حسابات الحب والطلاق حكايات انجى الخطيب

عشيقة جوزي جت لحد بيتي ومعاها صورة سونار وبلهجة كانت أشبه بحكم محكمة مش بمجرد خبر وقالتلي «أنا حامل جهزي نفسك بقى عشان نقسم الشقة» والمضحك في الموضوع إنها مكنتش شاكة ولو لثانية واحدة إني كنت بسجلها كل حاجة 📱 ريحة برفان غريب في ياقة قميص طارق كانت مسكرة أوي وفيها لوعة الفانيليا التقيلة اللي بقيت أكرهها من بعد ما تميت التلاتين كنت واقفة في الحمام والقميص في إيدي وبحسب من غير دموع ولا عياط مجرد أرقام باردة وجافة ومتعودة عليها أصل أنا رئيسة حسابات وبقالي عشرين سنة في منصبي وباعرف أحسب في سرّي وبمنتهى السرعة 👀 طارق عنده خمسة وأربعين سنة وأنا اتنين وأربعين جوازنا بقاله تمنتاشر سنة وبنتنا فريدة عندها ستاشر سنة وشركتنا المشتركة «التحالف للمقاولات» بقالها اتناشر سنة نصيبي فيها 50% ونصيبه هو كمان 50% هو المدير وأنا المحاسبة معادلة رياضية مثالية لحد النهاردة لحد اليوم اللي دخلت فيه ريحة الفانيليا دي حمامي 🌸 حطيت الغسالة على برنامج «الغسيل الشديد» ودست على الزرار ورحت المطبخ عملت شاي وقعدت أفكر أول تلات أسابيع كنت بس براقب طارق بدأ يرجع متأخر وظهرت «مشاريع جديدة» في ضواحي القاهرة واشترى برفان جديد من النوع اللي كان زمان بيسميه «كيميا مغشوشة بتاعة عيال» واشترك في جيم واشترى قميص أزرق من نفس الدرجة اللي طول عمري بأكرهها وهو كان عارف كنت شطورة وشايفة كل حاجة وساكتة بأطبخ الطبيخ وبأراجع واجبات فريدة وبأعمل الميزانية الربع سنوية وبالليل كنت بأدخل على برنامج الحسابات وبأراجع براحة كدة حركة حسابات الشركة وهناك كل حاجة كانت واضحة زي الشمس خلال الست شهور الأخيرة طارق مضى تلات عقود مع شركة اسمها «نوفا للاستشارات» دفع شهري تحت مسمى «خدمات تسويقية» الإجمالي تلت ميت وعشرين ألف جنيه ومؤسسة شركة «نوفا للاستشارات» دي واحدة اسمها أميرة حافظ مولودة سنة 1997 💻 دورت عليها على السوشيال ميديا ولقيتها في ثانية شقرا وشفايفها منفوخة ومركبة رموش وصور في جزر المالديف وفطار في دبي وجمل من عينة «الحب هو أجمل مغامرة» ست بوستات في الشهر فيهم لوكيشنات مطاعم كان طارق بيقولي إنه رايحها «عشان الشغل» سيفت كل صورة وأخدت سكرين شوتس وطبعت العقود وشيلتهم كلهم في دوسيه رمادي وبعدها رجعت تاني أطبخ الطبيخ يوم التلات بعد الظهر نقطة اللا عودة ظهرت لوحدها فريدة كانت مسافرة مسابقة تبع المدرسة في الإسكندرية وطارق كان «في الموقع» وفجأة جرس الباب رن على الباب كانت واقفة هي أميرة ببالطو فرو أبيض بيلمع وفي إيدها دوسيه صغير قالت من غير سلام «أنتي مريم؟ ممكن أدخل؟ لازم نتكلم» وسعت لها وجوايا كل حاجة اتجمدت بس إيدي وبحركة لا إرادية درست على زرار التسجيل في الموبايل اللي كان في جيب الروب أصل أنا كنت عرفتها خلاص من عازة الباب أميرة دخلت وكأنها في بيتها قعدت على الترابيزة وحطت ورقة مطبوعة على الرخام كانت صورة السونار وبصت في عيني وقالت «تناشر أسبوع ولد وطارق عارف وهو طول عمره كان نفسه في حتة عيل ولد أنتي مجبتيلوش غير بنت» صبيت لنفسي فنجان قهوة براحة ومن غير ما إيدي تترعش وسألتها «وعايزة إيه يا ست أميرة حافظ؟» ضحكت بثقة وقالت «أوه دايما أنتي عارفة أنا مين! طب اسمعي بقى طارق جاي معايا وكل حاجة هتمشي بالذوق أنتي تطلبي الطلاق وتقسموا الأملاك بالنص ونصيبك في الشركة تتنازليله عنه وهو بعد كده هيبقاله يكتبهولي ليا عشان البيبي فهمتي؟» هزيت راسي بهدوء وقلت «فهمت ولو متمش؟» اتنت لقدام وريحة الفانيليا الملعونة خبطت في وشي وقالت «يبقى هتتبهدلي هأرفع قضية إثبات نسب ونفقة وكمان أنا عارفة إنك ماشية بحسابات تحت التربيزة طارق حكالي كل حاجة بلاغ واحد مني والضرائب هتقفلك المكان في يوم واحد ف الأحسن ليكي توافقي» شربت بوق قهوة لساني اتلسع بس دماغي وفقت وصحيت أكتر من أي وقت فات وقلت لها «أميرة هو طارق عارف إنك هنا؟» ضحكت باحتقار وقالت «لأ هو طيب وبيمشي بكلمة ياحرام يا فريدة وياحرام يا مريم بس أنا لأ أنا هأحمي ابني بضوافري وسناني 🔥» هزيت راسي وقلت «تمام سيبيني تلات أيام وهأكلمك» قامت ومشيت وكعب جزمتها بيخبط على الباركيه بتاعي وأنا فضلت قاعدة وقفت التسجيل سبعة وأربعين دقيقة بالظبط من صوت أميرة حافظ فيهم تهديدات بالضرائب واعتراف بعلاقتها وخطتها عشان تلهف شغلي ابتسمت أصل الشغل الحقيقي لسه هيبدأ حالا
……..
مسكت الموبايل، وبصيت على الشاشة وهي بتنور بالسبعة وأربعين دقيقة.. الصوت كان واضح ونقي، لدرجة إن خبطة كعب جزمتها كانت طالعة في الخلفية زي دقات ساعة الإعدام. قمت براحة، غسلت فنجان القهوة، ومسحت الرخامة مطرح ما حطت إيدها، كأني بطهر البيت من ريحة الفانيليا التقيلة اللي سابتها وراها. قعدت على لابتوب الشغل، وفتحت الدوسيه الرمادي اللي بقالي شهور بملى فيه على الهادي.
​كأني رئيسة حسابات بجد بقى، مش مجرد ست مخدوعة؛ فتحت السستم الداخلي لشركة “التحالف للمقاولات” وسحبت برنت بكل الشيكات اللي طارق مضاها لشركة “نوفا للاستشارات” من ورايا، وربطتها بالتواريخ مع صور المالديف ودبي اللي كنت منزلاها من أكونت أميرة. الميزانية الموازية اللي هي فاكرة إنها بتهددني بيها؟ دي كانت لعبتي أنا.. طارق حمار في الحسابات، طول عمره بيمضي وبس، وميعرفش إن “الحسابات اللي تحت التربيزة” دي أنا اللي لافاها حوالين رقبته بقالي سنتين عشان أحمي الشغل من غباوته، ومفيش ورقة واحدة فيها إمضتي.. كله بإمضته هو، وبأختام تزوير وتلاعب في الفواتير هو اللي عاملها بنفسه عشان يهرب فلوس يفسح بيها الهانم.
​الساعة بقت تمنية بالليل، والباب اتفتح.. دخل طارق، وشه كان مخطوف، وعينيه بتلف في الشقة كأنه بيدور على جناية. رمى مفاتيحه على الترابيزة وقال بصوت متوتر وهو بيحاول يبتسم: “مساء الخير يا مريومة.. العشا إيه؟”
​بصيتله وأنا لافّة رجل على رجل ورا اللابتوب وقلتله بنبرة هادية أوي: “أميرة كانت هنا يا طارق.. سابتلك سلام وصورة سونار، وبتقولك الولد سليم وبيسلم عليك.”
​الدم هرب من وشه في ثانية، وبقى يبصلي وبوقه مفتوح زي العيل اللي اتمسك بيسرق.. حاول يجمع كلام، يمهد، يكدب: “مريم.. أنا.. والله العظيم دي غلطة، البنت دي مجنونة وجت تتبلى عليا، أنا كنت هقولك..”
​قاطعته بإيدي، وفتحت اللابتوب ولفيته ناحيته: “سيبك من التمثيل، التمثيل ده للعيال الصغيرة.. بص هنا كدة يا بشمهندس طارق.”
​بص على الشاشة، وشاف كشف الحساب البنكي، وجنبه عقود شركة “نوفا”، وتحتهم فولدات متسمية بأسماء قضايا: “اختلاس من أموال الشركة، تزوير فواتير، وتهرب ضريبي”. عينيه زغللت وهو شايف الأرقام والإمضاءات بتاعته بالملي.
​قال بصوت مرعوب وبيترعش: “أنتي.. أنتي هتعملي إيه؟ أنتي كدة بتهدي بيتنا وتخربي الشركة!”
​ضحكت ببرود وسندت ضهري لورا: “بيتنا اتهد من يوم ما شميت ريحة الفانيليا في ياقة قميصك الأزرق يا طارق.. والشركة دي شركتي أنا، تعب عشرين سنة مش هسيبه لحتة عيلة لسه مكملتش تلاتين سنة.. اسمع بقى شروطي، ومن غير نقاش، عشان لو فتحت بوقك، الدوسيه ده هيكون على مكتب النائب العام الصبح، وتفلسع أنت والمدام الجديدة على طرة.”
​بلع ريقه وصوته طلع مبحوح: “عايزة إيه يا مريم؟”
​قلتله وأنا بطلع الموبايل وبشغل حتة من تسجيل أميرة وهي بتقول (بلاغ واحد مني والضرائب هتقفلك المكان): “أولا، تتنازلي عن الـ 50% بتاعتك في الشركة ليا، بيع وشراء نهائي وبدون مقابل، وبكره الصبح هنكون عند المحامي. ثانيا، الشقة دي باسمي وباسم فريدة، وأنت ليك هدومك وبس تاخدهم في كيس زبالة وتتفضل. ثالثا، تطلقني غيابي وتدفع نفقة لفريدة ومصاريف جامعتها لحد ما تتخرج.. من غير شوشرة ومن غير قضايا إثبات نسب تتدخل فيها بنتنا.”
​قرب مني وحاول يمسك إيدي وهو بيعيط: “مريم.. حرام عليكي، أنا هرمي البنت دي وهنزل الواد، أنا بحبك أنتي وفريدة.. هضيعيني؟”
​نفضت إيدي من إيده وبصيتله بقرف: “أنا مش بضيعك، أنت اللي ضيعت نفسك لما افتكرت إن الست اللي عاشت معاك تمنتاشر سنة على الحلوة والمرة، هبلة ومبتعرفش تحسب.. أميرة كانت عايزة تقسم الشقة وتاخد الشركة عشان البيبي، اهي خدت السونار، وأنا خدت كل حاجة.. قدامك عشر دقايق تلم قمصانك وتطلع بره، وإلا قسما بالله هخليك تولد في السجن يا طارق.”
………..
طارق وقف مكانه كأنه اتسمر في الأرض، عينيه كانت بتتنقل بين شاشة اللابتوب وبين كيس الزبالة الأسود اللي أنا رميته تحت رجليه. كان شكله يصعب على الكافر؛ الراجل اللي كان من كام ساعة فاكر نفسه عنتر زمانه ومظبط دنيته، واقف قدامي دلوقتي وضهره محني، وشه جايب ألوان، وعرق الخوف مغرق جبهته.
​بصلي بقلة حيلة وقال بنبرة مكسورة: “طب والناس يا مريم؟ هقول لإخواتي وأصحابي إيه؟ هقولهم مريم رمتني في الشارع؟”
​سندت كوعي على الترابيزة وبصيت له برفع حاجب: “وقارئ الفنجان اللي كانت هنا من شوية مكنتش عامل حساب الناس معاها ليه؟ وهي بتقولي (هتتبهدلي وهرفع قضية) مكنتش خايف على شكلك؟ لم هدومك يا طارق.. العشر دقايق بيجروا، وفاضل منهم خمسة.”
​مشي ناحية الدولاب بخطوات تقيلة كأنه رايح لحبل المشنقة. سحبت الموبايل وطلبت رقم أميرة. مفيش رنتين وردت بصوتها المستفز اللي كله ثقة: “أيوة يا مريم.. مالحقتيش تفكري يعني؟”
​قلت لها بمنتهى الهدوء والبرود: “أنا مابفكرش يا أميرة، أنا بحسب.. وطارق جالك حالا، لميتله قمصانه وبنطلوناته في كيس، وجايلك بشنطة هدومه عشان تلحقي تقسمي معاه الشقة الجديدة اللي هتحجزوها في الإيجار الجديد.. أصل الشقة دي بتاعتي، والشركة من بكرة الصبح هتبقى بتاعتي لوحدي.”
​سمعت شهقة مكتومة من الناحية التانية، وصوتها اتهز تماما: “أنتي بتقولي إيه؟ طارق مش هيسيب حقه، طارق حكالي..”
​قاطعتها بضحكة عالية: “طارق حمار في الحسابات يا شاطرة، والورق اللي كان فاكر إنه بيلوي بدراعي بيه، طلع هو اللي هيدخله السجن بتهمة اختلاس وتزوير.. اسأليه كدة لما يجيلك وهو شايل كيس الزبالة في إيده.. يلا يا حبيبتي، جهزيله لقمة عشان ضغطه واطي، وفري الفانيليا دي للأيام الجاية.. هتحتاجوها.”
​قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة، وبصيت على طارق وهو خارج من الأوضة جاردد الشنطة في إيد والكيس في الإيد التانية. وقف عند الباب وبص وراه بصه أخيرة، كان مستني مني كلمة، نظرة عتاب، أو حتى دموع.. بس أنا كنت غاسلة وشي من أي مشاعر.
​فتح الباب وخرج، وقبل ما يقفله، قلت له بصوت واضح: “المحامي هيكلمك بكره الساعة عشرة الصبح.. متتأخرش يا طارق، عشان المحضر جاهز.”
​قفل الباب وراه، والبيت فجأة بقى هادي.. هادي ونضيف تماما من ريحة الفانيليا الملعونة. دخلت البلكونة، وقفت في الهواء النظيف، وأخدت نفس عميق لأول مرة من ست شهور.. وبدأت أجهز نفسي للمعركة بتاعة بكره في الشهر العقاري.
…………
نزل طارق من هنا، وأنا دخلت أخذت دوش دافي، غسلت فيه كل التوتر والضغط اللي عشته الكام شهر اللي فاتوا. نمت ليلتها نوم عميق، نوم حد باله مرتاح ومقفل حساباته وميزانيته بالمليم، مفيش سنت واحد ناقص.
​تاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة وصوت عصافير البلكونة كان ليه طعم جديد. لبست أحلى بدلة شغل عندي، لونها كحلي غامق، ورشيت البرفان بتاعي اللي بريحة العود والورد؛ ريحة ست قوية وعارفة هي بتعمل إيه. الساعة عشرة بالظبط كنت واقفة قدام مكتب المحامي بتاعي، أستاذ عادل، وده راجل عوزة، صاحب عمري وبير أسراري من أيام الجامعة.
​نزلت من الأسانسير لقيت طارق قاعد على كرسي في الطرقة، وشه دبلان وتحت عينيه هالات سودا كأنه منامش بقاله سنة، وجنبه أميرة واقفة سانده على الحيطة، ولابسة نضارة شمس مغطية نص وشها، والرموش المنفوخة اللي شفتها في الصور كانت دبلانة ونازلة لتحت. أول ما شافتني، قلعت النضارة وبصتلي بغل وقالت بصوت واطي بس مسموع: “أهو البشمهندس جه يا ست مريم.. بس وحياتي عندك ما هتشمي قرش واحد زيادة بره حقك، إحنا سألنا وعرفنا إنك بتهوشي.”
​مبصيتلهاش أصلاً، ولا كأنها موجودة في الفراغ. بصيت لطارق وقلتله بنبرة جافة: “ندخل؟”
​دخلنا مكتب أستاذ عادل، اللي كان مجهز العقود والورق كله على المكتب. أميرة حشرت نفسها ودخلت ورا طارق وقعدت على الكرسي اللي جنبه وهي بتنفخ. أستاذ عادل بصلها بنظرة فاحصة وقال: “أظن دي جلسة عمل خاصة وتوقيع عقود بين الشركاء.. المدامة بصفتها إيه قاعدة؟”
​أميرة ردت بسرعة وردح: “أنا مراته المستقبلية وأم ابنه، والمسؤولة عن ممتلكاته من هنا ورايح!”
​طلعت الموبايل من شنطتي، ودوست على زرار التشغيل، وطلع صوت أميرة وهو بيملى الأوضة: (بلاغ واحد مني والضرائب هتقفلك المكان في يوم واحد ف الأحسن ليكي توافقي… أنا هحمي ابني بضوافري وسناني).
​أستاذ عادل ابتسم وبص لطارق وقال: “طبعاً البشمهندس طارق عارف إن التسجيل ده لوحده، مع مستندات الاختلاس والتزوير في فواتير شركة ‘نوفا’، كفيل يوديه هو والمدام في داهية بتهمة الابتزاز والاشتراك في تسهيل الاستيلاء على أموال شركة مساهمة.. تحب نمضي عقود التنازل بالذوق، ولا نطلع على النيابة يا بشمهندس؟”
​طارق بص لأميرة بنظرة كلها غضب وغل، وزق إيدها اللي كانت سانداها على كتفه وقالها بزعيق: “اخرسي خالص بقى! أنتي هتدمريني؟! ضيعتيني وضيعتي بيتي وبتقوليلي هحجلي حقك؟ حق إيه يا جاهلة!”
​أميرة اتصدمت والدموع لمعت في عينيها من كسفتها قدام المحامي. طارق سحب القلم من على المكتب، وبإيد بترتعش، بدأ يمضي على عقود التنازل عن نصيبه بالكامل في شركة “التحالف للمقاولات” ليا، ويمضي على إقرار بملكية الشقة ليا ولفيردة، وتعهد بدفع مصاريف جامعة البنت بره مصر زي ما كنا مخططين.
​كل ده وأنا قاعدة حاطة رجل على رجل، بتابع حركة القلم وهو بيمضي.. خطوة ورا خطوة، رقم ورا رقم، لحد ما قفل المحضر الأخير.
​لميت ورقي وحطيته في الشنطة، وقمت وقفت. طارق بصلي وعينيه مكسورة وقال: “خلاص يا مريم؟ كدة قفلتي حساب ال تمنتاشر سنة في قعدة نص ساعة؟”
​بصيتله وبصيت لأميرة اللي كانت واقفة تتفرج عليه وهي مش مستوعبة إن السندباد اللي كانت هربانة معاه في المالديف بقى على الحديدة، وقلتله وأنا ماشية ناحية الباب: “الحسابات مابتغلطش يا طارق.. أنت اللي دخلت في المعادلة رقم غلط، وكان لازم أصلحه عشان النتيجة تطلع صح.. مبروك عليك الولد، ومبروك عليا حياتي.”
​طلعت من المكتب، وأنا حاسة إن الهوا بره بيغسل صدري.. قفلت الصفحة دي تماماً، وركبت عربيتي عشان أروح الشركة؛ أصل من النهاردة، أنا المدير العام ورئيسة مجلس الإدارة، وعندي ميزانية جديدة لازم تتقفل.
…………
دخلت الشركة، والموظفين كلهم كانوا واقفين صفين في الطرقة، عيونهم عليا وفيها علامات استفهام قد الدنيا؛ أصل خبر “خناقة” طارق ومشيانه بالشنط بالليل كان سمع في دايرة المعارف، ومكتب البشمهندس المقفول من الصبح كان مأكد الإشاعة.
​مشيت بخطوات ثابتة، كعب جزمتي بيرن في الممر بثقة متهزتش. وقفت في النص، وبصيت لمدير الحسابات المساعد بتاعي وقلتله بصوت عالي وواضح يسمعه الكل: “يا بشوي.. اجمعلي كل رؤساء الأقسام في قاعة الاجتماعات كمان عشر دقايق.. ومن بكرة، اليافطة اللي بره تتغير لـ ‘مريم حافظ للمقاولات’.. البشمهندس طارق مابقاش ليه أي صلة بالشركة من الساعة دي.”
​الكل هرول على مكاتبهم وزي ما يكون خلية نحل اشتغلت في ثانية. دخلت مكتبي القديم، قعدت على الكرسي وبدأت أراجع ورق اجتماع الإدارة الجديد.
​على الساعة تلاتة العصر، موبايلي رن.. كانت فريدة بنتي. قلبي دق بسرعة لأول مرة في اليوم ده، أصل فريدة هي الحاجة الوحيدة اللي كنت خايفة عليها من الهبدة دي كلها. رديت وأنا بحاول أظبط نبرة صوتي: “أيوة يا حبيبة مامي.. وصلتي بالسلامة؟”
​صوت فريدة كان هادي، بس فيه نبرة وعي أكبر من سنها بكتير: “أيوة يا مامي.. بابا كلمني من شوية.”
​سكتّ ثانية، وحبست نفسي وأنا مستنية تسميع الصدمة في صوتها، بس لقيتها كملت: “بابا كان بيعيط وبيدور على كلام ملوش لزمة.. بس أنا قفلته وقلت له أنا عارفة كل حاجة يا بابا من زمان.. وعارفة إن مامي هي اللي شايلة البيت والشركة.. أنا معاكي يا مامي، ومش زعلانة.. أنتي عملتي الصح.”
​دموعي اللي حبستها شهور ونشفتها في الحسابات، نزلت لأول مرة.. دموع سخنة وغالية بس مريحة. مسحت وشي بسرعة وقلت لها: “ترجعي بالسلامة يا قلب مامي.. أنا مستنياكي.”
​قفل الخط، وبصيت من الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف القاهرة كلها. الموبايل نور تاني برقم غريب، فتحت وسمعت صوت عياط وشهقات.. كانت أميرة، بس الصوت المرة دي مكنش فيه لا ثقة ولا حكم محكمة، كان صوت عيلة صغيرة غرقانة: “مريم.. أرجوكي.. طارق سابلي الشقة وطفش، تليفونه مقفول ومش عارفة أوصل له.. وأنا معيش فلوس ومصاريف المستشفى غالية.. أنا آسفة، والله العظيم هو اللي ضحك عليا وفهمني إنك..”
​سحبت نفس طويل، وقطعتها بمنتهى الجفاف اللي اتعلمته من الأرقام: “أميرة.. أنا رئيسة حسابات، يعني مابتأثرش بالدموع، بتأثر بالورق اللي في إيدي بس.. مشكلتك مع طارق تحليها معاه، أو مع المحامين.. أنا قفلت الميزانية دي، ومبحبش أرجع في حساباتي القديمة.”
​قفلت السكة، وعملت للرقم “بلوك”. شيلت الموبايل في الشنطة، ولميت ورقي، وقمت وقفت قدام المراية.. ظبطت اللياقة بتاعة البدلة الكحلي، وابتسمت لنفسي في الإزاز.. الشمس كانت بتميل للمغرب، والقاهرة بدأت تنور.. وأنا كمان بدأت أنور من جديد.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *