الخادمه الخجوله – حكايات ميرااا

الخادمة الخجولة أوقفت زعيم المافيا قبل أن يغادر تلك الليلة… وما وجده أسفل سيارته أشعل حربًا في القاهرة
أول مرة رفعت فيها ندى فؤاد صوتها داخل قصر آدم المنصوري، خمسة عشر رجلًا مسلحًا وضعوا أيديهم على أسلحتهم في اللحظة نفسها.
ما تخرجش بره الليلة!
شق صوتها الهادئ الممر الرخامي في تمام الساعة 247 بعد منتصف الليل.
توقف آدم ويده على مقبض الباب المؤدي إلى الفناء.
استدار عمر الشاذلي، رئيس الأمن، بسرعة جعلت سترته تنفتح ليظهر المسدس المثبت تحت ذراعه. وفي آخر الممر، فعل الحارسان الشيء نفسه.
كانت ندى تقف حافية القدمين عند أسفل السلم، لا تزال تمسك بقطعة قماش صفراء للتنظيف. زيها الرمادي كان مجعدًا، وخصلات شعرها الأسود أفلتت من الكعكة المحكمة، وصدرها يعلو ويهبط كأنها ركضت كيلومترات، لا ثلاثة طوابق فقط.
حدق بها الجميع.
وذلك وحده كان مرعبًا.
فعلى مدار عامين، نجت ندى داخل ذلك القصر لأنها كانت تحرص دائمًا على ألا يلاحظها أحد.
أما الآن…
فأخطر رجل في القاهرة كان ينظر مباشرة إلى عينيها.
قال آدم بصوت منخفض
إنتِ قلتي إيه؟
كان صوته هادئًا… لكن الجميع يعرف أن أكثر الأصوات هدوءًا في ذلك القصر هي الأكثر خطورة.
أجبرت ندى نفسها ألا تشيح بنظرها.
قالت
عربيتك الفضية… ما تقربش منها.
أخرج عمر مسدسه بالكامل.
إزاي تعرفي العربية اللي هيخرج بيها؟
أجابت بسرعة
أنا معرفش… لكن اللي زرع الحاجة دي كان عارف.
لم يتغير وجه آدم إلا بمقدار بسيط جدًا.
لكنه كان كافيًا ليجعل رجال الحراسة يتأهبون أكثر.
قال
اشرحي.
ابتلعت ندى ريقها.
في جهاز متثبت تحت العربية من ناحية السواق… علبة صغيرة لونها غامق، وفيه أسلاك رايحة ناحية دورة التشغيل. أوضة الضيوف الشرقية كانت شباكها مفتوح رغم إني قفلته وأنا بنضف. حد دخل منها وكان بيراقب العربية.
اقترب عمر خطوة.
شفتي كل ده من الدور التالت؟
قالت
لا… نزلت من الممر الخلفي واتأكدت.
قربتي من العربية؟
بالقدر اللي يسمح أشوف… من غير ما ألمس أي حاجة.
نظر إليها بريبة.
ومنين لخدامة تعرف شكل عبوة ناسفة؟
جرحتها كلمة خدامة رغم أنها كانت وظيفتها.
لأنها ذكرتها بالحياة التي دفنتها بنفسها.
قالت بهدوء
أنا درست طب.
ساد الصمت.
ثم أكملت
وأثناء تدريب الطوارئ، درسنا إصابات ناتجة عن تفجيرات العربيات. الدكتور كان بيورينا أنواع العبوات اللي بتسبب الإصابات دي.
نظر عمر إلى آدم.
ممكن تكون خطة لاستدراجنا.
هزت رأسها.
لا.
قال بحدة
وعايزانا نصدق كلامك؟
أجابت
متصدقوش… راجعوا كاميرا أوضة الضيوف الشرقية. حد دخل من الشباك حوالي الساعة واحدة وأربعين. سمعت صوت الإطار وهو بيتفتح وأنا بنضف المكتبة.
رد عمر باستهزاء
الكاميرا كانت هتبلغنا.
قالت بثقة
حساس الحركة فيها بايظ من أحد عشر يوم.
ساد الصمت مرة أخرى.
حدق بها عمر.
عرفتي منين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لأنها بتعمل صوت تكّة كل مرة تعيد التشغيل… وبدأت تعمله من الأسبوع اللي فات.
أبعد آدم يده عن الباب أخيرًا.
وقال
وريني.
اتجهوا إلى غرفة المراقبة بدلًا من الفناء.
بدأ عمر يراجع تسجيلات الكاميرات، وملامحه

تزداد صلابة.
في البداية…
لم يظهر شيء.
ثم أشارت ندى إلى زاوية الشاشة.
بص على الوقت.
كبّر عمر الصورة.
لاحظ أن التوقيت قفز ثلاثًا وخمسين ثانية دفعة واحدة عند الساعة 142.
فتح النسخة الاحتياطية.
ظهر ظل يعبر داخل غرفة الضيوف.
وبعد ثماني دقائق…
قفز شخص من فوق سور الحديقة، وتحرك خلف النافورة، ثم اختفى أسفل سيارة آدم الرياضية الفضية.
في اللحظة نفسها، بدأ عمر يصدر أوامره.
تحول القصر كله إلى خلية نحل.
أُغلقت الأبواب.
انتشر الحراس في كل مكان.
تم استدعاء خبير مفرقعات.
وفُتشت كل السيارات.
وجُمِع جميع العاملين داخل صالة مؤمنة.
أما ندى…
فظلت واقفة في الممر مع آدم.
ولم يرفع عينيه عنها.
سألها أخيرًا
اسمك إيه؟
كادت تضحك من غرابة السؤال.
فهي التي نظفت مكتبه، وغيرت أغطية غرف ضيوفه، وأزالت آثار الدماء من سجاد مكتبته بعد اجتماعات انتهت بطريقة سيئة.
ومع ذلك…
لم يكن يعرف اسمها.
قالت
ندى فؤاد.
بقالك قد إيه شغالة هنا؟
سنتين.
ردد الكلمة ببطء.
سنتين… ومسمعتش صوتك ولا مرة.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
لأنك عمرك ما احتجت تسمعه.
رد
الليلة احتجته.
بعد عشرين دقيقة…
أكد خبير المفرقعات الحقيقة.
عبوة ناسفة احترافية من نوع عسكري.
يمكن تفجيرها عن بُعد.
ولو أدار آدم محرك السيارة…
لانفجرت قبل أن يغادر بوابة القصر.
عاد عمر ووجهه كالحجر.
وقال
هي أنقذت حياتك.
ظل آدم ينظر إلى ندى.
ثم قال بهدوء
أيوه… أنقذتها.
كانت تتوقع أن تشعر بالارتياح.
لكنها شعرت بالعكس.
طوال عامين…
كان اختفاؤها عن الأنظار هو وسيلة نجاتها.
كانت تعمل في صمت، وتتقاضى أجرها نقدًا، ولا توقع أي أوراق باسمها الحقيقي.
وكانت شقتها خالية تقريبًا… حتى تتمكن من الهرب منها خلال عشر دقائق إذا اضطرت.
أما الآن…
فكل رجال آدم المنصوري أصبحوا يعرفون اسمها.
قالت بخجل
لازم أكمل تنظيف الجناح الشرقي.
نظر إليها عمر كأنها فقدت عقلها.
أما آدم…
فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة جدًا.
وقال
في حد حاول يقتلني… وإنتِ لسه بتفكري في التراب؟
قالت ببساطة
بكرة هيبقى المكان وسخ.
أجاب
إنتِ مش هتنضفي أي حاجة الليلة.
قالت بسرعة
أنا محتاجة الشغل ده.
رد
وهتفضلي فيه.
هزت رأسها.
مش ده قصدي.
ضيّق عينيه.
وفهم…
أنها تخفي أكثر مما تريد أن تقوله.
قال
تعالي مكتبي.
لم يكن طلبًا.
بل أمرًا.
دخلت ندى المكتب المطل على أضواء القاهرة.
كانت قد دخلته مئات المرات لتنظيفه…
لكنها لم تجلس فيه يومًا.
صب آدم كوبين من الماء، ووضع أحدهما أمامها.
ثم قال
إزاي واحدة درست طب تشتغل خدامة في بيتي؟
أجابت
دي حاجة شخصية.
قال
من اللحظة اللي أنقذتِ فيها حياتي… بقت كل حاجة تخصك شخصية بالنسبة لي.
قالت بثبات
أنا ماليش علاقة بالقنبلة.
أجاب فورًا
أنا مصدقك.
تفاجأت.
سألته
إمال أنا هنا ليه؟
قال وهو يسند ظهره إلى المكتب
لأنك لاحظتِ اللي فريق الأمن كله فشل يلاحظه… عرفتِ عبوة ناسفة من بعيد… اكتشفتِ كاميرا معطلة… وخاطرتِ بحياتك عشان تحذري راجل إنتِ عارفة كويس هو مين.
قالت بصراحة
أنا عارفة أنت مين.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وبرضه حذرتِني.
أخفضت عينيها وقالت
لأني لو سبت إنسان يموت وأنا أقدر أمنع ده… هبقى شخص مش عايزة أبقى عليه.
ساد الصمت.
ثم نظر إليها آدم المنصوري طويلًا قبل أن يسأل
إنتِ مستخبية من مين يا ندى؟
يتبع…
لو متحمس تعرف الجزء اللي جاي، اكتب في التعليقات مشوّق.
الخادمة الخجولة أوقفت زعيم المافيا قبل أن يغادر تلك الليلة… وما وجده أسفل سيارته أشعل حربًا في القاهرة
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا
ظل السؤال معلقًا في الهواء.
إنتِ مستخبية من مين يا ندى؟
لم تجب.
وضعت يديها حول كوب الماء كأنها تستمد منه قوة، ثم قالت بهدوء
لو جاوبت… هتندم إنك سألت.
لم يبتسم آدم.
قال فقط
جربي.
تنهدت ندى.
في ناس لو عرفوا إني عايشة… هيموت ناس كتير.
وقبل أن يكمل أي سؤال، انفتح باب المكتب بعنف.
دخل عمر الشاذلي وهو يحمل جهازًا لوحيًا، ووجهه شاحب.
آدم… لازم تشوف ده حالًا.
التفت آدم.
ظهرت على الشاشة صورة التقطتها إحدى كاميرات الشارع خارج القصر قبل ساعة.
رجل يرتدي قبعة سوداء كان يقف بجوار سور القصر.
وعندما كبّر عمر الصورة…
ظهر وشم على معصمه.
تغيرت ملامح آدم لأول مرة.
همس
مستحيل…
سأل عمر
تعرفه؟
أجاب بصوت بارد
مش الراجل… الوشم.
اقتربت ندى دون قصد.
وحين رأت الصورة…
سقط الكوب من يدها.
تناثر الزجاج فوق الأرض.
شهقت وهي تتراجع خطوة.
لأ…
نظر إليها آدم بسرعة.
إنتِ تعرفيه؟
هزت رأسها بعنف.
ده… ده مستحيل يكون هنا.
اقترب منها.
اتكلمي.
أغلقت عينيها للحظة.
ثم قالت الجملة التي قلبت الغرفة كلها رأسًا على عقب.
الوشم ده… كان على إيد الشخص اللي قتل أبويا.
ساد صمت ثقيل.
حتى عمر لم يجد ما يقوله.
سأل آدم
أبوك كان مين؟
أجابت بعد تردد طويل
الدكتور فؤاد الشافعي.
تبادل آدم وعمر النظرات.
الاسم لم يكن غريبًا.
بل كان واحدًا من أشهر جراحي الطوارئ في القاهرة قبل سنوات.
الرجل الذي اختفى فجأة بعدما شهد في قضية فساد ضخمة.
قال آدم ببطء
أنا فاكره.
رفعت رأسها.
الناس كلها فاكرة إنه مات في حادث عربية.
سألها
وده مش اللي حصل؟
هزت رأسها.
العربية اتفجرت.
اتسعت عينا عمر.
قال
تفجير؟
أومأت.
كنت طالعة معاه.
نظر إليها آدم بدهشة.
إنتِ كنتِ معاه؟
قالت بصوت مكسور
نزلت قبل الانفجار بدقيقتين عشان أجيب ملف من المستشفى.
توقفت لحظة.
ولما رجعت… العربية كانت نار.
ساد الصمت.
ثم أخرجت من جيبها سلسلة فضية صغيرة.
كانت تحمل بطاقة معدنية محترقة من الأطراف.
وضعتها أمام آدم.
دي الحاجة الوحيدة اللي فضلت من العربية.
أخذها آدم.
وقلبها بين أصابعه.
ثم تجمد.
على ظهر القطعة المعدنية…
كان هناك شعار محفور.
شعار يعرفه جيدًا.
قال بصوت خافت
دي علامة منظمة العقرب.
رفع عمر رأسه فجأة.
المنظمة اللي اختفت من خمس سنين؟
أجاب آدم
كل الناس فاكرة إنها اختفت.
ثم نظر إلى ندى.
لكن واضح إنها رجعت.
رن هاتف عمر في تلك اللحظة.
رد بسرعة.
استمع لعدة ثوانٍ.
ثم تغير لون وجهه.
لقينا الشخص اللي زرع القنبلة.
وقف آدم فورًا.
فين؟
قال عمر
ميت.
ساد الصمت.
إيه؟
اتقتل برصاصة في الرأس قبل ما الشرطة توصل.
سأل آدم
مين قتله؟
أجاب عمر
القناص اختفى.
اقترب آدم من النافذة المطلة على الحديقة.
ظل ينظر إلى الظلام.
ثم قال بهدوء مخيف
حد بينضف كل الخيوط.
وفي اللحظة نفسها…
دوّى انفجار هائل خارج أسوار القصر.
اهتزت النوافذ.
وانطفأت الأنوار لثانيتين.
ثم عاد التيار.
ركض الحراس في كل الاتجاهات.
فتح عمر جهاز الاتصال.
تقرير!
جاءه الصوت متقطعًا.
انفجرت عربية الأمن عند البوابة الشمالية… فيه مصابين!
أمسك آدم سلاحه.
ثم التفت إلى ندى.
وقال لأول مرة بنبرة لا تقبل النقاش
من اللحظة دي… إنتِ تحت حمايتي الشخصية.
هزت رأسها بسرعة.
لا… لو فضلت معاك هيموت ناس أكتر.
ابتسم ابتسامة باردة.
هما بالفعل بدأوا الحرب.
ثم فتح باب المكتب.
وقال وهو ينظر إلى رجاله
اقفلوا كل مخارج القصر.
ومن الليلة دي…
محدش يدخل القاهرة… ولا يخرج منها… إلا بإذني.
في مكان مجهول على أطراف القاهرة…
كان رجل يرتدي قفازين جلديين يشاهد القصر المحاصر عبر شاشة صغيرة.
ابتسم وهو يرى ندى تقف بجوار آدم.
ثم قال بهدوء
أخيرًا لقيناها.
أغلق الشاشة.
وأضاف
ابدأوا المرحلة التانية.
وفي اللحظة نفسها…
كان اسم ندى فؤاد قد أصبح الهدف الأول لأخطر منظمة إجرامية عادت للظهور بعد سنوات من الاختفاء.
يتبع…تجمدت القاهرة في تلك الليلة.
لم يكن بسبب الانفجار…
بل لأن الخبر انتشر داخل العالم الخفي بسرعة البرق.
هناك من حاول اغتيال آدم المنصوري… وفشل.
وهذا وحده كان كافيًا ليغيّر موازين القوة.
داخل القصر…
أغلق آدم باب غرفة الاجتماعات بنفسه.
لم يبقَ في الداخل سوى أربعة أشخاص.
آدم.
عمر.
ندى.
والعجوز يوسف، المستشار الذي رافق والد آدم منذ ثلاثين عامًا.
وضع آدم القطعة المعدنية المحترقة أمام يوسف.
ما إن وقعت عيناه عليها حتى شحب وجهه.
همس
كنت أتمنى ألا أرى هذا الشعار مرة أخرى.
سأله آدم
احكي.
تنهد الرجل طويلًا.
من خمسة وعشرين سنة، كانت فيه منظمة اسمها العقرب. مكنوش مجرد عصابة… كانوا بيبيعوا أي حاجة مقابل الفلوس. سلاح… معلومات… اغتيالات… وحتى أعضاء بشرية.
شعرت ندى بقشعريرة تسري في جسدها.
وأكمل يوسف
والدك يا آدم كان أول واحد وقف قدامهم.
رفع آدم رأسه.
أبويا؟
أومأ يوسف.
خسر ناس كتير… لكنه كسر شوكتهم.
ثم نظر إلى ندى.
لكن واضح إن حد قدر يجمع الباقيين من جديد.
ساد الصمت.
ثم قال آدم
يبقى الحرب بدأت.
في الوقت نفسه…
داخل مستشفى حكومي قديم.
دخل رجل طويل يرتدي معطفًا أبيض كأنه طبيب.
ابتسم للممرضة.
وسأل بهدوء
فين المصاب اللي جاي من انفجار القصر؟
أشارت إلى آخر الممر.
بعد دقائق…
خرج الرجل من الغرفة وهو يخلع القفازات الطبية.
أما الحارس المصاب…
فكان قد فارق الحياة بحقنة واحدة لا تترك أثرًا.
وقبل أن يغادر…
ترك على الوسادة بطاقة سوداء.
مرسوم عليها…
عقرب فضي.
بعد ساعة…
وصل الخبر إلى آدم.
ضرب الطاولة بقبضته لأول مرة منذ سنوات.
قال بغضب
هما بيمسحوا كل شاهد.
ثم التفت إلى عمر.
هاتلي كل ملفات الدكتور فؤاد.
تردد عمر.
الملفات اختفت.
إزاي؟
المستشفى قالت إنها اتحرقت.
أما ندى. ..
فتجمدت في مكانها.
همست
مستحيل…
ثم تذكرت شيئًا.
رفعت رأسها فجأة.
لا…
نظر إليها الجميع.
قالت بسرعة
في نسخة.
اقترب آدم.
فين؟
أجابت وهي تلهث
أبويا كان بيخاف جدًا على أوراقه.
قبل ما يموت بأسبوع… إداني فلاشة صغيرة.
توقف الزمن للحظة.
وقال لي…
وأغمضت عينيها وهي تستعيد صوته.
لو حصلي حاجة… متفتحيهاش إلا لما تلاقي حد تقدرِ تثقي فيه.
فتح آدم كفه أمامها.
معاكي الفلاشة؟
ساد صمت طويل.
ثم قالت بصوت
لمحة نيوز

منخفض
آه.
نظر إليها عمر بدهشة.
كل السنين دي مخبياها؟
أومأت.
مدفونة تحت بلاطة مكسورة في شقتي.
قال آدم فورًا
هنجيبها.
لكن ندى أمسكت بذراعه.
لو حد راقبني… هيعرف مكانها.
ابتسم آدم لأول مرة منذ بداية الأزمة.
يبقى هنخليهم يراقبوا.
نظر إليه عمر باستغراب.
فقال
هنعمل عملية تمويه.
قبل الفجر بقليل…
خرج موكب مكوّن من ست سيارات سوداء من القصر.
في كل سيارة رجال مدججون بالسلاح.
وفي إحدى السيارات…
جلست فتاة ترتدي عباءة سوداء ونقابًا يشبه ندى تمامًا.
راقبتها عيون كثيرة من فوق أسطح المباني.
وبعد خمس دقائق…
انطلقت ثلاث سيارات مجهولة خلف الموكب.
ابتسم آدم وهو يشاهد شاشات التتبع.
وقال
ابتلعوا الطعم.
أما ندى الحقيقية…
فكانت في سيارة إسعاف قديمة يقودها عمر بنفسه.
لا أحد يمكن أن يتوقع أن أخطر امرأة مطلوبة في القاهرة خرجت من القصر…
متخفية في زي ممرضة.
لكن بينما كانت السيارة تقترب من الحي الشعبي الذي تسكن فيه…
وصلت رسالة إلى هاتف آدم من رقم مجهول.
لم تحتوِ إلا على صورة واحدة.
صورة مباشرة من داخل شقة ندى.
والفلاشة…
كانت موضوعة بالفعل فوق الطاولة.
وأسفل الصورة كُتبت خمس كلمات فقط
سبقناكم إليها… كالعادة يا آدم.
تجمّد الدم في عروق الجميع.
أما آدم…
فنظر إلى ندى وقال بهدوء خطير
واضح إن عندنا خائن… قريب جدًا مننا.
يتبع…ساد صمت ثقيل داخل سيارة الإسعاف.
لم ينطق أحد.
كانت عينا ندى معلقتين بالصورة، ويداها ترتجفان.
همست بصوت مكسور
مستحيل… محدش يعرف مكان الفلاشة غيري.
لم يرد آدم مباشرة.
ظل ينظر إلى الصورة ثانية بعد ثانية.
ثم كبّرها على الهاتف.
فجأة ضاقت عيناه.
ارجع يا عمر.
ضغط عمر المكابح بعنف.
التفت إليه باستغراب.
ليه؟
ناول آدم الهاتف إليه.
بص كويس.
اقترب عمر من الشاشة.
لم يرَ شيئًا في البداية.
لكن بعد لحظات قال بدهشة
الساعة!
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.
بالضبط.
كانت الساعة المعلقة على حائط شقة ندى متوقفة عند الثالثة وعشر دقائق.
أما تلك الساعة…
فقد تعطلت قبل عام كامل.
ندى نفسها كانت تعرف ذلك.
رفعت رأسها بسرعة.
يعني الصورة قديمة؟
هز آدم رأسه.
اتصورت قبل سنة تقريبًا.
تنفست ندى الصعداء للحظة.
لكن آدم لم يشاركها الارتياح.
قال بصوت منخفض
وده أخطر.
نظر الجميع إليه.
اللي بعت الصورة كان جوه شقتك من سنة… ومن ساعتها وهو مستني اللحظة دي.
…
في الجهة الأخرى من القاهرة…
داخل مصنع مهجور على أطراف المدينة…
وقف رجل ملثم أمام عشرات الشاشات.
إحداها تعرض بثًا مباشرًا لبوابة قصر المنصوري.
وأخرى تعرض سيارات التمويه.
وثالثة…
تعرض سيارة الإسعاف نفسها.
دخل أحد رجاله مسرعًا.
يا باشا… هم اكتشفوا إن الصورة قديمة.
ابتسم الملثم بهدوء.
كنت عارف إن آدم هيلاحظ.
طب نتصرف؟
لا.
ليه؟
اقترب من الشاشة التي تظهر وجه ندى.
وقال
أنا مش عايز الفلاشة.
تجمد الرجل.
أومال عايز إيه؟
ابتسم الملثم ابتسامة باردة.
أنا عايزهم يفتحوها.
…
في الوقت نفسه…
وصلت سيارة الإسعاف إلى الحي الشعبي.
أوقف عمر السيارة داخل زقاق ضيق.
قال آدم عبر السماعة
اسمعوني كويس.
محدش يدخل الشقة.
استغربت ندى.
بس الفلاشة…
قاطعها.
لو أبوكي كان ذكي للدرجة اللي بتحكي عنها… يبقى أكيد كان عامل احتياط.
سكتت لحظة.
ثم اتسعت عيناها فجأة.
الصندوق!
أنهي صندوق؟
كان عند بابا صندوق خشب صغير… قال لي عمره ما يسيبه في البيت.
راح فين؟
بعد وفاته… عمتي رفضت تفتحه، وقالت إنها حطته في المخزن تحت البيت.
ابتسم آدم.
إحنا كنا رايحين للمكان الغلط من البداية.
…
لكن قبل أن يتحركوا…
دوى انفجار هائل في آخر الشارع.
اهتزت المباني.
وتحطم زجاج السيارة.
صرخت ندى.
وقفز عمر حاملًا سلاحه.
ومن بين سحابة الدخان…
خرجت أربع سيارات دفع رباعي سوداء.
ترجل منها أكثر من عشرين رجلًا مدججين بالأسلحة.
وكان يتقدمهم رجل طويل يرتدي بدلة سوداء وقفازات جلدية.
رفع يده ببطء.
فتوقفت جميع البنادق عن التصويب.
ثم خلع نظارته السوداء.
ونظر مباشرة إلى ندى.
وقال بصوت هادئ أرعب الجميع
أخيرًا… اتقابلنا يا بنت الدكتور فؤاد.
تقدم خطوة أخرى.
ثم أخرج من جيبه فلاشة معدنية مطابقة تمامًا لوصف ندى.
وأدارها بين أصابعه وهو يبتسم.
بتدوري على دي؟
أما آدم…
فرفع سلاحه نحوه دون أن يطرف.
وقال ببرود
لو لمستها بإيدك مرة كمان… هتبقى آخر حاجة تعملها في حياتك.
ابتسم الرجل أكثر.
وأجاب بثقة
جرب.
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت طلق ناري واحد من فوق أحد أسطح المنازل…
لكن الرصاصة لم تكن موجهة إلى آدم…
ولا إلى الرجل الغامض…
بل اتجهت مباشرة نحو ندى يتبع…نظر عمر إلى شاشة الهاتف مرة أخرى، وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه.
كانت الصورة حديثة.
فنجان الشاي الذي تركته ندى فوق الطاولة قبل يومين ما زال في مكانه.
والنافذة نصف المفتوحة كما اعتادت أن تتركها.
همس يوسف
الصورة متصورة من جوه… مش من بره.
ساد الصمت.
ثم قال آدم بصوت بارد
اقفلوا كل أجهزة الاتصال.
في ثوانٍ، أُغلقت الهواتف، وانقطعت أجهزة اللاسلكي.
لم يبق سوى سيارة الإسعاف تشق شوارع القاهرة القديمة في صمت ثقيل.
داخل الشقة…
كان رجل يرتدي قفازات سوداء يقلب الأدراج بهدوء.
رفع البلاطة المكسورة.
ابتسم.
لكن ابتسامته اختفت فورًا.
لا يوجد شيء.
همس بغضب
مستحيل…
بحث مرة أخرى.
ثم الثالثة.
ثم الرابعة.
لكن المكان كان فارغًا.
ضغط زرًا صغيرًا في أذنه.
الفلاشة مش هنا.
جاءه صوت غاضب
الصورة اتبعت لآدم من عشر دقايق. لازم تكون لسه موجودة.
أجاب الرجل
حد سبقنا.
ثم أغلق الاتصال.
ولم يكن يعلم…
أن عينين كانتا تراقبانه من سطح المنزل المقابل.
في سيارة الإسعاف…
سأل آدم ندى
هو المكان ده آخر مكان حطيتي فيه الفلاشة؟
هزت رأسها بالنفي.
نظر إليها عمر بدهشة.
يعني إيه؟
تنهدت ندى وقالت
أنا كذبت.
التفت الجميع إليها.
قالت وهي تحاول تمالك أعصابها
أبويا علمني حاجة… قال لي لو حسيتِ إن حد بيراقبك، عمرك ما تخبي الحاجة في المكان اللي هيتوقعوه.
ابتسم يوسف لأول مرة.
يبقى البنت طلعت أذكى من أبوها.
قال آدم
الفلاشة فين؟
أخرجت ندى سلسلة فضية كانت ترتديها حول رقبتها منذ سنوات.
كانت تحمل تعليقة صغيرة على شكل قلب.
فتحتها بظفرها.
ومن داخلها…
خرجت شريحة إلكترونية صغيرة لا يتجاوز حجمها حجم ظفر الإصبع.
قالت
دي هي.
تجمد عمر.
كل السنين دي كانت في رقبتك؟
أومأت.
ولا مرة سبتها.
نظر آدم إليها طويلًا.
ثم قال
دلوقتي فهمت ليه قتلوكِ في خططهم قبل ما يقتلوني أنا.
عاد الجميع إلى القصر تحت حراسة مشددة.
أُغلقت كل المداخل.
واستُدعي أفضل خبير تقني في مجموعة المنصوري.
وُضعت الشريحة داخل جهاز معزول تمامًا عن الإنترنت.
ظهرت نافذة واحدة.
أدخل كلمة المرور.
سأل آدم
أبوك قالك كلمة السر؟
هزت رأسها.
لا.
ظهرت رسالة أسفل الشاشة
ثلاث محاولات فقط.
قال عمر
لو فشلنا… كل الملفات هتتمسح.
أغمضت ندى عينيها.
بدأت تستعيد آخر ليلة مع والدها.
كان يقول
فيه حاجات عمرها ما بتتنسى.
وفجأة…
فتحت عينيها.
عرفتها.
كتبت كلمة واحدة.
أمي.
ضغطت زر الإدخال.
ثانيتان…
ثلاث…
ثم انفتح القرص.
امتلأت الشاشة بعشرات الملفات.
صور.
تقارير.
تحويلات مالية.
وأسماء مسؤولين ورجال أعمال.
لكن ملفًا واحدًا جذب انتباه الجميع.
عنوانه كان
المريض صفر.
فتحه آدم.
فظهرت صورة طفل لا يتجاوز الثامنة من عمره.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروق الجميع…
هو أن ملامح الطفل كانت تشبه آدم المنصوري بشكل مخيف.
همس يوسف وهو يرتجف
لا… ده مستحيل…
أما آدم، فظل يحدق في الصورة دون أن ينطق بكلمة.
وفي أسفل الملف ظهرت جملة واحدة كتبت قبل خمسة وعشرين عامًا
إذا وصل آدم إلى هذا الملف… فهذا يعني أن الحقيقة تأخرت كثيرًا.
وانتهى كل ما كان يعتقد أنه يعرفه عن عائلته في تلك اللحظة حدق آدم في الشاشة وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
قال بصوت خافت
مين الطفل ده؟
تقدم يوسف بخطوات بطيئة، حتى اضطر أن يستند إلى الطاولة.
كانت يداه ترتجفان.
همس
أنا… أعرف الصورة.
التفت الجميع إليه.
رفع يوسف عينيه نحو آدم وقال
الصورة دي اتصورت في المستشفى العسكري… بعد أسبوع من ميلادك.
قطب آدم حاجبيه.
يعني ده أنا؟
هز يوسف رأسه ببطء.
لا.
ساد صمت طويل.
ثم نطق بالكلمة التي غيّرت كل شيء
ده أخوك.
تجمدت ندى في مكانها.
أما عمر فصاح
آدم معندوش إخوات!
قال يوسف بصوت مثقل بالندم
ده اللي كنا فاكرينه.
…
فتح آدم الملف التالي بسرعة.
ظهرت شهادة ميلاد قديمة.
اسم الطفل سليم المنصوري.
تاريخ الميلاد…
قبل آدم بسبع دقائق فقط.
همست ندى
توأم…
أومأ يوسف.
أبوك كان عنده ولدين.
نظر إليه آدم بعينين غاضبتين.
ليه عمري ما عرفت؟
أغلق يوسف عينيه للحظة.
لأن المستشفى أعلنت إن سليم مات بعد الولادة.
وده كان كذب.
…
بدأت الملفات تُفتح واحدًا تلو الآخر.
تقارير طبية.
صور.
تسجيلات.
ثم مقطع فيديو قديم.
ضغط عمر زر التشغيل.
ظهر والد آدم داخل غرفة صغيرة.
كان يبدو أصغر بعشرين عامًا.
نظر مباشرة إلى الكاميرا وقال
إذا كنت بتشوف الرسالة دي يا آدم… يبقى أنا غالبًا مت.
ابتلع آدم ريقه بصعوبة.
تابع والده
سليم ما ماتش.
اتخطف.
اللي خطفه… منظمة العقرب.
توقفت أنفاس الجميع.
وأضاف الرجل
كانوا محتاجين طفل يربوه بنفسهم… ويحولوه لسلاح يعيش وسط الناس.
…
انتهى الفيديو فجأة.
لكن بقي ملف صوتي آخر.
شغله آدم.
خرج صوت الدكتور فؤاد، والد ندى.
نجحت في الوصول لبعض ملفات العقرب.
الطفل اللي اختطفوه بقى دلوقتي قائد العمليات.
الاسم الحقيقي سليم المنصوري.
أما الاسم اللي بيستخدمه دلوقتي…
انقطع التسجيل لثانية.
ثم عاد الصوت.
…هو شاهين.
شهق عمر.
شاهين؟!
كان الاسم وحده كافيًا.
شاهين…
الرجل الغامض الذي لم يرَ أحد وجهه الحقيقي طوال عشرين عامًا.
العقل الذي يدير الاغتيالات من الظل.
الاسم الذي كانت تخشاه كل العصابات.
…
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف آدم.
رقم مجهول.
ضغط زر الرد.
جاءه صوت هادئ جدًا.
مساء الخير… يا أخويا.
لم ينطق آدم.
تابع الصوت
واضح إنك عرفت الحقيقة.
بس للأسف…
ضحك ضحكة قصيرة.
عرفتها متأخر.
ثم أغلق الخط.
وفي اللحظة نفسها، دوى انفجار هائل في الطابق السفلي للقصر، واهتزت الجدران بينما انطفأت الأنوار، لتبدأ المواجهة التي انتظرها الجميع سنوات طويلة… يتبع انطفأت الأنوار بالكامل.
ولثانيتين…
لم يُسمع في القصر سوى صوت أجهزة الإنذار.
ثم دوى صوت عمر
حماية آدم وندى! الكل على مواقعهم!
أضاءت مصابيح الطوارئ الحمراء الممرات، فتحول القصر إلى متاهة من الظلال.
أخرج آدم مسدسه، بينما أمسك عمر بجهاز الاتصال الاحتياطي.
الدور السفلي اتضرب… لكن الانفجار كان محدود.
رد أحد الحراس بصوت متقطع
فيه… فيه حد دخل قبل الانفجار… وبعدين اختفى.
في غرفة المراقبة…
كانت عشرات الشاشات تعرض بث الكاميرات.
لكن فجأة…
انقلبت جميع الصور إلى شاشة سوداء.
ثم ظهرت عليها كلمة واحدة باللون الأبيض
متأخرين.
ضغط خبير التقنية على لوحة التحكم بعصبية.
حد اخترق النظام من جوه!
سأل آدم
قد إيه هيحتاجوا يوصلوا لغرفة الملفات؟
أقل من دقيقتين.
نظر آدم إلى ندى.
خدي الفلاشة واطلعي مع يوسف من الممر السري.
هزت رأسها بعناد.
مش هسيبك.
قال بهدوء
لو وقعنا إحنا الاتنين… كل اللي أبوكي ضحى عشانه هينتهي.
ترددت للحظة…
ثم أمسكت الفلاشة بقوة.
في الطابق السفلي…
كان الدخان يملأ المكان.
ومن بينه خرج خمسة رجال يرتدون ملابس سوداء وأقنعة فضية على شكل عقرب.
تحركوا بصمت، وكأنهم تدربوا على كل زاوية في القصر.
لكن قبل أن يصلوا إلى السلم…
انفتح باب جانبي.
وخرج عمر.
وحده.
ابتسم قائد المجموعة.
واحد بس؟
أجاب عمر وهو يجهز سلاحه
يكفي.
انطلقت أول رصاصة.
ثم الثانية.
وخلال ثوانٍ تحول الممر إلى ساحة اشتباك.
سقط اثنان من رجال العقرب.
لكن البقية واصلوا التقدم بلا تردد.
في الممر السري…
كانت ندى تساعد يوسف على السير.
وفجأة…
توقف العجوز.
نظر إلى الجدار الحجري.
وقال
استني.
ضغط على حجر صغير يكاد لا يُرى.
فانفتح تجويف داخل الحائط.
أخرج منه ظرفًا جلديًا قديماً.
ناولَه إلى ندى.
أبوك سابه هنا من عشرين سنة.
فتحت الظرف بسرعة.
وجدت بداخله صورة قديمة.
آدم طفل صغير.
وبجواره طفل آخر يشبهه تمامًا.
لكن خلف الطفل الثاني…
وقف رجل لم يكن أحد يتوقع وجوده.
حدقت ندى في الصورة.
ثم شهقت.
ده…
نظر يوسف إليها بحزن.
عرفتيه؟
قالت بصوت مرتجف
ده الدكتور فؤاد… أبويا.
تجمد يوسف.
إيه؟
أشارت إلى الرجل الواقف خلف الطفلين.
أبويا كان مع والد آدم… قبل اختطاف سليم.
وفي ظهر الصورة كانت هناك عبارة بخط اليد
إذا فشلنا في إنقاذ سليم… فسيعود يومًا ليهدم كل شيء.
في تلك اللحظة…
اهتز الممر السري بعنف.
وسقطت الحجارة من السقف.
وصل صوت آدم عبر جهاز الاتصال، لكنه كان متقطعًا
ندى… اسمعيني… الخائن… مش من رجالنا…
ثم انقطع الصوت تمامًا.
ساد الصمت.
رفعت ندى رأسها ببطء.
ونظرت إلى يوسف.
ثم قالت الجملة التي جعلت ملامحه تتغير فجأة
الخائن… يمكن يكون واحد إحنا عمرنا ما شكينا فيه.
وفي اللحظة نفسها…
وصل صوت إطلاق نار من داخل الممر السري نفسه.
أي أن العدو…
لم يعد أمامهم فقط.
بل أصبح خلفهم أيضًا ارتد صدى الطلقات داخل الممر الحجري الضيق.
أمسك يوسف بذراع ندى بقوة.
اطفي الكشاف.
غرقت الممرات في

ظلام دامس.
لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسهما… وخطوات تقترب ببطء.
خطوة…
ثم أخرى…
ثم توقف كل شيء.
همس صوت من آخر الممر
ندى… أنا مش جاي أقتلك.
تجمدت في مكانها.
كان الصوت مألوفًا.
لكنها لم تستطع تذكر صاحبه.
أخرج الرجل مصباحًا صغيرًا ووضعه على الأرض، ثم ابتعد عنه رافعًا يديه.
ظهر وجهه أخيرًا.
شهقت ندى.
الدكتور سامح؟!
كان الطبيب الذي عمل مع والدها سنوات طويلة، واختفى فجأة بعد وفاته.
قال بصوت متعب
مفيش وقت. لازم تمشوا حالًا.
نظر إليه يوسف بشك.
بعد عشرين سنة اختفاء… ظهرت دلوقتي؟
أخرج سامح بطاقة قديمة عليها ختم منظمة العقرب.
تراجع يوسف خطوة وهو يرفع سلاحه.
قال سامح بسرعة
أنا كنت جوه المنظمة.
صرخت ندى
إيه؟!
أطرق رأسه.
دخلتها بأمر من والدك.
ساد الصمت.
ثم أخرج من جيبه دفترًا صغيرًا تآكلت أطرافه.
ده دفتر الدكتور فؤاد الأصلي. كان بيسجل فيه كل حاجة.
فتحت ندى أول صفحة.
كان خط والدها واضحًا.
إذا قرأتِ هذا يا ندى، فاعرفي أن الدكتور سامح لم يخنني أبدًا. لو اختفى، فاعرفي أنه ما زال ينفذ آخر مهمة طلبتها منه.
امتلأت عيناها بالدموع.
نظر سامح إلى آدم عبر جهاز الاتصال الذي عاد للعمل للحظات.
اسمعني كويس.
الخائن مش في القصر.
سأل آدم
أمال فين؟
أجاب سامح
الخائن أقرب من كده.
إزاي؟
تنهد سامح.
كل كلمة بتقولوها… وكل خطوة بتعملوها… شاهين بيسمعها.
نظر عمر إلى أجهزة الاتصال في ذهول.
يعني متجسس علينا؟
هز سامح رأسه.
لا.
ثم قال الجملة التي صدمت الجميع
الفلاشة نفسها… فيها جهاز إرسال دقيق جدًا.
تجمدت ندى.
ونظرت إلى الشريحة التي ظلت تحملها حول رقبتها سنوات.
همست
يعني… من أول ما فتحناها…
قال سامح
عرفوا مكانكم.
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت صفارة حادة من داخل الفلاشة.
ثم أضاءت بضوء أحمر صغير لم يلاحظه أحد من قبل.
ابتسم سامح ابتسامة حزينة.
وقال
للأسف… هما وصلوا انطلق إنذار حاد داخل القصر.
وفي اللحظة نفسها…
انطفأ الضوء الأحمر في الفلاشة.
نظر سامح إليها بسرعة، ثم قال بلهجة حاسمة
ارموها!
ترددت ندى لثانية.
لكن آدم صاح من جهاز الاتصال
نفذي!
ألقت ندى الفلاشة إلى نهاية الممر.
بعد أقل من ثلاث ثوانٍ…
دوى انفجار صغير هز الجدران، وتناثرت شظايا معدنية في كل اتجاه.
ساد الصمت.
قال عمر عبر الجهاز
دي ما كانتش مجرد فلاشة…
أجاب سامح
كانت فخ.
لكن يوسف انحنى بهدوء، والتقط قطعة معدنية صغيرة من بين الشظايا.
ابتسم لأول مرة منذ بداية الليلة.
ناولها إلى ندى.
أبوك كان أذكى منهم.
نظرت إليها باستغراب.
كانت شريحة ذاكرة دقيقة، منفصلة عن الغلاف الذي انفجر.
قال سامح
الدكتور فؤاد كان متوقع إن حد يحاول يسرقها أو يفخخها.
علشان كده حط البيانات الحقيقية في شريحة مستقلة.
تنفست ندى الصعداء.
يعني الملفات لسه موجودة.
أومأ سامح.
لكن عندنا مشكلة أكبر.
في غرفة العمليات…
فتح آدم الملفات الموجودة على الشريحة الجديدة.
لم تكن تضم أسماء أو حسابات بنكية هذه المرة.
بل خريطة كاملة.
خريطة لأنفاق قديمة تمتد أسفل القاهرة.
وفي منتصفها دائرة حمراء كبيرة.
أسفلها كلمة واحدة
الخلية.
قال يوسف وهو يحدق في الشاشة
دي مش مجرد أنفاق…
دي المدينة اللي بنتها منظمة العقرب تحت الأرض.
همس عمر
يعني كل السنين دي… كانوا مستخبيين تحت القاهرة؟
رد يوسف
ومحدش كان يعرف.
ثم فتح آدم الملف الأخير.
كان تسجيلًا صوتيًا للدكتور فؤاد.
خرج صوته واضحًا
إذا وصلتوا للملف ده… يبقى العقرب رجعت.
لكن فيه حاجة أهم من المنظمة نفسها.
شاهين مش القائد الحقيقي.
نظر الجميع إلى بعضهم.
تابع التسجيل
في شخص واحد بس كان بيصدر الأوامر.
ولحد النهارده… محدش شاف وشه.
ثم ساد صمت قصير.
وأكمل الدكتور فؤاد
الاسم اللي كانوا بينادوه بيه هو…
توقف التسجيل فجأة.
امتلأت الشاشة برسالة غريبة
تم حذف الجزء الأخير.
ضرب آدم الطاولة بغضب.
مين اللي مسحه؟
وقبل أن يجيب أحد…
رن هاتف سامح.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
سأله آدم
مين؟
أجاب بصوت منخفض
المتصل… رقمه مستحيل.
ليه؟
رفع سامح الهاتف ببطء.
كانت شاشة الاتصال تعرض اسمًا واحدًا
الدكتور فؤاد.
الرجل الذي أُعلن عن وفاته قبل سنوات.
رن الهاتف مرة أخرى…
ثم مرة ثالثة…
دون أن يجرؤ أحد على الضغط على زر الإجابة ساد الصمت.
كان رنين الهاتف يتكرر داخل الممر الحجري، حتى بدا وكأنه أعلى من صوت أنفاسهم.
مدّ آدم يده.
هات الهاتف.
ناولَه سامح وهو ما يزال مذهولًا.
نظر آدم إلى الاسم على الشاشة.
الدكتور فؤاد.
ثم ضغط زر الإجابة.
لم يتكلم أحد.
وجاء صوت رجل هادئ من الطرف الآخر
لو ندى معاك… حط السماعة الخارجية.
شهقت ندى.
الصوت…
كان يشبه صوت والدها إلى حدٍ كبير.
ضغط آدم السماعة الخارجية.
قال الرجل
ندى…
اغرورقت عيناها بالدموع.
بابا؟
ساد صمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد
لا… أنا مش أبوكي.
انقبض قلبها.
أكمل الرجل
أنا المهندس اللي صمم نظام الحماية بتاع والدك.
نظر سامح إلى آدم بسرعة.
همس
عارفه…
تابع الرجل
الدكتور فؤاد سجل صوته على نظام اتصال مؤجل.
الرقم بيتفعل تلقائيًا أول ما حد يفتح آخر ملف.
تنفست ندى ببطء.
لم يكن والدها حيًا…
لكن رسالته كانت قد وصلت بالطريقة التي خطط لها.
قال الرجل
اسمعوني كويس.
قدامكم أقل من ساعة.
سأله آدم
ليه؟
لأن شاهين عرف إنكم وصلتوا للخريطة.
وهيبدأ ينقل مقر القيادة.
اقترب آدم من الشاشة.
فين المقر؟
رد الرجل
تحت محطة قطارات قديمة خرجت من الخدمة من سنين.
ثم أضاف
لكن متدخلوش من المدخل الرئيسي.
ليه؟
لأنه معمول علشان أي حد يدخله… ما يخرجش.
أرسل الرجل إحداثيات مدخل آخر، ثم انقطع الاتصال نهائيًا.
نظر آدم إلى الجميع.
قدامنا اختيارين.
إما نستخبى… ونستنى الهجوم.
أو نهاجمهم قبل ما يختفوا.
قال عمر دون تردد
الهجوم.
هز يوسف رأسه موافقًا.
أما ندى…
فقالت بهدوء
أنا جاية معاكم.
اعترض آدم فورًا.
مستحيل.
نظرت إليه بثبات.
كل اللي وصلنا له كان بسبب أبويا… وأنا.
صمت آدم للحظات.
ثم قال
تمام.
لكن من اللحظة دي… مفيش حد هيتصرف لوحده.
بعد عشرين دقيقة…
تحركت ثلاث سيارات فقط.
لا موكب.
ولا حراسة ظاهرة.
كانت القاهرة لا تزال نائمة، بينما كانوا يتجهون نحو الحقيقة التي ظل الجميع يطاردها خمسةً وعشرين عامًا.
وفي الجهة الأخرى…
وقف شاهين أمام شاشة كبيرة تعرض تحركاتهم.
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال لمن حوله
سيبوهم يدخلوا.
سأله أحد رجاله
ليه يا فندم؟
أجاب وهو يطفئ الشاشة
لأن المكان اللي رايحين له…
ثم نظر إلى صورة قديمة تجمع طفلين توأمين.
…مش مقبرة آدم.
دي مقبرة الحقيقة اهتزت جدران النفق مع صوت إغلاق الأبواب الحديدية.
ثم عاد الصمت.
بعده مباشرة، دوى صوت شاهين عبر مكبرات الصوت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان هادئًا بشكل مخيف.
طوال خمسٍ وعشرين سنة… كنتوا فاكرين إنكم بتطاردوني.
توقف لحظة.
الحقيقة… إن أنا اللي كنت بسوقكم خطوة بخطوة لحد هنا.
قبض عمر على سلاحه.
اطلع وواجهنا!
ضحك شاهين.
لسه بدري.
أشار آدم إلى الجميع أن يلتزموا الصمت.
ثم ركع بجوار الأرضية الخرسانية.
طرق عليها بمقبض مسدسه مرة…
ثم مرة أخرى.
اختلف الصوت.
رفع رأسه إلى يوسف.
فيه فراغ تحتنا.
أومأ يوسف.
يبقى فيه ممر مخفي.
بدأ عمر يبحث على الجدران حتى وجد حجرًا مختلف اللون عن باقي الحائط.
ضغط عليه.
صدر صوت ميكانيكي قديم.
وتحرك جزء من الأرض إلى الجانب، كاشفًا عن سلم معدني يهبط إلى مستوى أعمق.
قال آدم
دي مش موجودة على الخريطة.
رد يوسف
يبقى الدكتور فؤاد ما كانش يعرفها… أو تعمد يخفيها.
نزلوا بحذر.
وفي نهاية السلم…
وجدوا قاعة دائرية ضخمة.
في منتصفها طاولة مستديرة، تحيط بها اثنا عشر كرسيًا.
أحد عشر منها فارغًا.
أما الكرسي الأخير…
فكان عليه صندوق خشبي قديم.
اقتربت ندى ببطء.
فتحت الصندوق.
وجدت بداخله ساعة جيب فضية، وصورة قديمة لآدم ووالده، ورسالة مطوية.
فتحها آدم.
وكان مكتوبًا فيها بخط والده
يا آدم… إذا وصلت إلى هنا، فلا تثق بما ستراه بعد هذه اللحظة. منظمة العقرب لم تكن مجرد عصابة، بل تجربة. وبعض المشاركين فيها كانوا يعتقدون أنهم ينقذون البلد، بينما حوّلها آخرون إلى آلة للقتل.
ثم توقف آدم عند السطر الأخير.
وتغير لون وجهه.
أخذ يوسف الرسالة من يده.
قرأها بصوت مرتجف
وإذا قابلت سليم… فلا تطلق النار أولًا.
ساد الصمت.
وفي اللحظة نفسها…
انفتح باب فولاذي ضخم في آخر القاعة.
وخرج منه رجل طويل يرتدي بدلة سوداء.
لم يكن يخفي وجهه.
وقف تحت الضوء.
نظر مباشرة إلى آدم.
وكان الشبه بينهما صادمًا.
نفس العينين.
نفس الملامح.
لكن نظراته كانت أكثر قسوة.
ابتسم الرجل وقال
أخيرًا…
اتقابلنا يا أخويا.
رفع آدم سلاحه.
لكن سليم لم يرفع أي سلاح.
بل أخرج ساعة جيب مطابقة لتلك التي كانت في الصندوق.
فتحها.
وفي داخلها صورة لهما وهما رضيعان.
ثم قال بهدوء
قبل ما تقرر تقتلني…
اسأل نفسك سؤال واحد.
مين اللي كذب عليك طول عمرك… أنا؟
ولا الناس اللي ربوك؟
وتجمد الجميع في أماكنهم، بعدما أدركوا أن المواجهة القادمة لن تكون مجرد معركة بالرصاص… بل معركة على الحقيقة نفسها. يتبع…ظل آدم مصوبًا سلاحه نحو سليم.
لكن إصبعه لم يضغط الزناد.
كانت الرسالة التي تركها والده تتردد في رأسه
إذا قابلت سليم… فلا تطلق النار أولًا.
تقدم سليم خطوة واحدة فقط.
ولم يبدُ عليه أي خوف.
قال بهدوء
لو كنت عايز أقتلك… كنت عملتها من زمان.
رد عمر بغضب
كفاية كلام!
رفع سلاحه.
لكن آدم مد ذراعه أمامه.
استنى.
نظر عمر إليه في دهشة.
إنت مصدقه؟
أجاب آدم دون أن يرفع عينيه عن سليم
لا.
بس عايز أسمع.
تنهد سليم.
ثم ألقى ساعة الجيب على الطاولة المستديرة.
أنا اتخطفت وأنا عندي أيام.
كبرت وسط منظمة العقرب.
علموني إن أبويا باعني.
هز رأسه بحزن.
ولما كبرت… اكتشفت إنهم كذبوا.
نظرت إليه ندى.
كان صوته يخلو من الكراهية، لكنه كان يحمل سنوات طويلة من الألم.
أكمل
بحثت بنفسي.
ولقيت ملفات الدكتور فؤاد.
شهقت ندى.
أبويا؟
أومأ سليم.
هو أول واحد أثبت إن والد آدم فضل يدور عليّ لحد آخر يوم في حياته.
ساد الصظهرت على الشاشة لقطات من كاميرات مراقبة قديمة وحديثة.
أول مقطع كان من الليلة التي انفجرت فيها سيارة آدم.
ظهر رجل يزرع العبوة الناسفة أسفل السيارة.
أوقف سليم الفيديو قبل أن يظهر وجهه بالكامل.
ثم أعاد تشغيله بصورة أوضح.
شهق عمر.
ده… مش من رجال العقرب.
اقترب يوسف من الشاشة، واتسعت عيناه.
أنا أعرفه.
سأله آدم بسرعة
مين؟
أجاب يوسف بصوت متردد
كان واحد من أفراد الحراسة عند والدك… واختفى من عشرين سنة.
أكمل سليم
وده معناه إن اللي حاول يقتلك ما كانش بينفذ أوامري.
ثم فتح مقطعًا آخر.
ظهر رجل ملثم يتلقى تعليمات من شخص يجلس في غرفة مظلمة.
لم يظهر وجه الجالس، لكن صوته كان مشوشًا عمدًا.
قال
خلي آدم وسليم يفضلوا يطاردوا بعض. طول ما هما أعداء، محدش هيوصل لينا.
ساد الصمت في القاعة.
قال آدم ببطء
يعني… فيه حد فوقك؟
أطرق سليم رأسه.
منظمة العقرب اللي عرفتها انتهت من سنين.
اللي موجود دلوقتي شبكة جديدة، استخدمت اسم العقرب علشان تخوف الناس.
سألته ندى
ومين بيديرها؟
هز رأسه.
معرفش اسمه الحقيقي.
كل اللي أعرفه إنهم بينادوه بلقب واحد…
توقف للحظة.
ثم قال
الراعي.
نظر يوسف إلى الأرض فجأة.
تغيرت ملامحه.
لاحظ آدم ذلك فورًا.
يوسف…
لم يرد.
اقترب منه آدم.
إنت سمعت الاسم ده قبل كده؟
رفع يوسف عينيه ببطء.
كانتا ممتلئتين بالخوف.
ثم قال بصوت بالكاد يُسمع
سمعته…
آخر مرة…
قبل خمسة وعشرين سنة.
وقبل أن يكمل جملته…
انطلقت رصاصة من مكان مجهول داخل القاعة.
أصابت يوسف في كتفه، فسقط على الأرض.
صرخت ندى، بينما اندفع عمر نحو مصدر الطلقة.
لكن القناص كان قد اختفى.
اقترب آدم من يوسف وأمسك بيده.
ابتسم يوسف بصعوبة، وهمس
لو… لو مت…
دوروا على الراعي…
ثم أغلق عينيه، بينما استمرت أنفاسه بصعوبة، ولم يعرف أحد إن كان سيعيش أم لا اندفعت ندى نحو يوسف، وضغطت بيديها على موضع الإصابة.
لسه فيه نبض!
التفتت إلى عمر.
هات حقيبة الإسعافات بسرعة!
ألقى عمر الحقيبة إليها، بينما ظل آدم وسليم يوجهان أسلحتهما نحو الممرات المحيطة بالقاعة.
قال سليم بهدوء
القناص خرج من الفتحة الشرقية.
نظر إليه آدم.
إنت عارف المكان؟
أومأ.
تعال معايا.
تردد عمر.
هنسيبه؟
قال آدم دون أن يلتفت
ندى هتفضل مع يوسف.
ثم نظر إليها.
لو حصل أي حاجة… انسحبي فورًا.
هزت رأسها بالموافقة.
ركض آدم وسليم عبر الممر الشرقي.
كان الممر ضيقًا، والجدران مغطاة بأنابيب قديمة.
بعد مئات الأمتار…
وصلا إلى غرفة مراقبة.
لكنها كانت فارغة.
على الطاولة جهاز لاسلكي ما زال يعمل.
خرج منه صوت رجل هادئ
تأخرتوا.
توقف آدم.
رفع الجهاز.
مين إنت؟
ضحك الرجل.
أنا الراعي.
ساد الصمت.
ثم أكمل
يوسف هيقولكم الحقيقة…

لو عاش.
وانقطع الإرسال.
في القاعة…
انتهت ندى من تضميد جرح يوسف.
فتح عينيه بصعوبة.
همس
اسمعيني…
اقتربت منه.
أنا سامعك.
قال بصوت متقطع
في… في خزنة.
فين؟
تحت مكتب آدم… في القصر.
ثم أمسك يدها بقوة.
الكود…
توقف للحظة محاولًا التقاط أنفاسه.
تاريخ… ميلاد… والدته.
سألته ندى
إيه اللي فيها؟
نظر إليها مباشرة.
وقال آخر جملة قبل أن يفقد وعيه
الحقيقة… كاملة.
في تلك اللحظة، عاد آدم وسليم إلى القاعة.
نظر آدم إلى يوسف الممدد على الأرض، ثم إلى ندى.
هنرجع القصر.
أومأ سليم.
لأن واضح إن كل الإجابات… مستنياكم هناك.
وبينما كانوا يستعدون للمغادرة…
كانت كاميرا مراقبة صغيرة مخفية في سقف القاعة تنقل كل ما حدث مباشرة إلى رجل يجلس في غرفة مظلمة.
لم يظهر وجهه.
فقط يده وهي تغلق شاشة العرض ببطء.
ثم قال بصوت منخفض
خليهم يفتحوا الخزنة…
وقتها… اللعبة الحقيقية هتبدأ غادروا الأنفاق قبل شروق الشمس بدقائق.
كانت سياراتهم تتحرك بسرعة عبر شوارع القاهرة شبه الخالية.
لم يتبادل أحد كلمة واحدة.
كان يوسف فاقدًا للوعي في المقعد الخلفي، بينما كانت ندى تراقب نبضه باستمرار.
أما آدم…
فكان يفكر في جملة واحدة فقط
تحت مكتبي… الحقيقة كاملة.
وصلوا إلى القصر.
لكن شيئًا لم يكن طبيعيًا.
البوابة الرئيسية كانت مفتوحة.
ورجال الحراسة يقفون في أماكنهم…
دون حركة.
ترجل آدم بسرعة.
اقترب من أول حارس.
ناداه.
لم يجب.
مد يده ليتحسس نبضه.
كان حيًا…
لكنه مخدر بمادة قوية.
قال عمر بعد أن فحص حارسًا آخر
مش ميتين.
حد عطّلهم بس.
نظر آدم إلى ندى.
هو سبقنا.
دخلوا القصر بحذر.
كل شيء بدا كما تركوه.
الأثاث.
اللوحات.
حتى أكواب القهوة كانت في أماكنها.
لكن على مكتب آدم…
كانت هناك قطعة شطرنج سوداء لم تكن موجودة من قبل.
رفعها.
وجد أسفلها ورقة صغيرة.
كتب عليها
الخزنة ما زالت في مكانها… لأني عايزك تفتحها بنفسك.
قبض آدم على الورقة بقوة.
ثم انحنى أمام المكتب.
أزاح السجادة.
ضغط على بلاطة رخامية صغيرة.
صدر صوت خافت.
وانفتح باب فولاذي مخفي في الأرض.
ظهرت خزنة إلكترونية.
أدخل تاريخ ميلاد والدته.
توقف النظام لثوانٍ.
ثم…
تم فتح الخزنة.
داخلها لم يكن هناك مال.
ولا أسلحة.
بل ثلاثة أشياء فقط
ملف أحمر.
مفتاح نحاسي قديم.
شريط كاسيت.
نظر عمر بدهشة.
كاسيت؟
ابتسم يوسف، الذي كان قد استعاد وعيه بصعوبة، وقال
أبوك… كان بيكره الوسائل الرقمية.
أخذ آدم الشريط.
ووضعه في جهاز تشغيل قديم كان محفوظًا داخل الخزنة نفسها.
دار الشريط ببطء…
ثم خرج صوت والده واضحًا
يا آدم…
لو سمعت الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحمي العيلة.
تجمد الجميع.
وأكمل الصوت
أنا عرفت هوية الراعي…
حبست ندى أنفاسها.
لكن في اللحظة نفسها…
انطفأ جهاز التشغيل.
ثم تصاعد منه دخان خفيف.
قفز عمر نحوه.
الجهاز اتحرق!
فتح آدم الجهاز بسرعة.
وجد الشريط مقطوعًا من المنتصف.
نظر الجميع في ذهول.
قال يوسف بصوت مبحوح
مستحيل… كان سليم.
لكن سليم هز رأسه فورًا.
أنا ما لمستوش.
ساد الصمت.
ثم قال آدم ببطء وهو ينظر إلى الجميع
يبقى الراعي…
لسه جوه القصر.
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت تصفيق هادئ من الطابق العلوي.
رفع الجميع رؤوسهم.
كان هناك شخص يقف في أعلى السلم.
وجهه مخفي بالظلام.
لكنه قال جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقهم
أخيرًا… فهمت يا آدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *