رحمة الوحش ج ٢ حكايات انجى الخطيب
وفي يوم من الأيام، والبلد غرقانة في شمس العصاري، دخل من مدخل القرية شاب طول بعرض، وشه سمح وملامحه فيها هيبة ورضا. كان لابس جلباب نضيف، وماشي جنبه راجل عجوز، ووراهم مقطورة صغيرة محملة بخيرات ربنا من سمن وعسل ودقيق.
الشاب ده مكنش غريب.. ده كان الواد اليتيم بعد ما كبر وبقى راجل وسيد الرجالة. الفلاح الطيب اللي آواه، رباه وعلمه الأصول، ولما مات ورثه وبقى صاحب أرض وخير. بس الواد منسيش أصله، ولا نسي الغلابة اللي شافهم بيطاطوا من الخوف في الساحة زمان.
بدأ الشاب يوزع الخير على بيوت الغلابة والمحتاجين في البلد وسط دهشة الناس وفرحتهم، لحد ما وصل قدام “الدوار الكبير”.
الدوار كان حاله يغم النفس؛ الباب الخشب مخلع، والجدران الطين مقشرة، ومفيش ولا غفير واقف يحرس. الشاب خطى رجله ودخل الجنينة الجوانية، لقى العمدة قاعد على دكة مكسورة، جلبابه دايب، وعينيه دبلانة ومفيهاش غير نظرة حسرة وخوف من الموت.
أول ما العمدة رفع عينه وشاف الشاب، جسمه اتنفض، وحس إن الملامح دي مش غريبة عليه. الشاب قرب منه براحة، وقعد على ركبه قدامه، وبص في عينيه وقال بصوت هادي وفيه شجن:
”عرفتني يا عمدة؟ أنا الواد الجعان اللي كنت عايز ترميه تحت رجلين البهيمة عشان تسرق عيش من على طبليتك.”
العمدة لسانه اتمسك، وبقى يرجع بضهره لورا وهو بيترعش ويقول بصوت متحشرج:
”أنت.. أنت جيت تنتقم مني؟ جيت تاخد حقك؟”
الشاب ابتسم ابتسامة صافية، ومد إيده وطلع من جيبه لقمة عيش نضيفة وحتة لحمة مستوية، وحطهم في إيد العمدة المرعوشة وقال له:
”لا يا عمدة.. أنا مأتعلمتش الانتقام. أنا جيت أقولك إن لقمة العيش اللي كنت هتموتني عشانها، ربنا جعلها سبب في إني أرجع النهاردة وأنا شبعان وأقدر أكلك وأكل البلد كلها.”
العمدة بص للأكل اللي في إيده، وبص للوش السمح اللي قدامه، ودموعه نزلت لأول مرة في حياته؛ دموع ندم وقهر على سنين الجبروت والظلم اللي ضيعها من عمره.
الشاب وقف، وعدل عبايته، وبص للسما وقال:
”سبحانك يا رب.. يومها سخرتلي بهيمة ترحمني لما البشر قسوا عليا، والنهاردة بتخليني أرحم اللي ظلمني.”
خرج الشاب من الدوار وسط دعوات أهل البلد اللي كانت بتهز الشجر، وساب العمدة لوحده مع لقمته وندمه، لتنتهي حكاية العيل اللي سرق من جوعه، وبقى رمز للرحمة والخير اللي مبيفناش في قلوب الأنقياء.
*********
الشاب لف ضهره ومشي في وسط البلد، والناس كلها عمالة تبص عليه وتتحاكى بأصله وطيبته. اللي كان طفل صغير بيجري ورا أمه زمان، واللي كان واقف في الساحة وشاف الملعوبة الكبيرة بتاعة الجاموسة، الكل كان حاسس إن ربنا رد الحقوق لأصحابها في الدنيا قبل الآخرة.
وهو ماشي في سكة الخروج، لمح من بعيد الساحة القديمة.. الساحة اللي شهدت ذله وقهرته وهو عيل صغير. وقف مكانه، وبص للأرض التراب اللي اتقلب حالها وبقت أرض زراعية خضرا، الهوا بيلاعب زرعها.
الراجل العجوز اللي كان مع الشاب من الصبح، قرب منه وحط إيده على كتفه وقال له بحنية:
”سرحان في إيه يا ولدي؟ البلد اتملت بخيرك ودعوتك بقت في كل لسان.”
الشاب اتنفس بريحة الأرض، وابتسم وهو عينيه مدمعة دموع رضا:
”سرحان في حكمتك يا رب.. الساحة دي يا عم الحج، كانت مكان للخوف والظلم. كان الواحد يدخلها وركبه بتخبط في بعضها.. والنهاردة، خارج منها وأنا حاسس إن التراب نفسه بيضحكلي.”
الراجل العجوز بصل السما وقال:
”الظلم يا ابني زي الحلفا.. بيطلع بسرعة ويبان قوي، بس ملوش جدر يثبته في الأرض. أول شوية ريح بيطيروه. أما الخير، فزي النخلة.. بتكبر براحة، بس جدرها في سابع أرض، وبلحها حلو يدوقه الغريب قبل القريب.”
وفي اللحظة دي، والشمس بتغيب وبتسيب وراها شفق أحمر جميل مالي السما، الشاب لمح على أول الغيط من بعيد، شكل بهيمة ضخمة واقفة بتبص عليه من بعيد.. ملامحها سودة، وقفتها فيها هيبة. الشاب ركز عينيه، وقلبه دق بسرعة.. فرك عينيه عشان يتأكد، بس الخيال كان بعد واختفى وسط شجر الجميز والزرع العالي.
ضحك الشاب من قلبه، وعرف إنها رسالة من ربنا بتفكره باليوم اللي بدأت فيه حياته الجديدة.
ركب الشاب المقطورة بتاعته جنب الراجل العجوز، ومشيوا في طريق الرجوع لبلدهم الجديدة، والناس وراهم بتدعلهم لحد ما خيالهم اختفى مع ضلمة الليل.
ومن يومها، والبلد دي اتغير حالها؛ الدوار اتقفل ومبقاش فيه عمدة يتحكم في رقاب الخلق، والناس بقت إيد واحدة، الكبير بيحن على الصغير، والغني بياكل مع الفقير.. وفضلت “سيرة الواد والجاموسة” حكاية تتوارثها الأجيال، يعلموا بيها عيالهم إن القوة لله وحده، وإن اللي بيرحم.. بيرحمه الرحمن ولو كان وسط ذئاب.
*******
مرت الأيام والشهور، وبقت الحكاية دي هي “أصل البلد” وتاريخها اللي الكل بيحلف بيه. الساحة القديمة اللي شهدت المعجزة اتسمت بين الناس “ساحة الرحمة”، وبقى أي حد يتظلم أو يضيق بيه الحال، يروح يقعد هناك ويفتكر إن المخرج قريب ومبيجيبوش غير ربنا.
وفي ليلة مقمرة، والهدوء مالي كفر العمدة القديم، خرج العمدة من دواره المهدود وهو بيجر رجليه بالعافية. كان ماسك في إيده العكاز الخشب اللي بقاله سنين بيسند عليه، وجلبابه الدايب بيعفر في التراب. مشي لحد ما وصل لنص الساحة، وقعد في نفس المكان اللي الواد اليتيم كان راكع فيه وبيرتعش من الجوع والخوف.
بص العمدة للسما الصافية، ودموعه نزلت على دقنه البيضا الخفيفة، وتذكر صوته وهو بيزعق ويقول: “لو سامحت حرامي جعان النهاردة.. البلد كلها هتبقى حرامية بكرة.”
غمض عينيه وضرب كف على كف وقال بصوت مكسور كله ندم:
”أنا اللي طلعت الحرامي يا رب.. سرقت العمر من الناس، وسرقت الأمان من قلوب الغلابة.. وادي آخري، بقيت شحات اللقمة والأمان في بلد كنت أنا سيدها.”
وهو قاعد في ضلمة الليل بيناجي ربنا ويطلب السماح، سمع صوت حركة خفيفة ورا النخل القريب من الساحة. اتفزع وبص وراه، لقى خيال ضخم بيقرب منه براحة. قلبه دق بسرعة ورجع بيه الزمن لسنين ورا.
الخيال قرب.. وظهرت من ضي القمر جاموسة سودا ضخمة، عينيها هادية ومفيهاش الشر بتاع زمان، بس وقفتها لسه فيها نفس الهيبة. العمدة ثبت في مكانه، ومبقاش قادر يتحرك، بس المرة دي مكنش خايف من الموت، كان خايف من مواجهة ذنوبه.
الجاموسة وقفت على بعد خطوتين منه، وبصتله بنظرة طويلة كأنها بتعاتبه على السنين اللي ضاعت في الجبروت. العمدة نزّل راسه في الأرض وبكى بحرقة وقال لها:
”سامحيني.. حتى أنتِ طلعتي تفهمي في الأصول عني.. أنا تبت للي خلقني وخلقك.”
الجاموسة لفت ضهرها ومصفتش وراه أي شر، مشيت براحة واختفت وسط الغيط، كأنها كانت جاية تديله الإشارة الأخيرة إن باب التوبة مفتوح حتى للي ظلم، بس بعد ما يدوق مرار اللي عمله.
وفي الصبحية، لقى أهل البلد العمدة نايم في نص الساحة، وشه كان رايق ومبتسم، وإيده اليمين مفرودة على التراب كأنه بيطلب السماح من الأرض نفسها.. كانت روحه طلعت لبارئها.
الناس شالوه ودفنوه، ومحدش ذكر قسوته تاني، لأن الشاب الطيب ساب في قلوبهم درس إن “الرحمة” هي اللي بتعيش، وإن ربنا بيغفر لما العباد بتتعلم تعفو وتسامح. وانطوت صفحة العمدة، وفضلت قصة الواد والجاموسة حية في بال كل واحد، تفكرهم إن مهما طال ليل الظلم، فجر العدل والرحمة لازم هيشقشق ويدخل كل البيوت.
تمت
حكايات انجى الخطيب