عائلة قاسية حكايات انجى الخطيب
في عيد ميلاد أبويا الستين، أختي شدت دعامة الركبة من على رجل بنتي اللي عندها ست سنين وصرخت في وشها: “بلاش تمايل وعيشة عيا.. إنتي بس عايزة الناس تصعب عليكي!” عيلتي كلها كانت واقفة بتتفرج وبتضحك. ضحكوا وهي بتقع على الأرض وبتترجى حد يساعدها. ولا واحد منهم اتهز. ولا واحد منهم فارق معاه. ومحدش فيهم كان يعرف إن الجراح بتاعها كان واقف وراهم بالظبط.
على ما دخلت شارع بيت أهلي، كانت بطني مكركبة ومشدودة من القلق.
البيت كان شكله بالظبط زي ما كان وأنا عيل صغير: دهان الحيطة الأبيض، صندوق البوسطة الملوح، وعربية أبويا الربع نقل القديمة راكنة بزاوية في المدخل وكأن الرصيف نفسه ملكه هو بس. بلالين حمرا وبيضا وزرقا بتخبط في سور البلكونة في شمس آخر النهار، ومن شباك الصالة كنت شايف النور الدافي بتاع أوضة السفرة، وخيالات بتتحرك، وقرايبنا بيضحكوا بصوت عالي أوي حتى من قبل ما ندخل جوه.
من الكنبة اللي ورا، ميا همست: “بابا، هو إحنا لازم نقعد كتير؟”
كانت حاطة دبدوب الأرنب الرمادي بتاعها على صدرها، نفس الأرنب اللي نامت في حضنه بعد العملية، وودن منه ممسوحة ومبططة من كتر ما بتفركها بين صوابعها. دعامة ركبتها البمبي كانت باينة من تحت البنطلون الاسترتش، والأحزمة متستفة ومربوطة بالمسطرة لأني كنت مراجع عليها مرتين قبل ما ننزل. بعد تلات شهور من عملية إعادة بناء الركبة، أي لفة غلط كانت ممكن تضيع أسابيع من الشفا.
قلت لها: “هناكل ونقوله كل سنة وأنت طيب ونمشي بدري، أنا هكون جنبك بالظبط.”
بصت من الشباك على البلكونة وقالت: “طنط كارولين هتكون هناك.”
”آه.”
”هي مش بتحبني.”
في حقايق بتوجع أكتر لما تطلع من بق عيل وبكل هدوء.
كارولين قضت السنة اللي فاتت كلها وهي بتتعامل مع وجع ميا على إنه تمثيل. العرج بالنسبة لها كان “شغل دراما”. والشهادة الطبية بتاعة الدكتور كانت “دلع مرق”. والدعامة دي، على حسب كلام كارولين، كانت “سبوبة عشان تلم بيها اهتمام”. ميا كان عندها ست سنين، بس كانت فاهمة وواعية لما حد كبير يقرر إن وجعها وعياها تقال على قلبه ومملين.
لفيت نفسي على الكرسي وقلت لها: “مش لازم تحبك، بس لازم تحترمك. ولو ما احترمتكيش، هنمشي فوراً.”
ميا هزت راسها موافقة.
الثقة الصغيرة دي خلتني أحس بالذنب أكتر، لأن الناس اللي المفروض أحميها منهم كانوا عيلتي أنا.
جوه، البيت كانت ريحته لحمة محمرة وزبدة وكيكة علب، وريحة الكولونيا التقيلة اللي أبويا بيغرق نفسه بيها كل ما يكون فيه صور هتتصور. أمي خرجت من المطبخ بروج فاقع ومريلة مطبخ شكلها متفصل عشان المنظرة بس، وباسيت الهوا اللي جنب خدي، وبعدين بصت عل طول على دعامة ميا.
وقالت بنبرة زي الغنا: “أهو وصلوا.. لسه لابة البتاع ده برضو؟”
قلت لها: “ده بيثبت ركبتها، دكتور خالد قال ما تكلعوش إلا وهي نايمة.”
أمي حركت إيدها في الهوا كأني بقرأ لها نشرة الأخبار وقالت: “آه، آه، الدكتور المشهور.. أنت دايماً بتكبر المواضيع وبتخلي كل حاجة جد وزيادة عن اللزوم.”
على الساعة ستة وتلت بالليل، تليفوني اتهز برسالة من دكتور خالد: “أنا قريب، هعدي أسيب الدعامة المرنة الخفيفة بتاعة ميا بتاعة بعد العملية عشان العلاج الطبيعي.” يا دوب بصيت على الرسالة. كنت مشغول جداً إني أخلي ميا قريبة مني والناس بتملى أوضة السفرة بنفس طاقة العيلة القديمة البايخة.
أخويا مراد كان قاعد على التربيزة في إيده قزازة حاجة ساقعة والإيد التانية ماسك بيها التليفون. طنط ديانا كانت بتضحك بزيادة أوي على حاجة أبويا قالها. وأبويا كان واقف جنب تورتة عيد ميلاده وكأن الأوضة دي كلها متبنية عشانه هو وبس.
وفجأة كارولين لفت.
شعر أصفر كيرلي. فستان مجسم. كاس العصير في إيدها من بدري. وابتسامة مسكرة لدرجة تجيب تسوس في السنان.
وقالت وهي تبص لميا الأول وبعدين تبصلي: “يا مرحب، الأبطال بتوع الرواية وصلوا أخيرًا.”
ميا همست: “أهلاً يا طنط كارولين.”
عيني كارولين نزلت على الدعامة وقالت: “يا سيدي.. لسه عايشة الدور وبتحلبي في الموضوع؟”
قلت لها: “دي بتخف.”
كارولين أخدت بؤ من الكاس وقالت: “أكيد طبعاً.. لازم أي حاجة تخصكم تقلب لمأساة ودراما وخناقة جنازة.”
أبويا ضحك ورفع القزازة بتاعته ناحيتي وقال: “حاول ما تخليش الليلة دي تتمحور حواليك أنت بس لمرة واحدة في حياتك.”
هي دي الطريقة اللي القسوة بتعيش بيها في عيلتنا. الأول تجيلك الطعنة، وبعدين يلبسوها قناع. “اهدأ.. انشف شوية.. إحنا بنهزر.. العيلة دي بتضحك.”
فضلت حاطط إيدي جنب كتف ميا والناس بتتحرك ناحية السفرة عشان التورتة. كانت واقفة على الطرف، إيدها على ضهر كرسي، ومتحذرة وهي سانده على رجلها اليمين. الأرنب بتاعها كان مدلدل من دراعها. كانت بتكره إن حد يبحلق فيها، والليلة دي كان باين عليها أوي إنها تمنت لو تنكمش وتصغر لحد ما تختفي خالص.
أمي سقفت وقالت: “يلا يا جماعة كله يتجمع عشان صورة العيلة.”
قلت لها: “هي ممكن تقف هنا بالظبط، كده أريح ليها.”
كارولين ضحكت وقالت: “يا نهار أبيض، دي دعامة مش قنبلة!” وبعدين بصت لبنتي بالظبط وقالت بصوت عالي سمع الأوضة كلها: “على فكرة، لو بطلتي تمثلي إنك مكسورة وضغيفة لمدة خمس دقايق، الناس ممكن تبطل تعاملك كأنك عيلة بيبي.”
وش ميا اتقلب.
كان تغيير صغير بس أنا لمحته. بؤها اتشد. عينيها نزلت الأرض. وإزاي صوابعها قفلت على الأرنب ده وكأنها بتحاول تمسك نفسها وتثبت من برا.
قلت لها: “كارولين، ابعدي عنها.”
بس أختي كان وراها جمهور بيتفرج، وكارولين عمرها ما عرفت تلم نفسها وتمشي طالما فيه حد بيتفرج. قربت من ميا بالثقة المهزوزة الخبيثة اللي بتجيلها بعد كاسين عصير.
وقالت: “أنا بتكلم جد، هي بتمشي زي الفل لما تفتكر إن محدش شايفها، أنا شوفتها بنفسي، حوار العرج ده كله عشان تلفت النظر.”
ميا قالت: “بتوجعني.”
كارولين وطت بسرعة وهي بتضحك كأنها بتعدل عيل بيعيط وبيتصعبن: “لا يا حبيبتي، اللي بيوجع بجد هو إننا نتفرج عليكي وأنتي بتمثلي التمثيلية دي في كل مرة.”
صوابعها قفلت على الحزام الاسكوتش الفوقاني.
أنا اتحركت.
بس ما كنتش سريع كفاية.
صوت شدة الاسكوتش الخشنة هزت أوضة السفرة كلها.
الحزام التاني اتفك قبل ما أوصلهم. ميا صرخت، وحاولت تنقل وزنها، وركبتها اليمين اتنت وخانتها جامد لدرجة إن جسمها كله اتحدف على جنب ووقعت على الأرض الخشب. الأرنب طار من إيدها. جزمتها الصغيرة خبطت في الأرض. والدعامة كانت مفتوحة ومدلدلة في إيد كارولين.
وعيلتي ضحكت.
أبويا طلع منه شخير ضحك بايخ كأن بنتي زودت في الهزار ودمها بقى تقيل. طنط ديانا خبت بؤها بس كانت مبتسمة. مراد رفع عينه من التليفون وابتسم بابتسامة صفرا وفضل قاعد في مكانه. أمي قالت: “يا فتاح يا عليم يا رب عشان خاطر ربنا!” وميا كانت مرمية على الأرض بتتأرجح وبتترعش، إيد ممدودة لي والإيد التانية كبساها على ركبتها.
في ثانية سودا واحدة، كنت عايز أمسك أقرب كرسي وأكسر بيه كل الأطباق اللي على التربيزة دي. تخيلت كاس كارولين وهو بينفجر في الحيطة. تخيلت ضحكة أبويا وهي بتختفي للأبد.
ما عملتش أي حاجة من دي.
نزلت على ركبي جنب بنتي.
وقلت وأنا بحاول أخلي صوتي ثابت وهي بتعيط وتشهق: “ميا، ما تتحركيش.. بابا، الحقني، الحقني، الحقني.”
الأوضة اتجمدت بأبشع طريقة ممكنة. الشوك كانت متعلقة فوق الأطباق. السكينة كانت غارس نصها في الكريمة. كاس عصير بتاع حد كان لسه مايل في الهوا. شمع عيد الميلاد كان لسه بيطلع دخان جنب التورتة وكل عيل كبير في الأوضة دي كان بيتفرج على طفلة عندها ست سنين وهي بتتوسل عشان حد يساعدها وقرروا إن السكوت أأمن بكتير من الأصول والجدعنة.
محدش اتهز من مكانه.
وفجأة صوت راجل قطع السكوت ده من ورا ضهرنا.
”محدش يلمس الرجل دي نهائي.”
كل الروس لفت.
دكتور خالد كان واقف عند الباب في إيده شنطة علاج ورقية وتحت باطه ملف. كان واقف مذهول في نص الدخلة، بيبص لميا اللي على الأرض وكارولين اللي إيدها لسه ماسكة الدعامة المفتوحة.
الدم هرب من وشه الأول.
وبعدين حل مكانه نظرة باردة ومرعبة.
قرب براحة، وعينيه مثبتة على كارولين، وقال بصوت واطي جداً: “أنا عايز كل شخص كبير في الأوضة دي يفضل واقف في مكانه بالظبط وميتحركش.”
ولأول مرة طول الليلة، كارولين بطلت تضحك.
ولما دكتور خالد حط الملف على تربيزة السفرة، وفتحه، ومد إيده عشان يجيب أول صفحة، أمي همست وقالت: “إيه ده؟”
دكتور خالد بص لبنتي اللي بتترعش على الأرض، وبعدين بص للأوضة اللي مليانة ناس كانت بتضحك من شوية، وقال—
……….
”ده محضر رسمي للشرطة، إثبات حالة اعتداء عمد على طفلة قاصر طالعة من جراحة دقيقة، والجاني ممسوك متلبس والأداة في إيده.”
الصوت طلع حاد ورزين زي المشرط. كارولين وشها جاب ألوان وسابت الدعامة تقع من إيدها كأنها جمرة نار، وقالت بلجلجة: “يا دكتور اعتداء إيه؟ إحنا بنهزر، دي بنت أخويا وأنا كنت بفك البتاعة دي عشان تتحرك طبيعي، الموضوع مش مستاهل..”
دكتور خالد ما بصش في وشها أصلاً، نزل على ركبه جمبي على الأرض وبدأ يكشف على ركبة ميا بوجع باين في عينيه وهو بيطمنها: “شدي حيلك يا ميا، أنا عمو خالد، افتكريني.. النفس الطويل اللي اتعلمناه في العيادة، خدي نفس يا بطلة.. وريني كده.”
أبويا خطى خطوتين لقدام ووشه محقن من العصبية وقال بصوت جهوري: “جرى إيه يا دكتور؟ أنت هتعملنا جنازة في بيتي ولا إيه؟ خش يا ابني شيل بنتك وخلونا نقفل الليلة دي بلا قلة قيمة، عيلة وبتهزر مع بعضها، أنت هتدخل بين الظفر واللحم؟”
دكتور خالد رفع عينه لأبويا بنظرة خلت الشايب يرجع خطوة لورا، وقاله بنبرة تقطر قرف: “اللحم اللي بتداس عليه تحت جزمتكم ده لحم طفلة عندها ست سنين، الجراحة اللي تمت من تلات شهور دي كانت ترقيع غضاريف وإعادة بناء رباط، الرباط اللي الهانم شدته ده كان ممكن يتقطع في ثانية ويدخل البنت في عاهة مستديمة طول عمرها بسبب جهلكم وقسوتكم.”
أمي بدأت تفرك في مريلة المطبخ وبتقول بصوت مرعوب: “يا دكتور استهدى بالله، إحنا ناس محترمين وبنتنا دكتورة وصاحبة تياترو، مش بتاعة أقسام.. قول حاجة يا ابني، سكت ليه؟ عاجبك البهدلة دي في عيد ميلاد أبوك؟”
أنا كنت باصص لأمي، ولقيت نفسي ببتسم ابتسامة مكسورة وميتة، قمت وقفت على رجلي وبصيت لهم كلهم.. لمراد اللي لسه مخبي عينه في التليفون، ولطنط ديانا اللي وشها صفر، ولكارولين اللي بدأت تترعش وتعيط وتقول: “والله ما كنت أعرف، أنا كنت بفكها عادي..”
قلت لها بصوت طالع من قاع صدري: “أنتي كنتِ عارفة يا كارولين، وعارفة كويس أوي كمان. أنتم طول عمركم كده.. بتغذوا نقصكم على حساب وجع غيركم. بس لحد بنتي والخط أحمر.” لفيت للدكتور وسألته بلهفة: “ركبتها جرى لها حاجة يا دكتور؟ طمني؟”
الدكتور خالد تنهد وشال ميا براحة بين إيديه وهي بتصرخ صرخة مكتومة وبتدفن وشها في كتفه، وقال وهو بيقوم: “الحمد لله، الدعامة امتصت الصدمة الأولى والرباط سليم، بس فيه التواء شديد ورشح لازم يتصرف في المستشفى فوراً، وهيتم كتابة تقرير طبي مفصل بالواقعة دي وهيرفق بمحضر القسم.”
كارولين صرخت: “محضر إيه؟ أنت هتخرب بيتي ومستقبلي عشان حتة حتة اسكوتش اتفكت؟!”
أبويا زعق وشاور على الباب: “أنت مجنون؟ اخرجوا برا بيتي، مفيش محاضر هتتعمل، وأنت يا فاشل لو مشيت وراه انسى إن ليك أهل أو أب من النهارده!”
بصيت لأبويا في عينه، النظرة اللي كنت بخاف منها وأنا عيل صغير، ولقيتها النهارده فاضية، ملهاش أي معنى ولا قيمة. قربت من الأرض، أخدت دبدوب الأرنب الرمادي بتاع ميا ونفضت من عليه التراب، وحطيته في جيبي.
وقلت له بمنتهى الهدوء: “أنا معنديش أهل من ست سنين يا بابا.. من يوم ما ميا اتولدت وأنا ماليش غيرها.”
لفيت ضهري ومشيت ورا الدكتور خالد وأنا سامع صوت كارولين بتبكي وتصوت ووراها أمي بتزعق، وأبويا بيحلف بالطلاق ويمين طلاق يرمي عليا اليمين. قفلت الباب ورايا، ونزلنا في ضلمة السلم، الهوا البارد بتاع الشارع رد في وشي، وميا همست من على كتف الدكتور بصوت ضعيف: “بابا.. الأرنب بتاعي فين؟”
طلعت الأرنب وحطيته في إيدها الصغيرة وقلت لها: “معايا يا قلب بابا.. وإحنا راجعين بيتنا ومش هنيجي هنا تاني أبداً.”
……..
الدكتور خالد فتح باب العربية الـ SUV بتاعته بسرعة وحط ميا براحة في الكرسي الوراني، ركب معاها وقعد جمبها عشان يثبت رجلها، وأنا لفيت بسرعة وركبت ورا الدريكسيون. إيدي كانت بتتحدد من كتر الأدرينالين، دورت العربية وطلعت بيها من الشارع الضيق وأنا شايف في المراية خيالات العيلة وهي طالعة في البلكونة، وصوت زعاق أبويا لسه بيرن في ودني وكأنه كابوس وبفوق منه.
طول الطريق للمستشفى، الأوضة كانت ساكتة مفيش فيها غير صوت شهقات ميا العالية اللي بدأت تهدى بالتدريج، وصوت دكتور خالد وهو بيكلمها بنبرة حنينة وهادية جداً، بيشغلها بالأرنب بتاعها وبيحاول يخليها تفرك ودنه عشان تنسى الوجع.
لما وصلنا الطوارئ، الممرضين كانوا جاهزين بكرسي متحرك بناءً على مكالمة الدكتور خالد ليهم في السكة. نقلنا ميا بسرعة على أوضة الأشعة. وقفت ورا الإزاز وأنا شايف بنتي الصغيرة، حتة مني، نايمة على السرير البارد والأجهزة بتتحرك فوقيها، ودموعي اللي حبستها طول الليلة نزلت ومبقتش قادر أسيطر عليها.
دكتور خالد جه وقف جمبي، حط إيده على كتفي وضغط عليها جامد وقال: “رجلها كويسة يا حازم.. الأشعة واضحة، التواء شديد وفيه تجمع دموي بسيط، بس الجراحة القديمة سليمة ومحصلش فيها قطع. ربنا ستر، الدعامة شالت الليلة.”
النفس رد فيا تاني، مسحت وشي وقلت له بصوت مخنوق: “أنا مش عارف أشكرك إزاي يا دكتور.. وجودك في اللحظة دي كان معجزة.”
بصلي بجدية وقال: “المعجزة الحقيقية هي إنك وقفت في وشهم. الأطفال مبيسيبوش الوجع الجسدي يا حازم، بس بيفتكروا كويس أوي مين اللي دافع عنهم ومين اللي خذلهم. التقرير الطبي أنا كتبته ووقعته، والمستشفى هنا بلغت نقطة الشرطة بحكم إنها حالة اعتداء على طفلة.. القرار قرارك.”
طلعت تليفوني من جيبي، كان عليه حوالي تمن مكالمات فائتة من مراد أخويا، ورسايل كتير من أمي كلها من نوعية: “أختك هتروح في داهية.. لم الدور وماتخربش البيت.. أبوك ضغطه علي بسببك.”
عملت بلوك لنمرهم كلهم واحد ورا التاني.
بصيت للدكتور خالد وقلت له: “أنا مش هعمل المحضر.. مش عشانهم، عشان ميا. مش عايز بنتي تكبر واسم عيلتها مرتبط بمحاكم وأقسام وقضايا مع عمتها. أنا هكتفي بالتقرير الطبي ده هخليه معايا، عشان لو حد فيهم فكر بس يقرب من باب بيتي، هحبسهم بيه.”
بعد ساعتين، كنا خارجين من المستشفى. ميا كانت رجليها متجبسة جبس خفيف مريح، ونائمة في حضني زي الملاك، والأرنب الرمادي متثبت تحت دراعها الصغير.
ركبتها ورا في العربية، ووقفت أبص للسما الصافية في نص الليل. حسيت براحة عمري ما حسيتها وأنا وسطهم. ركبت وعيني جت في المراية على الكرسي الفاضي جمبي، دورت العربية وطلعت على بيتنا.. البيت الصغير الدافي اللي مفيش فيه غيري أنا وبنتي، والمكان اللي عمري ما هسمح لأي حد فيه إنه يكسر خاطرها تاني.
……..
البيت لما دخلناه كان ضلمة وهادي، بس لأول مرة من سنين أحس إن الضلمة دي مش كئيبة، بالعكس، كانت طبطبة.
شيلت ميا براحة أكنها شايل حتة زجاج خايف تشرخ، ونيمتها في سريرها. غطيتها لحد كتفها، وظبطت المخدة تحت رجلها المتجبسة، وحطيت الأرنب الرمادي جمب وشها. لسه هقوم، لقيت صوابعها الصغيرة قفلت على كم قميصي. فتحت عين نص فتحة وهمست بصوت دايب من التعب والمسكنات: “بابا.. إحنا مش هنروح هناك تاني صح؟”
وطيت بوست راسها وقلت لها: “عمري ما هخليكي تشوفي وشهم تاني يا قلب بابا.. نامي وأنتي مطمنة.”
اتنهدت وراحت في النوم فوراً. قعدت على الكرسي اللي جمب سريرها في الضلمة، وبصيت على التليفون اللي كان منور في إيدي. الرسايل مكنتش بتقف، بس المرة دي من أرقام غريبة، قرايبنا اللي مكنوش بيسألوا علينا بقالهم سنين، باعتين رسايل عتاب مغلولة: “جرى إيه يا حازم؟ بعت أهلك عشان حتة عيلة؟” و”أبوك حلف لو ما جيتش اعتذرت لكارولين وبوست على راسها مفيش قرش ورث هتشوفه.”
ضحكت بصوت واطي، ضحكة صافية مفيهاش أي غل، ورميت التليفون على المكتب. ورث إيه وعيلة إيه اللي يخلوني أبيع نفسي وبنتي عشانهم؟ الفلوس بتروح وتيجي، بس نظرة الانكسار اللي شوفتها في عين بنتي وهي على الأرض كانت هتدفن روجولتي في التراب لو كنت سكت.
قمت وقفت في البلكونة، ولعت سيجارة وبصيت على الشارع الفاضي. الهوا بتاع الفجر كان بارد وبيغسل الصدر. حسيت بحمل تقيل كان كاتم على نفسي طول عمري واتزاح. حمل “إرضاء الأهل” على حساب كرامتي.
تاني يوم الصبح، الشمس دخلت الأوضة دافية وصافية. صحيت على صوت ميا وهي بتناديني: “بابا! أنا جعانة.”
دخلت عليها الأوضة وأنا شايل صينية الفطار: بيض عيون، وتوست محمص، وكوباية اللبن بتاعتها. ميا قعدت في السرير ووشها كان رايق، الضحكة رجعت تنور عينيها تاني والوجع الخوف اتمسحوا.
”بابا، هو أنا ينفع ألون على الجبس ده؟”
ابتسمت وقلت لها: “ينفع طبعاً، هجيب لك ألوان فلوماستر ونرسم عليه كل اللي أنتي عايزاه.”
قعدت جمبها، وبدأنا ناكل ونضحك بصوت عالي، صوتنا كان مالي الأوضة الحنينة دي. وفي اللحظة دي بالذات، وأنا شايف بنتي بتضحك من قلبها، عرفت إن القرار اللي أخدته كان أصح حاجة عملتها في حياتي. العيلة مش بالدم، العيلة هي الأمان اللي بنبنيه للناس اللي بنحبهم، وأنا وميا، كنا عيلة كاملة ومش محتاجين حد تاني معانا.
تمت
حكايات انجى الخطيب