مضيت علي ورق الطلاق
مضيت على ورق الطلاق وفي نفس اليوم بالليل حماتي عملت عزومة ملكية عشان تقدم العروسة الجديدة اللي جابوها مكاني بس أول ما الفاتورة وصلت، لقيتها بتكلمني وهي مرعوبة وبتموت من الفضيحة ليلى.. هو ليه الفيزا بتاعتي.. اترفضت؟
مضيت على ورق الطلاق الساعة 1017 الصبح في يوم ثلاثاء ممطر، واستخدمت قلم حبر أسود بتاع محامي جوزي حكايات_علي_ابوالدهب
إيدي ماتهزتش ولا ثانية. الموضوع ده صدم كل اللي قاعدين في أوضة الاجتماعات، خصوصاً جوزي نادر، اللي كان عمال يبصلي ومبرق كأنه مستني ينزل مني دموع. يمكن كان عاوز يشوف دموعي، يمكن كان محتاج يحس بنشوة الانتصار ويثبت لنفسه إن سيبانه ليا عشان واحدة أصغر مني كسرني ودمرني تماماً.
رجعت القلم للمحامي ووقفت على رجلي.
وقلت بثقة كده خلاص؟ كله تمام؟
محاميه هز رأسه وقال تمام يا فندم. أول ما القاضي يوقع، الاتفاق هيبقى نهائي ورسمي. مدام ليلى هتحتفظ ببيت التجمع، وحسابات الادخار والتأمين، وشركة ليلى لخدمات البوفيه وتنظيم الحفلات. والأستاذ نادر هيحتفظ بعربيته الشخصية، ومحفظة الاستثمار، وشقة وسط البلد.
فك نادر اتشنج أول ما المحامي جاب سيرة شركة البوفيه وتنظيم الحفلات Catering.
الشركة دي طول عمرها في الكلام والمنظرة قدام الناس كانت شركتنا إحنا الاتنين، بس في الورق والقانون كانت بتاعتي أنا لوحدي. أنا اللي بدأتها من الصفر وفي جراج بيتنا القديم، من قبل ما نادر يعرف أصلاً الفرق بين منيو الأكل وخصم الضرائب. هو كان كل شغلانته يقف يبتسم في وش الزباين وياخد اللقطة، وأنا اللي كنت بطبخ، وأعين الشغيلة، وأتفاوض، وأدفع للموردين، وألحق الشركة من الإفلاس في كل مرة كان بيطلع بفكره عبقرية وفاشلة تكلفنا ألوف مؤلفة.
أمه بقى، الحجة ماجدة، عمرها ما تقبلت الحقيقة دي.
بالنسبة لها، نادر هو العبقري
والملهم، وأنا مجرد الشغالة اللي بتعبّي علب الأكل وبتلف المحشي.
الحفلة المسمومة
بالليل في نفس اليوم، وأنا واقفة في أوضة نومي بلم فستان فرحي من الدولاب وبحطه في كرتونة تبرعات عشان أخلص من ريحته، تليفوني اتهز ووصلتني صورة من واحدة صاحبتنا مشتركة.
الحجة ماجدة عملت حفلة وعزومة كببرة.
مش عشا صغير لِم لِم.. لأ، دي عملت مأدبة ملكية وبوفيه مفتوح!
32 فرد من قرايبهم وأصحابهم قاعدين تحت النجف الكريستال في قاعة Bellamy Hall، ودي واحدة من أغلى قاعات المناسبات في البلد. وفي نص التربيزة الرئيسية، كان قاعد نادر، باين عليه عدم الارتياح في بدلته الكحلي، وجنبه العروسة الجديدة أمنية قاعدة بتتبسم بفستان ستان أبيض.
والحجة ماجدة كانت واقفة وراهم ورافعة كاس الشربات وبتضحك من قلبها.
الكلام اللي مكتوب تحت الصورة جابلي غثيان لبدايات جديدة وسعيدة.. نورتي عيلتنا يا أمنية يا حبيبتي حكايات_علي_ابوالدهب
فضلت باصة في الصورة دقيقة بحالها. بعدين ضحكت ضحكة واطية، مش عشان الموضوع يضحك، لأ، عشان ده طبع الحجة ماجدة وعمرها ما هتغيره. هي مابتكتفيش بإنها تبدل الناس أو تظلمهم، هي لازم تعمل شو وإعلان رسمي وتكيدهم قدام الكل.
الساعة 946 بالليل، تليفوني رن.
المتصل الحجة ماجدة.
كنت هسيب التليفون يرن ومردش، بس فيه فضول وحاجة جوايا قالتلي ردي وشوفي.
أول ما فتحت الخط، صوتها كان طالع حاد، مخنوق، ومليان ذل وفضيحة
ليلى! هو ليه الفيزا بتاعتي بتترفض ومبتسحبش؟حكايات_علي_ابوالدهب
لفيت وشي وبصيت على المطبخ، حيث كان فيه تلات فواتير لموردين لسه مدفعتش محطوطين جنب اللاب توب بتاعي.
قلت بكل برود وهدوء فيزا إيه يا حجة؟
زعقت بصوت مسرسع وزي الحية الفيزا بتاعة العيلة! اللي مربوطة بحساب شركة البوفيه! المدير بتاع المطعم واقف فوق دماغي وبيقولي العملية اترفضت ومش راضية تمر!
غمضت عيني وابتسمت.
بقالها 12 سنة، الحجة ماجدة شايلة في محفظتها فيزا تابعة لشركتي أنا، فيزا أنا عمري ما وافقت لها تستخدمها لمصاريفها الشخصية. نادر زمان قعد يبوس على إيدي ويترجاني عشان ما واجههاش ولا أعمل مشكلة وقاللي معلش يا ليلى، أمي بس بتحب تحس إنها معانا وجزء من الشغل. ومن يومها وهي عايشة بيها تشتري ورد، حجوزات سبا ومساج، غدا وعشا مع صحابها، هدايا، وحجزت بيها مرة رحلة كروز بحرية.. وكل ده كان بينزل تحت بند علاقات عامة مع الزباين!حكايات_علي_ابوالدهب
بس الظهر، وأول ما حبر قلم الطلاق نشف على الورق، أنا عملت حاجة واحدة صغيرة جداً وبسيطة.
دخلت على حساب الشركة، وقفت ولغيت كل الكروت والفيز الفرعية اللي متفرعة من الحساب الرئبسي بتاعي حكايات علي ابو الدهب
قلت لها بكل ثبات يا حجة ماجدة.. الفيزا دي بتاعة شركتي أنا.. مش بتاعة عيلتكم أنتوا.
الخط فجأة سكت تماماً. مكنش مسموع غير خبط شوك وسكاكين بعيد، وأصوات همس ولملمة، وحالة رعب وبانيك بدأت تظهر في المكان عندهم.
همست بصوت مرعوش وهي هتموت من الخوف لازم تصرفي وتحلي الموضوع ده حالا.. الفاتورة واصلة لأكتر من 18 ألف دولار!
بصيت تاني للصورة اللي مبعوتالي، ل أمنية وهي قاعدة بالفستان الأبيض وبتضحك.
وقلت لها لأ يا حجة.. الحقيقة أنا مش لازم أعمل أي حاجة.. شيلوا شيلتكم بقى. الكاتب علي ابو الدهب
عايزين تعرفوا إيه اللي حصل للحجة والعروسة الجديدة لما البوليس جالكهم في وسط القاعة؟ باقي الصدمة والنهاية في أول كومنت تحت الحجة ماجدة كانت لسه ماسكة التليفون وبتتنفس بسرعة كأنها بتجري، وفجأة سمعت دوشة عالية وراها صوت كراسي بتتحرك، وحد بيقول بعصبية يا فندم الحساب لازم يتدفع دلوقتي الإدارة مش هتسمح لأي حد يمشي.
واضح إن مدير القاعة بنفسه نزل بعد ما الكروت كلها اترفضت.
سمعتها بتهمس لنادر وهي مخنوقة اتصرف! الناس كلها بتبص علينا!
لكن نادر كان ساكت.
ساكت لأول مرة في حياته، لأنه اكتشف متأخر جدًا إن كل الهيبة اللي كان عايش بيها، وكل المناسبات اللي بيتمنظروا فيها قدام الناس، كانت متبنية على ضهر ليلى وشغلها وفلوسها.
وفجأة
باب القاعة اتفتح بعنف.
واتنين ظباط دخلوا ومعاهم موظف ببدلة سودة ماسك تابليت.
القاعة كلها سكتت.
العروسة الجديدة أمنية شهقت وهي شايفة الناس بتبصلهم، والحجة ماجدة قامت واقفة بسرعة وقالت بصوت متوتر في إيه يا حضرة الظابط؟
الظابط بص في الورق اللي بإيده وقال بلاغ بخصوص استخدام بطاقات وشؤون مالية تخص شركة خاصة بعد إلغاء صلاحية التصرف عليها.
وشاور مباشرة على الحجة ماجدة.
وش نادر اصفرّ.
قال بسرعة أكيد فيه سوء تفاهم!
لكن موظف القاعة دخل بينهم وقال بمنتهى البرود يا فندم، مدام ماجدة حاولت تدفع بأربع بطاقات مختلفة كلها مرفوضة، وبعدها طلبت تسجيل الفاتورة على حساب شركة مش موجود لها أي تفويض رسمي باستخدامه.
همهمات الناس بدأت تعلى.
واحدة من قرايبهم قالت بصوت مسموع يعني العزومة كلها كانت على حساب طليقته؟!
أمنية بصت لنادر بصدمة كأنها أول مرة تشوفه على حقيقته.
أما الحجة ماجدة فكانت واقفة حرفيًا بتترعش.
الظابط قال بهدوء إحنا مش جايين نقبض على حد، بس لازم يتم تسوية الحساب حالًا قبل ما إدارة القاعة تحرر محضر رسمي.
مدير القاعة قال المبلغ دلوقتي وصل ل 18742 دولار بالخدمة والضرائب.
نادر بلع ريقه.
فتح موبايله بسرعة يحاول يحول فلوس لكن حساباته الاستثمارية كانت متجمدة مؤقتًا بسبب صفقة خسرانة كان مخبيها عن الكل.
ودي كانت أول مرة الحجة ماجدة تعرف إن ابنها شبه مفلس.
بصت له بذهول يعني إيه ماعندكش؟!
رد عليها بصوت مكسور كنت مستني الصفقة تدخل
الفضيحة كانت
كاملة.
العروسة الجديدة قامت من مكانها وهي بتفك طرحتها بعصبية وقالت أنتوا نصابين!
وسابت القاعة كلها وخرجت وسط نظرات الناس.
وفي نص الفوضى دي كلها
تليفون ليلى رن مرة تانية.
نادر.
ردت بعد ثواني طويلة.
صوته كان واطي لأول مرة ليلى أرجوكي أنقذينا المرة الأخيرة دي.
ليلى بصت حوالين بيتها الهادي على المطبخ اللي بنته بإيديها وعلى اللاب توب اللي عليه عقود شغل جديدة لثلاث حفلات ضخمة.
ثم ابتسمت بهدوء وقالت
آسفة يا نادر شركة ليلى لخدمات البوفيه مقفولة النهارده بسبب تغيير الإدارة قفلِت السكة في وشه وحطّت الموبايل على الترابيزة بهدوء غريب.
لأول مرة من سنين، قلبها ماكانش بيرتعش بعد مكالمة من نادر.
ولا من أمه.
ولا حتى من كلمة طلاق.
السكوت اللي في البيت كان مريح نضيف مافيهوش توتر ولا إحساس إنها مطالبة تنقذ حد طول الوقت.
لكن الهدوء ماكملش غير دقيقتين.
الموبايل بدأ يرن تاني.
المرة دي رقم غريب.
ردت وهي متوقعة تسمع صريخ الحجة ماجدة أو تهديد جديد لكن اللي كلمها كان مدير قاعة Bellamy Hall بنفسه.
صوته كان رسمي جدًا مساء الخير يا فندم آسفين لإزعاجك، لكن اسم شركتك اتذكر هنا باعتبارها المسؤولة عن الحجز.
ليلى عدّلت قعدتها وقالت بهدوء وأنا بلغتهم الصبح إن أي تعامل يخصني انتهى رسمي.
وده اللي فهمناه، لكن فيه نقطة مهمة الحجز الأصلي للقاعة كان باسم حضرتك من ست شهور، واتدفع العربون من حساب شركتك.
سكت ثانية وكمل إحنا بس محتاجين تأكيد منك إنك بتتنازلي عن المناسبة بالكامل لأن قانونيًا لسه اسمك مرتبط بالعقد.
ليلى فتحت اللاب بسرعة، وبدأت تدوّر وسط الإيميلات القديمة.
وبالفعل
الحجز كان معمول وقت ما نادر كان بيخطط لتجديد عهود الجواز في عيد جوازهم ال.
حفلة رومانسية كبيرة كان المفروض تتعمل لها هي.
لكن بعدها بشهرين بدأ يخونها مع أمنية.
يعني القاعة اللي بيحتفل
فيها النهارده بعروسته الجديدة كانت أصلًا محجوزة علشان يحتفل بيها هي.
ضحكت ضحكة قصيرة مرة.
وقالت لمدير القاعة ابعتلي نسخة العقد حالًا.
بعد عشر دقايق كانت قرياه كامل.
وفي آخر صفحة بند صغير جدًا خلا عينيها تلمع.
صاحب الحجز الأساسي يحق له تعديل طبيعة المناسبة أو قائمة الضيوف قبل بداية الحدث بساعة واحدة.
رفعت حاجبها ببطء.
وبصت للساعة.
الحدث لسه شغال.
اتصلت بالمدير تاني وقالت عايزة أستخدم حقي في تعديل المناسبة.
اتوتر يعني إيه يا فندم؟
قالت بابتسامة باردة شيلوا البانر اللي مكتوب عليه أهلًا بالعروسة الجديدة.
تمام.
واطبعوا البانر الجديد اللي هبعته حالًا.
بعد ربع ساعة
وفي وسط القاعة اللي كانت أصلاً متوترة ومليانة همس ونظرات شفقة
الستارة الإلكترونية الكبيرة اللي ورا المسرح نورت فجأة.
وظهر عليها بخط دهبي ضخم
حفل تكريم السيدة ليلى المؤسسة الحقيقية لشركة ليلى لخدمات البوفيه وتنظيم الحفلات
تحتها مباشرة
نشكر كل من ساهم في نجاحها ما عدا الطفيليات.
القاعة انفجرت شهقات.
واحدة من خالات نادر كتمت ضحكتها بالعافية.
حد من الشباب صفّق فعلًا.
أما الحجة ماجدة
فكانت واقفة تحت الشاشة مباشرة.
وشها قلب ألوان.
ونادر جري ناحية المدير وهو بيزعق مين عمل كده؟!
المدير بلع ريقه وقال صاحبة الحجز الأصلية يا فندم.
وفي نفس اللحظة
ظهر إشعار جديد على شاشة القاعة لأن النظام كان متوصل بالبروجيكتور الرئيسي.
إيميل رسمي بعنوان
تم نقل ملكية العلامة التجارية بالكامل.
نادر اتجمد مكانه.
فتح الإيميل بإيد بترتعش.
ولقى إن ليلى باعت إخطار قانوني بنقل اسم الشركة التجاري، والوصفات الحصرية، وقاعدة العملاء لشركة جديدة باسم مختلف.
يعني حتى الاسم اللي كان بيتباهى بيه قدام الناس اختفى من تحت رجليه.
الحجة ماجدة همست بذعر يعني إيه؟!
رد عليها نادر بصوت مخنوق يعني إحنا معندناش حاجة الصمت اللي نزل على القاعة بعد الجملة دي كان تقيل بشكل يخنق.
حتى الموسيقى الهادية اللي كانت شغالة في الخلفية اتقفلت، وبقى مسموع بس صوت المكيف وأنفاس الناس.
الحجة ماجدة بصّت حواليها كأنها مستنية حد ينقذها أو يقول إن ده سوء تفاهم.
لكن محدش اتكلم.
لأن لأول مرة الحقيقة كانت واضحة قدام الكل من غير ما ليلى تحتاج تدافع عن نفسها.
كل الناس اللي كانوا فاكرين إن نادر هو رجل الأعمال الناجح، اكتشفوا إن الست اللي كانوا بيعاملوها كأنها مجرد زوجة عادية هي اللي كانت شايلة الإمبراطورية كلها فوق ضهرها.
أمنية رجعت من عند باب القاعة بعد ما سمعت آخر جملة.
بصت لنادر بصدمة حقيقية إنت كنت بتقول إن الشركة شركتك!
ما ردش.
قالت بعصبية أعلى حتى العربية اللي جايبني بيها النهارده عليها لوجو الشركة القديمة!
الحجة ماجدة حاولت تتدخل يا بنتي دي شوية مشاكل مؤقتة
لكن أمنية قاطعتها بحدة مؤقتة إيه؟! أنا سبت شغلي وخطبتي القديمة عشان أتجوز راجل مستقر!
الكلمة دي ضربت نادر في صدره أكتر من أي حاجة.
لأن دي أول مرة حد يعامله بنفس الطريقة اللي عامل بيها ليلى زمان كأنه مجرد فرصة وخلاص.
وفجأة
واحد من الجرسونات قرب بخجل وهو ماسك ورقة صغيرة.
يا فندم دي باقي الحساب بعد الخصومات.
الحجة ماجدة خطفت الورقة بسرعة.
أول ما شافت الرقم، شهقت وقعدت على الكرسي وراها بالعافية.
حتى بعد حذف المشروبات المستوردة والخدمات الإضافية، لسه عليهم مبلغ ضخم.
قالت لنادر وهي شبه بتبكي اعمل أي حاجة!
نادر بص حواليه بارتباك
ثم عمل حاجة عمره ما تخيل إنه يعملها في حياته.
راح عند عمّه فؤاد، الراجل اللي كان دايمًا بيتعامل معاه باستعلاء عشان شغال تاجر أدوات صحية بسيط.
وقال بصوت واطي ممكن تسلفني المبلغ وأنا هرجعه.
عمّه بصله كام ثانية
وبعدين قال بمنتهى البرود اسأل مراتك الجديدة.
الكلمة نزلت عليه كصفعة.
ناس كتير بدأت تقوم وتمشي واحدة واحدة بحجة إن الوقت اتأخر.
ولا حد عرض يساعد.
ولا حد حتى بص في عينه.
الحجة ماجدة كانت كل شوية تبص ناحية باب القاعة، كأنها مستنية ليلى تدخل فجأة وتنقذهم كعادتها.
لكن ليلى ماجتش.
الوحيدة اللي وصلت كانت مندوبة توصيل.
لابسة يونيفورم شركة جديدة باسم
L Couture Events
سألت بصوت عملي الأستاذ نادر موجود؟
رفع راسه بتعب أنا.
ناولته ظرف أبيض فاخر ومشت.
فتحه بسرعة
وكان جواه بطاقة سودة أنيقة مكتوب عليها بخط فضي
شكرًا لأنك أقنعتني إني أبدأ من جديد.
وفي آخر البطاقة
تم حجز جميع مواعيد الموسم القادم بالكامل.
تحت التوقيع
اسم ليلى.
أما آخر سطر فكان الأصعب
ملحوظة برجاء إزالة شعار شركتي القديمة من على العربية خلال 24 ساعة قبل اتخاذ الإجراءات القانونية.
نادر فضل باصص للبطاقة طويل
وبعدين ضحك.
ضحكة صغيرة مكسورة، أقرب للبكا.
لأنه أخيرًا فهم الحقيقة اللي كان بيرفض يشوفها طول عمره
هو ماكنش البطل في قصة نجاح ليلى
هو كان مجرد شخص محظوظ إنها حبته يومًا ما بعد ما آخر ضيف خرج من القاعة، المكان بقى شبه ساحة معركة متغطية بالمفارش البيضا والكاسات المكسورة.
الحجة ماجدة كانت قاعدة على كرسي في الركن، الميكب سايح من العياط، والفستان المطرز اللي كانت لابساه بقى مكركب كأن الحفلة عدّى عليها أسبوع مش ساعات.
أما نادر
فكان واقف لوحده قدام الشاشة الكبيرة اللي لسه منورة باسم ليلى.
فضل يبص عليه ثواني طويلة، قبل ما يمد إيده ويشد الفيشة بعنف.
الشاشة اسودّت.
لكن الإحساس بالهزيمة ما اختفاش.
مدير القاعة قرب منهم للمرة الأخيرة وقال بأدب متوتر يا فندم، لازم نقفل الحساب حالًا وإلا الإدارة هتضطر تتخذ إجراء رسمي.
الحجة ماجدة بصت لنادر بلهفة قولهم يستنوا لبكرة!
لكن المدير هز راسه للأسف مينفعش.
وفي اللحظة دي
أمنية رجعت.
لكن مش لوحدها.
وراها كان داخل راجل طويل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة رمادي، وملامحه جامدة بشكل يخوف.
أول ما الحجة ماجدة شافته، وشها اتسحب.
همست ده ده
والد أمنية؟
أمنية وقفت بثبات وقالت أيوه. بابا جه ياخدني.
أبوها بص لنادر من فوق لتحت، وقال بمنتهى الهدوء إنت الراجل اللي وعد بنتي بحياة مستقرة؟
نادر حاول يتكلم يا فندم الموضوع
قاطعه سمعت كفاية.
ثم لف نظره على القاعة الفاضية والفواتير والناس اللي كانت بتتهامس عليهم عند الباب.
وقال ببرود الراجل اللي يعتمد على تعب مراته عشان يعيش ملك أول ما الست تمشي، بيرجع لحجمه الحقيقي.
الجملة ضربت الحجة ماجدة كأنها طوبة.
صرخت بعصبية إحنا مش شحاتين!
أبو أمنية بصلها بهدوء قاتل بس الليلة دي كنتوا قريبين جدًا.
أمنية قلعت الدبلة من إيدها.
حطتها على الترابيزة قدام نادر.
وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها أنا ممكن أستحمل راجل خسر فلوسه بس مستحيل أعيش مع راجل كداب.
وسابته ومشيت مع أبوها.
الحجة ماجدة جريت وراهم وهي بتنادي يا بنتي استني!
لكن باب القاعة اتقفل في وشها.
رجعت تبص لنادر
ولأول مرة في حياتها، ابنها ماكانش عنده حل.
ماكانش عنده كلمة ناعمة، ولا ابتسامة، ولا ليلى تنقذه من الكارثة.
قعد على أول كرسي قابله، وفك الكرافتة بعنف.
وبعد صمت طويل جدًا
قال بصوت متحشرج هي كانت بتعمل كل حاجة فعلًا صح؟
الحجة ماجدة ما ردتش.
لأنها كانت عارفة إن أي إنكار دلوقتي هيبقى مضحك.
وفي نفس الوقت
في مكان تاني تمامًا
ليلى
كانت قاعدة على بلكونة بيتها، لابسة بيجامة قطنية مريحة، وحاطة رجل على رجل، قدامها كوب شاي بالنعناع.
اللابتوب مفتوح على إيميلات العملاء الجدد.
وفي إشعار جديد وصلها من البنك
تم إيداع الدفعة المقدمة لحفل شركة عالمية بقيمة 240 ألف دولار.
ابتسمت بهدوء.
وفجأة وصلتها رسالة من رقم غير مسجل.
أنا عمرو الشافعي مدير سلسلة فنادق Royale. سمعت اللي حصل الليلة. ولو تحبي، أحب أرتب اجتماع بخصوص شراكة حصرية مع شركتك الجديدة.
ليلى قعدت تبص للرسالة شوية.
ثم رفعت عينيها للسما.
المطر كان بدأ ينزل خفيف.
نفس المطر اللي نزل الصبح وهي بتمضي ورق الطلاق
لكن الفرق إن الصبح كانت بتقفل باب عمر كامل.
أما دلوقتي؟
كانت بتفتح باب حياة ماحدش هيقدر ياخدها منها تاني ليلى ما ردّتش على رسالة عمرو الشافعي فورًا.
قفلت اللاب بهدوء، وخدت نفس طويل وهي باصة للمطر بينزل على شوارع التجمع الهادية.
أول مرة من سنين تحس إن الليل مش مخيف.
مفيش حد هيرجع متأخر ويزعق. مفيش حماتها تقتحم البيت بدون استئذان. مفيش توتر دائم وهي بتحاول تراضي ناس عمرهم ما شافوا قيمتها أصلًا.
لكن الساعة قربت من واحدة بعد نص الليل
وجرس الباب رن.
اتجمدت للحظة.
قلبها خبط خبطة قديمة اتعود عليها طول جوازها.
لكن لما بصت في الكاميرا
اتفاجئت.
نادر.
واقف تحت المطر.
بدلته متبهدلة، شعره منكوش، وشه مرهق بشكل عمرها ما شافته عليه.
فضلت دقيقة كاملة باصة للشاشة من غير ما تفتح.
ثم أخيرًا فتحت الباب مسافة صغيرة.
نادر حاول يبتسم، لكن الابتسامة طلعت مكسورة.
قال بصوت واطي ممكن أدخل؟ الجو ساقعة برا.
ليلى ردت بهدوء وده بيتي دلوقتي.
الجملة وجعته.
بان جدًا.
نزّل عينيه وقال عارف.
فضل ساكت ثواني، قبل ما يطلع ظرف من جيبه.
دي مفاتيح شقة وسط البلد والعربية كمان. بيعهم أو خليهم مش فارقة.
ليلى ما مدتش إيدها.
فسألته ببرود إيه المطلوب يا نادر؟
رفع عينه ليها لأول مرة مباشرة.
وكان واضح إنه بيحاول يبلع كبرياءه بالعافية.
أنا غلطت.
ما ردتش.
فكمل بسرعة كأنه خايف يسكت غلطت لما سمحت لأمي تتدخل بينا وغلطت لما خدت نجاحك كأنه حقي وغلطت أكتر لما افتكرت إنك هتفضلي موجودة مهما عملت.
المطر كان بينزل أقوى.
وهو واقف من غير ما يتحرك.
قال بصوت مبحوح النهارده لما الناس كلها سابتني فهمت حاجة مرعبة.
ليلى عقدت دراعاتها إيه هي؟
ابتسم بمرارة إنك كنتي الشخص الوحيد اللي عمره ما سابني وأنا واقع.
الكلمات دي زمان كانت كفاية تخلّي قلبها يلين فورًا.
زمان.
لكن دلوقتي؟
كانت بس حقيقة متأخرة.
قالت بهدوء وأنت سيبتني وأنا واقفة جنبك.
سكت.
لأنه ماعندوش رد.
بعد لحظات طويلة، مدّ الظرف ناحيتها مرة تانية.
خديهم على الأقل أبقى رجعت حاجة.
ليلى أخدت الظرف أخيرًا.
لكن بدل ما تدخله البيت
حطّته على الترابيزة الصغيرة جنب الباب.
ثم قالت الحقوق اللي اتردت متأخر مبتصلحش الخسارة.
وشه اتشد بالألم.
قال بسرعة أنا مش جاي أطلب نرجع.
لكن عينيه كانت بتقول العكس.
ليلى لاحظت ده.
ولأول مرة، شافته بوضوح كامل مش الراجل الوسيم الواثق اللي حارب الكل عشانه زمان.
لكن شخص ضعيف اعتمد سنين على حبها لدرجة إنه افتكر الحب ده مضمون للأبد.
قالت بهدوء نهائي يا نادر أنت خسرتني قبل الطلاق بوقت طويل.
الكلمة أنهته.
بان فعلًا.
هز رأسه ببطء، وكأنه أخيرًا استوعب إن مفيش فرصة أخيرة مستخبية في آخر الحوار.
لفّ عشان يمشي
ثم وقف فجأة وقال من غير ما يبصلها أمي باعت دهبها الليلة عشان تسدد جزء من الفاتورة.
ليلى ما علقتش.
فكمل بضحكة موجوعة تخيلي؟ أول مرة تدفع من فلوسها حاجة طول عمرها.
ثم نزل السلم ببطء واختفى تحت المطر.
ليلى قفلت الباب بهدوء.
وسندت ضهرها عليه ثواني.
مش عشان هتعيط
لكن عشان تستوعب إن الفصل ده انتهى فعلًا.
وفجأة
موبايلها نَوّر برسالة جديدة من عمرو الشافعي
بالمناسبة الشراكة مش السبب الوحيد اللي خلاني أتواصل. أنا معجب جدًا بست قدرت تبني نفسها من الصفر وتقوم تاني حتى بعد ما الكل راهن على سقوطها.
ليلى بصت للرسالة
ولأول مرة من سنين طويلة جدًا
ابتسمت من قلبها فعلًا.