الإنتقام في حفلة السبوع حكايات انجى الخطيب
أنا كنت حامل في الشهر الثامن في طفلي اللي الدكاترة قالوا لي زمان عمري ما هقدر أشيله في بطني ولا هخلف ابدا وحصلت المعجزة … لما جوزي دخل عليا حفلة السبوع بتاعي وهو ماسك في إيده عشيته اللي عندها اتنين وعشرين سنة. وأقل من عشر دقائق بعد كده، ضربني جامد لدرجة إني اتحدفت وكسرت ترابيزة الهدايا كلها. وفي الوقت اللي كنت رامية فيه طولي وبنزف على الأرض الرخام وبحمي ابني اللي لسه متولدش… أهله الأغنياء وقفوا يسقفوا. إيه بقى اللي محدش فيهم خاد باله منه؟ إني كنت خلاص دمرت الإمبراطورية بتاعتهم ورا الكواليس. وضباط المباحث الفيدرالية اللي كلمتهم في السر كانوا على بعد أقل من دقيقة. في تمام الساعة واحدة وتسعة وخمسين دقيقة الظهر، كنت واقعة بوشي في تورته السبوع بتاعتي والبلالين الفضي بتطير على الأرض حواليا. وقبلها بثانية واحدة بس، كنت واقفة جنب برج من الكب كيك مكتوب عليه: منور يا حبيب الملايين يا يوسف. وفجأة الوجع انفجر في بطني وجسمي اترمي لورا وسط الزينة المتكسرة والهدايا المتغلفة. إيدي جريت بسرعة على بطني عشان أغطيها. وهمست وأنا مش مصدقة رامي… أنت ضربتني. جوزي بكل برود ظبط ساعته الرولكس وكأن مفيش أي حاجة تستهل حصلت. وقال لي أنتِ أحرجتيني. وكانت واقفة جنبه سهر جلال. عندها اتنين وعشرين سنة. شعرها ميه ميه. لابس فستان دهبي ضيق. وماسكة بكل فخر إيد جوزي. وسهر قالت وهي بتلوي بوزها هي مكنش ينفع تصرخ في وشي. أنا صرخت عشان رامي جاب عشيته في حفلة السبوع بتاعتنا. صرخت عشان باسها قدام المعازيم بتوعنا. وصرخت عشان أمه لسه حالا رافعة كاس الشربات وبتقول بكل فخر وأخيراً، ست تقدر تدي العيلة دي مستقبل بجد. أنا فاكرة كل وش وهو بيلف يبص عليا بعد الكلمتين دول. السكوت. الهمس. الإثارة. وتحت إيديا اللي بترعش، ابني اللي لسه متولدش تحرك بحركة ضعيفة وأنا بحارب عشان مغيبش عن الوعي. وبعدها أبو رامي طلع لقدام. كامل الشناوي. الملياردير رئيس مجلس الإدارة. ضحكته مفيش بعد كده. راجل بيدمر الناس وهو عامل فيها ابن ناس ومحترم. وقال ببرود خلاص كفاية تمثيل يا بسنت، أنتِ طول عمرك مش متزنة وم تنفعيش للعيلة دي. وبعدها مراته بدأت تسقف براحة. ببرود. وكامل شاركها بعد ثواني. اتنين وحوش أغنياء بيسقفوا ومرات ابنهم الحامل بتنزف على أرض رخام مستورد. رامي بص لي تحت بقرف تام. وقال وهو بيشد سهر عليه أكتر هي اللي شايلة الوريث الحقيقي دلوقتي، أنتِ مالكيش أي لازمة. كذا حد من المعازيم شهقوا. أختي الصغيرة ليلى صرخت وحاولت تجري عليا، بس الأمن منعها قبل ما توصلي. الكل كان مستني إني أعيط. إني أترجى. إني أنكسر. بس بدال كل ده… أنا ابتسمت. الدم نزل من جنب بوقي وأنا باصة في عين رامي علطول. ولأول مرة طول اليوم، الخوف ظهر في عينه. عشان فجأة استوعب حاجة رعبته. أنا مبقتش بتصرف زي الست القليلة الحيلة. بصيت براحة على ساعتي المتكسرة اللي جنب التورتة البايظة. واحدة وتسعة وخمسين دقيقة الظهر. وفجأة بيبان الفيلا اتكسرت ودخلت لجوه. ورجال المباحث دخلوا للمكان. وو….
………..
… ودخلوا زي الإعصار، السلاح جاهز في إيديهم، وصوت الكعب الميري بيضرب في الرخام الغالي زي دقات الساعة. الكل تجمد في مكانه، الشربات اتدلق من إيد أم رامي على فستانها السواريه، وضحة كامل الشناوي اختفت كأنها مكنتش.
الظابط الكبير خطى خطوتين ببرود، وبص لرامي اللي وشه بقا أصفر زي الليمونة، وطلع الكارت بتاعه: “كامل الشناوي.. رامي الشناوي.. معاكم المقدم أحمد مهران من الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة. معانا أمر ضبط وإحضار، والفيلا وكل ممتلكاتكم تحت الحظر والتحفظ بتهمة غسيل الأموال والتهريب الدولي وتزوير أوراق رسمية.”
رامي ساب إيد سهر اللي ركبتها بدأت تخبط في بعضها، وبص لأبوه برعب: “بابا! في إيه؟ الكلام ده مش صح! أكيد في سوء تفاهم!”
كامل الشناوي حاول يجمع هيبته المكسورة، وعدل جاكيت بدلته وقال بصوت بيترعش بس بيحاول يبان قوي: “أنت عارف أنت بتكلم مين يا سيادة المقدم؟ أنا هخرب بيتك.. أنا كلمتي مسموعة في البلد كلها!”
المقدم أحمد ابتسم نص ابتسامة باردة، وشاور بإيده لواحد من رجالته: “كلمتك كانت مسموعة يا كامل بيه.. لحد الساعة واحدة وخمسة وخمسين دقيقة بالظبط، لما شريكك الأجنبي اعترف بكل حاجة، وفلاشة الحسابات السرية وعقود الشركات الوهمية اللي برا مصر وصلت مكتبنا.. من مجهول.”
في اللحظة دي، عين رامي لفّت ووقعت عليا. أنا كنت لسه ساندة ضهري على الرخام، الدم سايل من بوقي، بس عيني كانت بتلمع بانتصار يهد جبال. رامي شهق وكأنه لسه مستوعب الصدمة: “أنتِ؟! الفلاشة اللي كانت في الخزنة؟ أنتِ اللي عملتي كدة؟”
قومت براحة، ليلى أختي جرت عليا وسندتني وأنا بمسح الدم بطرف إيدي. بصيت في عينيه وقلت بصوت واثق ومسموع وسط ذهول المعازيم كلهم: “أنا يا رامي. الست القليلة الحيلة، اللي كنتوا فاكرينها غلبانة وملهاش ضهر، قعدت ست شهور بجمع في ورقكم وسرقاتكم.. الوريث اللي في بطن سهر ده مش هيلاقي بريزه يصرفها، لأن الإمبراطورية بتاعتكم خلاص.. بقت ملك الحكومة.”
أم رامي صرخت وجات تجري عليا وهي بتصوت: “يا بنت الكلاب! بوظتي بيتنا!” بس العساكر حجزوا بيننا ومنعوها.
المقدم أحمد قرب مني وسألني باهتمام: “مدام بسنت؟ أنتِ كويسة؟ تحبي نطلب الإسعاف فوراً؟”
هزيت راسي وأنا باصة لرامي وهو بيتقيد بالكلابشات في إيده الرولكس: “ياريت يا فندم، عشان أطمن على ابننا.. يوسف الحقيقي، اللي هيعيش بفلوس حلال ونضيفة، مش بفلوس حرام.”
سهر جلال كانت بتعيط وبتحاول تستخبى ورا الكراسي المقلوبة، والفستان الدهبي بتاعها اتبهدل من التورتة المستوردة. رامي وهو بيتسحب من العساكر بص لي بنظرة رجاء مكسورة، نظرة واحد بيغرق، ومبقاش فيه كامل الشناوي الملياردير اللي يحميه.. أبوه نفسه كان بيمشي قدامه وهو حاني راسه والأرض بتلف بيه.
البلالين الفضي كانت لسه بتطير فوق راسي، والكلابشات بتعمل صوت رنين في الصالة الواسعة. بصيت لبطني، حسيت بنبضة قوية، كأن يوسف بيطمني ويقولي: أنا معاكِ يا أمي.. وإحنا خلاص كسبنا.
……….
الإسعاف وصلت في نفس الدقيقة اللي رامي وأبوه كانوا بيتركبوا فيها عربية البوكس. صوت السارينة بره كان عالي ومغطى على كل حاجة، كأنه مظهر احتفالي بنهايتهم. المعازيم بدأوا يتسللوا بره الفيلا زي الفئران، مفيش حد من “أصحاب المقام الرفيع” رضي يقف جنبهم أو يتورط معاهم في مصيبتهم.
المسعفين دخلوا بسرعة وشالوني على النقالة. ليلى كانت ماسكة إيدي وبتعيط وبتترعش، وأنا عيني كانت على أم رامي اللي كانت قاعدة على الأرض الرخام، فستانها السواريه متبهدل، وبتلطم على وشها وسط زينة السبوع المكسرة. بصت لي بعل وبغل وقالت بصوت مخنوق: “مش هنسيبك يا بسنت.. والله ما هنسيبك!”
أنا مبصتلهاش حتى، كنت مركزة كل طاقة جوايا في النفس اللي باخده عشان خاطر يوسف.
جوه عربية الإسعاف، جهاز السونار المحمول كان بيتحرك على بطني، والممرض بيبص للشاشة بتركيز. الثواني دي مرت عليا كأنها سنين، كنت بدعي ربنا بقلب محروق: “يارب، أنا أخدت حقي وحق ابني، بس احميهولي يا رب، ماليش غيره.”
المسعد التفت ليا وابتسم ابتسامة هدت كل الخوف اللي جوايا: “اطمني يا مدام، نبض الجنين زي الفل ومستقر، الصدمة والضربة جت بعيد عنه، ربنا كتب له عمر جديد.”
دموعي نزلت لأول مرة من بداية اليوم، بس المرة دي كانت دموع راحة. غمضت عيني وأنا بسمع صوت العجل وهو بيجري بيا للمستشفى، وبفتكر وش رامي وهو مكلبش. الإمبراطورية اللي ذلوني بيها اتهدت في قعدة واحدة، والوريث الحقيقي هينور الدنيا كمان كام أسبوع، حر، ونضيف، ومن غير ما يشيل اسمهم الوصمة دي طول حياته.
……..
المستشفى كانت مقلوبة بره وجوه. بره، الكاميرات والصحفيين ماليين المكان بعد ما خبر سقوط “آل الشناوي” نزل على المواقع والشبكات الإخبارية زي الصاعقة. وجوه، كنت أنا في أوضة العناية المركزية، دكاترة النسا والأطفال بيطمنوا عليا وعلى يوسف اللي صمم يثبت للعالم كله إنه معجزة من أول يوم.
بعد أربع ساعات، فتحت عيني في الأوضة الخاصة. ليلى كانت قاعدة جنب السرير، ماسكة تليفونها وبتبص لي وعينيها مبرقة من الصدمة: “بسنت.. أنتِ مش متخيلة السوشيال ميديا مقلوبة إزاي! صور كامل الشناوي ورامي وهم مكلبشين وهدومهم متبهدلة في كل حتة. والنيابة أصدرت قرار بحبسهم 15 يوم على ذمة التحقيق، والتحفظ على كل الأرصدة والشركات والفيلا اللي كنا فيها!”
أنا سكت ثواني، وأول حاجة عملتها إني حطيت إيدي على بطني، حسيت بحركة يوسف.. كانت حركة قوية المرة دي، كأنه بيقلي أنا هنا يا أمي ومتخافيش.
الباب خبط، ودخل المقدم أحمد مهران. وشّه كان جاد بس عينيه فيها نظرة احترام وتقدير كبيرة قوي. قرب من السرير وقال: “ألف حمد الله على سلامتك يا مدام بسنت. حبيت آجي بنفسي أطمن عليكي، وأبلغك إن القضية مقفولة تماماً. الفلاشة والمستندات اللي سلمتيهالنا كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير.. مفيش مخرج ليهم.”
ابتسمت بتعب وقلت له: “الله يسلمك يا فندم. أنا بس كنت بحمي ابني.. وبحمي نفسي من وحوش.”
المقدم أحمد هز راسه: “وأنتِ طلعتي بطلة. على فكرة، رامي طلب في التحقيق إنه يشوفك أو يكلمك، كان بيعيط زي العيال الصغار ومذهول من اللي حصل.. طبعاً إحنا رفضنا.”
قلت ببرود تام: “مش عايزة أشوفه، ولا هو ولا أهله. رامي الشناوي انتهى بالنسبة لي من اللحظة اللي مد إيده فيها عليا وجاب عشيته في بيتي.”
المقدم أحمد ابتسم وقال: “تمام يا فندم. سيبنا لك حراسة بره الأوضة عشان تطمني ومحدش يزعجك من طرفهم، والنيابة هتبعت لك وكيل نيابة هنا عشان ياخد أقوالك في قضية الاعتداء والضرب، وده هيروق رامي أكتر في السجن. حمد الله على سلامتك مرة تانية.”
بعد ما خرج، ليلى بصت لي بدموع وقالت: “أنا فخورة بيكي يا بسنت.. أنتِ أخدتي حقك وحق ابنك تالت ومتلت.”
بصيت من الشباك على الشمس اللي كانت بتغيب، وحسيت إن كابوس حياتي هو كمان بيغيب معاها. الإمبراطورية اللي بنوها بالظلم والسرقة والتعالي اتهدت، وسهر جلال اللي كانت فرحانة بالفستان الدهبي والرولكس ملحقتش تتهنى بيهم ساعة واحدة.
في اللحظة دي، دخل دكتور النسا وهو بيبتسم: “جاهزة يا مدام بسنت؟ يوسف مستعجل وشكله عايز يشرف الدنيا النهاردة.. هنجهز العمليات حالا.”
بصيت لليلى وضحكت من كل قلبي، ودموعي نازلة: “جاهزة يا دكتور.. يوسف هيتولد في النور.”
………
الممرضين بدأوا يتحركوا بسرعة حواليا، بينقلوني على سرير العمليات المتحرك، وليلى ماسكة إيدي وبتجري معايا في الطرقة وهي عمالة تدعي وتقرأ قرآن بصوت بيترعش. الدكاترة حواليا بيتكلموا بمصطلحات سريعة، بس أنا مكنتش سامعة غير صوت دقات قلبي.. وصوت رامي وهو بيقول لي “أنتِ مالكيش أي لازمة”.
الكلمة دي كانت بتلف في دماغي وأنا داخلة غارقة في ضوء كشافات أوضة العمليات الأبيض الواسع. الوجع كان بيزيد، بس كان معاه إحساس غريب بالتحرر، كأن كل طلقة ولد بتمسح قلم من الوجع اللي عشته معاهم.
دكتور التخدير قرب مني وبص لي بحنية: “خدي نفس عميق يا مدام بسنت.. كله هيبقى تمام، أنتِ ست قوية.”
شميت المخدر، وفي ثواني، الدنيا بدأت تسود بالتدريج.. آخر حاجة شفتها كانت ملامح يوسف اللي تخيلتها في ضلمة عيني.
فتحت عيني على صوت زقزقة عصافير وصوت ليلى وهي بتبكي، بس المرة دي كانت بتعيط وهي بتضحك. المكان كان هادي، ريحة المطهرات مخلطة بريحة ورد بلدي. بصيت جنبي، لقيت ليلى واقفة وساندة على سرير نونو صغير لونه أبيض في فضي.
”بسنت! حمد الله على سلامتك يا حبيبتي!” ليلى جرت عليا وبوّست دماغي وهي بتمسح دموعها: “يوسف شرف يا بسنت.. زي القمر، حتة سكرة، والدكاترة قالوا صحته ممتازة ومحتاجش حضانة حتى!”
حاولت أتعدل والوجع بيسمّع في بطني، بس مكنتش حاسة بيه من كتر اللهفة: “هاتيه يا ليلى.. هاتيه في حضني.”
ليلى شالته براحة و حطته بين إيديا. أول ما لمس صدري، وشميت ريحته، الدنيا كلها وقفت. حتة لحمة حمرا، شعره أسود ناعم، وإيديه الصغننة بتتحرك في الهواء. نزلت راسي عليه وأنا ببكي من كل قلبي، دموع مخلطة بفرحة على نصر على راحة م عشتهاش من سنين. “منور يا حبيب الملايين يا يوسف.. منور يا قلب أمك.”
الباب خبط ودخل المحامي بتاعي، الأستاذ عادل، ومعاه شنطة ورق. وشه كان بيبشر بكل خير، قعد على الكرسي وقال بصوت واطي عشان البيبي: “ألف مبروك يا مدام بسنت، يتربى في عزك.. وعزك أنتِ وبس.”
قلت له وأنا عيني مش مفارقة وش يوسف: “إيه الأخبار يا أستاذ عادل؟ طمني.”
ابتسم وفتح الشنطة: “أنا جاي وجايب لك أحلى هدايا لسبوع يوسف. أولاً، قضية الخلع اترفعت رسمي النهاردة الصبح، وبالمستندات اللي معانا وقضية الجناية بتاعة رامي، الحكم هينزل في أول جلسة. ثانياً، قدمت طلب مستعجل للولاية التعليمية والحضانة ليوسف عشان نضمن إن مفيش مخلوق من عيلتهم يقدر يقرب له لما يخرجوا.. ده لو خرجوا يعني.”
سكت شوية وكمل وضحكته بتوسع: “أما بقا بخصوص ‘آل الشناوي’.. رامي وأبوه اتمضى عليهم حظر سفر وتجمدت كل حساباتهم، والشركات الكبيرة بتاعتهم بتعلن إفلاسها في البورصة حالاً لأن العقود كلها طلعت وهمية. أما ست الحُسن والجمال، سهر جلال، فإمبارح بليل اتقبض عليها بتهمة التستر والاشتراك في إخفاء أموال مهربة، بعد ما النيابة فتشت شقتها ولقوا سبايك دهب رامي كان شايلها عندها.”
ليلى ضحكت بشماتة: “يعني الفستان الدهبي اتقلب ببدلة السجن الزرقا؟ تستاهل!”
أنا خدت نفس طويل، وبصيت ليوسف اللي كان نايم في حضني بسلام، كأنه مش داري بالمعركة اللي أمه خاضتها عشان تديله الدنيا دي نضيفة.
بصيت للأستاذ عادل وقلت له: “الحمد لله.. أنا مش عايزة منهم مليم، أنا عايزة بس ابني، والاسم النضيف اللي هيعيش بيه.”
المحامي قام وقف ولم ورقه: “حقك واصل يا فندم، والبلد كلها بتتكلم عن الست اللي هدّت إمبراطورية الفساد دي في ليلة واحدة. ارتاحي أنتِ دلوقتي، والمستقبل كله ليكي وليوسف.”
بعد ما خرج، الأوضة رجعت تظلم مع غياب الشمس، بس المرة دي مكنتش خايفة من الضلمة. حضنت يوسف جامد، وبصيت من الشباك وأنا ببتسم وبقول لنفسي: “واحدة وتسعة وخمسين دقيقة الظهر.. كانت نهاية حياتي معاهم، وبداية عمري الحقيقي معاك يا يوسف.”
……….
مرت تلات سنين على اليوم ده. تلات سنين بحالهم وكأنهم عمر تاني خالص بدأته من الصفر، بس المرة دي وأنا واقفة على أرض صلبة ومفيش فوق راسي وحوش بتهددني بكاس الشربات أو بفلوسهم الحرام.
النهاردة كان أول يوم ليوسف في الحضانة. كنت واقفة قدام باب الفيلا الصغيرة اللي أجرتها في حي هادي ونضيف، وببص له وهو لابس شنطته الصغننة على ضهره وبيجري ورا الفراشات في الجنينة. وشه بقى شبهي قوي، واخد عيني وملامحي، ومفيش فيه أي حاجة تفكرني برامي ولا بعيلته.. الحمد لله.
تليفوني رن، كانت ليلى. صوتها كان طالع وفيه حماس مش طبيعي: “بسنت! أنتِ فين؟ فتحتي التلفزيون؟”
عدلت نظارتي الشمسية وقلت وأنا ببتسم: “لا يا ليلى، لسه مجهزة يوسف ورايحة بيه الحضانة، في إيه؟”
ليلى صوّتت من الفرحة: “النطق بالحكم يا بسنت! محكمة الجنايات لسه حالا مصدرة الحكم النهائي على كامل الشناوي ورامي الشناوي.. الأشغال الشاقة المؤبدة لـ كامل، وخمسطاشر سنة سجن مشدد لرامي بتهمة غسيل الأموال والضرب والاعتداء العمد اللي سبب عاهة مستديمة!”
أنا اتمسرت في مكاني. النفس هرب مني ثانية، بس المرة دي مكنش وجع.. دي كانت فرحة الانتصار الأخير. حطيت إيدي على بطني بشكل تلقائي، وافتكرت اليوم اللي كنت واقعة فيه على الرخام والدم سايل مني وهم بيسقفوا.
ليلى كملت وهي بتبكي من الفرحة: “وسهر جلال أخدت تلات سنين سجن بتهمة التستر والمشاركة في تهريب الأموال.. خلاص يا بسنت، حلمهم انتهى تماماً والإمبراطورية اتفرمت تحت جزم القانون!”
بلعت ريقي وقلت بصوت هادي وواثق: “الحمد لله يا ليلى.. ربنا مبيسيبش حق حد. هما افتكروا إن الفلوس بتشتري كل حاجة، ونسيوا إن في رب للمظلومين.”
قفلت مع ليلى وبصيت ليوسف اللي جه جرى عليا ومسك في فستاني وهو بيضحك: “مامي.. يلا عشان الأتوبيس!”
نزلت لمستواه، بوسته من خده اللي زي التفاح، وظبطت له ياقة قميصه النضيف. بصيت في عينيه الواسعة والبريئة وقلت له: “يلا يا قلب مامي.. يلا عشان تبدأ حياتك يا يوسف. حياتك اللي بجد، اللي مفيهاش كدب ولا ظلم ولا فخر بفلوس حرام.”
مسكت إيده الصغيرة الصافية، وخرجنا من باب الجنينة والشمس مغرقة الشارع. وأنا ماشية معاه، افتكرت الساعة واحدة وتسعة وخمسين دقيقة الظهر.. زمان كانت الساعة دي بتعني الكسر والوجع، بس النهاردة، وفي نفس الدقيقة بالظبط وأنا ببص في ساعتي، كانت بتعلن بداية حياة جديدة، حرة، ونضيفة.. وملكنا إحنا وبس.
تمت
حكايات انجى الخطيب