت بتموت بنتك.”
********
محمد سكت لثواني، ثواني طويلة لدرجة إني افتكرت الخط قطع، وبعدين سمعت صوت نفسه بيعلى وصوته اتغير تماماً وهو بيقول: “بابا.. إنت بتقول إيه؟ مرات مين وبنت مين؟ ليلى فيها إيه اخلص!”
قولت له وأنا بحاول أجمع ثباتي المهندس اللي فاضل جوايا: “تعال يا محمد، أنا في المستشفى ومعايا البنت، والدكاترة هنا مطلعين بلاوي من دم بنتك، تعال عشان النيابة في السكة.” وقبل ما يرد قفلت السكة.
بصيت من زجاج الأوضة على ليلى، كانت نايمة ومستسلمة تماماً، وميدالية الأرنب لسه في إيدها الصغيرة. الدكتور سامح كان واقف جنبي وطلب مني أقعد عشان ضغطي ميعلاش، بس أنا كنت كأني واقف في موقع بناء بينهار فوق دماغي ومش قادر أتحرك.
بعد نص ساعة بالظبط، الممر كله اتقلب. محمد دخل جري، وشه كان أصفر وزي المجنون، وهدوم الشغل متبهدلة. أول ما شافني جرى عليا ومسكني من كتافي: “في إيه يا بابا؟ منة فين؟ وليلى مالها؟”
في نفس اللحظة، ظهر اتنين ممرضين ومعاهم ظابط شرطة برتبة رائد ومعاه أمين شرطة، الظابط قرب مننا وقال بصوت حازم بس هادي: “مين هنا جد الطفلة ليلى؟ ومين والدها؟”
محمد لف للظابط وهو مذهول: “أنا والدها يا فندم.. في إيه؟ هو إيه اللي بيحصل هنا؟”
الظابط بص للدكتور سامح اللي أخد التقرير الطبي وتقدم وقال: “يا فندم، البنت واخدة جرعات منتظمة من مادة مهدئة ومدرجة جدول، المادة دي بتعمل خمول تام وتلف خلايا مع الوقت لو اتأخدت بجرعات زيادة. الجد هو اللي جاب البنت هنا بناءً على شكوتها، والتحاليل أثبتت كلامها.”
محمد لف وبص لي وكأنه مش فاهم الكلام، أو عقله رافض يستوعب الصدمة: “منة؟ منة تعمل كده في بنتنا؟ ليه؟ دي بتموت فيها! دي بتخاف عليها من الهوا!”
أنا مسكت محمد من إيده وقربته مني وقولت له بصوت كاسره الحزن: “مراتك كانت بتنيم البنت بالاجبار يا محمد.. البنت قالت لي بنفسها إنها بتصحى مش فاكرة الصبح، وإن أمها قالت لها متقولكش عشان إنت بتتخانق من الأدوية. مراتك كانت بتعمل مصيبة من وراك.”
محمد قعد على الكرسي اللي في الممر وحط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بانهيار، صوت عياطه كان يقطع القلب، راجل طول بعرض مهدود قدام سر بنته.
الظابط طبطب على كتفه وقال: “يا أستاذ محمد، إحنا تحركنا بالفعل، وفي قوة راحت البيت دلوقتي تجيب مدام منة للتحقيق. والنيابة تم إخطارها. اتفضلوا معانا عشان نعمل المحضر الرسمي، والبنت هتفضل هنا تحت الرعاية الطبية والأمنية لحد ما نطمن عليها.”
أنا بصيت لمحمد وقولت له: “قوم يا ابني.. قوم عشان ليلى، هي ملهاش ذنب في كل ده، وإحنا لازم نكون ظهرها دلوقتي.” محمد قام وهو مش شايل نفسه، ودخلنا أوضة المكتب مع الظابط عشان نكتب المحضر اللي هيغير حياتنا كلها لأبد الآبدين.
********
وأنا ومحمد قاعدين في أوضة التحقيق بالمستشفى بنمضي على الأقوال، تليفون محمد رن. كان رقم غريب، بس أول ما فتح الخط جاله صوت ظابط المباحث اللي راح البيت: “أستاذ محمد؟ إحنا وصلنا البيت وفحصنا المطبخ وأوضة النوم بناءً على إذن النيابة، ولقينا علب دوا مهدئ متدارية ورا البرطمانات في ضلفة المطبخ فوق، ولقينا سرنجة صغيرة فيها بقايا سائل أبيض مكان ما كانت بتدوب الحبوب في العصير. مدام منة معانا دلوقتي ونازلين على القسم.”
محمد قفل السكة والتليفون وقع من إيده على الأرض وشاشته اتشرخت. بص لي وعيونه كانت حمرا وزي ما يكون تاه من الدنيا وقال: “ليه يا بابا؟ أنا قصرت معاها في إيه؟ دي كانت بتطلب فلوس كل شهر وبتقول لي عشان دروس ليلى وعشان طلباتها، وأنا كنت بطحن نفسي في الشغل عشان م أحرمهومش من حاجة. كانت بتنيم البنت عشان تخلص من دوشتها؟ ولا عشان تسيب البيت وتخرج؟ ولا إيه بالظبط؟”
أنا طبطبت عليه وقولت له: “الحقيقة هتبان في القسم يا ابني، المهم دلوقتي ليلى.”
دخلنا تاني أوضة الكشف عشان نبص على ليلى قبل ما نروح القسم. كانت بدأت تصحى وبتفرك في عيونها ببطء، أول ما شافت محمد مدت إيدها الصغيرة وقالت بصوت نعسان أوي: “بابا.. إنت جيت؟ أنا أسفة.. أنا قولت لجدو على العصير، ماما هتعاقبني؟”
محمد اترمي في حضنها على السرير وبقى يبوس إيدها ووشها وهو بيبكي بحرقة ويقول لها: “لا يا قلب بابا، محدش هيقدر يعاقبك تاني أبداً، أنا اللي أسف يا ليلى، أسف إني مكنتش واخد بالي منك.”
الدكتور سامح قرب مني ووشوشني: “الحالة الاستكشافية للبنت مستقرة، والمحاليل اللي علقناها بدأت تنظف دمها من السموم دي، بس هي هتحتاج متابعة نفسية لفترة بعد اللي حصل.”
سيبنا ليلى مع الممرضة وروحنا مع الظابط على القسم. أول ما دخلنا أوضة رئيس المباحث، شفنا منة قاعدة على كرسي في الركن، كانت عياطها منهار والكلبشات في إيدها، وهدومها مبهدلة ومش قادرة ترفع عينها فينا.
محمد أول ما شافها كان هيتجنن ويجري عليها بس العساكر مسكوه، وزعق بعلو صوته: “ليه عملتي كده؟! بنتك عملت لك إيه يا شيخة عشان تموتيها بالبطيء؟!”
رئيس المباحث خبط على المكتب وقال بحزم: “اهدوا يا جماعة.. المتهمة اعترفت بكل حاجة في المحضر المبدئي.” وبص لمنة وقال لها: “قولي لجوزك وأبوكي اللي قولتيه هنا.”
منة رفعت راسها وهي بتترعش ودموعها مغرقة وشها وقالت بصوت متقطع: “أنا مكنتش عايزة أموتها والله العظيم! أنا جالي اكتئاب حاد من بعد كورونا ومن القعدة في البيت ومحمد طول الوقت في الشغل ومش حاسس بيا، ليلى شقية وبتزن كتير وأنا مكنتش قادرة أستحمل صوتها ولا طلباتها، كنت عايزة أنام، كنت عايزة أقعد لوحدي في هدوء من غير ما حد يطلب مني حاجة.. الحبوب دي جارتي قالت لي عليها إنها بتهدي الأعصاب، فقولت أدوقها منها عشان تنام بدري وأرتاح، ومع الوقت بقيت أزود الجرعة لما لقيتها بتصحى شقية تاني.. مكنتش أعرف إنها بتموتها.. أنا أسفة يا محمد سامحني!”
محمد بص لها بقرف ودموع وقال لها: “أسامحك؟ إنتي مش بني آدمة، إنتي وحشة كاسرة، ليلى دي حتة مني ومنك! القانون هو اللي هيحاسبك، وأنا ورقتي هتوصلك وأنتي في سجن القناطر.”
رئيس المباحث أمر بأخذ منة على الحجز تمهيداً لعرضها على النيابة الصبح بتهمة الشروع في قتل طفلتها وإعطائها مواد مخدرة ومدرجة جدول بدون وصفة طبية وهتك سلامة جسد الطفلة.
خرجنا من القسم وأنا ساند محمد اللي كان بيمشي كأنه عجوز عنده تمانين سنة. الجو برا كان سقعة والشارع فاضي، بصيت للسما وقولت في سري: “يا رب، أنا عملت اللي عليا وحميت الشرخ قبل ما المبنى يقع على دماغنا، قوني بقى عشان أقدر أقف جنب ابني وحفيدتي في اللي جاي.” ورجعنا المستشفى عشان نفضل جنب ليلى، اللي من اللحظة دي ملهاش في الدنيا دي غيرنا.
*********
عدينا الليلة دي في المستشفى كأنها سنة كاملة، محمد نام على الكرسي اللي جنب سرير ليلى من كتر التعب والهم، وأنا فضلت صاحي باصص لليلى وهي نايمة ونفسها طالع ونازل بانتظام، لأول مرة من شهور تحس بالراحة ومن غير ما يكون في جسمها السموم دي، وبقيت أدعي ربنا في سري إن الأيام اللي جاية تعدي على خير.
الصبح شقشق ودخل النور من شباك الأوضة، ودكتور سامح دخل كشف على ليلى وابتسم وقال لنا: “التحاليل الجديدة طالعة ممتازة، ونسبة المادة في الدم نزلت خالص، تقدروا تخرجوا بيها النهاردة، بس زي ما اتفقنا، لازم تعرضوها على استشاري تعديل سلوك وطب نفسي أطفال عشان نضمن إنها متتأثرش باللي حصل.”
شيلنا ليلى ورجعنا بيها على بيتي أنا، مكنش ينفع أبداً ترجع بيت أبوها وتشوف المطبخ أو الكوباية الموف اللي كانت بتشرب فيها، محمد جه معانا وكان ساكت طول الطريق، باصص من الشباك وكأنه بيفكر في حياته اللي اتهدت في ثانية.
أول ما دخلنا البيت، ليلى جرت على الصالون وقعدت تلعب بالعروسة اللي كانت في الهدية، وضحكتها رجعت تملى المكان تاني، الضحكة الصافية اللي كنت مفتقدها بقالي كتير.
بعد يومين، جالي محمد المطبخ وأنا بعمل شاي، وبص لي وعيونه مليانة حزن وقال: “بابا.. أنا روحت النيابة النهاردة وحضرت التحقيق مع منة.”
سيبت البراد من إيدي وقولت له: “وإيه اللي حصل يا ابني؟”
محمد اتنهد وقال: “النيابة أمرت بحبسها أربعة أيام على ذمة التحقيق، وجارتها اللي كانت بتجيب لها الشريط اتقبض عليها هي كمان بتهمة الاتجار في مواد مخدرة وجدول، منة في التحقيقات كانت بتبكي وبتقول إنها ضحية لضغوط الحياة، بس وكيل النيابة واجهها بتقرير المستشفى وبكلام ليلى لما قالت (ماما قالت لي ملقولوش عشان هو بيقلق)، وده أثبت إنها كانت عارفة ومخبية وعارفة إنها بتعمل حاجة غلط.. القضية هتروح جنايات يا بابا، وهي غالباً هتقعد سنين جوه.”
حطيت إيدي على كتفه وقولت له: “ده عدل ربنا يا محمد، اللي ميرحمش ضناه م يستاهلش يكون حر، إنت دلوقتي لازم تقوى عشان ليلى، البنت ملهاش ذنب في أي حاجة من دي، ولازم نعوضها عن كل يوم عاشت فيه في الرعب ده.”
محمد هز رأسه ودموعه نزلت: “أنا هطلقها يا بابا، وهنقل شغلي هنا في طنطا عشان أفضل جنب ليلى وجنبك، مش هسيبها تغيب عن عيني ثانية واحدة تاني.”
خرجنا وقعدنا مع ليلى في الصالون، ومحمد أخدها في حضنه وبدأ يقرأ معاها كتاب من اللي اشتريناهم لها، وأنا وقفت باصص عليهم وحسيت بإن الحمل التقيل اللي كان على صدري بدأ يخف، البيت القديم بتاعي اللي كان ضلمة من يوم ما مراتي ماتت، رجع فيه الروح تاني بسبب ضحكة ليلى، وعرفت إن المهندس الشاطر مش بس اللي بيبني كباري تستحمل، لكن اللي بيقدر يحمي عيلته ويسندها لما الدنيا كلها تتهد فوق دماغهم.
تمت
حكايات انجى الخطيب