جدتي جت تزورني
الكلمة وجعتني، بس ما كنتش قادرة أتكلم. القعدة جوه كانت تقيلة ومخنوقة. بابا وماما مقعدوش كتير، الموقف كان مالي الجو توتر، وبعد أقل من نص ساعة استأذنوا عشان يروحوا. خرجوا بره الشقه عشان يأخدوا تيته من على الكرسي ويمشوا.
وقفت جنبها وأنا حزينة وعيني مليانة دموع، وبمد إيدي أساعدها تقوم. في اللحظة دي، مسكت في إيدي.. مسكة قوية أوي! قوة مش بتاعة ست عندها تسعين سنة أبداً، كأنها بتستغيث أو بتحذرني شدّتني ليها وأنا تلقائياً وطيت بدماغي عشان أسمعها، وحطت بؤها قريّب جداً من ودني وهمست لي بنبرة هادية بس مرعبة، نبرة خالية تماماً من أي خرف أو قلة عقل، وقالت لي كلام طيّر عقلي من مكانه، كلام مش قادر استوعبه او استوعب إزاي هي عرفت وقالت لي بصوت زَيّ الهسيس بس أرعب من الرعد اللي متعلق جوه على الحيطة ده.
. عيلة العطّار! الشوم والدم والفلوس الحرام يا ندى! أوعي تحطي في بطنك لقمة من البيت ده، الراجل ده أكل مال النتامى وشرّد عيلتي زمان! الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. عقلي اتشل، ولساني اتعقد. قبل ما أنطق، كانت مسكت عكازها وبابا وماما بيسندوها وخرجوا بيها للأسانسير، وأنا واقفة مكانِي مسمّرة في الأرض زي الصنم، ريحة الخوف أكلت صدري.
أول ما الباب اتفلق وراهم، لفيت وشي ودخلت الشقة وأنا جسمي كله بيتكتك. معتز كان واقف في الصالة، باصص للأرض ووشه أحمر من الغضب والإحراج. معلش يا معتز.. تيته كبرت والذاكرة عندها بتخون… قطعت كلامي أول ما خدت بالي هي تيته كانت باصة فين وهي واقفة على الباب!
على الحيطة الكبير اللي في وش الباب، كانت معلقة صورة كلاسيكية كبيرة ببرواز ذهبي متأنق، صورة عائلية قديمة متجددة بالألوان. فيها معتز وهو أصغر شوية، وباباه، وفي النص قاعد راجل كبير بسبحة ووشه حاد، عليه هيبة وشكوك..
ده الجد الأكبر لعيلة معتز، حاج راضي العطّار، اللي اتوفى من ست سنين وقبل ما أعرف معتز بكتير. أنا مكنتش أعرف الراجل ده ولا عمري شفت صورته، ومحدش جاب سيرته قدامي إلا بالخير وإن فلوس العيلة ومحلات العطارة الكبيرة دي كلها من خيره.
بس تيته غالية أول ما فتحنا الباب، عينها جت على البرواز ده بالذات! هي مكنتش باصة للبيت ولا للديكور.. هي كانت باصة للوش ده! طول الليل مكنتش عارفة أنام. معتز كان نايم مديني ظهره ومبتكلمش، وأنا عقلي شغال زي المطحنة.