حماتي شتمت امي ج٢

الجزء الثالث
العرق كان بينزل من جبهة محمد زي المطر، وبصمات الصدمة كانت محفورة على وش حماتي وندى. الورقتين كانوا محطوطين قدامه على السفرة؛ ورقة الإقرار بالخمسة مليون جنيه اللي تعلقه في المشنقة لو فكر يلعب بديله، وورقة الطلاق اللي تنهي اللعبة وتخرجه من المولد بلا حُمّص.
أستاذ رأفت كان قاعد حاطط رجل على رجل، ماسك سبحته وبيسبّح ببرود قاتل، كأنه بيتفرج على تمثيلية في التلفزيون ومستني يرى النهاية. وأمي كانت واقفة ورايا، سانداه بإيدها على كتفي، والنظرة اللي في عينيها كانت تقولي: “عاش يا بنت أبوكي، خدي حقنا تالت ومتلت”.
حماتي بدأت تفوق من الصدمة، وزعقت بصوتها كله وهي بتخبط على السفرة:
— طلاق إيه وإقرار إيه؟! إنتِ اتجننتي يا بت سعاد؟! إحنا نيجي لحد هنا عشان تذلينا بالورق ده؟ محمد ابني سيد الرجال، وميتشرطش عليه من حتة بت لا راحت ولا جت! خد أمك وأختك يا محمد وامشي من هنا، البيت ده ريحته فقر وميجيبش غير الفقر!
محمد ما تحركش من مكانه. عينه كانت متثبتة على ورقة التعويض والشراكة. الطمع اللي جواه كان بيحارب كرامته المزعومة وبيتغلب عليها بضربة قاضية. بص لأمه بنظرة مكسورة وقال بصوت واطي:
— بس يا ماما.. استني بس.
— أستنى إيه يا خايب؟! —ندى اللي زعقت المرة دي وهي بتبصلي بغل— إنت مش شايف بتعمل فينا إيه؟ دي بتلوّي دراعك بالفلوس! إحنا أصلاً مكنّاش نعرف موضوع التعويض ده، دي بتتبلى علينا!
ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنّت في الصالة كلها وخلتهم كلهم يتسمروا في مكانهم:
— مبلاش النغمة دي يا ندى، عشان ملوقة أوي عليكي. مكنتوش تعرفوا؟ طب والأسئلة بتاعة يوم الثلاث اللي فات؟ “مساحته كام بالظبط؟”، “مكتوب باسمك لوحدك ولا مامتك ليها فيه؟”، “وأصل العقد بتشيليه فين؟”. هاه؟ كنتِ بتطمني على ممتلكاتي لله ولللوطن؟ ولا كرت الشحن بتاع المصلحة كان محتاج يتجدد؟
وش ندى جاب ألوان، وبصت في الأرض ومردتش.
التفتّ لمحمد وتنيت ضهري عليه شوية وقُلتله بنبرة فحيح الأفاعي:
— ها يا محمد؟ القلم في إيدك، والوقت بيعدي. تمضي على الشراكة والإقرار اللي يربطك بيا وبأمي طول العمر، ولا تمضي على ورقة الطلاق ونخلص الحكاية قبل ما تبدأ، وتخرج من بيتنا ويدك فاضية، وترجع مصر الجديدة تقول للناس إنك طلقت بنت شبرا بعد أسبوع عشان طلعت أجدع منك وعرفت تلعبها صح؟
محمد بلع ريقه بصعوبة، وبص لأستاذ رأفت وقال بصوت مرعوش:
— يا متر.. طب مفيش حل وسط؟ يعني الإقرار ده بمبلغ كبير أوي، وأنا معنديش المبلغ ده لو حصل حاجة!
أستاذ رأفت ابتسم وبص فوق نظارته:
— ما هو ده جمال الإقرار يا أستاذ محمد. إنت مش هتدفع حاجة طول ما إنت ماشي جنب الحيط، وبتراعي ربنا في المدام وفي والدتها، ومبتفكرش تمد إيدك على حق مش حقك. الورقة دي مجرد “حزام أمان” للمدام. أمّا لو نيتك مش سليمة.. فالسجن وحش يا ابني، والبرودة اللي فيه متتحملهاش.
حماتي مسكت محمد من دراعه وشدته بقوة:
— مش هتمضي يا محمد! لو مضيت على دي هتبقى جارية عندها! أنا مش هسمحلك تذل نفسك وتذلنا معاك!
محمد نفض إيد أمه فجأة، وقال بزعيق وعصبية كأنه كان بيكتمها من سنين:
— بس بقا يا ماما! بس وكفاية! إنتِ اللي وديتينا في داهية من الأول! لو كنتِ عاملتيها باحترام في العزومة ومقعدتيش تقللي منها ومن أهلها، مكنّاش وصلنا لهنا! أنا تعبت، أنا عايز أأمن مستقبلي! الشغل مش جايب همه، والفرصة دي مش هتعوض!
الكلام نزل على حماتي وزي الصاعقة. ابنها، حبيبه قلبها اللي كانت بتعايرني بيه، رماها في وسط الصالة عشان الفلوس. بصتله وهي مش مصدقة، ودموع الغضب بدأت تظهر في عينيها.
محمد مسك القلم، وإيده كانت بترحف بشكل مش طبيعي. حط السن على الورقة الأولى، ورقة الإقرار والتعهد بالشراكة، ومضى اسمه ثلاثي. وبعدين نقل على ورقة عقد الشراكة المبدئي ومضى وبصم بالإبهام زي ما المحامي طلب منه.
أستاذ رأفت سحب الورق بسرعة، ونفخ فيه عشان الحبر ينشف، وحطه في شنطته وقفل القفل الحديدي بتاع الشنطة بصوت مسموع “تك”. الصوت ده كان كأنه صوت قفل باب الزنزانة اللي محمد دخل نفسه فيها بإرادته وطمعه.
— مبروك يا أستاذ محمد —أستاذ رأفت قالها وهو بيقوم ويلم حاجته— كده الأمور تمام. وأنا هتابع مع الشركة المطورة بصفتي الوكيل القانوني للمدام فاطمة ولوالدتها الحاجة سعاد. عن إذنكم يا جماعة، وبالهنا والشفا الأكل الجميل ده.
خرج المحامي، والهدوء رجع تاني للصالة، بس كان هدوء يشبه هدوء المقابر بعد الدفن.
محمد بصلي وهو بيحاول يلم كرامته اللي اتبعثرت على السفرة:
— ارتحتي كده يا فاطمة؟ خدتي الضمان اللي إنتِ عايزاه؟ يلا بقا نلم حاجتك ونرجع شقتنا، كفاية لحد هنا.
وقفت وربعت إيدي وبصيت له ببرود شديد:
— نرجع فين يا محمد؟ شقة مصر الجديدة؟ اللي هي إيجار جديد وباسم والدتك، واللي إنت كنت مضحكني وقايلي إنها ملكك؟
محمد برّق عينه:
— إنتِ عرفتي منين؟
— بنت شبرا مبتنامش على ودانها يا محمد. من يوم ما سيبت البيت وأنا بسأل وبدور، وعرفت إن الشقة إيجار، وإنك مملكش فيها ولا طوبة. يعني إنت كنت جايبني تقعدني في بيت أمك، وتاكل من خيري، وتتمنظر عليا بأهلك وفي الآخر تاخد ورث أبويا تعيش بيه ملك! لاء يا حبيبي، اللعبة مخلصتش بمجرد إمضا.
حماتي وقفت بكل غل وقالت:
— أمّال عايزة إيه تاني يا جبارة؟ ما خلاص مضى على اللي إنتِ عايزاه!
— عايزة أصولي يا طنط —قُلتها وأنا بنزل لمستوى وشها— الأصول اللي قُلتِ في وشي إني معرفهاش. محمد مش هيرجع مصر الجديدة. محمد هيعيش معايا هنا، في بيت شبرا، في الأوضة اللي جوة دي. هيشتغل في شغلانته الصبح، وبعد الظهر هيقعد معايا ومع أمي نجهز شغل الأكل اللي أمي بتبيعه، عشان يعرف الفلوس بتيجي إزاي من عرق الجبين.
— إنتِ عايزة تشغلي ابني دليفري وبتاع طبخ؟! —حماتي صرخت— دا أبعد لك من نجوم السما!
— خلاص، ورقة الطلاق لسه موجودة، والإقرار بالمبلغ هرفعه ق\ضية نصب وخيانة أمانة تخليه يتسحب من قفاه قدام الجيران في مصر الجديدة بتهمة إنه مضى على ورق فلوس ومعهوش يسدد. اختاروا بقا! يا يعيش هنا بشروطي، يا يروح ورا الشمس بشروطي برضه.
محمد كان حاطط راسه بين إيديه، حاسس إنه وقع في فخ ملوش قرار. بص لأمه وأخته وقالهم بنبرة مكسورة وميتة:
— امشوا انتوا يا ماما.. روحوا انتوا.
— نمشي ونسيبك للغولة دي؟! —ندى قالتها وهي بتشد شنطتها وعينها مليانة خوف من المواجهة.
— قولتلكوا امشوا! —محمد زعق بصوت رجّ الحيطان— سيبوني لوحدي!
حماتي بصتلي بوعيد، وقالت وهي بتتحرك ناحية الباب:
— مش هسيبك يا فاطمة، والفلوس دي مش هتدوقي منها مليم، وهتشوفي هعمل فيكي إيه. الأيام بيننا، وبكرة تقولي حماتي قالت.
— الباب يفوت جمل يا طنط، والمرة الجاية لما تيجي، ابقي هاتي معاكي أكل من المطعم الغالي، عشان أكل شبرا طلع تقيل على معدتكم الخفيفة —قُلتها وأنا ببتسم وبقفل الباب وراهم بقوة.
لما الباب اتقفل، الغضب والطاقة اللي كانت فيا هديت شوية. التفت لمحمد اللي كان قاعد على الكرسي زي الفرخة المبلولة. بصيت لأمي، لقيتها بتبتسم في صمت، ودخلت المطبخ تعمل شاي كأن مفيش أي حاجة حصلت. الأصول شبراوية متموتش؛ مهما كانت المعركة حامية، الضيف طالما جوة البيت له احترامه لحد ما يخرج أو ينصلح حاله.
رحت قعدت قدام محمد على الكنبة، وقولتله بنبرة هادية بس ناشفة:
— قوم غسل وشك يا محمد، ولم الأطباق دي دخلها المطبخ. من بكرة حياتنا الجديدة هتبدأ. مفيش خروج ومفيش سهر ومفيش مامي وبابي. في شغل وتعب لحد ما تعويض البيت يجهز، وساعتها هشوف إذا كنت تستاهل تكمل معايا كراجل وشريك، ولا تكون مجرد صفحة وسخة وقلبتها من حياتي.
محمد قام من غير ولا كلمة. شال الصواني ودخل بيها المطبخ، وبدأت أسمع صوت المية وهي شغال وهو بيغسل المواعين. النظرة المكسورة اللي كانت في عينه وهو شايل الصواني، كانت تمن كل دقيقة وقفتها على رجلي من الساعة خمسة الصبح وهي بتهيني وتستقل بيا.
عدى يومين، ومحمد كان ماشي زي الساعة. بينزل شغله الصبح ويرجع بعد الظهر يقعد يقشر بطاطس ويقطع بصل مع أمي في المطبخ. في الأول كان بيعمل كده وهو مخنوق ومتضايق، بس مع الوقت، وبسبب طيبة أمي اللي مكانتش ببتعامل معاه بغل، بدأ يلين ويهدى. أمي كانت بتقوله: “يا بني الشغل مش عيب، وكل لقمة بتجيبها بعرقك بتطرح بركة في بيتك”. الكلام ده كان بيلمس حاجة جواه، حاجة أمه عمرها ما علمتهالوا؛ أمه علمته المظاهر الكدابة والجرى ورا الفلوس السهلة.
لكن الهدوء ده مكنش معناه إن العاصفة انتهت. أنا كنت عارفة إن حماتي وندى مش هيسكتوا. الست دي جبارة وتلف وتدور ومستحيل تقبل إن بنت شبرا تكسر مناخيرها وتأخد ابنها بالشكل ده.
وفي يوم الثلاث، وأنا نازلة اشتري حاجات من السوبر ماركت اللي على أول الشارع، لقيت واحدة ست من جيراننا القدام، اسمها أم أحمد، بتشدني من إيدي ووشها مخطوف.
— فاطمة! الحقيني يا بنتي، تعالي على جنب هنا عيزاكي في كلمة.
— في إيه يا خالة أم أحمد؟ خير؟
— خير إيه بس! إنتِ جوزك اسمه محمد وأمه اسمها أم محمد اللي ساكنين في مصر الجديدة؟
— آه، هما، مالهم؟
أم أحمد لفت وشها يمين وشمال وقالت بصوت واطي جداً:
— في ست كدا شكلها هانم، ومعاها بت شابة حربوقة، كانوا واقفين مع واد صايع من بتوع الموتوسيكلات اللي ورا المحطة من شوية. أنا كنت بشتري خضار وسمعتهم بالصدفة وهما بيوروا الواد ده صورتك وصورة بيتكوا! الست الكبيرة كانت بتقوله: “عايزة البيت ده يتولع فيه، أو البت دي تتبهدل ومتمشيش في الشارع سليمة، وليك الحلاوة الكبيرة”. الواد وافق وقالها: “اعتبريه حصل يا هانم، شبرا مليانة حواديت والموضوع عندي”.
دمي نشف في عروقي. حماتي؟! وصلت بيها الجبروت إنها تأجر بلطجي عشان تولع في البيت أو تأذيني أنا وأمي؟ عشان خاطر عقد البيت والفلوس؟
حسيت ب غضب أعمى، بس المرة دي مكنش غضب ذكاء، كان غضب خوف على أمي وعلى بيتنا اللي عشنا فيه عمرنا كله. شكرت أم أحمد وجريت على البيت وأنا قلبي هيقف من الرعب.
طلعت السلم وبقيت بفتح الباب وإيدي بترتعش. دخلت لقيت محمد قاعد مع أمي في المطبخ، بيضحكوا وهم بيجهزوا محشي الكرنب ليوم بكرة. أول ما شافوا وشي المخطوف، محمد وقف بسرعة وساب الس\كينة من إيده:
— مالك يا فاطمة؟! وشك أصفر كدا ليه؟ حصل إيه؟
بصيت لمحمد بعيون مليانة نار وشرار، وقُلتله بصوت عالي وهستيري:
— أمك يا محمد! أمك الجبارة بعتت بلطجية عشان يولعوا في البيت ويأذوني أنا وأمي! أمك عايزه تقتلنا عشان خاطر الفلوس والعقد!
محمد برّق عينه ووشه اتخطف:
— إنتِ بتقولي إيه؟! مستحيل أمي تعمل كدا! أمي ممكن تكون طماعة ومادية، بس توصل للقتل والبلطجة؟! لاء طبعاً!
— لاء عملتها يا محمد! وجيراننا سمعوها بنفسهم وهي بتسلم صورتي وصورة البيت للبلطجي وبتتفق معاه! —زعقت فيه وأنا بزقه في صدره— ودلوقتي بقا وريني، هتقف تتفرج عليا وعلى أمي وإحنا بنموت وبنتبهدل، ولا هتثبتلي إنك بقيت راجل بجد وهتقف في وش أهلك وتحمي بيتك ومرأتك؟
محمد وقف للحظات مذهول، الصدمة شلت تفكيره. بس فجأة، ملامح وش الصبي الطيع اللي كان بيسمع كلام أمه اختفت، وظهرت مكانه ملامح غضب وحسم عمري ما شوفتها فيه من يوم ما عرفته. مسك تليفونه وطلبه، وأول ما الخط فتح، زعق بأعلى صوته:
— ألو يا ماما.. إنتِ فين بالظبط دلوقتي؟ أنا جايلك، وإقسمل بالله لو اللي في دماغي طلع صح، لا هكون ابنك ولا أعرفك ليوم الدين!
قفل الخط وبصلي وقال بنبرة صلبة:
— البسي عبايتك يا فاطمة، وتعالي معايا. الحساب ده لازم يتقفل دلوقتي، وفي و وسط مصر الجديدة كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *