تمن الغربة حكايات انجى الخطيب
رجعت البيت من غير ما اقول لحد بعد ٥ ستين من الشغل والشقي في السعودية اتصدمت لما لقيت مراتي وابني بيموتوا من الجوع جوا الفيلا اللي دفعت تمنها من شغلي وتعبي..
في الوقت اللي كانت فيه أمي وأختي جوه ومتهنين في خيري ومشغالين مراتي خدامة ليهم ومفهمينها ان دي فلوسهم وهما بيعطفوا عليها انهم سايبنها هي وابني ومش رموهم في الشارع…..
بعد خمس سنين من الشغل في السعودية رجعت البيت من غير ما أقول لأي حد حتي أمي ولا أختي ولا حتى مراتي اشتغلت تحت حرارة شديدة قاسية لدرجة إنها قادرة تقشر الجلد من العضم خمس سنين من التراب والحديد والعرق والسكوت خمس سنين متقفل عليا في حتة ضيقة مع رجالة تعبانة تانيين بناكل وجبات سريعة وبننام كل ما نقدر وبنحول كل قرش تقريباً للبيت عشان مراتي سمر وابننا جمال يقدروا يعيشوا مرتاحين في الفيلا اللي دفعت تمنها حتة حتة كل شهر كنت ببعت لأمي كريمة لما سافرت في الأول مكنش عند سمر حسابها الخاص لسه عشان كده وثقت في أمي عشان تمسك الفلوس كل شهر بكرر نفس التعليمات اتأكدي إن سمر معاها كل اللي محتاجاه اتأكدي إن ابني مش ناقصه أي حاجة وفي كل شهر كنت بستقبل نفس نوع الرد مراتك بره بتعمل شوبنج إنها في الكوافير متبقدرش ترد على التليفون دلوقتي صدقتها أنت بتثق في دمك حتى لما تحس إن في حاجة غلط شوية حتى لما السكوت على التليفون يطول شوية حتى لما غريزتك المدفونة تفضل توشوشك إن في حاجة ريحتها وحشة تحت السطح عقدي خلص بدري عن ما كنت متوقع عشان كده قررت أفاجئ الكل تخيلت وش سمر لما أدخل من الباب الأمامي جبت شوكولاتة غالية وغويشة دهب رقيقة وعلبة كرتون كبيرة مليانة لعب لجمال اللي كان لسه مكمل ست سنين وأنا في السكة للبيت فضلت أعيد المشهد في دماغي مراتي بتبتسم ابني بيجري على الأرض الرخام المتلمعة في الفيلا اللي ضحيت بخمس سنين من عمري عشان أبنيها الفيلا كانت مبنية ضخمة ورا بوابات حديد فورجيه ومتحاطة بنوع البيوت المملوكة لناس مبيجوش يبصوا مرتين على فواتير المرافق بس في اللحظة اللي وصلت فيها حسيت بحاجة غريبة المزيكا كانت عالية جداً من جوه البيت كل لمبة كانت منورة دهب من الشبابيك الضحك كان طالع في الليل الخيالات كانت بتحرك ورا الستاير واضح إن أمي وأختي بسمة كانوا عاملين حفلة تانية من حفلاتهم ضيوف أغنية ونبيت غالي وابتسامات مزيفة كانوا بيحتفلوا جوه البيت اللي أنا دفعت تمنه وكأنه مكان فخم بدل ما يكون رمزي مبني من غيابي عشان كده رحت من ورا بدل ما أدخل من قدام كان في مدخل جانبي جنب مطبخ الخدم القديم بيستخدم في الغالب للتوصيلات أو عشان يخبوا الحاجات اللي الناس مش عاوزة تشوفها الحوش الوراني كان ضلمة وكان ريحته زي الخرسانة المبلولة والرز المعفن والدهن القديم عديت الحوش براحة ومن غير صوت بعدين سمعت ده طفل بيعيط بالراحة بعدين صوت صغير أمي أنا جعان عاوز الفراخ اللي جوه أنا اتجمدت في مكاني ردت ست في همس تعبان ومكسور شششش يا حبيبي متعملش صوت لو الجدة سمعتنا هتزعق تاني كل ده بداله أنا غسلت الرز المعفن عشان ميبقاش طعمه حامض صدري اتنفض جامد لدرجة إنه وجعني بجد قربت من مدخل المطبخ المبهدل وبصيت جوه سمر مراتي حبيبتي سمر كانت قاعدة على كرسي بلاستيك تحت النور الأصفر الضعيف ولابسة فستان مقطوع من عند الكتف معصم إيديها كان باين أرفع شعرها كان ملموم لورا بأستك ممطوط كان بين إيديها طبق مكسور مليان ببقايا الأكل الباهت أكل مكنتش هأكله لكلب ضال وكانت بتقدمه لابني ابني جمال كان بياكل براحة وبحذر بالمرقعة الهادية اللي الأطفال مبيتعلموهاش إلا بعد ما الحياة تعلمهم ميطلبوش كتير وفي الوش على الحيطة وراهم كان قاعد كل اللي يملكوه مخدة رفيعة وجردل بلاستيك وطقمين غيار احتياطي وحلة طبخ صغيرة دي كانت اللحظة اللي الحقيقة ظهرتلي فيها أخيراً مراتي وابني مكنوش عايشين جوه القصر كانوا عايشين وراه مستخبيين بعيد زي العار زي الخدم زي الزبالة اللي عيلتي مكنتش عاوزة ضيوفهم يلاحظوها بعدين الباب اللي بيوصل من المطبخ الوراني المبهدل اتفتح فجأة النور الدافي دلق على سمر زي الإهانة دخلت بسمة وهي شايلة صينية مكمومة بالفراخ المشوية والريحة الحلوة والمنظرة كانت لابسة هدوم الحفلة فستان حرير ومكياج مظبوط على الفراشة ونص الابتسامة المتكبرة دي اللي كانت دايماً بتعملها كل ما تفتكر إنها قادرة تتحكم في حد أضعف منها م تفكريش حتى تلمسي أكل الضيوف قالتها كأنها بتتكلم مع الشغالين باليومية تقدروا تاكلوا بعدين لو اتمشى أي حاجة سمر نزلت عينيها جمال مسك بايده جامد على الطبق وحاجة جوايا ضلمت تماماً رميت شنطي الهدايا اتكسرت على الأرض الصوت رن في المطبخ بسمة لفت الصينية اتهزت في إيديها أول ما شافتني بعدين أمي خطت للمدخل وراها عينيها نزلت الأول على الشوكولاتة المتطورة على الأرض بعدين على وشي بعدين على سمر اللي قاعدة هناك ومتحاطة بالفتافيت والذل أنا شوفت اللون وهو بيهرب من جسمها حتة حتة الأول شفايفها بعدين خدودها بعدين إيديها وأنا واقف في المطبخ الوراني المبهدل ده معرفتش فجأة أبص فين الأول على الست اللي دمروها ولا على دمي اللي كدب عليا لمدة خمس سنين ورا بعض لإن ده قالي حاجة أنهي نوع من الخيانة أوحش من إنك تحول تضحية راجل لجوع لطفله وفي اللحظة دي وفي الوقت اللي الغرباء بيضحكوا جوه بيتي وابني ماسك طبق رز معفن فهمت حاجة واحدة بوضوح تام مهما حصل بعد كده العيلة دي مش هتعدي منها أبداً وقررت اني اعمل……
……….
وقررت إني أعمل اللي يخليهم يتمنوا الموت ولا يشوفوا اللي هيحصل.
خطيت خطوة تانية لجوه، وصوت جزمتي على البلاط المكسور كان زي ضربات قلب عزرائيل. بسمة الصينية وقعت من إيدها، الفراخ المشوية اتدحرجت على الأرض ووسخت فستانها الحرير، بس عينيها كانت مبرقة فيا برعب، شفايفها بتترعش ومش قادرة تنطق اسمي.
أمي رجعت خطوتين لورا، ساندت إيدها على الحيطة وكأن الحيطة هي اللي هتحميها من ناري. وشها بقى أزرق وزي الأموات، وقالت بصوت مخنوق ومبحوح: “أ.. أحمد؟ يا حبيبي.. أنت جيت إمتى؟ ده.. ده إحنا كنا بنقول..”
ما ردتش عليها. ولا حتى بصيت في وشها. أنا عينيا كانت على سمر، اللي أول ما شافتني الطبق المكسور وقع من إيدها، وابني جمال استخبى ورا ضهرها وهو بيموت من الخوف. سمر مكنتش مصدقة، دموعها نزلت شلالات على وشها الدبلان، شفايفها اتفتحت وطلعت همسة هزت عضمي: “أحمد؟ أنت بجد ولا أنا بجوعي بقيت باتخيلك؟”
نزلت على ركبي قدامها، مسكت إيدها الناشفة الرفيعة اللي بقت زي الحطب، وبستها.. بستها ودموعي أنا اللي نزلت حوت إيدها. بصيت لجمال، وشددته لحضني، الولد كان وزنه زي الريشة، ملوش تقل، ضلوعه بارزة تحت الهدوم المقطعة. حضنته بكل قوتي وأنا بصرخ جوايا صرخة مكتومة كانت قادرة تهد الفيلا فوق دماغ اللي فيها.
وقفت بطولي، ولفت لأمي وأختي. ملامح وشي كانت ميتة، مفيش فيها غير غضب أعمى. بسمة حاولت تتذاكى، عدلت فستانها وقالت وهي بتلعثم: “أحمد.. افهم بس.. الست دي مهملة، وإحنا شايلينها هي وابنك، ده هي اللي اختارت تقعد هنا، وإحنا..”
قبل ما تكمل الكلمة، كنت واخد خطوة سريعة، وضربت الترابيزة البلاستيك برجلي كسرتها ميت حتة. أمي صرخت وبسمة حطت إيدها على بوقها ورجعت لورا وهي بتعيط.
”صوتك ما اسمعوش!” زعقت بصوت هز جدران المطبخ، صوت طالع من غل خمس سنين شقى. “فلوسي فين؟ الشقا والتعب والدم اللي كنت ببعته كل شهر فين؟ بعتوني خمس سنين؟ جوعتوا لحمي ودمي وعيشتوهم في الزبالة عشان تصرفوا على الحفلات والمنظرة الكدابة؟”
أمي قربت وهي بتبكي دموع تماسيح، حاولت تمسك إيدي: “يا ابني أنا أمك.. سمر دي غريبة، ومكنتش بتسمع الكلام، وإحنا..”
شيلت إيدها عني بعنف وقرف: “أمي ماتت.. من اللحظة اللي سيبتي فيها ابني ياكل رز معفن، أنتي مش أمي.. أنتي وأختك من النهاردة مفيش في حياتي قذارة تانية تخصكم.”
دخلت الصالة الكبيرة. الصالة اللي كانت منورة وضحك الضيوف ماليها. أول ما دخلت بهدومي المتبهدلة من السفر ووشي اللي باين عليه شقى الغربة، الضحك سكت تماماً. المعازيم والضيوف الأغنية بصوا لي بقرف واستغراب.
وقفت في نص الصالة، وسقفت بإيدي بقوة: “الحفلة خلصت! كل واحد ياخد بعضه ويطلع برة بيتي.. برة!”
الناس بدأت تتهامس وتبص لبعضها، في راجل ببدلة شيك قال بتكبر: “أنت مين يا جدع أنت وبتطرد مين؟”
قربت منه وعينيا بتطلع شرار: “أنا صاحب الليلة دي كلها.. أنا اللي دافع تمن الهدوم اللي على الستات دي، ودمي هو اللي مأكلكم وشربكم.. برة من غير مطرود، وإلا هطلب البوليس وأطلعكم بفضيحة.”
في دقايق، الصالة فضيت، البيوت الفخمة مبيحبوش الشوشرة. الفيلا بقت ضلمة وهوث، مفيش غير صوت عياط بسمة وأمي اللي جاي من المطبخ.
رجعت لسمر، شيلت جمال على كتفي، ومسكت إيد سمر وجريتها ورايا. عديت من جنب أمي وأختي وبصيت لهم بكل احتقار: “الفيلا دي باسمي.. والفلوس اللي في البنك باسمك يا أمي، هجيبها قرش قرش بالقانون وبتوع المباحث والأموال العامة، لإن ده تمن شقايا.. وقدامكم أربع وعشرين ساعة، لو جيت ولقيت حد منكم خطى عتبة الباب ده، هرميكم في السجن بتهمة سرقة فلوسي وتجويع ابني.. والشرطة هتشهد على حالته وحالة أمه.”
سحبت مراتي وابني وخرجت في ليل القاهرة، ركبت أول تاكسي وأنا ضاممهم لصدري، سمر كانت بتترعش وجمال نام من التعب في حضني. بصيت من شباك العربية للفيلا الضخمة وهي بتبعد، وحلفت يمين بالله، إن الخمس سنين الجايين هيكونوا جنة لسمر وجمال.. وجهنم حمرا لكل اللي خانوا الأمانة.
……….
التاكسي وقف قدام فندق صغير في وسط البلد. نزلت وشيلت جمال اللي كان نايم زي الميت من كتر الهدد والتعب، وسندت سمر اللي رجليها مكنتش قادرة تشيلها. حجزت أوضة، وأول ما الباب اتقفل علينا، سمر اترمت في حضني وانفجرت في العياط. عياط مكتوم ومكتنز من قهر خمس سنين.
”ظلموني يا أحمد.. بهدلوني وخدوا مني كل حاجة، حتى هدومي اللي كنت مسافرة بيها”، قالتها وهي بتشحتف والنفس طالع من صدرها بالعافية. “كانوا بياكلوا الفراخ واللحمة ويرموا لنا العضم وبواقي الأكل، ويقولوا لي احمدي ربنا إننا مخليينك عايشة في ضل الحيطة دي ومطردناكيش في الشارع أنتي وابنك.”
مسحت دموعها وبست راسها وإيديها: “حقك عليا أنا.. أنا اللي أعمى وصدقتهم، أنا اللي سيبتكم للدياب دي.. بس وحياة غلاوتك وغلاوة ابننا، لآخد حقكم تالت ومتلت، واللي عملوه فيكم هيدفعوا تمنه غالي أوي.”
نزلت بسرعة اشتريت لهم أكل نضيف، وهدوم جديدة، وطلبت دكتور ييجي الأوضة فوراً. الدكتور جه وكشف على جمال وسمر، وكتب تقرير طبي رسمي بحالتهم: سوء تغذية حاد، وضعف عام، وآثار إهمال شديد. التقرير ده كان أول مسمار في نعشهم.
تاني يوم الصبح، مكنش عندي وقت أضيعه. سبت سمر وجمال يرتاحوا في الفندق، وطلعت على محامي صاحبي من أيام الجامعة، راجل واكل السوق وعارف الثغرات. قعدت معاه وحكيت له كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم، ووريت له كشوف الحسابات والتحويلات اللي كنت ببعتها من السعودية باسم أمي طول الخمس سنين، والتقرير الطبي لمراتي وابني.
المحامي عينيه لمعت وقال لي: “أنت معاك ورق يوديهم ورا الشمس. التحويلات دي كلها كانت بتدخل حساب والدتك، وبتقرير حالة ابنك وزوجتك، نقدر نرفع قضية تبديد أمانة، وقضية إهمال وتعريض حياة طفل للخطر، ده غير إننا هنعمل حجز تحفظي على الحسابات والفيلا فوراً.”
مفوتناش ساعة. المحامي اتتحرك، وبقوة القانون وبأمر من النيابة، نزلنا ومعانا قوة تنفيذ عشان نستلم الفيلا ونطرد اللي فيها، لإن العقود كلها مسجلة باسمي أنا.
لما وصلنا، البوابة الحديد كانت مقفولة. خبطنا بعنف، وفتحت بسمة وهي لافة شعرها بفوطة ولابسة برنس غالي من خيري. أول ما شافتني ومعايا الظابط والمحامي، وشها جاب ميت لون.
”في إيه يا أحمد؟ أنت جايب لنا البوليس؟” أمي طلعت تجري من جوه وهي بتصرخ وتلطم على صدرها: “يا فضيحتنا وسط الناس! بتطرد أمك وأختك عشان خاطر الحتة الخدامة اللي كنت متجوزها؟”
الظابط بص لهم بحزم وقال: “معانا أمر تنفيذ بتمكين صاحب العقار، وإخلاء الموجودين فوراً. قدامكم نص ساعة تلموا حاجتكم الشخصية بس، وأي حاجة تانية تخص الأستاذ أحمد مش هتخرج من هنا.”
بسمة قعدت تصرخ وتشتم، وأمي بدأت تدعي عليا وتقول: “مش هسامحك يا أحمد.. يا خسارة تربيتي فيك!”
بصيت لأمي في عينها بكل برود وقسوة مكنتش أعرف إنها جوايا: “تربيتك؟ تربيتك دي هي اللي خلتك تجوعي لحمي ودمي؟ خيري اللي كنت ببعته عشان ابني يتغذى بيه، كنتي بتعملي بيه حفلات لصحابك الأغنيا وتفشخري بفلوسي؟ الدعا بتاعك ده مش هيطلع للسما يا أمي، لإن ربنا عادل، ومبيقبلش دعوة الظالم.”
لموا الهدوم بتاعتهم في شنط بلاستيك، وخرجوا من البوابة الكبيرة مكسورين، والوجاهة والمنظرة الكدابة كلها اتمستحت من على وشوشهم. جيران المنطقة الفخمة كانوا واقفين يتفرجوا عليهم وهما خارجين بفضيحة، الزينة والأنوار اللي كانت مالية الفيلا انطفت، ومبقاش فاضل غير الحقيقة.
رجعت الفندق، أخدت سمر وجمال ورجعنا بيتنا. الفيلا اللي شقيت عشانها. سمر دخلت وهي خايفة، وكأنها لسه مش مصدقة إن الكابوس خلص. مسكت إيدها ومشيت بيها في الصالة الواسعة: “البيت ده بتاعك أنتي وابنك.. أنتي الست هنا، ومفيش مخلوق هيقدر يرفع عينه فيكي تاني.”
جمال جرى على اللعب الكثيرة اللي جبتها له، وضحكته رنت في المكان.. الضحكة دي بالدنيا كلها، وهي اللي عفت عن قلبي من وجع السنين. الخيانة كانت واجعة، ومن أقرب الناس، بس الدرس كان غالي: الدم مش دايماً بيحن، والراجل ملوش في الدنيا دي غير مراته وأولاده، هما الأمان الحقيقي اللي يستاهل يعرق ويشقى عشانهم.
…………
عدى شهر كامل على اليوم ده.. شهر بحاله وأنا بحاول أرمي رماد الخمس سنين ورا ضهري وأبص لقدام. الفيلا اللي كانت زمان ترمز للغربة والوجع، قلبتها لجنة عشان خاطر سمر وجمال. غيرت كل حاجة فيها، من أول العفش اللي أمي وأختي نقوه بفلوسي، لحد الستائر والسجاد.. مش عاوز أي ريحة تفكرني بيهم ولا باللي عملوه.
في يوم العصر، كنت قاعد في الجنينة وببص على جمال وهو بيجري ورا الكورة وفرحان، ولأول مرة أشوف خدوده وردت وصحته ردت فيه بعد الأكل النضيف والراحة. سمر خرجت من المطبخ وهي شايلة صينية شاي وبسبوسة عاملاها بإيدها، كانت لابسة فستان جديد ووشها منور، والضحكة اللي غابت سنين رجعت تزين وشها تاني.
حطت الصينية وقعدت جنبي، مالت براسها على كتفي وقالت بصوت هادي: “عارف يا أحمد؟ أنا لحد النهاردة ساعات بأصحى مخضوضة في وسط الليل، بافتكر نفسي لسه في المطبخ الوراني وبدور على لقمة لجمال.. بس أول ما بشوفك جمبي، بحس إن ربنا طبطب على قلبي بيك.”
بست راسها وضمتها ليا: “طول ما أنا فيا النفس، مفيش مخلوق هيقدر يكسرك تاني يا سمر. أنا اللي آسف إن شقايا اتحول لغل وضغينة في قلوب ناس مبيعرفوش ربنا.”
وأحنا قاعدين، جالي تليفون من المحامي صاحبي. ردت عليه، وصوته كان جاد جداً: “أيوة يا أحمد.. النيابة حددت جلسة لقضية التبديد والإهمال، وأمك وأختك اتبلغوا رسمياً. بسمة كلمتني وبتعيط وبتقول إنها مش هتحمل الحبس، والوساطات بدأت تشتغل عشان تتنازل.”
تنحت للحظة، وبصيت لجمال وهو بيضحك في الجنينة. المحامي كمل: “أحمد.. القرار قرارك، لو صممت، أختك وأمك ممكن ياخدوا حكم حبس مش أقل من سنتين بسبب التقرير الطبي ومبالغ التحويلات اللي اختفت.”
قفل الخط بعد ما قلتله هفكر. سمر لفت ليا وعينيها كانت مليانة قلق: “في إيه يا أحمد؟ وشك اتخطف ليه؟”
حكيت لها على المكالمة. سمر سكتت شوية، وبصت في الأرض، وبعدين رفعت عينيها في عيني وقالت بكرم أخلاق أصيل: “أنا مش هقولك سامحهم عشان خاطري.. أنا اتذليت وتعبت. بس دي أمك وأختك يا أحمد.. مهما عملوا، لو دخلوا السجن بسببك، الوجع ده هيعيش جواك طول عمرك، والناس مش هترحمنا بكلامها.. خد حقك المالي كامل، بس بلاش السجن.. سيبهم لربنا هو اللي بيحاسب.”
بصيت لمراتي بذهول، الست اللي اتجوعت واتهانت بتفكر في مصلحتي ومصلحة اسمتي. في اللحظة دي عرفت إني اخترت صح، وإن دي الست اللي بجد تستاهل يتدفع فيها العمر كله.
تاني يوم، رحت للمحامي وعملنا تسوية قانونية صارمة. أمي وأختي مضوا على تنازل رسمي عن كل مليم في الحسابات، ومضوا على شيكات بنكية برد المبالغ اللي صرفوها من ورايا، ومضوا كمان على إقرار عدم تعرض ليا أو لمراتي وابني، مقابل إني أتنازل عن الشق الجنائي وميدخلوش السجن.
لما خرجوا من مكتب المحامي، كانوا مكسورين، باصين في الأرض من الخزي والعار. أمي حاولت تبصلي عشان تتكلم، لكن أنا لفيت وشي الناحية التانية وأخدت سمر في إيدي ومشينا من غير ولا كلمة. بالنسبة ليا، هما ماتوا من يوم ما شوفت ابني بياكل الرز المعفن.
رجعنا بيتنا، وقفلنا بوابتنا الكبيرة علينا. الشقى برة بلدك صعب، بس الشقى الحقيقي هو إنك تأمن للي مش صاين أمانتك. النهاردة، وأنا شايف ابني نايم في سريره النضيف، ومراتي نايمة في أمان، عرفت إن الغربة خلصت بجد، وإن الرحلة الصعبة دي كان لازم تحصل.. عشان أعرف مين اللي يصون غيبتي، ومين اللي ياكل لحمي وأنا عايش.
تمت
حكايات انجى الخطيب