حماتي اصرت أولد في بيتها
قال بسرعة:
— إيه اللي خلاكي تقومي؟
بصيتله بصدمة:
— إنت كنت عارف؟
سكت.
وسكوته كان أسوأ من أي إجابة.
عرفت وقتها إن اللي حصل مكانش تصرف من حماتي لوحدها… كان بعلمه.
ومن اللحظة دي… اتكسر جوايا آخر ذرة ثقة فيه.
خطفـت الورقة من على الترابيزة وأنا مش مستوعبة اللي شايفاه.
بصيت فيها مرة… واتنين… وتلاتة.
الاسم فعلًا متغير.
وأكتر حاجة صدمتني، إن خانة ولي الأمر كان مكتوب فيها اسم حماتي، مش اسم أحمد.
رفعت عيني وبصيت لهم:
— إيه ده؟
ولا واحد فيهم رد.
كررت السؤال بصوت أعلى:
— مين اللي كتب الورقة دي؟!
حماتي حاولت تاخدها من إيدي وهي بتقول:
— دي ورقة ملهاش لازمة… هاتيها.
شديتها بعيد عنها:
— لا… دي ليها لازمة، وهعرف كل حاجة.
ساعتها أحمد قرب مني وقال:
— اهدَي يا ندى… الموضوع أبسط مما إنتِ فاكرة.
ضحكت بقهرة:
— بقى حرمتوني من بنتي يومين… ودي ورقة باسم غير اسمها… وبتقوللي بسيط؟!
سكت لحظة، وبعدها قال:
— أمي كانت نفسها من زمان يبقى عندها حفيد يتربى معاها… وكانت بتقول إننا ساكنين بعيد، ومش هتشبع منه.
بصيت له بعدم تصديق:
— يعني إيه؟
اتكلمت حماتي بنفسها:
— أنا قلت لأحمد تسيبولي البنت كام سنة أربيها… ولما تكبر تبقى تعرف إن بيتي هو بيتها.
حسيت إن قلبي وقف:
— إنتِ اتجننتي؟! دي بنتي أنا.
قالت ببرود:
— وإنتِ لسه صغيرة… مش هتعرفي تربي.
صرخت فيها:
— أنا أمها!
قالت بمنتهى القسوة:
— الأم مش بالخلفة… الأم بالتربية.
الجملة دي كانت كأنها قلم على وشي.
لفيت ناحية أحمد.
كنت مستنية يقول كلمة واحدة… يدافع عني… يقول لأمه إنها غلط.
لكنه نزل عينه في الأرض.
وفي اللحظة دي… عرفت إن المشكلة مش في حماتي.
المشكلة الحقيقية كانت في جوزي.
شلت بنتي، ودخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح.
حضنتها بقوة، وهي كانت نايمة على صدري بهدوء لأول مرة.
فضلت أبص في وشها وأقول:
— أقسم بالله… محدش هيبعدك عني طول ما فيا نفس.
وفجأة… سمعت صوت أحمد برة الباب:
— افتحي يا ندى… لازم نتكلم.
وقبل ما أرد…
سمعت صوت حماتي وهي بتقوله بصوت واضح:
— لو مشيت بالبنت النهارده… يبقى قولها على الحقيقة كلها.
تجمدت مكاني.
وقفت ورا الباب، وأنفاسي بقت سريعة.
إيه الحقيقة اللي ممكن تكون أخطر من إنهم حرموني من بنتي؟
سمعت أحمد يرد على أمه بصوت واطي:
— مش دلوقتي… لو عرفت هتسيب البيت.
حماتي قالت بعصبية:
— وإيه يعني؟ عاجلًا ولا آجلًا هتعرف.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
فتحت الباب فجأة، وأنا شايلة بنتي بين إيديا.
بصيت لأحمد وقلت:
— قول… دلوقتي.
فضل ساكت، وعنيه مش قادرة تبصلي.
صرخت فيه:
— اتكلم!
تنهد وقال بصوت كله ندم:
— قبل ما أتجوزك… أنا وأمي كتبنا البيت باسمها.
استغربت وقلت:
— وإيه علاقة ده ببنتي؟
بص لأمه، وهي كملت الكلام بنفسها:
— البيت ده بيت العيلة، وأنا مش هسيب أي واحدة تاخد حفيدي وتبعد بيه عني. كنت عايزة البنت تتعود عليا من وهي صغيرة… وتعتبرني أمها التانية.
قلت وأنا مش مصدقة:
— يعني كل اللي حصل… عشان رغبتك؟
هزت كتفها وقالت بمنتهى البرود:
— إنتِ لسه صغيرة، ولسه قدامك عيال كتير… إنما أنا كبرت، ومش هعرف أستمتع بحفيدتي إلا لو كانت معايا.
في اللحظة دي حسيت إن كل كلمة كانت بتقولها زمان بقت مفهومة.
إصرارها على الولادة في بيتها…
منعها ليا أشيل بنتي…
إخفاؤها عني يومين…
كل ده كان عشان تبدأ تربط البنت بيها من أول لحظة.
بصيت لأحمد، وقلت:
— وأنت وافقت.
قال وهو بيحاول يقرب:
— كنت فاكر إنها كام يوم وخلاص.
رجعت خطوة لورا:.
نزلت دموعه لأول مرة.
لكن دموعي كانت خلصت.
دخلت الأوضة، ولمّيت هدومي وهدوم بنتي.
أحمد وقف قدامي وقال:
— رايحة فين؟
بصيت له بثبات وقلت:
— رايحة المكان الوحيد اللي بنتي هتكون فيه مع أمها… مش مع حد بيخطط ياخدها منها.
خرجت من البيت، وأنا ضامة بنتي لصدري.
ولأول مرة من يوم ولدت… حسيت إنها فعلًا رجعت لحضني.
لكن وأنا بركب العربية… رن تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت…
لقيت ست بتقول بصوت هادي:
— إنتِ ندى؟ أنا القابلة اللي ولّدتك… ولازم أقابلك فورًا، لأن في حاجة حصلت يوم الولادة… وأنتِ لحد دلوقتي متعرفيهاش.
اتجمدت مكاني…
لأن نبرة صوتها كانت بتقول إن اللي عرفته لحد دلوقتي… مجرد بداية.
أول ما قعدت قدامي، كانت إيديها بتترعش.
قالت وهي بتبكي:
— أنا فضلت يومين مش عارفة أنام… لازم أقولك الحقيقة.
قلبي وقع:
— خير؟
بصت على بنتي اللي في حضني وقالت:
— حماتك ما كانتش مخبياها عشان تتعلق بيها… دي كانت مخبياها عشان كانت ناوية تهرب بيها.
شهقت وأنا بصيتلها بعدم استيعاب:
— إيه؟!
قالت بصوت مكسور:
— سمعتها بنفسي وهي بتقول لأحمد أول ما ندى تفوق هنقولها إن البنت ماتت، وبعد كام يوم نسافر ونبيعها لناس بره.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
صرخت فيها:
— إنتي بتقولي إيه؟!
هزت راسها وهي بتعيط:
— أنا افتكرتهم بيهزروا… لكن لما شفتهم مجهزين شنطة فيها هدوم البيبي، وجوازات السفر، فهمت إنهم بيتكلموا بجد.
سألتها وأنا جسمي كله بيرتعش:
— وأحمد؟
سكتت شوية، وبعدها قالت:
— للأسف… دي ما كانتش أول مرة.
— يعني إيه؟
أخدت نفسًا عميقًا وقالت:
— أنا اشتغلت معاهم قبل كده. كل كام سنة أحمد يتجوز واحدة، ولما تخلف، أمه تاخد الطفل وتختفي بيه. كانوا بيبيعوا الأطفال لعائلات غنية مش بتخلف، وياخدوا مبالغ كبيرة.
وقعت مني بنتي من الصدمة لولا إني لحقتها بسرعة.
— لا… مستحيل.
مدت القابلة موبايلها ناحيتي:
— كنت خايفة محدش يصدقني… فسجلت كل اللي قالوه.
ضغطت على زر التشغيل…
وفجأة، خرج صوت حماتي واضح جدًا:
“دي هتجيب لنا أكتر من اللي جبته اللي قبلها.”
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الموبايل.
كل كلمة في التسجيل كانت بتكسر جزء جوايا.
صوت حماتي كان واضح وهي بتقول:
“أول ما ندى تفوق هنقولها إن البنت ماتت… وبعدها نسافر بيها، محدش هيوصلنا.”
وبعدين جه صوت أحمد:
“بس لو سألت؟”
ردت أمه بكل برود:
“زي غيرها… كام دمعة وهتسكت.”
قفلت التسجيل، وبصيت لبنتي اللي كانت نايمة في حضني.
حضنتها بكل قوتي، وأول مرة أحس إني كنت فعلًا على بعد خطوة من إني أخسرها للأبد.
بصيت للقابلة وقلت:
— هتيجي تشهدي معايا؟
هزت رأسها من غير تردد:
— هشهد… حتى لو اتحبست بسبب اللي عملته.
خرجت من عندها على قسم الشرطة مباشرة.
دخلت وأنا شايلة بنتي، وطلبت أقابل الضابط.
حكيت كل حاجة من أول إصرار حماتي على الولادة في البيت، لحد اختفاء بنتي، وسلّمته التسجيل.
الضابط سمعه كامل، واتغيرت ملامحه.
قال بحزم:
— متقلقيش… محدش هيقرب منك ولا من بنتك تاني.
بعد ساعات قليلة، اتحرر المحضر، وبدأت الجهات المختصة تحقق في كل اللي حصل.
أما أحمد… فضل يتصل بيا عشرات المرات.
وفي الآخر بعتلي رسالة:
“سامحيني… أمي ضيعتني.”
بصيت للرسالة ثواني… وبعدين مسحتها من غير حتى ما أرد.
لأن اللي يوافق يسكت على جريمة، يبقى شريك فيها.
رجعت بيت أهلي، وأمي أول ما شافتني أنا وبنتي وهي بتبكي.
قالت:
— الحمد لله إن ربنا رجعهالك.
بصيت لبنتي وهي نايمة بهدوء، وبوست جبينها.
ووعدتها بيني وبين نفسي:
— طول ما أنا عايشة… محدش هيقدر يبعدك عن حضني.
وبعد شهور…
صدر حكم بحبس أحمد ووالدته بعد ثبوت تورطهما في محاولة خطف الطفلة، مع استمرار التحقيق في الوقائع الأخرى التي كشفتها القابلة.
أما أنا… فبدأت حياة جديدة.
يمكن كانت أصعب من اللي فات… لكن كان معايا أغلى حاجة في الدنيا.
بنتي… اللي ربنا أنقذها قبل ما تضيع مني للأبد.