ابن الشغالة
زعيم المافيا لقى ابن الشغالة مستخبي عشان يأكل بواقي الأكل… اللي حصل بعد كده بكّى الكل!
آخر بني آدم ممكن أي حد يتوقع إنه لسه موجود جوه القصر بعد نص الليل كان طفل صغير.
زعيم المافيا مراد السيوفي رجع من اجتماع متأخر، رجالته كانوا مستنيينه برة في العربيات، ودخل القصر لوحده. وفجأة… سمع صوت. مكنش صوت خطوات رجلين، ولا حتى همس، دي كانت كركبة وخشخشة خفيفة جداً جاية من ورا باب خزين المطبخ النملية. في ثانية، سحب مسدسه وهو حذر.
في أي ليلة تانية، وجود دخيل جوه القصر معناه دم.. لكن الليلة دي، الموضوع كان أصعب من الدم بكتير. مراد فتح باب الخزين واتسمر في مكانه!
هناك، في الزاوية، كان قاعد واد صغير، كشاش في نفسه، قاطع النفس من الرعب، وعينيه واسعة ومبرقة كأنه اتمسك وهو بيسرق من ربنا نفسه! في إيديه الصغننة، حتة عيش مأكول نصها، وعلبة بلاستيك فيها شوية مكرونة باردة من اللي الشغالين رميوها في الزبالة. الواد مكنش حرامي، ومكنش جاسوس… الواد كان هيموت من الجوع!
ولما مراد قرب منه خطوة، الواد همس بكلمتين قطعوا قلب زعيم المافيا حتت أبوس إيدك متمشيش أمي من الشغل.. هي مكنتش تعرف إني مشيت وراها وجيت هنا.
صدر مراد ضاق وزور حرق من الكتمة. أم الواد ده، الشغالة اللي عنده، كانت هي الشغيلة الوحيدة في القصر اللي عمرها ما تشتكي، ولا تطلب زيادة، ولا عمرها نطقت بكلمة عن حياتها برة أسوار القصر ده.
دلوقتي بس مراد فهم… فهم ليه الواد بيحاول
يخبي علبة المكرونة ورا ضهره، كأنه لما يحمي الأكل هيحمي أمه معاها!
مراد سكت لوقت طويل م نطقش بولا كلمة. بعدين، وبمنتهى الهدوء، رجع مسدسه في جيبه، وعمل حاجة مستحيل أي حد من رجالته يصدق إن مراد السيوفي ممكن يعملها.
مراد كان لسه واقف مكانه زي الصنم في أوضة الخزين الضيقة.
شوية نور ضعيف جاي من الطرقة كان ضارب في وش مراد وعامل خيالات، بس عينه منزلتش من على الواد اللي كاشش في الزاوية. يوسف كان لسه بيرتعش، وإيديه الصغننة بتحاول بكل قوتها تخبي علبة المكرونة ورا ضهره.. كأنه لو مراد مش شايفها، يبقى مفيش حاجة حصلت، وكأن الخوف ممكن يدوب في الضلمة.
بس مراد كان شايف كل حاجة. شايف كتافه الرفيعة وهي تتهز برعشة ورا رعشة. شايف عينيه اللي مدمعة من الرعب وهو بيحارب عشان مانزلش دموعه. شايف ريقه الناشف وهو بيبتلعه بصعوبة كأنه مضايرش بوق مية نضيف من زمان.
السكوت طول بينهم لدرجة إنك كنت ممكن تسمع دقات القلب. وفجأة، مراد عمل حاجة هو نفسه مكنش يتوقعها من روحه!
براحة جداً، مد إيده، وخلا كفه لفوق، وقال بصوت واطي وثابت وميهددش هاتها.
يوسف اتخض وعينيه وسعت أكتر. بص لإيد مراد، وبعدين بص للمكرونة المستخبية ورا ضهره، ورجع بص لوش مراد تاني. ألف فكرة وفكرة اكيد ضربت في عقل الواد الصغير، بس في الآخر.. الخوف كسب. طلع علبة المكرونة واحدة واحدة، وحطها في إيد مراد، وطأطأ راسه زي المذنب اللي مستني حكم الإعدام.
مراد أخد العلبة البلاستيك الرخيصة. مكنش جوه غير شوية مكرونة باردة وملزقة من اللي المطبخ رماها. حطها على الرف من غير ولا كلمة. بعدين فتح درج قريب وأخد منه فوطة قماش نضيفة. يوسف متحركش من مكانه، مكنش يجرؤ. مكنش فاهم إيه اللي بيحصل، كل اللي فاهمه إن الراجل ده بيخوف، وإن الرجالة اللي مع عا مسدسات دايماً بيخوفوا، وإنه عمل حاجة غلط.. إنه دخل مكان مش بتاعه عشان يأكل بواقي الأكل، ويستاهل يتعاقب.
بس بدل العقاب.. مراد نزل على ركبه لحد ما بقى في مستوى عيني الواد. أخد إيد يوسف الصغننة وبدأ يمسحها براحة جداً وببطء، كأنه بيلمس حاجة غالية أوي وسهل تنكسر.
إيد الواد كانت سقعانة زي التلج، جلده ناشف ومشقق، وصوابعه رفيعة لدرجة إنك تشوف عضمها بوضوح. مراد قعد ينظف صباع صباع، بيمسح العكاية وبواقي الأكل، وبيمسح الوجع اللي الدنيا سابته على الإيدين الصغيرين دول. يوسف كان واقف مذهول ومبرق، مش مصدق اللي بيحصل.. عمر ما حد في الدنيا دي عامله بالطريقة دي.. عمره!
وفجأة.. صوت خطوات تقيلة رنت في الطرقة!
مراد وقف في ثانية، وجسمه اتشد زي الفهد اللي جاهز ينط على فريسته. رفع صباعه على بوقه بيطلب من يوسف يسكت خالص، وبعدين خرج من أوضة الخزين وقفل الباب وراه براحة.
توفيق، دراعه اليمين، ظهر عند باب المطبخ، وإيده ساندة على مقبض مسدسه وعينيه الصقر بتلف المكان يا باشا، كله تمام؟ سمعت صوت كركبة.
مراد وقف ساند ضهره على باب الخزين، ووشه زي الخشب مفيش فيه أي تعبير كنت بشيك على المخزن بس.. تلاقيهم الفئران تاني.
عيني توفيق جت على الباب اللي ورا مراد، وعينيه ضيقت. كان حاسس إن فيه حاجة مش مظبوطة، حاستة كراجل عاش في وسط المافيا وعالم الجريمة لعقود كانت بتقول له كده. بس اللي واقف قدامه ده هو مراد السيوفي.. ومحدش يجرؤ يستجوب مراد السيوفي!
توفيق هز راسه تمام يا باشا. بس عينيه برضه مكنتش عاوزة تسيب الباب.
مراد قرب منه، حط إيده على كتفه، ومشاه برة المطبخ بنبرة هادية بس حاسمة روح ارتاح يا توفيق، الليلة دي كانت طويلة بزيادة.
أول ما صوت خطوات توفيق اختفى تماماً، مراد لف ورجع. قفل باب المطبخ بالمفتاح عشان يضمن إن محدش هيدخل فجأة، وبعدين فتح أوضة الخزين تاني.
يوسف كان لسه واقف هناك، في نفس النقطة اللي مراد سابه فيها، متحركش سنتي. بس النظرة اللي في عينيه اتغيرت.. مكنتش خوف صافي خلاص، كان فيه حاجة ثانية.. حاجة ضعيفة بس باينة أوي الأمان.
مراد بص له وقال بصوت واطي وحازم خليك هنا. إياك تتحرك. وماتطلعش أي صوت.. أنا راجعلك تاني.
يوسف هز راسه هزة صغننة، بس كانت مليانة أمل. ولأول مرة في الليلة دي، الواد الصغير صدق إن فيه حد هيوفي بوعده معاه.
مراد رجع لأوضة الخزين بعد ما اتمكن إن توفيق بعد خالص. قفل الباب وراه تاني. النور الضعيف من اللمبة الصغيرة اللي في السقف كان يا دوب منور الأوضة عشان يشوف يوسف وهو لسه واقف مكانه زي الأرنب الصغير، مستني مصيره.
مراد أخد نفس طويل وثابت.. وبعدين عمل حاجة عمره ما عملها ل أي حد في ال ١٢ سنة اللي
قعد فيهم على عرش المافيا وسوق السلاح…
قعد على الأرض بالملي قدام الواد الصغير.. ركبه لمست البلاط الساقع، ونزل بجسمه كله لحد ما بقت عينه في عين الواد اللي بيرتعش ده…
جلس مراد السيوفي على بلاط المطبخ الساقع، ببدلته الإيطالية الفاخرة وساعته التي تعادل ثمن بيوت كاملة، ولم يبالِ بالتراب ولا برستيج الدون الذي يرتعد له كبار رجال التهريب في الموانئ. نظر ليوسف، الواد الصغير الذي كان يحمل في عينيه انكسار أمة كاملة، ومد يده الكبيرة ليمسح دمعة فرّت رغماً عن الواد على خده الضامر.
مراد بصوت هادئ ومنخفض كأنه يهمس لروحه اسمك إيه يا بطل؟
يوسف بصوت مرتعش يادوب مسموع يوسف.. عندي ٨ سنين يا عمو.
ومشيت ورا أمك جيت هنا ليه يا يوسف؟ البيت عندك مفيش فيه أكل؟
يوسف طأطأ رأسه للأسفل، وبدأ يفرك أصابعه الصغيرة ببعضها بخجل قطع نياط قلب مراد
يوسف أمي بقالها يومين مابتأكلش.. بتاخد النبطشية بتاعتها هنا وترجع البيت تقولي أنا شبعانة يا جو وأكلت في القصر أحسن أكل، بس أنا شفتها البارحة وهي بتشرب مية بملح عشان تسد جوعها وتخبي عليا.. أنا مكنتش جاي أسرق والله، أنا كنت عايز أخد علبة المكرونة دي وأرجع بيها البيت عشان لما تصحى الصبح تلاقي لقمة تأكلها ومتتعبش في الشغل.
ساد صمت مرعب في غرفة الخزين. مراد شعر بغصة خنقت حنجرته؛ الرجل الذي أدار حروباً طاحنة ولم تدمع عينه لرصاصة، شعر الآن بضعف قاتل أمام طفل لم يطلب من الدنيا سوى بضع لقمات باردة لإنقاذ
أمه. تذكر مراد طفولته.. تذكر كيف ماتت أمه من الجوع والبرد في حواري الإسكندرية القديمة وهو عاجز لا يملك من أمره شيئاً، وعاهد نفسه في تلك الثواني أن التاريخ لن يعيد نفسه مع يوسف.
وقف مراد بكامل طوله، وأمسك بيد يوسف برفق تعالى معايا يا يوسف.
خرج به من غرفة الخزين إلى المطبخ الواسع المصنوع من الاستيل والرخام. مشى نحو الثلاجة الضخمة، فتحها، وبدأ يخرج منها أطباق اللحم المشوي، الفراخ، الخضار، والفاكهة الطازجة التي كانت تُحضر يومياً لرجاله وضيوفه.
وضع الأكل كله على الطاولة الكبيرة، وسحب ل يوسف كرسياً مريحاً اقعد يا جو.. وكل. كل لحد ما تشبع، ومفيش لقمة باردة هتدخل جوه بطنك من النهارده.
يوسف بص للأكل بنظرة ذهول كأنه شايف حلم، وبدأ يأكل بنهم ودموعه تنزل وسط الأكل، ومراد واقف يراقبه بابتسامة حقيقية ملت وجهه الصارم لأول مرة من سنين.
وفجأة.. رن صوت صرخة ذعر عند باب المطبخ!
يوسف!!
كانت مريم، أم يوسف والشغالة في القصر. كانت ترتدي يونيفورم الشغل البسيط، ووشها كان شاحب كالكفن، وعينيها مليانة برعب حقيقي وهي شايفة ابنها قاعد على ترابيزة زعيم المافيا والراجل واقف جنبه. سقطت من يدها منفضة الغبار ووقعت على ركبها تبكي وتتوسل بانهيار
مريم مراد بيه! أبوس رجلك يا باشا م تلمسش ابني! الواد صغير وميفهمش حاجة.. أنا اللي غلطانة، أنا مكنتش أعرف إنه استخبى في عربية التوريدات وجيه ورايا! اقطع رقبتي أنا.. بس سيب ابني يعيش!
يوسف أول ما شاف أمه بتبكي، ساب المعلقة وجري عليها وحضنها وهو بيعيط ماما! عمو مراد مش وحش! عمو مراد أكلني ومضربنيش!
مراد مشى بخطوات بطيئة ونعومة نحو مريم المنهارة على الأرض. انحنى بجسمه، وأمسك بكتفها ورفعها بهدوء لتستقر على رجليها باحترام
مراد بنبرة مليانة صدق وأبوة اقفي على رجلك يا مريم.. بيوت السيوفي مابتتهانش فيها ستات، ومفيش أم بتنزل على ركبها قدامي عشان لقمة عيش. أنا اللي بعتذر لك.. بعتذر لك لاني كنت غايب ومش شايف إن فيه روح بتدمر جوه قصري وإنتي ساكتة وبتصوني أمانة مكاني.
مريم رفعت عينيها المليانة دموع بصدمة وذهول، مكنتش مصدقة إن الراجل اللي بره بيسموه العقرب بيتكلم معاها بالحنية والاحترام ده كله.
أشار مراد ل توفيق، دراعه اليمين، اللي كان واقف عند الباب وعينيه مدمعة هو كمان من المشهد اللي أبكى كل الحراس اللي كانوا واقفين ورا الإزاز
مراد بصوت جهوري وحازم توفيق! من بكرة الصبح.. مريم شغلها في القصر انتهى كخدامة. مريم هانم هتبقى هي المشرفة الرسمية على شؤون القصر الداخلي والمخازن براتب يعادل راتب مدير مكتب القيادة بتاعي. وتجهز لها الشقة الفخمة اللي في المجمع السكني بتاعنا في القناطر، وتتأثث على أعلى مستوى باسمها وباسم ابنها يوسف.
التفت ليوسف وباس رأسه ويوسف من بكرة الصبح هيتسجل في أكبر مدرسة دولية في أكتوبر، ومصاريف تعليمه وتأمينه الطبي بالكامل على حسابي الخاص طول العمر.. الواد ده من النهارده ابن من أبناء عيلة السيوفي، واللي يمسه بطرف عينه.. حسابه معايا أنا شخصياً.
مرت سنتين على تلك الليلة التاريخية الموعودة في ماي ٢٠٢٦..
قصر مراد السيوفي الشاسع مابقاش المكان البارد اللي بيفوح منه ريحة السلاح والمؤامرات بس. الجنينة الكبيرة بقت مليانة بضحكات يوسف وهو بيجري ويلعب بالكرة وصحته بقت بمبي وأقوى من الأول بمليون مرة، وبقى متفوق في دراسته وبيتكلم لغات بطلاقة.
مريم بقت هي السيدة المحترمة اللي بتدير القصر بكل هيبة ونظام، ولابسة هدوم شيك جداً ووقورة، والكل بيعمل لها ألف حساب احترماً لمكانتها عند الدون.
وفي يوم دافئ وجميل، كان مراد واقف في البلكونة الكبيرة بيشرب القهوة الصباحية بتاعته، ويوسف جرى عليه
يوسف بابتسامة نقية عمو مراد.. أنا طلعت الأول في مسابقة العلوم والمدرسة كرمتني النهارده!
مراد نزل على ركبته وحضنه بقوة وفخر مبروك يا بطل.. إنت دايماً رافع راسي، ورفع راس أمك اللي شافت شقا السنين عشانك.
التفت مراد ونظر لمريم اللي كانت واقفة مبتسمة وبتبص عليهم برضا وعوض كبير من ربنا سبحانه وتعالى، وحس مراد إن علبة المكرونة الباردة اللي لقاها في إيد يوسف من سنتين، كانت هي أكبر صفقة رابحة عملها في حياته كلها.. لأنها كسبته نفسه، ورجعت لقلبه الرحمة والنور، وعلمته إن النفوذ الحقيقي مش في عدد السلاح والرجالة اللي بره، النفوذ هو إنك تكون سند وضهر للضعيف وتجبر خاطر المحتاج في عز العاصفة. وبقي يوسف وأمه فوق السحاب بالحق والكرامة العظيمة اللي مابتتشرش بكل كنوز الدنيا.
تمت.