نهاية علاقة حكايات انجى الخطيب

— قدامك أسبوع واحد وتمشي من هنا! أنا هجيب مراتي الجديدة تعيش معايا في البيت دا! — قالها جوزي ببرود زي السكينة اللي بتقطع في الصدر بمتتهي البرود . 😶
​الكلمات نزلت عليها زي الإبر. إيمان حست إن الأرض بتسحب من تحت رجليها، وإن كل حاجة سندت عليها سنين طويلة بتتهد وبتتحول لتراب. حيطان الشقة القديمة اللي في الدور الثالث —دي اللي كانت شاهدة كل لحظاتهم اللي عاشوها سوا والضحك اللي كان بينهم— اتهزت بغدر وهي بتسمع الحكم دا. 😔
​الشقة دي كانت بتاعتها هي، ورثاها عن جدتها. أوضتين دافيين وبيطلوا على شجر في سارع هادي . الجدة كانت ماتت من سنتين، وسابت لحفيدتها أغلى ما تملك: بيتها، وذكرياتها. إيمان كانت سجلت الشقة باسمها قبل ما تتجوز، يعني مفيش أي حاجة تتقسم بينهم.
​— أنت بتتكلم بجد؟ — همست والدموع حابسة صوتها اللي اتكسر.
​محروس دارى عينه بعيد، كأنه مش سامعها. الراجل دا اللي كان زمان حنين وبيحلم، دلوقتي بيتكلم كأنها واحدة غريبة تماماً ميعرفهاش. 😢
​هو كان نقل وعاش معاها بعد ما باع شقته الصغيرة اللي كانت في أطراف البلد. بالفلوس دي اشترى عربية، وجهزوا بدهان الحيطان، والمطبخ الجديد، والشاشة الكبيرة اللي محروس حطها في الصالة وهو بيقول: “دا استثمار في راحتنا”. هي صدقته، وكانت فرحانة وهي فاكرة إنهم بيبنوا مستقبل سوا. إيمان كانت بتدفع معظم المصاريف: النور، والمية، وطلبات البيت، والإنترنت. وهو… كان بيوعدها إنه “هيوصل لمستواها”.
​— أنا بدور على مستثمر —كان بيقولها بحماس وهو قاعد قدام اللاب توب—. أول ما المشروع يقوم، هنعيش مرتاحين. هنغير العربية، ونبدأ فكرة المزرعة … النجاح مستنينا!
​إيمان كانت بتبتسم، رغم إنها من جواها كانت خلاص جابت أخرها وتعبت. بعد خمس سنين، مفيش أي حاجة اتغيرت. محروس كان عايش على أرزاق يومية وشغلانات مؤقتة: شوية في المقاولات، وشوية في الأمن، وشوية يقضي مشاوير بالعربية عشان كام قرش. كل شهر الفلوس بتقل والأمل بيموت أكتر.
​هي، على العكس، كانت شغالة منسقة في شركة شحن، بمرتب بسيط بس ثابت. يكفي لاتنين بالعافية. بس من فترة طويلة، الـ “اتنين” دول مبقوش “إحنا”. محروس قفل على نفسه، ومبقاش بيساعد حتى في الحاجات الأساسية.
​— دي فترة مهمة في حياتي —كان بيقول لما تطلب منه يساعد في البيت—. مش فاضي أنا دلوقتي للمساحة والتنظيف. أنا بدور على أفكار جديدة.
​إيمان مكنتش بتجادل. كانت بتفضل تنظف لوحدها. كان أسهل لها تمسح الأرض ولا إنها تتخانق معاه.
​في الربيع كل حاجة اتغيرت. محروس بقى قلقان، وعصبي. كان بيختفي بالليل ويرجع متأخر، وساعات على وش الفجر. كان بيأكد لها إن عنده “اجتماعات مع شركاء”، وإن لازم “يعمل علاقات وشغل”. بس لو كان زمان بيطلب منها فلوس للبنزين، فدلوقتي مبقاش يصرف حاجة تقريباً. العربية كانت بتقعد بالأيام مركونة تحت الشباك. 🚗
​— نمت فين امبارح؟ —سألته إيمان مرة.
​— عند صاحبي . خلصنا متأخر ومكنش ليه لزمة أرجع.
​هي هزت راسها وصدقت، بس من جواها في حاجة اتكسرت وماتت.
​موبايل محروس مبقاش يفارق إيده. كان بياخده معاه حتى الحمام، وبيتمسح الرسايل في وقتها. لما تجرأت وسألته:
​— مين بيكتبلك كتير كده؟ —رد عليها ببرود: — شغل. مش هتحسي بيه ولا تفهميه.
​الشك حاجة، وإنك تشوف بعينك دي حاجة تانية خالص.
​في يوم في وسط النهار، وقت راحة الشغل، إيمان فتحت السوشيال ميديا واتفاجئت بصورة لجروب بتوع الموتوسيكلات. ناس بتضحك، وموتوسيكلات تحت الشمس. وفي وسطهم كلهم، محروس، وهو حاضن ست شعرها أحمر. الاتنين بيضحكوا، كأنهم كابل سعيد. الكلام اللي تحت الصورة كان بيقول: “أفضل اتنين شاركوا معانا، محروس ونورا . يا لها من سباق فظيع!”. 🌇
​إيمان فضلت باصة للشاشة؛ وعينيها كانت بتاكلها. هو عمره ما جاب سيرة الجروب دا، ولا سيرة واحدة اسمها نورا . إيديها كانت بترتعش وهي بتقلب في الكومنتات، كأنها بتدور على تفسير مش لاقياه.
​يومها بالليل، لما محروس رجع، هي استنته لحد ما اتعشى وقعد على الكنبة، والموبايل في إيده.
​— محروس، لازم نتكلم.
​— في إيه؟ — رد من غير ما يرفع عينه.
​— أنا شفت الصورة بتاعة الجروب. أنت واقف مع نورا .
​هو رفع راسه فجأة. ووشه اتخشب.
​— وإيه يعني؟
​— مين دي؟
​— صاحبتي. تفرق في إيه؟
​— تفرق في إيه؟! — صوت إيمان انفجر. — أنت جوزي! مش المفروض أعرف من الإنترنت عن “صاحباتك”!
​هو قام وقف فجأة، ورمى الموبايل على الكنبة.
​— أنتِ دايماً عايزة تتحكمي في كل حاجة! مبعرفش أخد خطوة من غير ما تعمليلي استجواب!
​— الموضوع مش تحكم، الموضوع احترام! إحنا متجوزين!
​— إحنا كبار —رد بنبرة حادة—. أنا من حقي يكون عندي مساحتي الشخصية. ولا تحبي أقعد في البيت مستنيكي لما ترجعي من المكتب زي العيل الصغير؟
​— مساحتك الشخصية؟ — ردت عليه، وهي حاسة بوجع وزعل —. مش باين إن اللي بينك وبينها مجرد صحوبية وبس.
​هو ابتسم باستهزاء:
​— فكري زي ما فكري. مش فارق معايا.
​ومشى، ورزع الباب وراه.
​السكوت اللي حصل بعد كده كان تقيل قوي. إيمان فضلت واقفة مكانها وفي غصة زي الحجر في زورها. تاني يوم راحت الشغل، بس الإيميلات كانت بتتمسح من قدام عينيها والكلام مكنش ليه أي معنى. في البيت كل حاجة كانت زي ما هي، بس ريحة المكان كانت كلها خيانة.
​عدى يومين من غير ما يتكلموا تقريباً. محروس كان بيدخل ويخرج في صمت. من غير كلام، ومن غير ما يلمسها.
​لحد ما، يوم السبت دا، رجع وهو هادي جداً، وفي عينيه قرار واضح.
​دخل الصالة، وقعد قدامها وقال بكل برود: — قدامك أسبوع واحد وتمشي من هنا. أنا هجيب هنا مراتي الجديدة تعيش معايا.
​لثانية واحدة، الدنيا صوتها اختفى. الكوباية وقعت من إيديها واتكسرت على الأرض، بس هي محستش بيها أصلاً.
​الهواء بينهم بقى قايد نار، وبيترعش، ومبقاش ينفع يتنفس.
………….
فضلت إيمان باصة لمحروس وهي مش مصدقة، حاسة إن لسانها اتمسح ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة. الدموع جمدت في عينيها من الصدمة، ومحروس قام بكل برود نفض بنطلونه ودخل الأوضة يلم بقية حاجته كأنه مقالش الكلمة اللي دمرت حياتها.
​قامت إيمان من مكانها زي الآلة، رجليها مكانتش شايلاها وهي بتبص لكسر الكوباية اللي على الأرض. شريط حياتها معاها في الخمس سنين دول عدى قدام عينيها في ثانية؛ كل قرش حوشته، كل حلم ضحت بيه عشانه، كل ليلة نامت فيها زعلانة عشان تداري على عيبه وتديله أعذار. كل دا اترمى تحت رجلين واحدة غريبة معرفتهاش غير من صورة على الفيس بوك.
​دخلت وراه الأوضة، كانت بتترعش بس عينيها فيها نظرة تانية خالص، نظرة وجع اتحول فجأة لقوة.
​— شقتك؟ — الصوت طلع منها هادي ومخيف، لدرجة إن محروس نفسه اتهز ووقف يلم حاجته وبصلها بزهق.
​— بقولك إيه يا إيمان، مبحبش النكد والدراما بتاعة كل مرة دي. أنا اتفقت مع لوسيا وخلاص وبنرتب لحياتنا، وبصراحة الشقة هنا قريبة من شغلها الجديد، وأنتِ كده كده ممكن ترجعي تقعدي في بيت أهلك، المكان هناك واسع ويشيلك.
​إيمان ضحكت، ضحكة عالية ووجعها قايد نار في صدرها، لدرجة إن محروس استغرب وبصلها بقلق.
​— بيت أهلي؟ وأسيب بيتي أنا؟ أنت نسيت نفسك يا محروس؟ نسيت الشقة دي ملك مين؟ ولا السنين اللي عيشتها فيها على قفايا عمت عينك لدرجة إنك مش فاكر حتى اسم الجدة لبيبة اللي الشقة دي مكتوبة باسمها واسمي من قبل ما تلمح وشي؟
​محروس وشّه اتخطف ولونه خطف، وقف مكانه والحاجة وقعت من إيده. هو كان دايماً بيتعامل على إن البيت بيته، نسى من كتر ما هي كانت مديا الأمان ومصغرة نفسها عشان تكبره، إن ملوش في المكان دا ولا بلاطة واحدة.
​— إيمان، إحنا متجوزين، والحاجة اللي في البيت دي كلها إحنا عملناها سوا، الشاشة والمطبخ والعربية…
​قاطعته وهي بتقدم خطوة ناحيته وعينيها بتطق شرار:
​— العربية اللي من فلوس شقتك القديمة اللي بعتها؟ الشاشة والمطبخ اللي كنت بتدفع قسطهم من الفلوس اللي كنت بتستلفها مني؟ النور والمية واللقمة اللي طفحتها في البيت دا خمس سنين كانت من شقايا وتعبى في شركة الشحن! أنت مالكش هنا قشاية واحدة يا محروس.
​محروس حاول يداري كسرته وعينه اللي انكسرت في الأرض، ورجع يزعق تاني بصوته العالي عشان يداري خيبته:
​— يعني إيه؟ هتطرديني؟ أنا جوزك! والناس هتقول إيه لما يعرفوا إنك رميتيني في الشارع؟
​— الناس؟ — إيمان بصتله باحتقار شديد — الناس هتعرف حقيقتك، هتعرف الراجل اللي مراته شقيت عشان تعيشه في مستوى نظيف، ورايح يجيب صاحبة الموتوسيكلات يقعدها في شقة مراته وبفلوس مراته. قدامك مش أسبوع… قدامك ساعة واحدة تكون لمت فيها كل قرفك دا وتطلع برة حياتي وبرة الشقة دي، وإلا وعزة جلال الله هطلبلك شرطة النجدة وأعملك محضر عدم تعرض وطرد من الشقة وبقسيمة الجواز وبورق ملكية الشقة اللي في الدولاب ورايا دا!
​محروس حس إن الأرض بجد بتهد فوق دماغه، القناع اللي كان ساتر بيه عينه اتبهدل، وعرف إن إيمان الحنينة الطيبة خلاص ماتت، والواقفة قدامه دي واحدة تانية خالص مش هترحم خيانته ولا قلة أصله.
​بدأ يلم في هدومه بسرعة وهو شمتان وبيردد كلام ملوش معنى، وإيمان واقفة ساندة ضهرها على الحيطة، حاسة بوجع يهد جبال، بس واقفة على رجليها ومتهزتش، مستنية اللحظة اللي يخرج فيها الباب وتقفله وراه بالترباس، عشان تبدأ حياتها من جديد، نظيفة ومن غير خيانة.
……………
قفل محروس شنطته الأخيرة ورزع السوستة بعنف، وبصلها بنظرة كلها غل وحقد وهو بيحاول يرمي كلمتين يوجعها بيهم قبل ما يمشي:
​— ماشي يا إيمان.. أنا هغور، بس افتكري إنك أنتِ اللي خربتي بيتك بإيدك، ووالله ما هتلاقي حد يرضى بيكِ بعد كده ولا يستحمل نكادك دا!
​إيمان مردتش عليه، فضلت باصة له ببرود تام وعين ثابتة، النظرة دي جننته أكتر لأنها حسسته إنه مبقاش موجود أصلاً. أخد الشنطتين في إيده ومشى ناحية الباب، وطول ما هو ماشي كان بيبص للشاشة الكبيرة وللمطبخ الجديد بحسرة، كأنه كان فاكر إنه هيقدر ياخد الشقة دي معاه. أول ما خطى برة عتبة الباب، إيمان قفلت الباب وراه بكل قوتها، ورزعة الباب سمعت في العمارة كلها.
​حطت إيدها على الترباس وقفلته.. واحد.. اتنين.. تلاتة.
​في اللحظة دي، رجليها خانتها وقعدت في الأرض ورا الباب عل طول. حطت راسها بين ركبتها وانفجرت في العياط. عياط السنين كلها، عياط على تعبها، وشقاها، وعلى الأيام اللي ضاعت من عمرها مع شخص ميسواش. كانت بتعيط وهي حاسة إن في جبل كان كاتم على نفسها وانزاح، الوجع كان كبير وصعب، بس الإحساس بالحرية والكرامة كان أكبر بكتير.
​فضلت قاعدة في الأرض لحد ما النور بدأ يتسحب من الشقة والدنيا تظلم. قامت، غسلت وشها بمية ساقعة، وبصت لنفسها في المراية. وشها كان دبلان وعينيها حمرا، بس كان في لمعة في عينيها مكانتش موجودة من خمس سنين.. لمعة واحدة عرفت تاخد حقها وتنقذ كرامتها.
​دخلت الصالة، ولمت كسر الكوباية اللي كانت على الأرض ورمتها في الزبالة، وكأنها بترميه هو وكل ذكرياته معاها. فتحت الشبابيك كلها عشان تدخل هوا نظيف يطرد ريحة الخيانة اللي كانت مالية المكان.
​قعدت على الكنبة، ومسكت موبايلها. فتحت الفيس بوك ودخلت على الصفحة اللي شافت عليها الصورة. بكل هدوء وبدون أي تردد، كتبت كومنت تحت صورتهم هما الاتنين:
​”مبروك عليك يا محروس.. الشنط بتاعتك وصلتلك أهو، وأتمنى تكون لوسيا جهزتلك شقة تقعد فيها، لأن شقة جدتي لبيبة فيكتوريا اتقفلت في وشك للأبد.. بالسلامة يا ابن الحلال.”
​قفلت الموبايل، ورمته جنبها على الكنبة. رجعت ضهرها لورا وغمضت عينيها، ولأول مرة من سنين طويلة، حست بسلام نفسي حقيقي، ونامت في بيتها.. وهي مطمنة.
​تفتكري إيمان كده أخدت حقها تالت ومتلت، ولا كان المفروض تعمل معاه حاجة تانية قبل ما تطرده؟
…………..
طبعاً إيمان أخدت حقها تالت ومتلت، والكومنت دا كان بمثابة رصاصة الرحمة اللي طيرت برستيجه قدام الناس كلها وكشفت حقيقته، بس الحكاية لسه مخلصتش هنا، لأن اللي زي محروس مبيكفيهوش إنه يمشي في هدوء.
​بعد يومين بالظبط من الليلة دي، إيمان بدأت تسترد صحتها ونفسيتها. نزلت شغلها في شركة الشحن وراسها مرفوعة فوق، كل زمايلها في الشغل اللي شافوا الكومنت كانوا بيبصوا لها بنظرة إعجاب واحترام، عرفوا إنها ست بمليون راجل ومبتفرطش في كرامتها. كانت قاعدة بتابع إيميلات الشغل والملفات بكل تركيز، ولأول مرة من سنين تحس إن المرتب اللي بيقبضه هيكفيها ويفيض، مفيش برميل غويط بياكل شقاها ويقول لسه.
​وهي قاعدة في مكتبها، الموبايل رن. رقم غريب.
​ردت بهدوء: “ألو؟”
​جاءها صوت ست، نبرتها كانت متوترة وفيها لغبطة: “ألو.. مدام إيمان؟ أنا لوسيا.”
​إيمان حست بنغزة صغيرة في قلبها، بس ثبتت نفسها ومبينتش أي اهتزاز في صوتها، ردت بكل برود وثقة: “أهلاً.. خير؟”
​لوسيا سكتت ثانية وبعدين قالت بنبرة مكسورة ومصدمومة: “أنا مكنتش أعرف يا مدام إيمان إنه متجوز، والله ما كنت أعرف! محروس كان مفهمني إن الشقة دي بتاعته، وإنك أنتِ تبقي قريبة والدته وقاعدة فيها استضافة لحد ما تلاقي مكان، وكان بيقولي إنك بتعملي مشاكل وعايزة تاخدي منه الشقة اللي ورثها عن جدته! أنا لما شفت الكومنت بتاعك وفهمت الحقيقة، طردته ورميت له حاجته في الشارع.. دا بني آدم كداب ومخادع.”
​إيمان مكانتش قادرة تمسك نفسها من الضحك، بس ضحكت بسخرية ووداعة: “والله؟ يعني محروس دلوقتي في الشارع؟”
​لوسيا ردت: “وأكتر من الشارع كمان، دا طلع مستلف مني فلوس عشان يصلح العربية اللي بيقول إنها بتاعته، وطلعت العربية مفيهاش مسمار سليم ومبتدورش أصلاً! أنا أسفة جداً يا فنانة، مكنتش عايزة أكون سبب في خراب بيتك.”
​إيمان أخدت نفس طويل وقالت لها: “بيتي متخربش يا لوسيا، بيتي اتمسح وتنظف من القرف اللي كان فيه. شكراً إنك عرفتِ حقيقته بدري، وفري مكالمات الأسف دي لنفسك، وخلي بالك من فلوسك بعد كده.” وقفت الخط في وشها.
​حست براحة مش طبيعية، محروس اللي كان فاكر نفسه ذكي وبيلعب على الحبلين، وقع في شر أعماله وخسر كل حاجة في لحظة؛ خسر الستر، والبيت، والست اللي شالته، وحتى الست الجديدة اللي كان رايح يتباهى بيها طردته في الشارع.
​وهي مروحا من الشغل في اليوم دا، والشمس بتغيب، كانت ماشية في الشارع وبتشتري ورد بلدي عشان تحطه في بلكونة الشقة، بلكونة جدتها لبيبة اللي رجعت لها الروح من تاني. أول ما وصلت عند مدخل العمارة، شافت خيال واقف في الضلمة جنب شجر الدلب.
​كان محروس.
​هدومه مبهدلة، وشنطه متطورة حواليه، ووشه في الأرض كأنه فار غرقان. أول ما شافها، جرى عليها وبدأ يتملقها ودموعه نازلة: “إيمان.. أنا أسف، أنا غلطان، الشيطان وزّني ولوسيا دي هي اللي ضحكت عليا وعمت عيني، أنا عرفت قيمتك يا بنت الأصول، أبوس إيدك سامحيني ورجعيني، أنا ماليش مكان أنام فيه الليلة دي!”
​إيمان وقفت مكانا، بصت له من فوق لتحت بقرف شديد، ومجرد الإحساس بالشفق عليه كان مات جواها. طلعت مفتاح العمارة بكل هدوء وقالت له بكلمتين اتنين مفيش غيرهم:
​”أنت اللي اخترت الشارع يا محروس.. خلي الشارع ينفعك.”
​وسابته وطلعت السلم، وهي بتسمع صوته وهو بيتحايل ويخبط، بس قلبها كان اتقفل بالترباس، زي باب شقتها بالظبط، للأبد.
​النهاية.
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *