رحمة الوحش ج ١ حكايات انجى الخطيب

عاقبوا عيل يتيم وغلبان سرق الأكل من جوعة من مطبخ عمدة البلد بابشع طريقة ….
أمر العمدة إنه يترمى تحت رجلين جاموسة ضخمة غشيمة ، زي ما عمل مع ياما من مجرمين قبله … بس المرة دي اللي حصل في الساحة خلي الخلق كلها تقف مذهولة ومصدومة …..
في الصبحية المولعة دي، كانت الشمس بتلسع البلد من غير رحمة، في الوقت اللي كانت فيه ساحة العقاب الكبيرة زحمة بالناس من الفجرية. قعد الأكابر والأغنياء في الصفوف الاولي ، والغلابة والناس السرحانة واقفين وراهم بيزقوا في بعض عشان يشوفوا الليلة اللي اتعودوا يحضروها كل شهر. كان الجو دوشة والكل بيتكلم. ، والعيال الصغيرة بتتنطط وتتسلق الحيطان الطين، والرجالة عمالة ترغي في الأحكام اللي هيطلعها العمدة النهاردة. وفي نص الساحة… وقفت جاموسة غشيمة ضخمة . كل أهل البلد كانوا عارفينها. لونها اسود غامق يخوف وعنيها بتبرق ، وكانت رجليها الكبار بتعفر في التراب مع كل خطوة. الناس قالت إنها كل شهر العمدة يعمل بيها عرض وإنها داست رجالة كتير تحت رجليها . أما العمدة… فكان قاعد فوق مصطبة عالية مدهونة ، بيبص على الناس كلها بعينين ناشفة ومفيش في قلبه رحمة. كان أهل البلد بيخافوا منه أكتر ما بيخافوا من الموت نفسه. أصل هو كان فاهم إن العقاب قدام الناس هو بس اللي بيمشي الكلمة ويخلي الناس تطاطي. ولما ضربت صوت الصفارة في الساحة… بدأ الغفر يجيبوا العيل مع الرجالة اللي محكوم عليهم زي كل شهر ، كانوا متجمعين في نص الساحة وسط التراب ، وصوت الناس بيعلى بين رعب وشماتة. شوية من المحكوم عليهم قعدوا يبوسوا الإيدين ويطلبوا السماح. وشوية حاولوا يجروا. بس مكنش فيه مفر. من ناحية واقفة الجاموسة الضخمة … ومن الناحية التانية واقفين غفر العمدة بالعصيان والسلا*ح . وبعد ما خلصوا كام حكم… اتفتح الباب الخشب الكبير تاني. وفجأة… الساحة كلها سكتت وصمت. عشان الغفر المرة دي مكنوش ساحبين راجل شحط… ده كان عيل صغير. كان مسلوع ومبهدل وهزيل بشكل يوجع القلب، حافي الرجلين ، وجلابيته مقطعة ومتعفرة بالتراب. وكان بيرتعش لدرجة إن ركبه مكنتش شايلاه. بص حواليه بخوف باين في عينيه، كأنه مش فاهم هما جايبينه فين. بعدين زقه غفير بقسوة و بجفاء كده فوقع على الارض المولعة من حرارة الشمس . بدأت الوشوشة تشتغل بين الناس. الكل فهم قوام إن الواد مش قا*تل قتـ*ـيل… ولا قاطع طريق… ولا مجرم ياما هنا وياما هناك. وقف العمدة براحة من مجلسه، وقال بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين في الساحة: الحرامي ده سرق الأكل من على طبليتي. بدأت الناس تبرطم وتتكلم مع بعضها. وقالوا إن الواد يتيم، مكلش لقمة من كام يوم، وإنه اتسحب بالليل لدوار العمدة وسرق حتة عيش وحتة لحمة من المطبخ قبل ما الحراس يمسكوه. بص العمدة للواد بقرف، وقال ببرود: لو سامحت حرامي جعان النهاردة… البلد كلها هتبقى حرامية بكرة. الكل سكت. كان الواد راكع على الارض، وبينهج بالعافية، وعينيه مليانة خوف ودموع. وبدأت الجاموسة الكبيرة تقرب براحة. كل خطوة منها كانت بتهز الأرض تحت رجلين الناس. وشوية ستات غطوا وشوشهم من خوفهم من اللي هيحصل. ورجالة كتير داروا عينيهم الناحية التانية. أما العمدة… فابتسم بس. قربت الجاموسة الضخمة أكتر… لحد ما بقى ضلها مغطي جسم الواد كله . غمض الواد عينيه وقعد يعيط في سر من غير صوت. وفي اللحظة دي بالذات… حصل فجأة شيء غريب ويخوف فوق التراب … شيء خلي غفر العمدة نفسهم يرجعوا لورا، والخلق كلها تنشـف في مكانها من كتر الصدمة..
********
الجاموسة وقفت فجأة. نزلت راسها الكبيرة لحد ما بقت حوافرها تلمس كتف الواد المرعوب، والناس كلها حبست أنفاسها مستنية دبة رجلها اللي هتهرس عيامه. بس الجاموسة مادوستش.
​طتت راسها أكتر وبدأت تشمشم في جلابيته المقطعة، وفي ثانية واحدة، وبدل ما ترفع رجلها عشان تدوسه، نزلت على ركبها الاتنين قدامه في التراب، وطلعت صوت خافت كأنها بتئن. الواد فتح عينيه براحة، ودموعه نازلة على خدوده المحمرة من الشمس، لقى لسان الجاموسة الخشن بيلحس راسه بحنية، كأنها بتمسح عنه الخوف.
​الساحة اتملت بـ صمت مرعب، حتى الهوا وقف مبيتحركش. الغفر عيونهم برقت، وسلاحهم نزل في الأرض من الصدمة. واحد من الغفر همس لزميله وهو بيرجع لورا:
​”يا فتاح يا عليم.. دي سجدت قدام الواد يا مغاوري! البهيمة طلعت أحن من البشر!”
​العمدة وشه اتخطف، والدم هرب من عروقه. وقف على المصطبة وعروق رقبته نفرت من الغضب، وزعق بصوت يزلزل:
​”انتوا واقفين تتفرجوا على إيه يا بهايم منك ليه؟! جروه من تحتها! اخلصوا!”
​محدش من الغفر اتجرأ يخطو خطوة واحدة. الجاموسة لفت راسها ناحية العمدة، وعينيها اللي كانت دايماً ببتبرق بشر، اسودت أكتر وطلعت صوت زئير عالي خلى الخيل المربوطة ورا الساحة تنهق وتكسر في الخشب من الرعب. قفلت السكة بجسمها الضخم قدام الواد، كأنها بتقولهم “على جثتي”.
​في اللحظة دي، راجل عجوز من أخر الساحة، دقنه بيضا وهدومه على قد حاله، صرخ بعلو صوته وسط الناس:
​”ربنا نطق الجماد والحيوان يا عمدة! دي علامة من ربنا إن الواد مظلوم! سيبه لوجه الله، الواد يتيم وجعان!”
​الكلمة هزت الساحة، وزي ما تكون فكت عقدة لسان الناس. الستات بدأت تصرخ وتدعي، والرجالة بدأت تزق في الغفر وتقرب.
​”يا رب يا كريم! ارحمه يا عمدة.. ربنا مبيرضاش بالظلم!”
​”سيب الواد.. كفاية جبروت بقا!”
​العمدة حس لأول مرة إن البساط بيتسحب من تحت رجليه، هيبة سنين اتهزت بسبب حتة عيل وجاموسة. نزل من على المصطبة وهو بيوجر في الكلام، وشاور لشيخ الغفر وبصوت مكتوم كله غيظ:
​”خده.. غورو بيه من وشي.. ومحلمش رجليه تعتب البلد دي تاني.. يترمى بره الدوار وبره البلد كلها!”
​الغفر جريوا بسرعة، شالوا الواد اللي كان لسه مش مستوعب، والجاموسة فضلت واقفة مكانها حامية ضهره بعينيها لحد ما خرجوا بيه بره الساحة. الناس بدأت تتفرق وهي بتتوشوش وتبص للعمدة بنظرات مفيهاش خوف زي الأول، بل فيها انكسار لهيبته. قعد العمدة على كرسيه، وشه في الأرض، وعينيه مش قادرة تيجي في عين الجاموسة اللي فضلت واقفة في نص الساحة، شاهدة على إن الرحمة ممكن تتولد في قلب بهيمة، وتموت في قلب بني آدم.
**********
العمدة دخل جوة الدوار وجسمه كله بيترعش من الغيظ. رمى العباية بتاعته على الكرسي الخشب الكبير وزعق في شيخ الغفر اللي كان داخل وراه وعينه في الأرض:
​”بقالي سنين ببانيلكم في هيبة تخلي الكبير قبل الصغير يطاطي راسه لما يلمح ضلي.. تيجي بهيمة في ثانية تكسر كلمتي قدام الفلاحين؟!”
​شيخ الغفر بلع ريقه بخوف واتكلم بصوت مرعوش:
​”يا عمدة.. اللي حصل بره ده مش طبيعي، الناس بره قايدة نار وبتقول إن الواد ده وليّ من أولياء الله الصالحين، والكل خايف من غضب ربنا.. الجاموسة عمرها ما عملت كده مع حد!”
​العمدة خبط بإيده على التربيزة خلى الحبر ينطق منها:
​”بلا وليّ بلا كلام فارغ! الواد ده يتجابلي هنا بالليل من غير ما مخلوق يحس.. مش هسيبه يكسر عيني، والجاموسة دي تدبح النهاردة وتتوزع على الغفر.. مش عايز أشوف وشها في الساحة تاني!”
​في الوقت ده، بره على حدود البلد.. كان الواد اليتيم قاعد تحت شجرة جميز قديمة، ضامم ركبه لبطنه ودموعه لسه منشفتش. فجأة، سمع صوت حوافر هادية بتقرب منه. رفع راسه بخوف، لقى نفس الجاموسة الضخمة واقفة قدامه بعد ما قطعت حبلها وهربت من الزريبة.
​الواد مد إيده الصغيرة وهو بيترعش ولمس راسها:
​”أنا مكنتش قاصد أسرق يا خالة.. أنا كنت هموت من الجوع.. هما ليه قساة كده؟”
​الجاموسة نزلت على الأرض جنبه، كأنها بتطمنه وتدفيه بجسمها من سقعة الليل اللي بدأت تهل.
​وفجأة.. من بعيد، ظهر خيال كذا راجل من الغفر ماسكين مشاعل وعصيان، وصوت شيخ الغفر كان جاي مع الهوا:
​”فتشوا ورا الشجر.. العمدة قال لو رجعتوا من غيره هيدفنكم مكانه!”
​الواد اتفزع واستخبى ورا ضهر الجاموسة الضخمة اللي وقفت على حيلها تاني، وعينيها رجعت تبرق بالشر اللي أهل البلد عارفينه.. بس المرة دي، الشر ده كان متوجه للغفر اللي ظلموا العيل.
​شيخ الغفر لمحهم وصوت ضحكته الخبيثة عليت:
​”لقيتك يا بن المحظوظة.. والجاموسة الهربانة كمان هنا؟ ده العمدة هيروقنا النهاردة!”
​أول ما الغفر قربوا والمشاعل في إيديهم، الجاموسة طلعت صوت زئير مرعب، وقبل ما حد فيهم يتحرك، هجمت عليهم زي الإعصار. بدأت تضرب بحوافرها وتطير العصيان والمشاعل من إيديهم. الغفر بقوا يصرخوا ويجروا في كل حتة، والتراب عمى عينيهم. شيخ الغفر وقع على ضهره وهو بيزحف لورا من الرعب:
​”الحقوني.. دي مش بهيمة.. دي جن مسلط علينا!”
​في ثواني، كانت الساحة فضيت تماماً، والغفر جريوا وهما بيجروا خيبتهم وراهم، ورايحين للعمدة بخبر هينهي هيبته للأبد.
​الواد بص للجاموسة وبأعلى صوته وبدموع فرحة قال:
​”الحمد لله يا رب.. الحمد لله.”
​الجاموسة لفت وراحت ناحية الغيط الواسع المفوت على بلاد تانية ميعرفوش فيها ظلم العمدة، وبصت للواد كأنها بتقوله “امشي ورايا”. مشي الواد اليتيم جنبها في ضلمة الليل، وهو حاسس لأول مرة إن ربنا بعتله السند اللي يحميه من قسوة البشر، وسابوا وراهم البلد وعمدة مبقاش ليه على خلقه كلمة ولا هيبة.
***********
الخبر وصل للدوار زي الصاعقة. شيخ الغفر دخل وهو بيعرج، جلبابه مقطوع ووشه متعفر بالتراب، وراه اتنين من الغفر شايلين زميلهم اللي رجله انكسرت.
​العمدة وقف من طوله، وعينيه كانت بتطلع شرار:
​”جرى إيه يا دكر منك ليه؟ فين الواد؟ وفين الزفتة البهيمة؟”
​شيخ الغفر قعد على ركبه وهو بينهج ونفسه مقطوع:
​”يا عمدة الحقنا.. دي مش جاموسة، ده مارد طلع من تحت الأرض! هجمت علينا وعمت عينينا بالتراب، ورمت المشاعل فوق قش الرز.. الغيط ورا البلد ولع يا عمدة، والناس كلها جريت تطفيه وهي بتدعي علينا!”
​العمدة وشه جاب ألوان، وبقى يلوح بإيديه في الصالة الكبيرة:
​”بتدعي عليا أنا؟ عمدة البلد يتعمل فيه كده؟ غورو من وشي.. غورو!”
​خرجوا الغفر وهم خايفين من غضبه، والعمدة فضي عليه الدوار. قعد على الكرسي وهو حاسس بخنقة في صدره لأول مرة في حياته. الهوا في الأوضة بقى تقيل، وصوت الهسس والوشوشة بتاعة أهل البلد برا كأنها واصلة لحد ودانه. كل ما يغمض عينيه، يشوف نظرة الجاموسة وهي ساجدة ونظرة العيل الصغير وهو بيبكي.
​في نفس الوقت، وعلى بعد كام كيلومتر، كانت الشمس بدأت تشقشق وتطلع بنورها الدافي على بلد جديدة. بلد تانية خالص ميعرفوش فيها وش الواد ولا قسوة عمدة قريتهم.
​الواد كان ماشي، رجله اتملت جروح من مشوار الليل، بس وشه كان رايق ومفهوش خوف. جنب منه كانت الجاموسة ماشية بهدوء، حافية على خطوته، كأنها أمه اللي بتدله على الطريق.
​وقفوا قدام ساقية قديمة، وكان فيه راجل فلاح طيب بيملى جردل مية. الراجل بص للواد وهدومه المبهدلة، وبعدين بص للجاموسة الضخمة اللي واقفة وراه كأنها حارس شخصي. الفلاح استغرب ونزل الجردل من إيده وقرب منهم براحة:
​”يا مرحب يا ابني.. أنت منين؟ وإيه اللي ممشيك في الخلا ده من الفجرية؟”
​الواد بلع ريقه وبص في الأرض وقال بصوت واطي:
​”أنا يتيم يا عم الحج.. ومليش حد في الدنيا.. وجعان.”
​الفلاح قلبه رق للواد، وبص للجاموسة اللي نزلت راسها وطلعت صوت هادي كأنها بتوصيه عليه. الراجل ابتسم ودموعه لمعت في عينيه:
​”متقولش مليش حد يا ابني.. الرزاق حي مبيَموتش. والبهيمة دي ربنا سخرها ليك عشان تنجيك. تعالى معايا يا ولدي.. الدار دارك، واللقمة اللي ه ناكلها هنقسمها سوا.”
​الواد بص للجاموسة، ولمس راسها الكبيرة تاني، والمرة دي كانت فيه ابتسامة صادقة على وشه. الجاموسة لفت براحة ورجعت ناحية المراعى المفتوحة، كأن رسالتها انتهت لحد هنا، وسابت الواد في أيد أمينة.
​وفي دار العمدة.. السنين مرت، والبلد حالها اتقلب. العمدة مبقاش يخرج من دواره، المرض هده، وهيبته راحت، والناس م بقتش تخاف منه ولا تعمل حساب لكلمته. أصل اللي يكسر عينه حيوان أخرس قدام الخلق، مبيعيش لوشه قومة تاني. فضلت حكاية الواد والجاموسة سيرة تتدور بين الناس في الليالي، تفكرهم دايماً إن الظلم ليله قصير، وإن ربنا لما بيبعت رحمته.. بيبعتها من مطرح ما البني آدم ميتوقعش.
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *