شكلها عادي ج 2 حكايات روماني مكرم

الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة.. “في حد مستني ردي”.

حسيت إن الأرض بتلف بيا، والغيرة اللي كنت بسمع عنها في القصص نهشت قلبي بجد. بصيت لريم بنظرة رجاء، بس هي كانت ملامحها هادية جدًا، هدوء مرعب، كأنها أخيرًا لقت السلام اللي كانت محرومة منه معايا.

قفلت الباب في وشي بهدوء، وسابتني واقف قدام الشقة اللي كانت في يوم من الأيام “بيتنا”.

رجعت بيتي، أو خليني أقول “المكان اللي بنام فيه”، لأني مابقتش حاسس إنه بيت. دخلت المطبخ، فتحت التلاجة، لقيتها فاضية.. مفيش ريحة الأكل اللي كانت بتستقبلني، مفيش الترتيب اللي كنت باخده “حق مكتسب” ومن غير ما أشكرها عليه.

تاني يوم، قررت أواجه لارا في الشركة.

دخلت مكتبها، كانت قاعدة بتظبط الميكب بتاعها قدام المراية. بصيت لها وقلت بحدة: “إنتي كنتِ عارفة إن ريم جاية المطعم؟”

لارا ركنت الروج من إيدها وبصت لي ببرود وضحكة مستفزة: “ولو كنت عارفة؟ أنا عملت لك خدمة يا كريم.. خليتك تخلص من الحمل التقيل اللي كان على قلبك. مش إنت اللي قلت إنها مش جميلة؟ أنا بس سرعت عملية الفراق.”

بصيت لوشها اللي كنت مبهور بيه من شهر، ولقيت نفسي مش شايف فيه غير “قبح” داخلي غطى على كل الملامح. سيبتها وخرجت، وفي نفس اليوم قدمت استقالتي.. مابقتش طايق المكان، ولا طايق نفسي فيه.

بدأت أراقب ريم من بعيد، عارف إن ده غلط، بس كنت محتاج أفهم مين “الشخص” اللي مستني ردها.

بعد يومين، شفتها خارجة من الشغل، ووقفت قدام عربية مرسيدس سوداء. نزل منها شاب وسيم، باين عليه الرقي، سلم عليها بحرارة وفتح لها الباب. ريم ركبت معاه وهي بتضحك.. نفس الضحكة اللي كانت بتضحكها لي زمان وأنا راجع من الشغل تعبان.

النار اللي في قلبي اتحولت لرماد. قعدت على الرصيف مش قادر أصلب طولي.

“يعني فعلًا يا كريم؟ ريم اللي كنت مكسوف منها، في غيرك فخور إنه يفتح لها باب عربيته؟”

رحت لأمي، كنت محتاج أسمع أي كلمة تطمني. أول ما دخلت، أمي قالت لي بشماتة غريبة: “شفت؟ مش قلت لك ريم دي متلقش بيك؟ أهي أول ما سابتك لقت غيرك، دي تلاقيها كانت بتخطط لكده من زمان.”

بصيت لأمي بذهول وقلت لها: “إنتي اللي خربتي عقلي يا أمي.. إنتي اللي كنتِ دايمًا تحسسيني إنها قليلة، لحد ما صدقتك وعميت عن الجوهر اللي في إيدي. ريم كانت ست الستات، بس أنا اللي مكنتش راجل كفاية أحافظ عليها.”

خرجت من عند أمي وأنا واخد قرار. رحت لريم بيت أهلها للمرة المليون.

طلبت أقابل والدها. قعدت معاه، وقلت له: “عمي.. أنا غلطت، وغلطي كبير. بس أنا عايز فرصة واحدة أصلح اللي انكسر.”

والد ريم بص لي بأسى وقال: “يا كريم، الست لما بتنطفي في عين جوزها، بتدور على نورها في حتة تانية. وريم بدأت تنور من جديد.. الشخص اللي شفته معاها ده يبقى ‘الدكتور يحيى’، ابن عمها، وكان بيحبها من قبل ما إنت تظهر في حياتها، ولما عرف إنكم انفصلتوا، جه اتقدم لها رسمي.”

حسيت إن روحي بتتسحب مني. “وهي وافقت؟” سألت بصوت مخنوق.

والدها سكت لحظة وقال: “قالت لي هفكر.. بس الصراحة يا ابني، أنا أول مرة أشوف بنتي مرتاحة وبتحب شكلها في المراية من سنين.”

خرجت من عندهم وأنا بجر رجلي. مشيت في الشوارع اللي كنا بنتمشى فيها سوا. كنت بشوف البنات الجميلات اللي كنت بنبهر بيهم، وبقيت بستغرب.. “إزاي كنت شايف إن ده هو المهم؟”

الجمال فعلًا بيخلص مع أول تعامل، مع أول أزمة، مع أول لحظة نكد. لكن الروح، الحنية، السكن.. هما دول اللي بيدوموا.

بعد أسبوع، جالي رسالة من ريم: “كريم.. محتاجة أقابلك بكره في الكافيه اللي بدأت عنده النهاية.”

مانمتش طول الليل. لبست أحسن ما عندي، ورحت قبل المعاد بساعة.

ريم وصلت. كانت لابسة فستان أخضر هادي، وشكلها كان “منور” فعلاً، بس مش بسبب ميكب أو لبس، بسبب الثقة اللي في عينيها.

قعدت قدامي وقالت بهدوء: “يحيى طلب إيدي للجواز يا كريم.”

قلبي اتنفض، وقلت بسرعة: “ريم، أبوس إيدك، بلاش.. أنا عرفت قيمتك، أنا مستعد أعيش خدام تحت رجلك، بس ما تضيعيش مني.”

بصت لي ريم وقالت جملة خلتني أتجمد في مكاني:

“أنا مش هرد عليه يا كريم.. غير لما أسمع منك حاجة واحدة.”

بلعت ريقي وسألت: “حاجة إيه؟”

ريم ميلت بجسمها لقدام وقالت وعينيها في عيني: “لو لارا دلوقتي دخلت من الباب ده، وقالت لك إنها سابت كل حاجة وعايزاك.. وإني أنا قدامك أهو ‘ريم العادية’.. هتختار مين؟ بس جاوب بقلبك مش بخوفك من الوحدة.”

كنت لسه هرد، بس فجأة… لارا دخلت الكافيه فعلًا، وكانت جاية ناحية طاولتنا وهي بتبتسم بثقة وبتقول: “كريم.. وحشتني.”

**حكايات رومانى مكرم**

لحظة دخول لارا خلت الهوا يهرب من المكان، كأنها كانت مراقبة الموقف ومستنية اللحظة اللي تظهر فيها عشان تثبت لنفسها -وليّ- إنها لسه مسيطرة. وقفت قدامنا بريحتها النفاذة وشكلها اللي كان بيبهرني، وبصت لريم بنظرة استعلاء وقالت: “كريم.. مش معقول لسه بتضيع وقتك في محاولات فاشلة؟ أنا سيبت الشغل وسيبت كل حاجة عشان نبتدي سوا، مش ده اللي كنت بتتمناه؟”

ريم فضلت قاعدة مكانها، ثابتة زي الجبل، عينها ما نزلتش من على عيني، كأنها بتختبر آخر ذرة رجولة وفهم جوايا. لارا مدت إيدها ولمست كتفي بدلال وقالت: “يلا بينا يا كريم.. سيبك من النكد ده وخلينا نعيش حياتنا.”

في اللحظة دي، شريط الـ 4 سنين مر قدام عيني. شفت ريم وهي سهرانة جنبي وأنا عيان، شفتها وهي بتضحك في وشي رغم إني راجع مكشر، شفت “الستر” اللي كان محوطني وضيعته بجري ورا “سراب”.

بصيت لـ لارا، ولقيتني بشيل إيدها من على كتفي بهدوء بس بحسم. قمت وقفت وبصيت لها في عينها وقلت: “إنتي فعلًا جميلة يا لارا.. بس جمالك ده زي اللوحة اللي في معرض، نتفرج عليها شوية ونتصور جنبها، لكن محدش يقدر يسكن فيها. الجمال اللي بجد هو اللي بيطبطب على القلب وقت الوجع، مش اللي بيزود الوجع عشان يرضي غروره.”

لارا وشها اتغير وبقى لونه أحمر من الغضب: “إنت بتبجح فيّ عشان خاطر دي؟”

قلت لها: “دي هي اللي علمتني يعني إيه بيت، وإنتي اللي علمتيني يعني إيه ضياع. اتفضلي يا لارا، مفيش مكان ليكي هنا ولا في حياتي.”

لارا مشت وهي بتشتم وبتخبط في الكراسي، والكافيه كله بقى يتفرج عليها وهي بتنهار بره، وبقى منظرها “وحش” رغم كل الجمال اللي حطاه.

قعدت مكاني تاني، بصيت لريم لقيت دموعها نزلت لأول مرة من بداية القعدة.

مديت إيدي مسكت إيدها، والمرة دي هي ماسحبتهاش. قلت لها: “ريم.. أنا مش بس بختارك، أنا بترجاكي تقبلي بيا تاني. أنا كنت محتاج أضيع عشان أعرف إنك إنتي الطريق. الدكتور يحيى أو غيره يقدروا يشوفوا جمالك، بس محدش فيهم اتوجع ببعدك زي ما أنا اتوجعت.”

ريم مسحت دموعها وقالت بصوت مهزوز: “كريم.. الوجع اللي عيشتهوني مش سهل يتمسح بكلمتين. أنا مشيت ورا قلبي مرة وضيعتني، ودلوقتي عقلي بيقول لي وافقي على يحيى لأنه هيصونك.”

قلت لها: “وعينك بتقول إيه يا ريم؟”

سكتت وبصت في الأرض، وبعدين قالت: “عيني لسه شايفة فيك الراجل اللي حلمت أعيش معاه العمر كله.. بس خايفة يا كريم. خايفة عينك تزوغ تاني لما الميكب بتاع لارا تانية يبهرك.”

قلت لها: “بعد اللي شوفته؟ والله يا ريم بقيت بشوف الستات كلهم ‘صور’، وإنتي الوحيدة اللي ‘حياة’.”

ريم قامت وقفت، وقالت: “أنا مش هديك رد دلوقتي. أنا محتاجة أسافر أسبوع لوحدي، أبعد عن ضغط يحيى وضغط ندمك. لو رجعت ولقيت نفسي لسه عايزة أكمل معاك، هكلمك.”

فات الأسبوع كأنه سنة. كنت بصحى وأنام وأنا ماسك الموبايل مستني رنة. رحت الشقة وبدأت أنضفها، فرشتها ورد، وجهزت كل حاجة كأننا لسه عرسان في أول يوم. كنت بحاول أصلح “البيت” عشان أثبت لها إني اتغيرت.

يوم الجمعة بالليل، الباب خبط.

جريت فتحت وأنا قلبي هيقف من الدق… لقيت ريم واقفة، بس المرة دي كانت شايلة شنطة هدومها.

بصت لي وقالت بابتسامة هادية: “يحيى اتصل بيا النهاردة الصبح يطلب الرد النهائي.”

قلبي سقط في رجلي وقلت بصوت بيترعش: “وقلتي له إيه؟”

ريم دخلت الشقة، حطت الشنطة في الأرض، وقالت: “قلت له إني لقيت الجمال اللي كنت بدور عليه في “بيتي” القديم.. بس بشرط واحد يا كريم.”

قلت لها بلهفة: “رقبتي ليكي.. قولي.”

ريم بصت لي بجدية وقالت: “لو في يوم حسيت إن عيني مابقتش مالية عينك، تطلقني فوراً ومن غير كلام.. أنا مش هعيش ‘تكملة عدد’ تاني.”

حضنتها بقوة وأنا بحلف لها إن ده مش هيحصل أبدًا.

قعدنا سوا، وبدأت تحكي لي عن أسبوعها، وأنا بحكي لها إني قد إيه كنت تايع. وفجأة، موبايلها رن تاني، شافت الرقم واتوترت.

قلت لها: “مين؟ يحيى؟”

قالت لي بخوف: “لا.. دي لارا، وبتبعت رسايل غريبة بتقول فيها إنها قدام باب الشقة دلوقتي ومعاها حاجة تخصني وتخصك!”

بصينا لبعض باستغراب، وفجأة سمعنا صوت خبط عنيف ومجنون على الباب…

**حكايات رومانى مكرم**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *