مر شهران علي ذلك ج٢

ابتسم سامر ابتسامة مطمئنة: “الخوف ده طبيعي، وهو كمان دليل إنك بتاخدي شغلك بجدية. اللي مبيخفش هو اللي محتاج ياخد باله من نفسه.”

كانت تلك أول جملة يقولها لها لا تتعلق بمريض أو بمهمة، بل بها هي شخصيًا. شعرت سمر بدفء غريب في صدرها، لكنها لم تُعِره اهتمامًا كبيرًا، فقالت لنفسها إنه مجرد تشجيع من طبيب كبير لمتدربة صغيرة.

—

في الأيام التالية، بدأت المسافة بينهما تتقلص ببطء شديد، دون أن يلحظ أي منهما ذلك بوضوح. سلام سريع في الممر، سؤال عابر عن حالة مريض، أحيانًا كوب شاي يشتريه سامر لنفسه من الكافيتريا فيجد نفسه يشتري كوبًا آخر “بالصدفة” دون أن يخطط لذلك، ثم يتردد قبل أن يقرر إعطاءه لها أو لا.

في إحدى المرات، وجدها تجلس وحيدة في زاوية الكافيتريا بعد نوبة طويلة، تبدو منهكة. اقترب منها بتردد لم يعتد عليه:

“تسمحيلي؟” أشار إلى الكرسي المقابل.

رفعت رأسها بدهشة: “أه أكيد يا دكتور، اتفضل.”

جلس، ووضع أمامها كوب الشاي: “خدي، شكلك محتاجاه أكتر مني.”

ابتسمت وهي تأخذه: “متشكرة أوي.”

جلسا في صمت للحظات، ثم سألها بفضول لم يخطط له: “طيب قوليلي، إنتِ ليه اخترتي التمريض؟ مش شغلانة سهلة خالص.”

فكرت قليلًا قبل أن تجيب: “من زمان وأنا شايفة إن أحلى حاجة في الدنيا إنك تكون سبب في راحة حد تاني، حتى لو مش هتاخد مقابل غير ابتسامة أو دعوة. ماما كانت مريضة كتير وأنا صغيرة، وفيه ممرضة كانت بتقعد معاها ساعات تطمّنها من غير ما تتضايق، فضلت الصورة دي في دماغي.”

نظر إليها سامر بإعجاب صامت. لم تكن كلماتها مصطنعة أو محفوظة، بل خارجة من قلب حقيقي.

“وإنت يا دكتور؟” سألته بدورها. “ليه اخترت الجراحة بالذات؟”

توقف قليلًا، ثم أجاب بصدق نادر ما يشاركه مع أحد: “لأني حبيت إحساس إنك تقدر تنقذ حد بإيدك، مش بس بالدوا أو النصيحة. بس… الجراحة بتعلمك حاجة تانية كمان، إنك مش دايمًا هتقدر تنقذ الكل. وده أصعب درس اتعلمته.”

شعرت سمر أن هناك حزنًا خلف كلماته، لكنها لم تجرؤ على السؤال أكثر. اكتفت بالإصغاء، وهذا وحده كان كافيًا ليشعر سامر أنه تحدث أكثر مما اعتاد.

—

بعد أن انصرف سامر، اقتربت خديجة من سمر وهي تحمل نظرة متفحصة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *