ساعدت راجل ومراته
شايفين قدامنا.
افتكرت يوم الطريق.
افتكرت الست وهي واقفة ترتعش من البرد.
وافتكرت الراجل وهو بيبصلي بعينين مليانين امتنان.
وفهمت إن الخوف أحيانًا بيخلي البشر يعملوا أغبى القرارات.
لكن الغلط يفضل غلط.
مهما كان سببه.
قفلت المكالمة.
ورجعت أوضتي.
لقيت ملك نايمة.
حضنت الدبدوب بتاعها.
لكن حتى وهي نايمة
كانت إيديها مقبوضة بخوف.
كأنها لسه بتحاول تهرب.
وقتها بس
حسيت بوجع حقيقي.
وجع أم كانت على بعد خطوة واحدة من فقدان بنتها.
وفي اللحظة دي
اتخذت قرار عمري ما كنت أتخيل إني هاخده.
قرار هيغير حياتي كلها
ويخليني أواجه حقيقة مؤلمة جدًا عن نفسي.
الجزء الأخير
فضلت قاعدة جنب سرير ملك ساعات.
ببص عليها وهي نايمة.
كل شوية تتقلب.
كل شوية تفزع.
وكل شوية تمسك الدبدوب أكتر.
كأنها خايفة حد يخطفه منها.
أو يخطفها هي.
وفي اللحظة دي
فهمت حاجة عمري ما فكرت فيها قبل كده.
إحنا طول عمرنا بنقول للأطفال
كونوا طيبين.
ساعدوا الناس.
اعملوا الخير.
لكن محدش بيقولهم إزاي يحموا نفسهم وهما بيعملوا الخير.
وفي الأيام اللي بعدها
ملك اتغيرت.
بقت أقل كلامًا.
أقل ضحكًا.
وأكتر حذرًا.
كل ما حد يخبط الباب كانت تبصلي.
كل ما عربية تقف قدام البيت كانت تراقبها من الشباك.
وكل ما التليفون يرن كانت تسأل
مين؟
أنا كمان اتغيرت.
كنت كل ليلة أصحى أتأكد إن باب البيت مقفول.
وأراجع الكاميرات.
وأبص من الشباك.
كأن كريم لسه بره.
رغم إنه كان محبوس.
لكن الخوف أحيانًا بيعيش جوا الإنسان أكتر من الخطر نفسه.
بعد شهر تقريبًا
الحاج محمود والحاجة سعاد طلبوا يقابلوني.
في البداية رفضت.
لكن بعدها وافقت.
مش عشانهم.
عشان نفسي.
كنت محتاجة أقفل الصفحة دي.
لما دخلوا الكافيه
كانوا باين عليهم أكبر بعشر سنين.
التعب كان مرسوم على وشوشهم.
الحاج محمود وقف أول ما شافني.
وقال
إحنا آسفين.
بصراحة شديدة
ماكانش عندي رد.
لأن كلمة آسفين كانت أصغر بكتير من اللي حصل.
قعدنا.
وساد صمت طويل.
وبعدين الحاجة سعاد طلعت ظرف من شنطتها.
وحطته قدامي.
ده إيه؟
قالت
افتحيه.
فتحته.
وكان جواه شيك بمبلغ كبير جدًا.
لدرجة إني افتكرت إني بقراه غلط.
رفعت عيني ناحيتهم.
يعني إيه ده؟
الحاج محمود قال
جزء من فلوسنا اللي الشرطة رجعتها.
وأنا مالي؟
لأن بنتك دفعت التمن.
هززت راسي فورًا.
مستحيل آخده.
قال
لازم.
قلت بحزم
لا.
سكت شوية.
وبعدين قال جملة خلتني أبصله لأول مرة من غير غضب.
قال
يوم الطريق
إنتِ أنقذتي حياتنا.
ولو ماكنتيش وقفتي
كان ممكن كريم يوصلنا قبل ما نهرب.
ساعتها فهمت.
هما ماكانوش بيحاولوا يشتروا غفران.
ولا يشتروا راحة ضمير.
كانوا بيحاولوا يعملوا أي حاجة تخليهم يناموا بالليل.
في النهاية رفضت الفلوس.
لكن قبل ما أمشي
الحاجة سعاد مسكت إيدي.
وقالت وهي بتعيط
متخليش اللي حصل يخلي ملك تكره الناس.
الجملة دي فضلت معايا أيام.
لأنها لمست أكتر نقطة كنت خايفة منها.
كنت خايفة بنتي تكبر وهي شايفة العالم كله وحش.
كنت خايفة تتحول من طفلة طيبة
لشخص بيخاف من الجميع.
وبعد شهور
بدأت ملك ترجع لطبيعتها.
ببطء.
بطيء جدًا.
لكنها رجعت.
رجع ضحكها.
ورجعت حكاياتها اللي مبتخلصش.
وفي يوم كنا راجعين بالعربية
شافت راجل كبير واقف جنب عربيته.
والكاوتش كان نايم.
بصتلي.
وبعدين بصت للطريق.
وبعدين قالت
ماما؟
قلبي دق.
لأن المشهد كان شبه البداية بالضبط.
قلت
نعم؟
قالت
هنقف نساعده؟
سكت ثواني.
ثواني طويلة.
افتكرت كريم.
والصندوق.
والمدرسة.
وصرخة بنتي.
وكل الكوابيس اللي عشناها.
لكن افتكرت كمان
الحاج محمود والحاجة سعاد.
افتكرت إنهم كانوا ضحايا.
زيهم زينا.
وفي النهاية قلت
لا.
مش هنقف لوحدنا.
لكن هنطلبله المساعدة.
ابتسمت ملك.
وقالت
كده أحسن.
فاتصلت بخدمة الطريق.
واستنينا لحد ما وصل حد يساعده.
وأول ما اتحركنا من المكان
مسكت إيد بنتي.
وقالت بهدوء أكبر من سنها
يعني الخير لازم يكون بعقل؟
ابتسمت.
وضغطت على إيدها.
وقلت
أيوة يا حبيبتي
الخير لازم يكون بعقل.
لأن الطيبة من غير حذر ممكن تؤذي أصحابها.
أما الطيبة مع الحكمة
فدي أقوى حاجة في الدنيا.
ونظرتلها وهي مبتسمة.
وحمدت ربنا للمرة الألف
إن اليوم اللي ساعدت فيه غريبين على الطريق
ماكانش اليوم اللي خسرت فيه أغلى إنسانة في حياتي.
النهاية.