أخويا استنى لحد ما دفنّا أمي حكايات صابرين محمد

أخويا استنى لحد ما دفنّا أمي وأول كلمة قالهالي بعد العزا مكانتش ربنا يصبرك كانت هاتي مفاتيح البيت.
في ملف قديم لقيت فيه صورة ضوئية لوثيقة عليها توقيع أخوكي… واضح إن ليها أصل، ولو النسخة الأصلية لسه موجودة، متسلميش المفاتيح ليه، ولما نتقابل هفهمك ليه.
قريتها مرة.
واتنين.
ورفعت عيني لأخويا.
كان ماسك كارت المحامية بين صوابعه، وبيبصله كأنه شايل حاجة بتخوفه، مش مجرد كارت صغير مكتوب عليه اسم وعنوان، وكأن مجرد دخولي مكتب محامية قلب كل الحسابات اللي كان مرتبها في دماغه من قبل ما ييجي.
قال وهو بيحاول يبان هادي
قالتلك إيه؟
بصيتله من غير استعجال.
في ناس أول ما تسمع كلمة محامي تتوتر، لكن اللي شد انتباهي إن أحمد كان متوتر قبل ما يعرف أصلًا المحامية قالت إيه، ولأول مرة حسيت إن خوفه مش من الورق، خوفه من حاجة هو عارف إنها ممكن تطلع في أي لحظة.
قلت بهدوء
ولا حاجة غير اللي إنت عارفه. لو عايز تتكلم عن البيت والميراث نتقابل بكرة الساعة حداشر في مكتب أستاذة سحر.
وشه اتشد.
وقال بسرعة
ليه مكتب محامية؟ ما إحنا إخوات.
ابتسمت ابتسامة باهتة وأنا ببصله في عينه
عشر سنين وإحنا إخوات يا أحمد… ولا مرة قعدنا نتكلم عن علاج أبويا، ولا مصاريف أمي، ولا الممرضة، ولا الإسعاف، ولا آلاف الجنيهات اللي كانت بتطلع من مرتبي كل شهر، دلوقتي بقى الكلام هيكون بالورق.
ما ردش ونزل بعينه للأرض.
يمكن كانت أول مرة أكسب جولة صغيرة.
يمكن متأخرة…
بس بعد عشر سنين من السكوت، حتى الجولة الصغيرة كان ليها طعم.
تاني يوم وصلت مكتب أستاذة سحر قبل المعاد بنص ساعة.
ما نمتش دقيقة.
ولبست هدوم سودا بسيطة، لكن الحزن كان لسه باين في ملامحي مهما حاولت أداريه.
دخلت وأنا شايلة نفس الشنطة.
شنطة مليانة عمر كامل. فواتير. إيصالات. تحاليل. تقارير. إثباتات تحويل. مرتبات ممرضات. جلسات علاج طبيعي.
طلبات إسعاف وأدوية.
كل ورقة فيهم كانت بتشهد إن الحب مش كلمة بتتقال…
الحب ساعات بيكون إيصال دفع.
أستاذة سحر استقبلتني، وحطت الشنطة قدامها، وبدأت تقلب في الملفات بهدوء، وكل شوية تطلع مستند، وترجعه مكانه، لحد ما وقفت فجأة عند ملف قديم كانت أوراقه مصفرة من الزمن.
قالت وهي بتطلعه قدامي
وأنا براجع الملفات دي، لقيت صورة ضوئية لوثيقة عليها توقيع أخوكي، لكن الأصل مش موجود.
قلبي اتقبض.
كملت وهي بتشير للصورة
وجود صورة معناه إن الأصل كان موجود في يوم من الأيام، ولو الأصل لسه موجود، هيبقى ليه قيمة كبيرة، وعشان كده بعتلك الرسالة.
بعدها مدت إيديها ناحية ظرف بني قديم كان فوق المكتب، وقالت
وده لقيته وإحنا بنراجع الأوراق اللي كانت والدتك محتفظة بيها في الدولاب، وكانت كاتبة بخط إيدها يُفتح فقط إذا حصل خلاف بين الأولاد بعد وفاتي.
حسيت
قلبي بيتعصر.
حتى أمي…
كانت خايفة من اليوم ده.
قلت بصوت مخنوق
إيه اللي جواه؟
قالت
هنفتحه… لكن الأول لازم تشوفي المستند ده.
فتحت الملف، وطلعت صورة ضوئية لإقرار.
وفي أول سطر…
كان توقيع أحمد.
وقالت
فاكرة لما والدك باع قطعة الأرض اللي برة البلد؟
هزيت راسي.
قالت
حسب كشف التحويل البنكي، ثمن الأرض، ومعاه جزء من شهادة الاستثمار، اتحولوا بالكامل لحساب أحمد.
الدنيا لفت بيا.
افتكرت نفسي وأنا بلف على الصيدليات أستجدي خصم علشان أجيب علاج أبويا.
وافتكرت إني أجلت عملية كنت محتاجاها علشان الفلوس متكفيش.
وفي نفس الوقت…
كان أحمد استلم المبلغ كله.
قالت أستاذة سحر وهي بتحط الإقرار قدامي
واضح من المستندات إن والدك وقتها خلاه يوقع على إقرار باستلام المبلغ كاملًا، علشان يبقى فيه إثبات إنه قبض حقه من الأموال اللي خرجت من حساب والده، وكمان يثبت الاتفاق اللي حصل بينهم وقتها.
قريت أول سطر.
كان توقيعه واضح.
وفي الإقرار مكتوب إنه استلم المبلغ كاملًا من والده، وأقر بذلك بإرادته، وأن شقيقته ستتولى رعاية الوالدين والإنفاق عليهما، وأن جميع النفقات الثابتة بالمستندات تُراجع وتُسوّى قانونًا قبل اتخاذ أي إجراء يخص التركة أو تسليم حيازة البيت.
تلجت صوابعي.
وقريت السطور أكتر من مرة.
ولأول مرة من ساعة وفاة أمي…
حسيت إن الورق فعلًا ممكن ينطق.
وفي اللحظة
دي بالظبط…
الباب اتفتح.
دخل أحمد.
ورا مراته.
ومعاهم محامي.
أول ما عينه وقعت على صورة الإقرار اللي كانت قدام أستاذة سحر…
خطوته وقفت في مكانها.
وأنا لأول مرة من عشر سنين…
شفت الخوف الحقيقي في عينيه، الخوف اللي بيظهر للحظة واحدة مهما صاحبه حاول يدفنه جواه، لأن العين عمرها ما بتعرف تمثل، ولا بتعرف تخبي ارتباك واحد كان داخل المكتب فاكر إن الموضوع كله كام فاتورة هيقول إن أخته دفعتها بمزاجها، وإنه في الآخر هياخد نسخة من المفاتيح ويرجع يحسب البيت هيتباع بكام، لكن أول ما لمح توقيعه على الورقة، حسيت إنه نسي ياخد نفسه، وكأن الماضي كله قام وقف قدامه بعد ما فضل سنين فاكر إنه انتهى.
المحامي اللي كان جاي معاه مد إيده بهدوء وقال
لو تسمحي… أحب أشوف المستند.
أستاذة سحر بصتلي، ولما هزيت راسي، زحلقت الصورة الضوئية قدامه.
ابتدى يقلبها بهدوء، وكل شوية يرفع عينه للإقرار، وبعدين يرجع يقرأ تاني، لحد ما وصل لآخر صفحة وقال
دي صورة ضوئية… فين النسخة الأصلية؟
قبل ما حد يرد…
خرجت من أحمد بسرعة
يعني لازم الأصل؟ الصورة واضحة.
المحامي بصله باستغراب وقال
طبعًا… أي مستند بالشكل ده الأفضل نراجع أصله.
وساعتها…
من غير ما يحس…
خرجت منه جملة هزت الأوضة كلها.
أنا… كنت فاكر النسخة الأصلية اتحرقت.
الدنيا سكتت.
هو نفسه رفع راسه فجأة، وكأنه استوعب
متأخر إنه اعترف بحاجة محدش سأله عنها.
مراته بصتله بعدم فهم.
والمحامي لف وشه ناحيته
ببطء.
أما أنا…
فحسيت إن ربنا هو اللي أنطقه، لأن محدش فينا جاب سيرة أصلًا إن أصل الورقة ضاع أو اتحرق.
ابتلع ريقه بسرعة وقال
قصدي… الورق القديم كله… كنت فاكره اتعدم.
لكن الكلمة الأولى كانت خرجت.
والكلمة لما تخرج…
مبتعرفش ترجع تستخبى.
أستاذة سحر ما علقتش.
بالعكس…
مدت إيدها للظرف البني اللي كان جنبها، وقالت
الظرف ده لقيناه وسط الأوراق المهمة اللي والدتكم كانت محتفظة بيها، ومكتوب عليه بخط إيدها يُفتح فقط إذا حصل خلاف بين أولادي بعد وفاتي.
حسيت قلبي بيتقبض.
حتى أمي…
كانت خايفة من اليوم ده.
فتحت الظرف بحرص، وطلعت ورقة مطوية.
أول ما شفت خطها…
حسيت وجع الدنيا كلها رجع مرة واحدة.
ابتدت أستاذة سحر تقرا
يا ولادي…
لو الرسالة دي اتفتحت، يبقى حصل خلاف بينكم بعد وفاتي، وعشان كده لازم الحقيقة كلها تظهر.
سكتت لحظة…
وبعدين كملت
يا منى… لو وصلتي للرسالة دي، اعرفي إن أصل الإقرار وباقي الأوراق المهمة مش موجودين هنا، أنا وأبوكي حطيناهم في مكان محدش يعرفه، علشان ميضيعش حق حد، ولا يقدر حد يغير الحقيقة بعد ما نمشي.
الرسالة كانت قصيرة.
لكن كل كلمة فيها كانت بتنزل على قلبي كأنها جبل.
وفي آخرها…
كان مكتوب بخط أمي المرتعش
المفتاح مع الرسالة… وهو مفتاح الدرج السفلي في مكتب أبوكي.
رفعت أستاذة سحر الورقة.
وفعلًا…
كان فيه مفتاح
صغير متثبت بدبوس في طرف الظرف.
أحمد اتغير لونه.
وقال بسرعة، لأول مرة وكأنه مش عايز الحقيقة تكمل طريقها
خلاص… الكلام ده ملوش لازمة.
ابتسمت أستاذة سحر ابتسامة هادية وقالت
بالعكس… إحنا لسه في أول الطريق.
مسكت المفتاح، وقامت من مكانها.
وقالت
هنروح البيت.
أحمد رجع خطوة لورا، وقال بعصبية حاول يخبيها
ليه؟ مالوش لازمة نروح.
وفي اللحظة دي…
اتأكدت إن اللي مستخبي جوه البيت…
أهم عنده من البيت نفسه.
ركبنا عربيتين، ولا حد فينا كان بيتكلم، كأن كل واحد سايب أفكاره تاكله من جواه، وأنا طول الطريق كنت ببص من الشباك، نفس الشوارع اللي كنت بعدي منها كل يوم وأنا راجعة من المستشفى شايلة أكياس العلاج، ونفس الإشارات اللي وقفت عندها مئات المرات وأنا خايفة ألحق أمي قبل معاد الدوا، لكن النهارده الطريق كان مختلف، لأن المرة دي ماكنتش راجعة علشان أغير ضمادة ولا أجهز حقنة، كنت راجعة أدور على الحقيقة اللي أمي وأبويا فضلوا شايلينها سنين كاملة من غير ما ينطقوا بيها.
أول ما وقفنا قدام البيت، أحمد فضل واقف عند الباب ومتحركش، وبص للمفتاح اللي في إيد أستاذة سحر وقال وهو بيحاول يبان هادي
أنا شايف إن الموضوع كبر على الفاضي… خلوا الورق زي ما هو.
أستاذة سحر بصتله وقالت
من شوية كنت مستعجل على المفاتيح… دلوقتي بقيت مستعجل إننا منفتحش البيت؟
ماعرفش يرد.
نزل بعينه في الأرض، ووشه بقى شاحب أكتر، وساعتها حسيت إن كل خطوة بنمشيها ناحية البيت كانت بتاخد منه حتة من الثقة اللي داخل بيها.
فتحت الباب، وأول ما دخلت، ريحة أمي استقبلتني، نفس ريحة المسك اللي كانت بتحطه بعد كل صلاة، ونفس الكرسي اللي كانت بتقعد عليه جنب الشباك، ونفس العصاية بتاعة أبويا متسندة جنب الحيطة، كأن الزمن وقف يوم ما خرجنا ندفنها ولسه مستنينا نرجع.
وقفت لحظة، وحطيت إيدي على الحيطة، وغمضت عيني، لكن أستاذة سحر قطعت الصمت وقالت
فين مكتب والدك؟
أشرتلها على الأوضة.
دخلنا كلنا، وأحمد فضل واقف عند الباب، لا هو داخل ولا هو خارج، كأنه خايف يقرب من حاجة هو عارفها أكتر مننا كلنا.
كان مكتب أبويا الخشب لسه في مكانه، والأوراق مرصوصة بنفس النظام اللي كان بيحبه، حتى نظارته كانت فوق المكتب، كأنه خرج يرجع بعد شوية.
بصت أستاذة سحر للمفتاح الصغير، وبعدين للدروج، وجربته في أول درج… ما فتحش.
وجربته في التاني… برضه لا.
أما لما دخلته في الدرج السفلي، سمعنا صوت تك خفيف، والدرج اتحرك ببطء.
في اللحظة دي حسيت أحمد خد نفس طويل من غير ما يحس، وكأنه كان بيدعي من جواه إن الدرج يطلع فاضي.
لكن أول ما اتفتح…
ظهر ظرف أبيض كبير.
وتحته ملف أحمر.
وتحتهم حافظة شفافة.
أستاذة سحر طلعت الحافظة الأول، وفتحتها.
كان جواها…
أصل الإقرار.
نفس الإقرار
اللي كان معانا صورة منه.
بنفس توقيع أحمد.
وبنفس التاريخ.
وبنفس البصمة اللي كان أبويا حاططها كشاهد على استلامه المبلغ.
بعدها طلعت كشف التحويل البنكي الأصلي، مختوم من البنك، وفيه رقم العملية وتاريخها، وكل حاجة تثبت إن الفلوس خرجت من حساب أبويا، ودخلت حساب أحمد في نفس اليوم.
مرات أحمد بصتله باستغراب وقالت
إنت قلتلي إن الفلوس دي كانت سلفة بسيطة!
أحمد مردش.
ولا حتى رفع عينه فيها.
أستاذة سحر حطت الورقتين على المكتب، ومسكت الملف الأحمر، وكان واضح إنه متفتحش من سنين، لأن أطرافه كانت مصفرة، ولسه عليه شريط لاصق قديم بخط أبويا مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا وقع خلاف على البيت.
قلبي دق بعنف.
وأنا اللي كنت فاكرة إن المفاجآت خلصت.
فتحت الملف بهدوء، وسحبت أول ورقة.
ولثواني…
ولا واحد فينا نطق.
كانت مسودة عقد هبة ابتدائي للبيت بالكامل باسم أحمد.
اسم أبويا مكتوب.
واسم أمي مكتوب.
واسم أحمد مكتوب كمستفيد.
لكن الورقة ماكانتش مكتملة.
مكان توقيع أبويا فاضي.
ومكان توقيع أمي فاضي.
وفي الهامش، بخط أبويا اللي حافظاه من وأنا طفلة، جملة قصيرة كسرت قلبي قبل ما تكسر أحمد
رفضت التوقيع بعدما عرفت إن ابني بيستغل مرض أمه علشان يخرج البيت من التركة ويحرم أخته من حقها.
حسيت الدنيا لفت بيا.
بصيت ناحية أحمد.
كان وشه أصفر.
ولأول مرة من يوم ما عرفته…
ماعرفش
يدافع عن نفسه.
أستاذة سحر قلبت الصفحة اللي بعدها.
كانت نسخة مصورة من نفس العقد.
لكن النسخة دي
كان عليها ملاحظات أكتر.
وفي آخرها…
توقيع شاهد.
واسم الشخص اللي حضر بالعقد يومها.
ساعتها أستاذة سحر رفعت الورقة ببطء، وقالت
دلوقتي فهمت ليه والدك احتفظ بكل حاجة.
بصيت على الاسم…
وحسيت رجلي مش شايلاني.
لأن الشخص اللي جاب العقد، واللي كان شاهد على المحاولة دي…
ماكانش غريب عننا أبدًا.
كان واحد من أقرب الناس اللي كانوا داخلين بيتنا، واللي أمي كانت بتعتبره من أهلها.
فضلت عيني معلقة على الاسم المكتوب تحت خانة الشاهد، وحسيت إن قلبي بيتقبض للمرة الألف من ساعة ما أمي ماتت، لأن الصدمة المرة دي ماكنتش في الورقة نفسها، كانت في الشخص اللي مكتوب اسمه عليها، الشخص اللي كان داخل بيتنا من غير ميخبط، واللي كان أبويا يقوم يستقبله بنفسه ويقوله اتفضل يا ابن خالي… البيت بيتك، واللي أمي كانت تبعت معاه الأكل كل عيد لأهله، واللي كنا بنعتبره واحد من العيلة قبل ما يكون مجرد قريب، ولما رفعت عيني ناحية أحمد لقيته أول ما شاف الاسم لف وشه الناحية التانية، كأنه مش قادر يبصله، أو يمكن مش قادر يبص لنفسه.
أستاذة سحر قفلت الملف براحة، وقالت بصوت هادي، لكنه كان حاسم بطريقة خلت حتى النفس بقى بيتحسب دلوقتي فهمنا ليه والدك احتفظ بالنسخة دي، وفهمنا ليه العقد ده متكملش.
أحمد اتحرك خطوة لقدام
بسرعة وقال بس العقد ما تمش… ما حصلش حاجة.
بصتله أستاذة سحر من فوق نضارتها وقالت بهدوء وده في مصلحتك قبل أي حد، لأن العقد طالما ما اكتملش، يبقى إحنا بنتكلم عن محاولة انتهت قبل ما تتحول لتصرف قانوني كامل، أما لو كان اكتمل، كانت الأسئلة اللي هتتسألك بعدها هتبقى أصعب بكتير.
الكلمة وقعت عليه كأنها حجر.
لأول مرة من ساعة ما دخل المكتب، معرفش يرد بسرعة.
معرفش يزعق.
ولا يعرف يقاطع.
فضل واقف ساكت، ووشه كله بقى باين عليه التعب، مش تعب السفر ولا العزا، لكن تعب واحد فاكر إن الماضي اتحرق، وفجأة لقى الماضي كله متشال في درج قديم مستنيه يتفتح.
مراته بصتله بذهول، وبعدين قالت بصوت كان مليان صدمة أكتر من الغضب إنت… إنت قلتلي إن عمك هو اللي كان عايز يكتبلك البيت بإرادته، وإن خالتي وافقت، وإن منى هي اللي كانت رافضة!
رفع عينه فيها، لكنه ماعرفش يقول غير أنا…
واتقطعت الكلمة.
لأن حتى الكذب كان محتاج شجاعة، والشجاعة سابته من أول ما شاف أصل الإقرار.
ابنه بصله وقال بصوت واطي بابا… الكلام ده حقيقي؟
والبنت كانت واقفة جنب أمها، دموعها نازلة من غير صوت، وقالت إحنا طول عمرنا فاكرين إن عمتي ظلمتك… وإنها كانت مانعاك من بيت جدتي… كل ده كان مش الحقيقة؟
الصمت اللي نزل على الأوضة وقتها
كان أوحش من أي اعتراف.
أحمد فضل باصص في الأرض.
لا قال أيوه.
ولا قال لأ.
وساعات السكوت بيقول الحقيقة أعلى من أي كلام.
أنا بصيتله، والغريب إني ماحسيتش بأي شماتة، ولا فرحة، ولا حتى إحساس بالانتصار، لأن الإنسان لما يتوجع سنين طويلة، بيجي عليه وقت يكتشف إن الانتصار الحقيقي مش إنه يكسر اللي قدامه، لكن إنه أخيرًا يبطل يتكسر هو.
قلت بهدوء، وأنا ببصله في عينه لأول مرة من غير خوف ولا عتاب أنا عمري ما كنت عايزة أحرمك من حقك يا أحمد… ولا مرة فكرت آخد منك حاجة ربنا كتبها ليك، أنا كل اللي كنت عايزاه إنك متاخدش حقي أنا، حق السنين اللي عشتها بين المستشفيات، وحق الفلوس اللي خرجت من جيبي، وحق التعب اللي محدش شافه غير ربنا وأبوك وأمك.
دموعي نزلت، لكن صوتي ما اهزش.
البيت هيتقسم زي ما ربنا أمر… والورث هيتقسم بالقانون… لكن قبل أي قسمة، لازم كل حق يرجع لصاحبه، لأن العدل عمره ما كان ضد الشرع، والشرع نفسه قائم على رد الحقوق.
أستاذة سحر لمّت المستندات كلها، وحطتها جوه الملف، وقالت وهي بتبص للجميع الكلام القانوني انتهى. من اللحظة دي، محدش هياخد نسخة من المفاتيح، ومحدش هيتصرف في البيت، ولا بيع، ولا تنازل، ولا أي إجراء يخص التركة، قبل ما يتم جردها بالكامل، ومراجعة كل المستندات
والمصروفات، وبعدها المحكمة هي اللي هتفصل في كل نقطة حسب القانون.
ولا واحد اعترض.
حتى أحمد.
كأنه فقد القدرة إنه يمسك في أي خيط.
بدأوا يخرجوا واحد ورا التاني.
مراته خرجت وهي حتى مبقتش قادرة تبصله.
ابنه سبقهم برا.
وبنته وقفت قدامي لحظة، حضنتني من غير كلمة، وبعدين مشت وهي بتمسح دموعها.
أما أحمد…
فوقف عند باب الأوضة ثواني.
بص حوالين المكان.
للكرسي اللي كان أبويا بيقعد عليه.
وللسرير اللي كانت أمي نايمة عليه.
وللحيطة اللي عليها صورتهم.
واضح إنه لأول مرة شاف البيت مش باعتباره عقار.
شافه عمر.
بس الإدراك جه متأخر.
زي حاجات كتير في حياته.
لما الكل مشي، فضلت أنا لوحدي.
رجعت أوضة أمي.
قعدت على طرف السرير، ومديت إيدي أعدل المخدة بتاعتها بشكل تلقائي، وبعدها ضحكت وسط دموعي، لأني افتكرت إنها مش هترجع تنام عليها تاني.
وأنا بقوم، خبطت رجلي في صندوق خشب صغير تحت الكومود.
استغربت.
فتحته بهدوء.
كان جواه سلسلة أمي الذهب الصغيرة، اللي كانت بتلبسها كل يوم، وصورة قديمة لينا وإحنا أطفال، أنا وأحمد واقفين بين أبويا وأمي في يوم العيد، كلنا بنضحك، ولا حد فينا كان يعرف إن الأيام ممكن تفرق بين الأخ وأخته بالشكل ده.
وتحت الصورة…
كان في جواب صغير.
فتحته.
كان بخط أمي.
يا منى…
لو وصلتي
للجواب ده، يبقى ربنا اختارني أكون عنده، واختارك إنت تكملي اللي
فضل من بعدي.
فاكرة إن البيت ده أغلى حاجة عندنا؟
لأ.
ولا الأرض.
ولا الفلوس.
أغلى حاجة كانت إنكم تفضلوا إخوات.
لو البيت فضل… هيعيش سنين.
ولو راح… ربنا هيعوض.
لكن أوعي
تخلي كام طوبة يضيعوا أخوك من نفسه.
ولو غلط…
خدي حقك.
بس سيبي باب الرجوع لربنا مفتوح.
لأن القلوب بإيد ربنا، مش بإيد البشر.
حضنت الجواب على صدري.
وبكيت.
المرة دي ماكنتش
ببكي على أمي.
ولا على أبويا.
ولا حتى على السنين اللي راحت.
كنت ببكي على أخ صغير كنت فاكرة إنه سندي، وكبر وهو بيجري ورا بيت، لحد ما نسي إن البيت الحقيقي كان العيلة نفسها.

قمت ناحية الشباك.
ولقيت أحمد خارج من الباب الحديد.
خطواته كانت تقيلة.
وكتافه ميلة.
ولأول مرة من يوم ما رجع بعد وفاة أمي…
شاف البيت من بره…
ومشى.
من غير ما يطلب المفاتيح.

ومن غير ما يبص وراه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *