حماتي شتمت امي ج٣

الغريب إنهم كانوا مجهزين أكلي المفضل، وكل حاجة كانت مثالية بشكل مريب.

قعدنا على السفرة.

ندى ابتسمتلي وقالت:

—بقولك إيه يا فاطمة… هو البيت اللي ورثتيه عن أبوكي مساحته كام بالظبط؟

سكتُّ.

كملت وهي بتحاول تبان عادية:

—والعقد مكتوب باسمك لوحدك؟ ولا مامتك ليها فيه؟

بصيت لها باستغراب.

وقبل ما أرد، سألت سؤال تالت:

—وأصل العقد… بتحتفظي بيه فين؟

في اللحظة دي، حماتي بطلت أكل.

ورفعت عينيها عليّا مستنية إجابتي.

ساعتها فهمت.

المصالحة دي…

مالهاش أي علاقة باللي حصل في العزومة.

كانوا عايزين حاجة تانية خالص.

حاجة أنا لسه ما اكتشفتهاش.

ولأول مرة، بدأت أسأل نفسي:

هما عايزين عقد البيت ليه؟

وإيه اللي محمد مخبيه عني من أول يوم في جوازنا؟

واللي اكتشفته بعد كده كان أخطر بكتير مما كنت أتخيل…

الجزء الثاني
فضلت قاعدة على الكنبة، وعينيا بتتحرك بين ندى وحماتي. السكوت اللي ملى الصالة بعد سؤال ندى كان غريب، سكوت تقيل، من النوع اللي يخليك تسمع دقات قلبك. حماتي كانت ماسكة الشوكة في إيدها، بس عينيها كانت مركزة على بوقي، مستنية الكلمة اللي هتنزل مني عشان تلقطها.
حسيت بنغزة في قلبي، بس رتبت أفكاري بسرعة. السنين اللي عشتها في شبرا، وأمي اللي كانت بتعلمني إزاي أكون واعية ومفتحاش عيني على الغدر، خلوني ألقط اللعبة.
ابتسمت ببرود، وحطيت المنديل على رجلي وقلت:
— والله يا ندى، مساحته مش كبيرة ولا حاجة، بيت أبويا الله يرحمه على قدنا. وبعدين العقد وأوراقه دي حاجات تخص أمي وتخصني، يعني متشالة في مكان أمين وخلاص. المهم، إنتِ مكلتيش من صينية الرقاق ليه؟ دي شكلها عاجبك أوي.
وش ندى اتقلب للحظة، وحماتي اتنحنحت وقالت بصوت حاولت تخليه حنين بس كان طالع مخنوق:
— يا بنتي، ندى بتطمن عليكي وعلى مالك، ما إنتِ بقيتي بنتنا برضه. إحنا بس بنقول لو الأوراق دي محتاجة توثيق أو تسجيل في الشهر العقاري، محمد أخوها بيفهم في الحاجات دي وممكن يساعدك، بدل ما تتبهدلي في المحاكم والمصالح الحكومية.
— تسلمي يا طنط —قلتها وأنا بقوم من مكاني— محمد فيه الخير، بس الحمد لله ورق البيت سليم ومسجل من أيام والدي، مش محتاج تعب. أنا هقوم أغسل إيدي بقا.
دخلت الحمام، وقفت قدام المراية ونفست نفسي بالعافية. “هما عايزين إيه من بيت شبرا؟” البيت قديم، صحيح موقعه في شارع تجاري وحيوي، بس مش للدرجة اللي تخلي عيلة عايشة في مصر الجديدة وعندهم عربيات يبقوا ملهوفين على عقده كده! في إنّ في الموضوع، ومحمد هو راس السهم في اللعبة دي.
لما خرجت، لقيت محمد لسه واصل، دخل وشكله كان هربان منه النوم، عينه حمرا ووشه شاحب. أول ما شافني، حاول يبتسم وقال:
— فاطمة! كويّس إنك جيتي، نورتي بيتك يا حبيبتي. شوفتي بقا إن أمي وندى بيحبوكي؟
بصيت له من فوق لتحت، وقلت في سري: “يا خسارة يا محمد.” رديت عليه:
— بنورك يا محمد. أنا كنت ماشية خلاص عشان الوقت اتأخر وماما قاعدة لوحدها.
— تمشي فين؟ لا طبعًا، إنتِ هتباتي في بيتك، إحنا خلاص صفينا النفوس —قالها وهو بيقرب يمسك إيدي، بس أنا سحبتها بهدوء.
— لأ، أنا اتفقت مع طنط وندى إني هاجي أتعشى بس، ولسه حسابنا وصُلحنا أنا وإنت مخلصش. لما شروطي تتنفذ يا محمد، نبقى نتكلم.
حماتي وقفت بسرعة وقالت بنبرة حدة بدأت تظهر تاني:
— شروط إيه يا بنت الأصول؟ هو إحنا مش خلاص اتعشينا وبقينا كويسين؟ إيه لزمتها الشروط والورق اللي بتقولي عليه ده؟ إنتِ عايزة تخربي على نفسك من أولها؟
— الخراب مش بييجي من اللي بيطلب حقه يا طنط، الخراب بييجي من اللي عينه على حق مش بتاعه. عن إذنكم.
سيبتهم ومشيت، صوته وهو بينادي عليا في المدخل كان عالي، بس أنا مابصيتش ورايا. نزلت السلم وأنا بجري، ركبت أول تاكسي وقبل ما أتحرك، لقيت رسايل على موبايلي من محمد: “فاطمة ارجعي”، “فاطمة متضيعيش كل حاجة من إيدك”.
وصلت شبرا، طلعت السلم وفتحت الباب. أمي كانت قاعدة على السجادة بتصلي، استنيتها لما خلصت وسلمت. ارتميت في حضنها وأنا بعيط، مش من الكسرة، لأ، المرة دي من الحيرة والخوف من اللي جاي.
— مالك يا قلب أمك؟ حصل إيه تاني؟ هما زعلوكي؟
— لأ يا ماما، الموضوع مابقاش موضوع زعل وعزومة ولحمة. الموضوع فيه حوار كبير أنا مش فاهماه.
قعدت وحكيت لها كل اللي دار على السفرة، من أول أسئلة ندى لحد كلام حماتي عن الشهر العقاري. أمي سمعتني وهي حاطة إيدها على خدها، وملامح وشها بدأت تتغير، مابقتش ملامح الست الهادية الطيبة، ظهرت في عينيها نظرة قلق قديمة، نظرة أنا عارفاها كويس.
أمي سكتت شوية، وبعدين قامت وقفت، وراحت ناحية الدولاب بتاعها. طلعت مفتاح صغير كانت دايماً شايلاه في جيب جلابيتها الداخلي، وفتحت درج مقفول، وطلعت منه لفة قماش سميكة.
قعدت جنبي وفكت القماش، وطلعت منه عقد البيت الأصلي، ومعاه ورقة تانية قديمة ومصفرة.
— خدي يا فاطمة، اقري دي.
مسكت الورقة، كانت عبارة عن خطابات ومكاتبات رسمية قديمة من المجلس المحلي ومن شركة مقاولات كبيرة، وتاريخها من حوالي شهرين بس قبل جوازي من محمد! قريت السطور وعينيا بتوسع من الصدمة.
المنطقة اللي فيها بيتنا في شبرا، الشارع كله داخل في خطة تطوير وتنظيم جديدة، وهيتبني مكانه ممشى تجاري ومجمع أبراج ضخم. الدولة هتعوض أصحاب البيوت دي بمبالغ خيالية، أو بشقق ومحلات في الأبراج الجديدة دي.. والتعويض لبيتنا إحنا بالذات، عشان موقعه على الناصية الرئيسية، كان واصل لملايين!
رفعت عيني لأمي وأنا مش مصدقة:
— ماما.. الورق ده جه هنا إمتى؟ وإزاي أنا معرفش؟
— الورق ده يا بنتي جه من شهرين، وأبوكي الله يرحمه كان كاتب البيت باسمك وباسمي، بس النصيب الأكبر ليكي إنتِ كنوع من التأمين. أنا قولت مش هقولك دلوقتي عشان مفيش حاجة تبوظ جوازتك، ومحمد لما جه يتقدم، سألني عن البيت وعن الشارع، وأنا طيبة وعلى نيتي قولتله إن في كلام عن تطوير.. مكنتش أعرف إن عينه هتبق زايغة كده!
حسيت بطعنة في ضهري. محمد كان عارف! محمد مكانش بيتجوزني عشان بيحبني أو عشان شايفني “بنت أصول” زي ما كان بيقول. محمد خطبني واتجوزني بسرعة وربع عشان التعويض ده! عشان كده حماتي وندى كانوا بيموتوا ويمسكوا العقد في إيديهم، عشان يخلوني أمضي على تنازل أو بيع وشراء لمحمد من غير ما أحس، تحت مسمى “الصُلح” و”تأمين المستقبل”.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع نار. افتكرت كل كلمة قالها لي، افتكرت لما كان بيقولي: “أنا شاريكي يا فاطمة ومش عايز من الدنيا غيرك”. طلع شاري الملايين اللي ورايا، مش شاريني أنا.
— هتعملي إيه يا بنتي؟ —أمي سألتني وهي بتمسح دموعي بإيدها الشقيانة.
— هربيهم يا ماما. اللي يفتكر بنت شبرا لقمة طرية ياكلها ويتمسخر بيها، يبقى لسه معرفش مين هي فاطمة. والكسرة اللي كسروهالي في وسط عيلتهم، هردها لهم في وسط الناس كلها.
تاني يوم الصبح، مكلمتش محمد ولا ردت على مكالماته الكتير. نزلت ورحت لمكتب محاماة كبير في وسط البلد، واحد من المعارف اللي كانوا بيخلصوا لوالدي أوراق الشغل زمان. قعدت مع المحامي، أستاذ رأفت، وحطيت قدامه ورق البيت والخطابات الرسمية.
أستاذ رأفت نظارته نزلت على طرف مناخيره وهو بيقرا، وبصلي وقال:
— يا فندم، الأرض دي تسوى ذهب دلوقتي. الشركة المطورة هتموت وتخلص مع أصحاب العقارات اللي على الناصية عشان يبدأوا حفر. لو جوزك أو أهله قدروا يخلّوكي تمضي على توكيل عام أو عقد بيع ابتدائي، حقك كله راح.
— وأنا مش هخليهم يلمسوا ورقة واحدة يا متر. أنا عايزة أعرف، إزاي أحميهم قانونياً بالملي، وفي نفس الوقت أخليهم يجوا ورايا وهم راكعين؟
المحامي ابتسم وقال:
— القانون في صفك، العقد مسجل ومفيش فيه ثغرة. بس عشان نلعب معاهم صح، إحنا هنعمل “فخ”. هتمشي معاهم في السكة، وتفهميهم إنك موافقة تديهم اللي عايزينه، بس بشرط.. والشرط ده هو اللي هيعلق مشنقتهم.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة بإن قوتي رجعتلي تالت ومتلت. ركبت الميكروباص ورجعت البيت، وطول الطريق وأنا برسم الخطة في دماغي. محمد لازم يدفع تمن كل نظرة استهانة، وكل كلمة قالتها أمه في حقي وفي حق أمي، وكل علبة أكل ندى رمتها على السفرة عشان تحسسني إني قليلة.
أول ما وصلت شبرا، لقيت عربية محمد واقفة تحت البيت. كان قاعد جواه، وساند راسه على الدريكسيون وشكله تعبان. أول ما شافني نازلة، فتح الباب وجري عليا.
— فاطمة! كنتِ فين؟ بقالي ساعات مستنيكي هنا، وتليفونك مقفول! حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده!
بصيت له بملامح هادية جداً، ملامح خالية من أي غضب، وقولت بنبرة ناعمة:
— كنت بريح دماغي شوية يا محمد. المشي في الشوارع بيخليني أفكر أحسن.
— وفكرتي في إيه؟ —سألني بلهفة، وعينيه لمعت بالطمع اللي بقيت شايفاه بوضوح دلوقتي.
— فكرت إن كلام مامتك صح. إحنا ملناش غير بعض، ومينفعش نخرب بيتنا من أول أسبوع عشان خناقة في المطبخ أو كلمتين اتقالوا في وقت عصبية.
محمد اتنفس الصعداء، وابتسامته رجعت لوشه:
— أيوا كده يا فاطمة! دي فاطمة العاقلة اللي أنا عرفتها وحبيتها. يلا لمي حاجتك عشان نرجع شقتنا.
— لأ، مش دلوقتي يا محمد. أنا هرجع معاك، بس بعد ما نصفي كل حاجة عشان ندخل على نظافة. إنت قولت إنك زعلان ومامتك ندمانة، صح؟
— طبعاً! أمي هتموت وتصالحك، وندى كمان.
— خلاص، أنا موافقة. بس أنا قولتلك إني محتاجة أكون متأمنة. البيت بتاعي وبتاع أمي في شبرا، أنا قررت أعمل فيه حاجة تضمن مستقبلي ومستقبلك. أنا هعمل عقد شراكة بيني وبينك في البيت ده، عشان نبقى بنبني مستقبلنا سوا، ومحدش يقول إننا غُرب عن بعض.
محمد عينيه كانت هتطلع من مكانها من الفرحة، حاول يداري لهفته وقال:
— بجد يا فاطمة؟ إنتِ هتعملي كده؟ طب والورق؟ والعقد الأصلي فين؟
— العقد معايا وفي حفظ وصون —قولتها وأنا ببتسم وبطبطب على كتفه— بس عشان نعمل العقد ده صح، أنا عازماكم كلكم عندي هنا في بيت شبرا يوم الجمعة الجاية. مامتك، وندى، وإنت طبعاً. هنعمل قعدة أصول، ونجيب المحامي يكتب عقد الشراكة باللي يرضي الطرفين، وأهو بالمرة مامتك تشوف البيت وتعرف إن بنت شبرا جاية من خير وعز برضه، مش من قلة.
— ماشي يا حبيبتي، اللي تشوفيه! أنا هكلم أمي دلوقتي وأقولها، هيفرحوا أوي!
سيبته وطلعت السلم، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بتأكد لي إن النهاية بتاعتهم قربت. هما فاكرين إنهم جايين ياخدوا ورقة تخليهم ملايين، ومش عارفين إنهم جايين يوقعوا على صك نهايتهم وخروجهم من حياتي للابد.
يوم الخميس، نزلت السوق مع أمي. اشترينا أحسن خضار وأحسن لحمة. قضينا اليوم كله نطبخ ونجهز، بس المرة دي وأنا بضحك وبغني مع أمي. مكنتش تعبانة، لأن الأكل ده مكانش عشان أثبت لحد إني “شاطرة”، الأكل ده كان “العشا الأخير” لعيلة محمد في حياتي.
يوم الجمعة جه، والساعة دقت خمسة بعد الظهر. الباب خبط، فتحت ولقيت محمد واقف، ووراه حماتي لابسة ومشيّكة على الآخر، وندى جاية وراهم بتبص لمدخل البيت القديم بقرف ومش عاجبها العجب.
— أهلاً وسهلاً، اتفضلوا، البيت نور —قولتها وأنا ببتسم بكل ترحيب.
حماتي دخلت، وبدأت تبص على الصالة المتواضعة، والكنب القطيفة القديم، وقالت بصوت واطي:
— هو ده البيت بقا يا فاطمة؟ ما شاء الله.. صحيح قديم بس يعني.. يمشي حاله.
— اتفضلي يا طنط ارتاحي —أمي خرجت من المطبخ ورحبت بيهم بمنتهى الذوق والأصل الشبراوي اللي يملى العين. قعدوا، ومحمد كان عمال يبصلي ويغمزلي بمعنى “فين الورق؟”.
قعدنا على السفرة، وحطيت الأكل. صواني بطاطس باللحمة ريحتها تقلب الشارع، ورق عنب مرصوص بالملي، محشي، ورز بالشعرية. الأكل اللي حماتي قال ت عليه “تقيل وبتاع مطاعم شعبية” كان محطوط قدامهم دلوقتي وهم هيموتوا من الجوع بعد مشوار المواصلات.
— كلو يا جماعة، سموا الله —أمي قالتها بحنية.
ندى بدأت تاكل وبان على وشها إن الأكل عاجبها جداً بس مكابرة، وحماتي كلت وقالت:
— تسلم إيدك يا أم فاطمة، الأكل كويس.. بس يلا بقا يا فاطمة، فين الأستاذ المحامي اللي قولتي عليه؟ الوقت بيسرقنا وإحنا عايزين نخلص الأمور الرسمية دي عشان نرجع مصر الجديدة قبل الزحمة.
وقفت من على السفرة، ودخلت الأوضة. جبت لفة القماش، وخرجت ومعايا المحامي، أستاذ رأفت، اللي كان مستني في الأوضة التانية من غير ما يحسوا.
أول ما شافوا المحامي، محمد وقف وظبط قميصه، وحماتي عينيها لمعت.
قعد أستاذ رأفت على رأس السفرة، وطلع الأوراق، وبدأ يفتح لفة القماش ويطلع عقد البيت الأصلي.
ندى قربت برقبتها عشان تشوف، وحماتي قالت:
— اكتب يا متر، اكتب إن العقد ده هيبقى مناصفة بين فاطمة ومحمد جوزها، وله حق التصرف والبيع والشراء في النص بتاعه.
أستاذ رأفت بص لحماتي وبص لمحمد، وبعدين طلع ورقة تانية خالص من شنطته، وحطها قدام محمد وقال بنبرة صوت حاسمة وقوية:
— الكلام ده مظبوط يا مدام، بس قبل ما نكتب عقد الشراكة، في ورقة تانية لازم الأستاذ محمد يوقع عليها الأول، كإجراء قانوني روتيني عشان الشراكة دي تبقى قانونية بنسبة مية في المية.
محمد مسك القلم بلهفة وقال:
— ورقة إيه دي يا متر؟ أنا جاهز أمضي على طول عشان نخلص.
أستاذ رأفت سحب النظارة وبص لمحمد وقال بكل برود:
— دي ورقة إقرار وتعهد من سيادتك، بإنك استلمت من المدام فاطمة مبلغ ومقدره خمسة مليون جنيه، كقيمة شراكة في الأرباح المتوقعة من مشروع الأبراج والتطوير اللي هيحصل في أرض البيت ده، وإنك في حالة إخلالك بالشراكة أو حدوث طلاق، ملتزم برد المبلغ ده فوراً، أو السجن بتهمة خيانة الأمانة والنصب.
اللقمة وقفت في زور حماتي، وشها ازرق وفضلت تكح. ندى برقت عينيها وقامت وقفت، ومحمد القلم وقع من إيده، وبصلي ووشه جايب ألوان الطيف كلها.
— خمسة مليون جنيه إيه؟ وأبراج إيه؟ وتطوير إيه يا متر؟! إنت بتقول إيه؟! —محمد زعق وصوته اتهز.
وقفت أنا بكل ثقة، ساندت إيدي على السفرة، وبصيت في عين محمد مباشرة وقولتله:
— بقولك اللي إنت كنت عارفه من شهرين وجاي تتجوزني علشانه يا محمد. فاكرني مغفلة؟ فاكر بنت شبرا مش هتعرف إنك بايع نفسك وأهلك بايعين أصولهم عشان تعويض الأبراج الجديدة؟
حماتي وقفت وهي بترتعش، بس المرة دي من الرعب والفضائح:
— إنتِ.. إنتِ بتقولي إيه يا بت إنتِ؟ إحنا ناس بتوع أصول ومصر الجديدة! إحنا مش بتوع ملايين وتعويضات!
— لاء يا طنط، إنتوا بتوع ملايين، بس الملايين دي بعيدة عن شنبكم —بصيت لمحمد ورميت الورقة في وشه— إنت قدامك حل من التنين يا محمد. يا تمضي على الورقة دي وتثبت فعلاً إنك شريكي في الحلوة والمرة والبيت والفلوس، وساعتها التعويض يدخل جيبنا سوا.. يا إما تمضي على ورقة تانية خالص أنا مجهزاها في الشنطة دي.
طلعت ورقة تانية وحطيتها قدامه بقوة:
— ورقة طلاقي منك.. طلاق للضرر وبدون مؤخر ولا نفقة، لأني مش هتشرف أكون على ذمة راجل اتجوزني عشان طمعان في ورث أبويا، ووقف يتفرج على أمه وهي بتهين أمي اللي شقيت عليا!
الصالة اتملت بسكوت قاتل، ومحمد كان بيبص للورقتين، وعرق الخوف نازل على وشه.. وأنا واقفة مستنية أشوف هيختار إيه، والنهاية اللي رسمتها ليهم بدأت تتنفذ بالملي.
الجزء الرابع
نزلنا من السلم زي الإعصار. محمد كان بيجري قدامي بخطوات واسعة، وعينيه مفيهاش غير الغضب العمى. أنا وراه، بلم عبايتي بإيد، والإيد التانية ماسكة موبايلي.. قلبي كان بيدق في صدري زي طبول الحرب. أمي وقفت على باب الشقة وهي بتدعي لنا: “ربنا ينصركم يا بنتي، ويكفيكم شر ولاد الحرام، روح يا محمد يا بني ربنا يجعلك سند ليها ويرد كيدهم في نحرهم”.
الدعوة دي رنت في ودني وإحنا بنركب عربية محمد. أول ما قعد ورا الدريكسيون، دَوّر العربية وطلع بيها بأقصى سرعة، الكاوتش عمل صوت صريخ في شارع شبرا الكاحل بالضلمة. محمد كان بيخبط بإيده على الدريكسيون وبيقفل سنانه على بعضها لدرجة إن عروق رقبته كانت هتنفجر.
— محمد، إنت رايح فين بالظبط؟ أمك فين دلوقتي؟ —قُلتها وأنا بنهج من الخوف والتوتر.
— أمي في النادي يا فاطمة. كلمتها وقالت لي إنها قاعدة مع أصحابها في نادي هليوبوليس في مصر الجديدة. رايحة تتمنظر وتعيش عيشة الهوانم، وهي بتبعت بلطجية يولعوا في بيوت الناس! أنا مش هسكت، المرة دي لو سكتت أبقى مش راجل، وأبقى مستاهلش اللقمة اللي أكلتها من إيد أمك الطيبة.
بصيت له ولقيت نفسي لأول مرة من يوم ما اتجوزنا حاسة بنوع من الأمان ناحيته. محمد الصغير، ابن أمه، اللي كان بيخاف من نظرة عينيها، كان بيتولد من جديد قدامي، بس الولادة دي كانت معمدة بالنار والمواجهة.
طول الطريق من شبرا لمصر الجديدة، مفيش حد فينا نطق بكلمة. الشوارع كانت زحمة، بس محمد كان بيعدي بين العربيات بغِل، كأنه بيسابق الزمن عشان يلحق المصيبة قبل ما تقع. كنت ببص من الشباك وأفكر في كلام أم أحمد. يا رب استرها، يا رب بيتنا ميتأذاش ولا أمي يجرالها حاجة. البيت ده مش مجرد جدران وطوب، ده ريحة أبويا، وشقا أمي، وسهر الليالي وهي بتعمل أكل وتبيعه عشان تطلعني دكتورة أو تجهزني ست بيت محترمة.
وصلنا مصر الجديدة، الشوارع هناك واسعة ونظيفة، تختلف تماماً عن زحمة شبرا ودوشتها، بس في اللحظة دي، النظافة دي كانت شكلها كئيب ومريب في عيني. محمد ركن العربية قدام بوابة النادي بمنتهى العنف. نزل ونزلني وراه، ومسك إيدي بقوة ودخلنا من البوابة. أمن النادي كان عارفه، فمحدش وقفه.
مشينا وسط الجناين والخضرة، لحد ما وصلنا لمنطقة الكافيهات المفتوحة. الجو كان رايق، والناس قاعدة لابسة أشيك لبس، بيضحكوا بصوت واطي وبيشربوا عصير. وفي وسط القعدة دي، كانت قاعدة حماتي، أم محمد، لابسة الطقم البيج الشيك ونظارتها الشمسية الماركة محطوطة على شعرها، وقاعدة وسط ثلاث ستات من أصحابها “الهوانم”، بتضحك وتتكلم بإيدها وتتمنظر كالعادة. وندى أخته كانت قاعدة جنبها، ماسكة موبايلها وبتبص فيه بملل.
أول ما محمد شافها، اتجه ناحيتها بخطوات ثابتة وسريعة. أنا كنت ماشية جنبه، حاسة إن كل الأنظار بدأت تتلفت علينا بسبب شكلنا المندفع.
— ماما! —محمد زعق بالصوت كله وهو بيقف قدام الترابيزة.
الضحكة هربت من وش حماتي فجأة. أصحابها سكتوا وبصوا لمحمد باستغراب. حماتي اتعدلت في قعدتها وحاولت ترسم الابتسامة الكدابة وقالت بصوت واطي:
— محمد؟ إيه يا حبيبي؟ جاي من غير ما تقول ليه؟ وأهلاً يا فاطمة.. إيه دا، إنتوا جايين كدا ليه في إيه؟
— سيبك من التمثيل ده كله يا سعاد هانم! —محمد قالها وهو بيناديها باسمها من غير “ماما”، الكلمة دي نزلت على حماتي زي الكرباج، ووشها احمر من الكسوف قدام أصحابها.
— محمد! إنت اتجننت؟ إزاي تناديني كدا قدام طنط ميرفت وطنط شهيرة؟ إيه قلة الأدب دي؟ دي التربية اللي البت دي علمتهالك في يومين؟! —حماتي زعقت وهي بتقوم تقف.
— البت دي ضافرها برقبتنا كلنا! —محمد صرخ بصوته كله، لدرجة إن الناس في الترابيزات اللي جنبنا سكتوا وبدأوا يتفرجوا— البت دي وأمها استقبلوني في بيتهم وأكلوني وعاملوني كأني ابنهم، في الوقت اللي إنتِ كنتِ بتبعتي بلطجي من ورا المحطة في شبرا عشان يبهدلها ويولع في بيتها!
الستات أصحاب حماتي شهقوا وحطوا إيديهم على بوقهم. ندى وقفت بسرعة ووشها بقى أبيض زي الورقة، وبصت لأمها بذهول.
حماتي حاولت تتماسك، وقالت بصوت متهدج وهي بتبص لأصحابها:
— كدب! الكلام ده كدب! البت دي بتتبلى عليا وعايزة تخرب علاقتي بابني! أنا أعمل كدا؟ أنا سليل عيلة هانم أعمل كدا يا محمد؟
قربت أنا خطوة، ووقفت في وشها مباشرة، وعيني في عينها:
— لاء عملتِ يا طنط. والواد الصايع اللي اسمه “سيد كابو” اللي ورا المحطة، جارتنا أم أحمد سمعتك بالملي وإنتِ بتديله صورتي وصورة البيت وبتتفقوا على السعر! تحبي بقا نطلب البوليس دلوقتي ونروح كلنا على القسم، ونخلي المباحث تجيب الواد ده من قفاه وتواجهكم ببعض؟ ونشوف بقا برستيج “مصر الجديدة” وهوانم النادي هيحصل فيه إيه لما اسمك ينزل في المحاضر بتهمة التحريض على القتل والحرق؟
حماتي رجعت خطوة لورا، ورجليها مكنتش شايلاها. قعدت على الكرسي تاني وهي بترتعش. أصحابها بدأوا يلموا شنطهم بسرعة. طنط ميرفت وقفت وقالت بنبرة متعالية ومقروصة:
— معلش يا سعاد.. إحنا شكلنا جينا في وقت مش مناسب. إحنا هنمشي ونبقى نكلمك في التليفون.
— استنوا بس يا ميرفت.. استني يا شهيرة! —حماتي كانت بتنادي عليهم وصوتها مخنوق، بس هما مشيوا بسرعة كأنهم بيهربوا من مصيبة.
المكان فضي علينا؛ أنا ومحمد، وحماتي وندى. محمد سند بإيديه الاتنين على الترابيزة وبص لأمه بغضب عميق:
— ليه يا ماما؟ ليه؟ أنا مضيت على الورق اللي هما عايزينه وخلاص، وبقيت شريك في الملايين اللي كنتِ هتموتي عليها. كنتِ عايزة تأذيها وتأذي أمها ليه؟ إيه الغل اللي جواكي ده؟
حماتي رفعت راسها، وفجأة النظرة الانكسار اختفت، وظل مكانها نظرة شر حقيقية. زعقت في محمد وهي بتعيط من الغل:
— عشان كسرتني! عشان حتة بت من شبرا، أمها بتبيع أكل للناس، تخليني أقف أترعش في بيتها! وتجيب لي محامي يذلنا، وتخليك تمضي على إقرار بخمسة مليون جنيه يوديك السجن! إنت مضيت على حبل المشنقة بتاعتك يا غبي! أنا كنت عايزة أكسر مناخيرها وأخد العقد الأصلي من بيتها عشان أحميك وأحمق حقنا! البيت ده هيتهد وهيطلع مكانه ملايين، وهي وأمها ميتستاهلوش الملايين دي! إحنا أولى بيها!
— إحنا مش أولى بحاجة مش بتاعتنا! —محمد زعق— والفلوس اللي تيجي بالدم والحرق، أنا مش عايزها! من اللحظة دي يا ماما، أنا ماليش دعوة بيكي ولا بالبيت ده، ولا بالفلوس دي كلها. أنا هعيش مع مراتي في شبرا، وهشتغل بلقمتي، والورق اللي أنا مضيت عليه هو الضمان الوحيد إنك مش هتقدري تلمسي شعرة من فاطمة أو أمها، لأن لو حصلهم أي حاجة، أول واحد هيشيل الليلة وهيروح في داهية هو أنا.. وإنتِ طبعاً مش هترضي ابنك الحبيبي يتسجن، صح؟
حماتي حطت إيدها على قلبها وصوتها بدأ يروح:
— إنت.. إنت بتبيع أمك عشانها يا محمد؟
— أنا بشتري نفسي يا ماما. بشتري الراجل اللي جوايا اللي إنتِ دمرتيه بالمظاهر الكدابة والفشخرة على الفاضي.
محمد مسك إيدي وقال بصوت حازم:
— يلا يا فاطمة.
مشينا وسبناهم في النادي، ورايا كانت حماتي بتصرخ وندى بتحاول تهديها، بس أنا مابصيتش ورايا. لما ركبنا العربية، محمد سكت شوية، وبعدين بصلي وقال:
— فاطمة.. أنا أسف. أسف على كل حاجة. على يوم العزومة، وعلى طمعي، وعلى اللي أمي حاولت تعمله. أنا هصلح كل حاجة، والله هصلحها.
بصيت له وهزيت راسي:
— التصليح مش بالكلام يا محمد. التصليح بالفعل. إحنا لازم نأمن البيت فوراً قبل ما الواد البلطجي ده يعمل حاجة.
— متخافيش، أنا عارف هنتعامل معاه إزاي.
رجعنا شبرا، بس المرة دي محمد موقفش العربية تحت البيت. راح ناحية القهوة الكبيرة اللي في أول الشارع، ونزل، وسأل على “كبير المنطقة”، راجل عجوز ومحترم اسمه الحاج عاشور، الكل بيعمله ألف حساب ومحدش من العيال الصايعة يقدر يكسر له كلمة. قعد محمد معاه وحكاله الموضوع من طقطق لسلامو عليكم، وقاله إن في عيال غريبة بتلف حوالين بيت الحاجة سعاد وعايزين يعملوا مشكلة.
الحاج عاشور هز راسه وهو بيشرب الشيشة وقال بصوت رخيم:
— عيب يا ابني.. بيت الحاجة سعاد ده بيت غالي علينا كلنا، والراجل الله يرحمه وال د فاطمة كان أخونا. مفيش كلب يقدر يقرب من البيت وطالما أنا عايش في المنطقة. الواد “سيد كابو” ده أنا هجيبه وأربيه وأخليه يقر بمين اللي وزّه، والورق بتاعه هيبقى تحت إيدنا. روحوا انتوا ارتاحوا، والمنطقة كلها عينها على بيتكوا.
كلام الحاج عاشور ريح قلوبنا شوية. طلعنا الشقة، أمي استقبلتنا بالدموع والحضن لما عرفت إن محمد وقف وقفة رجالة في النادي. قعدنا كلنا، ومحمد طلب من أمي تسامحه، وأمي بطيبتها قتلت الغل اللي جواه وقالتله: “مسامحاك يا بني، طالما صنت بنتي ووقفت في ظهرها، إنت بقيت ابني خلاص”.
عدى يومين، والوضع كان هادي، بس هدوء ما قبل العاصفة. محمد مكانش بينام، كان دايماً باصص من الشباك بيراقب الشارع. وفي ليلة يوم الجمعة، الساعة كانت حوالي اتنين بالليل، والمنطقة كلها سكتت.
فجأة، سمعنا صوت حركة غريبة في المنور بتاع البيت. صوت خربشة وخطوات مكتومة.
محمد قام من السرير زي الفهد، مطلعش صوت. جرى على المطبخ جاب عصاية غليظة، وأنا قمت وراه وجبت س\كين المطبخ الكبيرة. أمي صحت ووقفت تدعي في الصالة بصوت واطي.
محمد قرب من باب الشقة وبص من العين السحرية، ملقاش حاجة، بس الصوت كان جاي من شباك المطبخ اللي بيطل على المنور. قربنا بالراحة.. وبصينا.
كان في خيال راجل، ماسك في إيده جركن صغير، وبيحاول يفتح سلك الشباك عشان يدلق اللي جوة الجركن في المطبخ! ريحة بنزين بدأت تفوح في المكان!
محمد مفيش لحظة تردد. فتح الشباك فجأة وبكل قوته، ونزل بالعصاية على إيد الراجل اللي صرخ صرخة كتمها بسرعة. الجركن وقع في المنور وعمل دوشة كبيرة. محمد مسك الراجل من هدومه وشده من الشباك لجوه المطبخ!
الراجل كان واد صغير، وشه مليان جروح، وهو ده “سيد كابو”! قعد في الأرض وهو ماسك إيده اللي انكسرت وبيصرخ بصوت مكتوم:
— آه.. إيدي! سيبوني.. أنا ماليش ذنب!
محمد نزل فوقه ضرب وبقى بيزعق:
— مملكش ذنب إزاي يا روح أمك؟! جاي تولع في بيتنا وبتقول ماليش ذنب؟! مين اللي بعتك؟ انطق بدل ما أدفنك هنا ومحدش هيعرفلك طريق!
الواد كان مرعوب، وبصلي وبص لمحمد وقال وهو بيعيط:
— الست الكبيرة! الست الكبيرة وأ بنتها اللي من مصر الجديدة! هما اللي جولي وأدوني ألفين جنيه عربون وقالت لي ولّع في المطبخ وسيب البنزين يشتغل! وقالت لي لو جبت العقد الأصلي من جوة هتديني عشرين ألف جنيه! والله العظيم أنا غلبان ومشفتش فلوس قبل كدا وهما اللي وزوني!
أنا مسكت موبايلي وبدأت أسجل فيديو للواد وهو بيعترف بكل كلمة بالصوت والصورة.
— كمل يا روح أمك —قُلتها وأنا مقربة الموبايل من وش— اسم الست إيه؟ وقالت لك إيه بالظبط؟
— اسمها سعاد! وبنتها اسمها ندى! ومعايا رقم تليفون البت أهو على تليفوني، هي اللي كانت بتكلمني وتوصفلي الشارع والبيت! خدو التليفون أهو بس سيبوني أمشي!
أنا ومحمد بصينا لبعض. الاعتراف ده بالفيديو، ومعاه تليفون الواد والرسايل اللي بينه وبين ندى، كانت هي القنبلة الموقوتة اللي هتهد عيلة محمد فوق دماغهم.
في الوقت ده، الباب خبط بقوة. محمد فتح، ولقينا الحاج عاشور ومعه ثلاثة من رجالة الشارع الشداد، كانوا صاحيين على صوت الدوشة. دخلوا وشافوا الواد والجركن البنزين اللي في المنور.
الحاج عاشور بص للواد بقرف وقال:
— وقعت في شير أعمالك يا واد يا صايع. خده يا واد منك له على القهوة، واقفلوا عليه لحد الصبح، والصبح المحامي بتاع الأستاذة فاطمة ييجي ونعمل المحضر بالدليل والبرهان.
الرجالة خدوا الواد ونزلوا، ومحمد قفل الباب وقعد في الأرض وهو حاطط راسه بين ركابه، كان بيبكي.. بيبكي على أمه اللي وصلت للمرحلة دي من الإجرام، وعلى الغدر اللي كان عايش فيه وهو مش داري.
قعدت جنبه، وحطيت إيدي على كتفه:
— خلاص يا محمد.. الموضوع انتهى. أمك وأختك كتبوا نهايتهم بإيديهم.
— هنعمل إيه بالتحقيق والفيديو ده يا فاطمة؟ هتحبسيهم؟ —سألني وعينيه مليانة رجاء مكسور، مهما كان دي أمه وأخته.
بصيت له وقولت بنبرة حاسمة:
— السجن قليل عليهم يا محمد. أنا مش هحبسهم عشان خاطرك إنت، وعشان خاطر اسمك اللي شايلينه. بس الفيديو ده والتليفون ده هيفضلوا السيف اللي على رقبتهم. من بكرة الصبح، أستاذ رأفت هيتصل بيهم، وهيطلب منهم حاجة واحدة بس.. التنازل عن شقة مصر الجديدة وعن كل ممتلكاتهم باسمي وباسمك، كنوع من التعويض عن المحاولة دي، وإلا الفيديو ده والرسايل هيروحوا للنيابة، وساعتها الفضيحة هتبقى بجلاجل والسجن مش هيمشي أقل من عشر سنين للأم والبنت بتهمة التحريض على جناية حرق وقتل عمد.
محمد هز راسه بالموافقة:
— موافق يا فاطمة.. موافق. هما يستاهلوا أكتر من كدا.
تاني يوم الصبح، أستاذ رأفت جيه ومعاه الورق كله، وكلم ندى على التليفون. ندى أول ما سمعت صوت المحامي وعرفت إن الواد اتمسك واعترف ومعانا تليفونه والرسايل، صرخت على الناحية التانية من الخط وبدأت تعيط وتتوسل:
— لاء يا متر! أبوس إيدك بلاش البوليس! ماما هتموت فيها، وأنا مستقبلي هيضيع! إحنا هنعمل كل اللي انتوا عايزينه!
— خلاص —أستاذ رأفت قال ببرود— تجولنا بكرة الصبح في المكتب، وإنتِ ومامتك تمضوا على تنازل نهائي وشامل عن شقة مصر الجديدة بكل اللي فيها للأستاذ محمد وللمدام فاطمة، وتكتبوا تعهد بعدم التعرض، وساعتها بس هنقفل الق\ضية والسر هيفضل مدفون.
يوم السبت الصبح، كنا قاعدين في مكتب أستاذ رأفت. الباب فتح ودخلت حماتي وندى. شكلهم كان يقطع القلب؛ الوشوش شاحبة، العينين مكسورة، ومفيش أثر للهوانم بتوع النادي ومصر الجديدة. كانوا زي الفراخ اللي مستنية الدبح.
حماتي بصتلي بنظرة كلها غل وحقد، بس كان غل عاجز، غل ملهوش أنياب. قعدت على الكرسي ومنطقتش بكلمة. أستاذ رأفت حط ورق التنازل قدامهم.
— امضوا هنا يا هوانم —أستاذ رأفت قالها وهو بيشير بالقلم.
ندى مضت وهي بتعيط، وحماتي مسكت القلم وإيدها بترتعش، وبصت لمحمد وقالت بصوت هسيس:
— بعتني يا محمد؟ بعت أمك عشان الفلوس والبت دي؟
محمد مابصش في عينها، رد وهو باصص للشباك:
— إنتِ اللي بعتيني يا ماما لما فكرتي تحرقي بيتي ومراتي. إنتِ اللي اختارتِ الفلوس والمظاهر، وأنا اخترت أكون راجل. امضي يا ماما وخلينا نقفل الصفحة دي عشان نعيش في سلام.
حماتي مضت وبصمت، ورزعت القلم على المكتب. وقفت وبصتلي وقالت:
— خدتي الشقة وخدتي الفلوس وخدتي ابني يا فاطمة.. ارتحتي كدا؟
وقفت أنا بكل كبرياء، وظبطت طرحتي، وقولت لها بنبرة خلت جسمها يقشعر:
— أنا مخدتش حاجة مش بتاعتي يا سعاد هانم. أنا حميت بيتي وأمي، والشقة والفلوس دول تمن الخوف والرعب اللي عيشتهولنا. وابنك مخدتوش منك، ابنك هو اللي عرف فين الأصول وفين طريق الرجوع. تقدري تمشي دلوقتي، ومصر الجديدة لسه واسعة، بس من غير المنظرة الكدابة بتاعتك.
خرجوا من المكتب وهم بيجروا رجليهم وراهم، والنهاية بتاعتهم كانت أشد من السجن؛ الكسرة والفضيحة وقلة القيمة قدام نفسهم وقدام الناس.
التفت لمحمد وأستاذ رأفت، وحسيت إن جبل كان على صدري وانزاح. محمد مسك إيدي وقال:
— كده خلاص يا فاطمة؟ كل حاجة خلصت؟
ابتسمت وقولتله:
— كدا الجزء الصعب خلص يا محمد.. بس الحكاية لسه بتبدأ. شركة المقاولات كلمت أستاذ رأفت والتعويض بتاع بيت شبرا هيجهز الأسبوع الجاي. الملايين جاية، والشقة في مصر الجديدة بقت بتاعتنا.. بس إحنا مش هنعيش هناك علطول. إحنا هنبني حياتنا هنا وهناك، والأصول اللي اتعلمتها في شبرا، هعيش بيها طول عمري.
محمد ابتسم وضغط على إيدي، وأنا بصيت من شباك المكتب على شمس القاهرة وهي طالعة، وحسيت إن بنت شبرا قدرت تلم شمل حياتها وتثبت إن الحق دايماً صوته أعلى، مهما كان الغدر لابس ثوب هوانم.
بس وأنا بفكر في المستقبل، وفي الفلوس الكتير اللي جاية، وفي الشراكة اللي بيني وبين محمد، رن تليفوني برقم غريب.. رقم من شركة المقاولات الكبيرة. فتحت الخط، وجاني صوت راجل بيتكلم بنبرة جادة ومخيفة:
— ألو.. المدام فاطمة معايا؟
— أيوة أنا، مين معاي؟
— أنا المهندس شريف، المدير التنفيذي لشركة التطوير. أنا أسف إني بكلمك في الوقت ده، بس في حاجة خطيرة جداً اكتشفناها في أوراق ملكية الأرض والبيت بتاعكم في شبرا.. حاجة هتقلب الموضوع كله، ولازم تقابليني فوراً قبل ما التعويض يقف والشرطة تتدخل!
الخط قطع فجأة.. وبصيت للتليفون والصدمة رجعت لوشي تاني. التفت لمحمد وأنا مش قادرة أنطق.. الحكاية مخلصتش، واللي جاي شكله أخطر بكتير من طمع حماتي وبلطجة العيال الصايعة!

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *