الام تبيع البيت ج٢ حكايات انجى الخطيب
سحر ضحكت من قلبها، الضحكة الصافية اللي بقالي سنين مسمعتهاش، وقالت لي: “من عينيا يا فوزية، أحلى وش قهوة لأجدع ست في الدنيا”.
وقفت في بلكونة سحر، الهوا كان بيرد الروح، والشمس بدأت تغيب وتخيط السما بخيوط حمراء وهادية. في اللحظة دي، تليفوني رن تاني.. بس المرة دي كان رقم مروة. قعدت أفكر لثواني.. أرد ولا أقفل؟ بس لقيت نفسي بفتح الخط.. كنت عاوزة أسمع صوت النهاية.
صوت مروة كان جايب لآخر الدنيا، العياط والشهقات مخلين صوتها مخنوق، وبتقول بنبرة كلها ذل: “حقك عليا يا ماما فوزية.. والنعمة الشريفة ما كنت أعرف إنه كدب عليا.. هاني قالي إنك إنتي اللي عاوزه تلمينا حواليكي.. إحنا دلوقتي في الشارع يا ماما، وأمي طنط هدى ضغطها علي وراحت المستشفى، والعيال متبهدلين على الرصيف في الشمس.. هاني قاعد يلطم ومش ملاحق على حق عربية النقل اللي واقفة بالساعة.. أرجوكي يا ماما، قوليلنا نروح فين؟”
أخدت نفس طويل، وبصيت للسما وقلت لها بنبرة هادية بس ناشفة زي الحجر: “تروحي مطرح ما جيتي يا مروة.. بيت أمك هدى اللي كنتوا عاوزين تأجروه عشان تيجوا تقعدوا في خيري.. ارجعوا فيه.. والعيال عياله، هو الراجل وهو المسؤول عنهم، زي ما كان راجل وبيدخل بيتي يوزع أوضي من غير ما يصحيني من النوم يسألني.”
مروة صرخت: “بس هاني مفيش في جيبه قرشين على بعض يا ماما! دفع كل اللي حيلته لسمسار وبتوع النقل، والبيت بتاع أمي مأجرينه قانون جديد وفاضي تماماً ومفهوش لقمة!”
”يبقى يتعلم.. يتعلم يبدأ من الصفر زي ما أنا بدأت” الكلمات طلعت من بؤي قاطعة زي السيف. “أنا قعدت أربعين سنة بنضف بيوت الناس، ركبي دابت وظهري انحنى عشان أعمل له البيت ده وأجوزه وأستر عياله.. ولما لقى الحيطة مايلة، حب يهدها عليا.. خليه يدوق شقا الأيام يا مروة، يمكن ينظف من جوة ويعرف إن الست الكبيرة مش كرتونة بتترمي في الصالة لما تكركب المكان.”
هاني خطف التليفون منها، وصوته كان باكي ومبحوح، صوته اللي عمري ما سمعته بالانكسار ده: “أمي.. أنا ابنك.. هانت عليكي تبيعيني للغريب؟ هانت عليكي كرامتي وسط الناس والجيران؟”
دمعة سخنة نزلت على خدي، بس مسحتها بسرعة وقسّيت قلبي: “إنت اللي هانت عليك كرامة أمك يا هاني.. لما ضحكت في وشي وإنت فاكر إنك كسبت بالدراع.. لما وزعت أوضة خياطتي اللي بطلع منها قرشي، وأوضة سحر أختي اللي ملهاش غيري.. إنت مبعتنيش يا هاني، إنت دفتني صاحية.. وأنا بس نفضت التراب وقمت.”
”أنا آسف يا أمي.. والنعمة آسف.. افتحي لي بس أشوفك..”
”أنا مش في البيت يا هاني، ولا هتعرف لي طريق.. الفلوس اللي طلعت من البيت حطيتها في حتة أعيش منها مستورة ومرفوعة الراس لحد ما أقابل رب كريم.. ومن اليوم وطالع، إنت ليك حياتك وأنا ليا حياتي.. لما تنظف من طمعك، وتعرف قيمتي بجد.. أبقى فكر تدور عليا.”
قفلت السكة في وشه.. وقفلت التليفون خالص.. وشيلت الشريحة رميتها في الشنطة.
في اللحظة دي، دخلت سحر الصينية وعليها الفنجانين، ريحة البن المحوج مالت المكان.. حطت الصينية وبصت لي وعينها مليانة فخر: “شربتيه المر يا فوزية؟”
قعدت على الكرسي الهزاز، وأخدت فنجان القهوة، وارتشفت منه أول بق.. كان مظبوط، بالملي، زي ما أنا عاوزه بالظبط. بصيت لها وابتسمت من قلبي: “شربتهوله يا سحر.. وعلمته إن الست اللي شالت وحمت وكبرت، تقدر في ثانية تهد المعبد على دماغ اللي ينسى فضلها.”
سندت راسي لورا، وغمضت عيني، ولأول مرة من سنين.. حسيت إن البيت مش حيطان وسقف.. البيت هو الحتة اللي تنام فيها وإنت مش خايف من بكرة، ومش خايف من أقرب الناس ليك.
*********
عدى أسبوع كامل وأنا في بيت سحر.. أسبوع مسمعتش فيه صوت رنة التليفون ولا شوفت وشوش مليانة طمع. في الأول، كان فيه غصة في قلبي، الوجع مبرحش مطرحه تماماً، الأُمومة جوة الست مابتتمحيش بجرة قلم، بس كل ما أفتكر نظرة هاني وهو بيوزع شقايا وأوض بيتي وأنا واقفة حية برزقني، قلبي كان بيجمد من تاني.
يوم الجمعة الصبح، صحيت على صوت سحر وهي بتفتح الشيش.. دخل نور ربنا يغسل الصالة، وجابت لي الجرنان وكوباية الشاي بلبن. قعدت جمبي وقالت لي بنبرة هادية: “فوزية.. السمسار كلمني امبارح بالليل.. الشقة اللي في الكومباوند خلصت ورقتها، والمالك القدامى نقلوا حاجتهم، والمفتاح جاهز للاستلام النهاردة.. تحبي نروح؟”
حطيت كوباية الشاي وقمت وقفت على رجليا، حسيت بنشاط مكنتش حاسة بيه من سنين: “نروح يا سحر.. يلا بينا.. عاوزة أشوف سقف بيتي الجديد اللي محدش هيشاركني فيه.”
لبست عبايتي الكحلي، وطرحتي البيضا، وأخدت الشنطة اللي فيها الدوسيه البيج، ونزلنا. طول السكة وأنا ببص من شباك العربية على الشوارع الواسعة والمباني الجديدة.. الدنيا كانت هادية، بعيدة عن زحمة منطقتنا القديمة وقصصها وخناقاتها.
وصلنا الكومباوند.. الأمن فتح البوابة الكبيرة، ودخلنا بين جنينات خضرا وورد منسق، الهدوء هنا كان ليه صوت، صوت راحة البال. طلعنا الدور التاني في عمارة شكلها شيك، وسحر طلعت المفتاح وادتهوني في إيدي: “افتحي إنتي يا صاحب الملك.. افتحي باب حياتك الجديدة.”
إيدي اترعشت وأنا بحط المفتاح في الكالون.. لفيته تكتين، والباب اتفتح.
ال شقة كانت واسعة، الشمس مالية كل ركن فيها، الحيطان بيضا ونضيفة، وريحة الدهان الجديد تفرح القلب. مشيت في الطرقة وبقيت أتفرج على الأوض.. أوضة نوم صغيرة على قدي، وصالة واسعة تسع الكرسي الهزاز ومكنة الخياطة بتاعتي، وأهم حاجة.. بلكونة كبيرة بتبص على الجنينة والشجر.
سحر وقفت جمبي ودموعها نزلت: “مبروك يا أختي.. مبروك شقا عمرك اللي صنتيه في الآخر.”
ضميتها ليا وقلت: “الله يبارك فيكي يا سحر.. لولاكي ولولا وقفتك جمبي في الشهر العقاري والبنك، كان زماني دلوقتي نايمة في الصالة على مرتبة ومستنية مروة تحن عليا بلقمة.”
قعدنا على الأرض في وسط الصالة الفاضية، نخطط هنفرش إيه وهنجيب إيه.. كنت حاسة إني بنت عندها عشرين سنة وبتجهز بيتها الأولاني.. الفرحة كانت بكر، مفيهاش غلطة.
وأحنا قاعدين، تليفون سحر رن.. بصت للشاشة ووشها اتغير، وقالت لي: “ده رقم مروة بس على تليفوني أنا.. أرد؟”
هزيت راسي بـ “أه”.. كنت عاوزة أعرف الأرض رست بيهم على فين، مش شماتة، بس عشان أطمن إن درسي علم علم علم فيهم.
سحر فتحت الاسبيكر، وجيه صوت مروة بس المرة دي مكنش فيه لا عياط ولا صريخ، كان صوت مكسور، صوت حد استسلم للأمر الواقع: “أبلة سحر.. أرجوكي وصلي الكلام ده لماما فوزية لو كانت جمبك.. إحنا نقلنا شقة أمي القديمة، هاني استلف قرشين من طوب الأرض ونضفنا الشقة وفرشنا فيها الكراتين اللي كانت معانا وعايشين على قدنا.. هو نزل يدور على شغلانة تانية بعد الظهر عشان يسدد ديون السمسار وعربية النقل.. وبقا يرجع بليل يقعد في البلكونة ومبيحطش لقمة في بؤه.. هو عرف غلطه يا أبلة سحر.. عرف إن الله حق، وإن دعوة أمه طيرت البركة من بيته.”
أخدت التليفون من إيد سحر، وقلت بهدوء: “أنا سامعاكي يا مروة.”
مروة شهقت لما سمعت صوتي وقالت بلهفة: “ماما فوزية! الحمد لله إنك سمعاني.. هاني هيموت من قهرته، مش عشان البيت، عشان حاسس إنه كسر قلبك.. ارجعي يا ماما وخدوا الشقة دي اقعدي فيها وإحنا ننزل إيجار في أي حتة.. بس ارضي عنه.”
اتنهدت وبصيت للشمس اللي مغرقة شقتي الجديدة وقلت لها: “الرضا ده بتاع ربنا يا مروة.. وأنا مش غضبانة عليه قساوة، أنا سبته للأيام تربيه، عشان أنا معرفتش أربيه على الأصول.. البيوت مابتتبنيش بالدراع يا بنتي، واللقمة اللي بتتاخد غصب عن صاحبها بتوقف الزور.. خليه يشقى ويدفع ديونه، وخليه يعرف إن الست اللي جابته الدنيا دي ليها هيبة وليها حق.. لما أشوفه بقا راجل بجد وبيحترم الكبير، ساعتها قلبي يمكن يصفى.. بس بيتي الجديد ده بتاعي لوحدي، ومحدش هيدخله غير بأدب وبإذن.. سلام يا مروة.”
قفلت السكة، وحطيت التليفون على الأرض.
بصيت لسحر وقلت لها: “قومي بينا يا سحر.. ننزل نشتري مكنة الخياطة الجديدة.. وعاوزاها أحدث موديل.. عشان عندي قماش كتير عاوز يتفصل، وعندي أيام جاية عاوزة أعيشها بالطول وبالعرض.”
خرجنا وقفلنا الباب ورايا.. والمفتاح الجديد في جيب عبايتي.. وأنا ماشية في ممرات الكومباوند، حسيت إن خطوتي بقت خفيفة، وكأن السبعين سنة طاروا من على كتافي، ومفضلش غير ست قوية، عرفت تحمي نفسها في الوقت الصح.
*******’***
عدى شهرين على النقلة.. شهرين كاملين وأنا مبصحاش غير على صوت زقزقة العصافير في الشجر اللي تحت بلكونتي الجديدة. فرشت الشقة على مَزاجي.. الصالة فيها مكنة خياطة سنجر سودا بتلمع، وجمبها تربيزة قص واسعة عليها أكياس القماش مترتبة بالملي، من الساتان للقطيفة والكتان. الكرسي الهزاز بتاع جوزي الله يرحمه محطوط في أحسن مكان في البلكونة، بيبص على الفراغ والهدوء.
الناس هنا في الكومباوند غير الناس في حارتنا القديمة.. مفيش حد بيبص في كرتونة حد، ولا حد بيسأل “مين رايح ومين جاي؟”.. بس جارتي في الدور اللي قصادي، مدام نادية، ست من سني كده، لمحتني وأنا بدخل توب قماش أحمر، خبطت عليا ومعاها طبق بسبوسة، ومن يومها بقينا نشرب قهوة العصر سوا.. أوقات عندي وأوقات عندها.
يوم الحد بعد الظهر، كنت قاعدة على المكنة، بفسر فستان كروشيه لبنت مدام نادية.. مكنة الخياطة بتعمل صوت منتظم “تك تك تك تك”، الصوت ده بالنسبة لي هو لحن الأمان. فجأة، تليفون البيت الجديد رن.. الرقم مكنش غريب، كان رقم سحر.
”أيوة يا سحر.. خلصت الفستان وكنت لسه هكلمك.”
سحر صوتها كان وراه لغوشة وشوشة، وقالت لي بهمس: “فوزية.. هاني عندي هنا في المحل.. جالي ودموعه على خده، ومعاه كيس فيه ورق.. مش راضي يمشي وبيرجوني أدلك على مكانك.. قالي إنه مش عاوز فلوس ولا عاوز يقعد معاكي، هو بس عاوز يبوس إيدك ويوريكي حاجة.”
وقفت مكنة الخياطة.. الصمت ملى الأوضة. حطيت إيدي على قلبي اللي دق دقة زيادة.. الأُمومة دي عاملة زي الجرح القديم، مهما خف، بيحن للمطرة.
أخدت نفس وقلت لها: “خليه يركب تاكسي يا سحر.. وإنتي تعالي معاه.. متسيبهوش يجي لوحده.. العنوان عندك.”
ساعة ونص، والجرس رن.. تكتين صغيرين، مش خبط بالدراع وزي الهجوم زي زمان.
فتحت الباب.. سحر كانت واقفة الأول، ووراها كان هاني.. وشه كان خاسس النص، ودقنه نبتت وفيها شعر أبيض مكنش فيه من شهرين.. هدومه كانت بسيطة، مش قميص الشغل المكوي اللي كان بيتباهى بيه.
وقف على العتبة، عينه جات في عيني.. ونزل على ركبه في ثانية ومسك إيدي وباسها وهو بيعيط بصوت مكتوم: “سامحيني يا أمي.. سامحيني.. الدنيا لفت بيا وعرفت إن ربنا غضب عليا من يوم ما زعلتك.. والله ما كنت قاصد أكسر قلبك، الشيطان عماني وكنت فاكر إني بستر عيلتي.. بس استرتهم بخراب بيتك إنتي.”
مسكته من كتافه وقومته.. دخل الصالة وبص حواليه مبهور بالهدوء والنضافة.. قعد على طرف الكنبة وكأنه ضيف غريب خايف يوسخ المكان.. سحر دخلت المطبخ تعمل حاجة تشربها وسابتنا.
”إيه الورق اللي معاك يا هاني؟” سألته وأنا قاعدة قصاده على الكرسي الهزاز.
طلع من الكيس البيج دفتر توفير صغير، وورقة مبايعة.. حطهم على التربيزة بيننا وقال بصوت مكسور: “ده دفتر توفير باسمك يا أمي.. حطيت فيه أول قسط من فلوس السمسار وعربية النقل اللي رجعتهالي مروة من أمها.. والورقة دي.. دي تنازل رسمي مني عن نصيبي في شقة أبويا القديمة اللي ورثتها منه، ماليش حاجة عندك يا أمي.. أنا نزلت شغلانة تانية من ستة المغرب لحد اتنين بالليل في مخزن أدوية.. مروة بقت تطبخ وتبيع للأونلاين والعيال نقلناهم مدرسة حكومية جمب البيت.. إحنا بنبدأ من تحت الصفر يا أمي.. بس والله العظيم البركة راحت من يوم ما سبتيني.. أنا مش عاوز أعيش هنا، ولا عاوز أعرف مكانك للناس.. أنا بس كنت هاموت لو متّي وإنتي غضبانة عليا.”
بصيت لدفتر التوفير.. وبصيت لوش ابني اللي الأيام علمت عليه في شهرين أكتر من اللي علمت عليه في ثلاثين سنة.. شفت في عينه انكسار الراجل اللي عرف إن سنده في الدنيا مش دراعه ولا مراته.. سنده هي دعوة أمه اللي كان هيضيعها بطمعه.
مديت إيدي وأخدت الدفتر والورقة، وحطيتهم جوة الدوسيه البيج بتاعي اللي متشال على الرف.. لفت وشي ليه وقلت: “الورق ده هيفضل هنا يا هاني.. مش عشان أنا محتاجة فلوسك، أنا ربنا سترني ببيع البيت.. بس عشان تفضل فاكر إن الحقوق بترجع لأصحابها.. ربي عيالك على الأصول يا ابني.. وعلم مروة إن البيوت ليها حرمة، والست الكبيرة تاج فوق الراس مش حتة عفش بتتزاح في الصالة.”
دموعه نزلت تاني وهز راسه: “معلوم يا أمي.. معلوم.. ربنا يخليكي لينا.. يعني راضية عني؟”
قمت وقفت، وطبطبت على كتفه، الطبطبة دي كانت غالية عليه قوي: “راضية عنك يا هاني.. الرضا بيجي لما البني آدم بيعرف غلطه ويصلحه.. روح لبيتك وعيالك، وشوف شغلك.. وكل جمعة، تيجي إنت والعيال ومروة تتغدوا معايا هنا.. بس تخبط على الباب قبل ما تدخل.. سامع يا هاني؟”
ابتسم وسط دموعه وقام وقف وباس راسي: “سامع يا ست الكل.. من على الباب برة هخبط.. وأبوس التراب اللي بتمشي عليه.”
خرج هاني وسحر قفلت الباب وراه.. وبصت لي وهي بتضحك: “قلبك أبيض يا فوزية.”
بصيت للبلكونة وللشمس اللي كانت بتغيب ورا الشجر وقلت لها: “قلبي أبيض عشان أُم يا سحر.. بس أُم بأسنان.. تعرف تحمي وتعرف تربي.. وتعرف تقفل الباب في وش اللي يطمع في شقاها.”
رجعت قعدت على مكنة الخياطة.. وشغلتها تاني.. وصوت “تك تك تك” رجع يملا الأوضة، بس المرة دي، اللحن كان فيه راحة وسماح.. والحياة رجعت تمشي صح، بالملي، زي قصة فستان متفصل على قد صاحبه بالظبط.
حكايات انجى الخطيب