حفيدي و رعب البدروم حكايات انجى الخطيب

حفيدي مكملش تلات أسابيع ومجاش يزورني… عشان كده قررت أروح أشوفه من غير ما أقوله… ولما دخلت البيت، اتوجهت للبدروم اللي كان مقفول بقفل من برة، وكانت طالعة منه ريحة تقرف تخلي الواحد يكتم نفسه… ولما باب البدروم اتفتح، اللي كان جوه كسرني ودمرني تماماً…

​على اليوم الاتنين وعشرين، حتى الأعذار اللي كنت بقولها لنفسي عشان أدافع بيها عن ليلى بقت مش جايبة همها وحاسسها كدب.

​البيت اللي على أطراف المعادي كان باين طبيعي جداً من على الرصيف، ويمكن ده أكتر شيء رعبني. ورق الشجر الناشف كان بيتجرجر على المشاية وبيروش النفوخ بصوت خروشة. عربية ابني الله يرحمه الشاهين القديمة كانت مركونة وتحت طبقة تراب تقيلة تكفي إن صباعي يعلّم فيها خط. صهد بعد الظهر كان كابس على نفسي، بس الهوا القريب من عتبة الباب القدامانية كان شايل ريحة مكمكمة ومصننة وبايخة.

​البيت ده كان المفروض تكون ريحته إريال ولبن دافي وجزمة الكورة بتاعة مروان المرمية جنب الباب.

​بدل كل ده، كانت ريحته ريحة سر.

​مروان كان حبيب جده بتاع يوم السبت من يوم ما ابني مات من أربع سنين. كان متعود يجري على مصطبة بيتي بسرعة لدرجة إن كوتشيه كان بيخبط على الخشب زي الطبلة الصغير، وبعدين يكلبش بإيديه الاثنين حوالين كوباية اللبن الدافية ويقعد يحكيلي على كل حاجة: المدرسة، الكورة، مين من صحابه اتعمله استدعاء ولي أمر، ومين من المدرسين ضحكه. بعد العزا، قعد مع أمه ليلى، ولما مدحت اتجوزها وعاش معاهم، حاولت أقنع نفسي إنها رحمة. العيل محتاج أكتر من مجرد حزن تحت سقف واحد.

​عشان كده لما ليلى إدتني نسخة من المفتاح “للاحتياط”، اعتبرت ده ثقة غالية.

​ساعات الثقة دي بتكون مجرد الباب اللي الناس بتسيبه مفتوح لحد ما يلاقوا حد يحبسوه جوه.

​بقالها تلات أسابيع ليلى بتسوق عليا نفس الكدبات الناعمة. مروان بيذاكر. مروان نايم. مروان عند صاحبه. صوتها بقى ناعم زيادة عن اللزوم ومترتب، زي ملاية سرير مغسولة ومشدودة جامد فوق بقعة وسخة.

​تليفوني كان مبين الحقيقة اللي قلبي عمال يعافر عشان ينكرها: تسع مكالمات فايتة ليلى، وحداشر رسالة مبعوتة ومقروءة ومفيش رد، واسم طنط هدى جارتهم متربع فوق في الشاشة من الساعة اتنين وربع الضهر يوم الخميس.

​همستلي في التليفون وقالتلي: “أنا ماشوفتش مروان في الشارع بقالي أيام. وبالليل، في عربيات بتيجي مطفية النور. مبيقعدوش. بيقفوا ثانية ويمشوا علول”.

​ضغطت على التليفون في إيدي لحد ما عقل صوابعي وجعتني وازرقّت.

​بعدين قالت الكلمتين اللي خلوا الأوضة حواليا تضيق وتلف بيا.

​”نور البدروم بيفضل منور طول الليل تقريباً”.

​سوقت يجي ساعة من غير ما أفتح الراديو حتى. عند كل إشارة مرور، كنت ببص من الزجاج القدامي وبشوف وش ابني بدل الطريق، أصل الحزن ده غدار وبيجي متأخر ويعمل فيها إنه كان بيحذرك. فضلت ماسك الدريكسيون بإيدين جامدين. لو كنت سبتهم يتحركوا، كنت خايف يترعشوا ومقدرس أتحكم فيهم.

​عربية ليلى مكنتش موجودة لما ركنت. وعربية مدحت النص نقل مكنتش موجودة هي كمان. مفيش غير شاهين ابني اللي مركونة في المدخل زي شاهد عيان محدش فكر حتى يداريه.

​خبطت مرتين. مفيش حس.

​المفتاح الاحتياطي دخل في القفل بسلاسة غريبة ترعب.

​جوه، السكات كان له تقل. التلاجة بتزن. ساعة الحيطة بتكتك. والمية بتنقط في حوض المطبخ، نقط بطيئة وليها صدى فاضي.

​نديت وقلت: “أنا جيت… يا مروان؟”

​مفيش رد.

​الصالة كان فيها شكل بيت عيلة بس مفيهاش روح. التراب كان مخلي صور الحيطة باهتة. الكنبة اللي مروان كان بيتنطط عليها كانت باينة باردة وهابطة لتحت. شنطة مدرسته مكنتش جنب السلم. شنطة الكورة مكنتش في الطرقاة. على رخامة المطبخ، جواب من إدارة المدرسة مقفول تحت كومة فواتير طلبات، واللبن اللي في التلاجة كان منتهي الصلاحية من خمس أيام.

​ده مش بيت مكركب. ولا بيت أصحابه مشغولين. ده بيت صاحبه بطل يمثل ويمثل النظافة في كل حتة ما عدا الصالة القدامانية.

​بعدين سمعت الصوت ده.

​حكة. سكات. حكة.

​الصوت كان جاي من تحت جزمتي، ساهي ومقصود، زي ما يكون حاجة بتتجر على الخرسانة.

​مشيت ورا الصوت في الطرقة.

​باب البدروم كان عليه قفل مصنّع من برة.

​حديد جديد. مسامير جديدة. خشب فاتح لسه بنشارته حوالين الترباس في الحتة اللي حد شنيورها على السريع. اللي ركبه مكنش فارق معاه النظافة ولا الشكل. كان فارق معاه حاجة واحدة بس: إن اللي تحت ميعرفش يخرج.

​طني وجعتني ودارت بيا الدنيا.

​حطيت كف إيدي مفرود على الباب، وحسيت برعشة خفيفة واصلة من الخشب، لدرجة إنني كنت هكدب على نفسي وأقول دي مواسير المية.

​بعدين جه صوت من ورا الباب.

​”يا… جـ…دو…”

​كل حاجة فيا وقفت وشلت حركتي.

​همست وقلت: “مروان؟”

​رد عليا بشهقة عياط. ضعيفة. مكسورة. حقيقية.

​”يا جدو… الحقني…”

​طلعت تليفوني بصوابع مكنتش طايعاني وطلبت النجدة. ردت عليا العمليات بتسأل عن البلاغ، وإديتهم العنوان، واسم ليلى، واسم مدحت، والكلمات اللي كانت طالعة من بوقي بالعافية وكأنها مستحيلة: بدروم مقفول بقفل، وعيل محبوس جوه، وريحة وحشة، واخلصوا بسرعة.

​بعدين مسكت شنطة العدة القديمة من على رف الغسيل.

​مصرختش. مكسرتش الشبابيك. مسبتش الغل اللي طالع في زوري يسيطر عليا، عشان مروان كان محتاج جد يسنده أكتر ما هو محتاج راجل يتجنن ويفقد أعصابه في الطرقاة.

​مسكت مقص الحديد بإيد بترتعش وحطيت الإيد التانية على الباب.

​قلتله وأنا بجبر صوتي يطلع ثابت وراسي: “مروان، ابعد عن الباب”.

​على الناحية التانية، سمعته بيجر جسمه لورا. مرة. تانية. بعدين سكت خالص.

​الحديد طلع صوت تزييق تحت المقص. كفوف إيدي كانت بتتزحلق من العرق على اليدين. الريحة اللي كانت بتهب من تحت الباب ضربت في وشي أقوى المرة دي: خرسانة منشعة، أكل معفن، عرق، وحاجة تانية أضلم قفلت زوري.

​ضغطت بكل عزمي لحد ما الوجع سمع في معصم إيداي الاثنين.

​القفل اطقش واتكسر.

​لمدة ثانية واحدة، البيت كله كتم نفسه.

​بعدين باب البدروم اتفتح لجو النور…

​واللي كان مستني في النور ده تحت السلم كان أوحش وألعن من كل الخوف اللي شيلته وأنا داخل البيت ده……

……….

الضلمة ما كانتش ضلمة كاملة، كانت مخلطة بنور صفرة ضعيفة جاية من لمبة سلكها مدلدل من السقف. أول ما الباب اتفتح، الهوا اللي طلع في وشي كان تقيل، سخن، ومكتوم زي نَفَس واحد بيموت. الريحة هجمت عليا، ريحة عرق قديم على بول على رطوبة خرسانة معفنة. نزلت أول درجة، ورجلي كانت بتترعش لدرجة إن السلم الخشب طلع تزييق عالي، وفي خطوتين كنت تحت.

​مروان كان قاعد في ركن الأوضة، ضامم ركبه لبطنه. الواد اللي كان وشه زي البدر، خس النص. هدومه مقطعة ومتبهدلة تراب وطين، ووشه مليان خربيش زرقا حوالين عينيه. أول ما شافني، مرفعش عينه في عيني، فضل يبص للأرض وجسمه كله بيتنفض.

​”مروان… يا حبيبي.. أنا جدو.”

​قربت منه، وريحة المكان كانت بتخنقني أكتر، بس ما همنيش. اتصدمت لما شفت رجليه. رجليه الاتنين كانوا مربوطين بجنزير حديد تخين، والجنزير متثبت بحلقة في عمود الخرسانة اللي في النص. الجنزير كان واكل من لحم كاحله، والدم ناشف وعامل قشرة سودا فوق الجلد. جنبه كان فيه علبة حلاوة طحينية مفتوحة ودبان ملموم عليها، وقزازة مية فاضية مدحروجة على الأرض.

​الواد اترمى في حضني وهو بيصرخ صرخة مكتومة، كأنه خايف حد يسمعه. “جدو.. ما تمشيش.. عمو مدحت قالي لو اتكلمت هيوديني عند بابا.. قالي أمك مش عاوزاك.”

​دموعي نزلت حامية على شعره المترب. كنت بحضنه بكل قوتي، وفي نفس الوقت الغل كان بياكل في صدري. “أنا معاك يا قلب جدو.. محدش هيلمسك تاني.”

​مسكت مقص الحديد اللي في إيدي، ونزلت على ركبي قدام الجنزير. فضلت أضغط بكل عزمي، وأنا بفتكر وش ليلى وهي بتكدب عليا في التليفون، ووش جوزها مدحت وهو بيعمل فيها الحنين. الحديد كان قاسي، بس غلي كان أقوى. ضغطت وضغطت لحد ما عروق رقبتي كانت هتنفجر، والجنزير اطقش ووقع على الأرض بصوت رن في البدروم كله.

​شيلت مروان بين إيديا. كان خفيف.. خفيف أوي زي الريشة، كأنهم ما أكلوهوش من أسابيع. وأنا طالع بيه على السلم، سمعت صوت فرملة عربية قوية بره البيت، وبعدها صوت قفل بيبان العربية.

​ليلى ومدحت رجعوا.

………..

خطواتهم برة كانت سريعة ومربوكة، صوت كعب ليلى وهو بيدب على المشاية الناشفة وصوت مفاتيح مدحت وهي بتشخلل في إيده. مروان أول ما سمع الصوت، كلبش في رقبتي زي العيل الصغير اللي بيستخبى من دبح، ودَفَن وشه في كتفي وهو بيترعش كله، كأن الوشوش اللي داخلة دي هي عزرائيل بالنسبة له.

​طلعت من عتبة البدروم للصالة، شايله على دراعي اليمين ومقص الحديد متثبت في إيدي الشمال.

​الباب القداماني اتفتح باندفاع، واندلعت معاه ضحكة ليلى المايعة وهي بتقول لمدحت: “أنا قولتلك نخلص من الحوار ده بسرعة قبل ما حد…”

​الكلام وقف في زورها. الضحكة اتمسحت من على وشها وبقت مجرد بوق مفتوح على الفاضي. عينيها جت في عيني، وبعدين نزلت على مروان اللي في حضني، ومنه لقفل البدروم المكسور المرمي في الطرقة. وشها اتقلب كركم، الدم هرب منه في ثانية.

​مدحت كان وراها، لابس قميص مشجر وبطن كبشة سجاير في إيده. ملامحه اتشنجت، وعينيه الغدارة لفت في الصالة بسرعة بيقيس الموقف، وجز على سنانه وهو بيقفل الباب وراه بالراحة، كأنه بيقفل عليا المصيدة.

​”عمي.. أنت إيه اللي جابك هنا؟” صوت ليلى طلع متقطع ومبحوح، وبدأت تفرك في إيديها بتوتر مقرف. “أنت فاهم غلط.. مروان كان.. كان تعبان وإحنا…”

​”أخرسي!”

​الكلمة طلعت من حنجرتي زئير، هزت حيطان البيت الباردة. ليلى رجعت خطوة لورا وخبت وشها ورا ضهر مدحت.

​مدحت خطى خطوة لقدام، عينيه ضيقت وبان فيها الشر الخسيس، حط إيده في جيبه وقال بنبرة واطية وفيها تهديد: “جرى إيه يا حاج؟ داخل بيت الناس كسر وتخريب وكمان بتزعق؟ الواد ده غلبنا وعقله خف من يوم موت أبوه، وإحنا بنربيه بمعرفتنا.. سيب الواد وخد بعضك واطلع بالذوق بدل ما أعمل معاك جلاشة ومتطلعش من هنا على رجليك.”

​نزلت مروان بالراحة ورا ضهري، وخليت جسمي كله ساتر ليه. العجز اللي كان في ركبي من شوية اتحول لحديد. بصيت لمدحت، لوشه العرقان الخاين، وبصيت لليلى اللي باعت لحمها ودمها عشان قرشين ولا عشان راجل.

​”تربيه بالجنزير يا بن الكلب؟” صوتي كان هادي بس مليان غل يهد جبال. “بتحبسه في الضلمة وتجوعّه؟ ده ابن الغالي.. ده حتة من ابني اللي مات!”

​مدحت طلع إيده من جيبه وفجأة ظهر فيها مطواة قرن غزال، فتحها بصوت “تكة” رخم سمّع في السكات. “شكل العجز مخلاش في مخك نفوخ تفكر بيه.. أنا مش هسيبك تطلع من الباب ده بالواد، وتوديني في داهية.”

​خطى خطوة سريعة عليا والمطواة مفرودة، عينه كانت حمرا وعمياء من الخوف والغل. مروان صرخ ورايا: “لا يا جدو!”

​في اللحظة دي، مكنتش شايف راجل قدامي، كنت شايف ديب عاوز ياكل ضنايا. مأستنيتش يوصللي. رفعت مقص الحديد التقيل بكل عزمي، وبحركة سريعة مكنش يتوقعها من راجل في سني، نزلت بيه على دراعه اللي ماسك المطواة.

​صوت خبطة الحديد في عضم دراعه طلعت “طاخ” مكتومة، والمطواة اتنطرت من إيده على الأرض، ومدحت صرخ صرخة مكتومة وهو بيمسك دراعه ويقع على ركبه من الوجع. ليلى صرخت وصوتها صوّت في المكان: “يالهوي! يا مدحت!”

​وقفت فوقه، والمقص لسه في إيدي، ونَفَسي عالي وسريع. بصيت لليلى اللي كانت بتترعش في ركن الصالة وبتبكي بدموع كدابة، وقلت لها: “ابنك.. ابنك اللي بطنك شالته، تسيبيه للمجرم ده يعمل فيه كده؟ أنتي مش أم.. أنتي حشرة.”

​في نفس الثانية، صوت سارينات بوليس النجدة قاطع كل حاجة. الصوت كان بيقرب بسرعة البرق، وبدأ يعلى ويدوي في الشارع الهادي، لحد ما الأنوار الحمرا والزرقا ضربت في زجاج الصالة وبقت تلف على الحيطان.

​مدحت وهو على الأرض، ووشه بالأرض من الوجع، بص للباب برعب.

​شيلت مروان تاني، وضميته لصدري. الواد حط رأسه في رقبتي وبدأ ينشج بالراحة، وكأنه لأول مرة من تلات أسابيع يحس بالأمان. مشيت خطوتين ناحية الباب القداماني، وفتحت القفل، ودخل الهوا النضيف بتاع ربنا يطرد ريحة السر والظلم اللي كانت خانقة البيت.

​بصيت لليلى ومدحت نظرة أخيرة قبل ما العساكر والظابط يدخلوا من الباب، وقلت لهم بصوت مسموع وسط سرينة البوليس: “الحساب مخلصش.. الحساب لسه هيبدأ في المحكمة.. وفي الآخرة.”

​وخرجت بالواد للنور.

…………

الظابط دخل ومعه ثلاثة عساكر باندفاع، مسدساتهم في إيديهم، وعينيهم بتلف في المكان بذهول. أول ما شافوا منظر مدحت وهو مرمي على الأرض بينزف وبيتلوى من الوجع، والمطواة المرمية جنبه، ووش ليلى اللي بقى زي الأموات، الظابط فهم الفولة في ثانية. عينه جت على مروان اللي مكلبش فيا وجسمه كله لسه بيرتعش، ولمح أثار الجنزير والدم الناشف على رجليه الصغيرين.

​الظابط وشه اتقلب، وبص لعساكره وزعق: “كلبش الحرامي ده وهات الحرمة دي كمان! واطلبوا الإسعاف فوراً للواد.”

​العساكر هجموا على مدحت، كلبشوا إيديه ورا ضهره وشدوه من على الأرض وهو بيصرخ من وجع دراعه المكسور، وواحد تاني مسك ليلى من دراعها وهي بتصوت وبتعيط بدموع تماسيح: “والله ما عملت حاجة يا باشا! ده جوزي.. هو اللي غصب عليا وهو اللي كان حابسه!”

​مدحت تف على الأرض وزعق فيها ب غل: “أنا يا كدابة؟ مش أنتي اللي قولتلي نخلص من مصاريفه وقرفه عشان نعرف نعيش؟”

​الظابط قرب مني بالراحة، حط إيده على كتفي ونبرته اتقلب حنية واحترام: “حمد الله على سلامته يا حاج.. أنت راجل بطل. هات الواد نسعفه ونعمل المحضر.”

​”الواد مش هيغيب عن عيني ثانية واحدة يا باشا،” قولت الكلمة وأنا شادد في ضمتي لمروان، كأني بخبي حتة من قلبي جوه ضلوعي. “أنا هروح معاكم في عربية البوليس.. بس ضنايا مش هيسيب حضني.”

​الظابط هز راسه بالموافقة، وخرجنا برة البيت.

​أول ما رجلي عتبت الرصيف، حسيت إن الهوا اللي داخل صدري نضيف ومختلف عن القرف اللي جوه. الجيران كانوا ملمومين على أول الشارع، طنط هدى كانت واقفة وحاطة إيدها على بقها وبتعيط أول ما شافت مروان على دراعي بالمنظر ده. الناس بدأت تتجمهر وتدعي عل ليلى ومدحت وهم بيجروهم على بوكس البوليس وسط شتائم ودعاوى تهز الأرض.

​ركبنا في العربية، ومروان فضل دافن وش الصغير في رقبتي. مكنش بيتكلم، بس دموعه السخنة كانت بتنزل على كتفي وتغسل وجع الأيام اللي فاتت. فضلت أطبطب على ضهره وأقرأ له آيات من القرآن بصوت واطي ومهزوز، لحد ما حسيت بجسمه بدأ يهدى والنفتضة اللي فيه بتقل بالتدريج.

​بصيت من شباك العربية على بيت ابني الله يرحمه وهو بيبعد.. البيت اللي شهد على أربع سنين من الضحك والدلع، وتلات أسابيع من العذاب والظلم. مسحت دمعة هربت من عيني، وبصيت لمروان وقلت له في سري: “نام يا حبيب جدو.. نام وارتاح.. طول ما فيا نَفَس في الدنيا دي، محدش هيقدر يقفل عليك باب، ولا يطفي النور في وشك تاني.”

……….

العربية وصلت المستشفى، والمكان كان مقلوب. الممرضين والدكاترة جريوا علينا أول ما شافوا حالة مروان والكلابشات اللي لسه معلمة في رجليه. حاولوا ياخدوه مني عشان يدخلوه أوضة الكشف، بس الواد صرخ صرخة قطعت في فتافيت قلبي وفضل شادد في قميصي بأوافره وهو بيترعش: “لا يا جدو! خليك معايا.. مش عايز أقعد لوحدي!”

​بصيت للدكتور وعيني مليانة رجاء: “معلش يا ابني.. سيبني جنبه، مش هعمل صوت، بس يحس إني معاه.”

​الدكتور هز راسه بأسى وقال: “اتفضل يا حاج، بس يا ريت نهديه عشان نعرف ننضف الجروح.”

​قعدت على طرف السرير، واخدت راسه في حضني وكتمت عينيه بإيدي عشان ميشوفش شكل المشرط والشاش والمطهر. كل ما الدكتور يلمس رجله والواد يتأوه ويشد على إيدي، كنت بحس إن الوجع بيسرح في جسمي أنا مش فيه هو. فضلت أوشوش له في ودنه: “خلاص يا قلب جدو.. هانت يا حبيبي.. أنا معاك أهو، مش هسيبك واصل.”

​ساعتين مروا كأنهم دهر، لحد ما نضفوا الجروح وربطوها بشاش أبيض نضيف، وعلقوا له محاليل عشان جسمه الضعيف والمجوع ده يسترد صحته. مع آخر نقطة في المحلول، مروان عينه بدأت تغفل، المهدئ بدأ يشتغل، ونفسه اتظبط وبقى يطلع وينزل بالراحة. لأول مرة أشوف وشه هادي ومش كشري، كأنه رمى حمولة تلات أسابيع رعب ورا ضهره.

​على الفجر، الظابط جه ووقف على باب الأوضة بالراحة وشاورلي. قمت من جنب مروان بعد ما اتأكدت إنه راح في النوم، وخرجت له في الطرقة.

​الظابط بصل بسيجارة في إيده مش مولعها وقال بصوت واطي: “النيابة شغالين تحقيق من بليل يا حاج. ليلى ومدحت اعترفوا بكل حاجة. مدحت كان بياخد فلوس المعاش وباع عربية ابك الشاهين القديمة بعقد مزور، ولما الواد كشفهم وبدأ يصرخ ويقول هيقول لجدو، الكلب ده حبسه وجنزره، وأمه كانت معاه في كل خطوة عشان خايفة جوزها يسيبها.”

​هزيت راسي، ومكنش فيه دموع نازلة، الدموع جفت وبقى مكانها جمر قايد. “والقانون هيعمل معاهم إيه يا باشا؟”

​الظابط جز على سنانه وقال: “دي جناية تعذيب وحبس حرية والشروع في قتل طفل.. هيلبسوا مؤبد مرتاح، والنيابة أصدرت قرار عاجل بتسليم الواد ليك رسمي بصفتك الجد والوصي الشرعي عليه.”

​حسيت إن روحي ردت فيا، ونفسي اللي كان مكتوم من ساعة ما دخلت البدروم بدأ يطلع مرتاح. شكرت الظابط ورجعت الأوضة، قعدت على الكرسي وجنب سرير مروان.

​الشمس بدأت تطلع، ونور الصباح النضيف دخل من شباك الأوضة وفرش نفسه على السرير. مروان فتح عينيه بالراحة، بص حواليه بخوف في الأول، بس لما عينه جت في عيني، ملامحه ارتاحت ووشه نور بابتسامة صغيرة بقالي أسابيع مشوفتهاش.

​مد إيده الصغيرة النحيفة ومسك صباعي، وقال بصوت لسه نايم: “جدو.. إحنا هنروح بيتك؟”

​قربت منه وبست دماغه المبلولة بعرق الشفا: “بيتي وبيتك يا حبيب جدو.. من النهاردة مش هتمشي منه تاني، وهنلعب كورة في الحوش، واللبن الدافي هيستناك كل يوم الصبح.. مفيش ضلمة تاني يا مروان.. النور جه خلاص.”

…….

عربيتي الإسعاف وصلت لحد باب بيتي القديم في وسط البلد على الضهر. النور كان مالي الشارع، والجران أول ما شافوني نازل وشايل مروان، والممرض بيساعدني، اتلموا وبدأوا يهللوا ويحمدوا ربنا. بس أنا مكنتش سامع حد، كل همي كان الواد اللي مدفون في حضني ومتبت في رقبتي وكأنه لسه خايف إن الأرض تتشق وتلعه تاني.

​دخلت بيه شقتي. الريحة هنا كانت مختلفة.. ريحة خشب قديم، وبخور مستكة، ونظافة. حطيته بالراحة على السرير في أوضته القديمة اللي كانت مقفولة من يوم ما أبوه مات. الواد بص حواليه، شاف ميكي ماوس المرسوم على الحيطة، وشاف كورتين الشراب اللي كان سايبهم تحت السرير، ولأول مرة يخد نَفَس طويل أوي، نَفَس واحد كان غرقان وطلع لوش المية.

​قعدت جنبه، وغطيته باللحاف لحد صدره. مروان بصلي وعينيه كانت مليانة كلام كتير أوي، دموعه نزلت بس المرة دي مكنتش دموع رعب، كانت دموع عيل حَس إن الوجع خلاص بيمشي.

​”جدو.. هم مش هيجوا هنا صح؟” صوتها طلع حتة واحدة ومكتوم.

​مسحت دمعته بصباعي اللي كان بيترعش، وقلتله وأنا ببتسم من وسط حزني: “المحكمة حكمت يا قلب جدو.. اللي عملوا كده مش هيرجعوا تاني، والبيت ده مفيش كلب يقدر يهوب ناحيته طول ما أنا عايش.. أنت بقيت في حمايتي يا مروان، وحماية ربنا قبل مني.”

​الواد هز راسه، والاطمئنان بدأ يسرح في ملامحه المجهدة. غَمض عينيه ونام، بس المرة دي كانت نومة تقيلة، مرتاحة، مفيهاش فزع ولا شهقات.

​قمت بالراحة، ووقفت في البلكونة وبصيت للسما. الشمس كانت حامية، بس الهوا كان فيه نسمة حنينة. حسيت بروح ابني الله يرحمه وكأنها طايرة حوالين البيت، بتقولي شكراً يا بويا إنك صونت الأمانة.

​دخلت المطبخ، وولعت النار تحت كنزة اللبن، وطلعت الكوبايه بتاعته اللي عليها رسمة الكورة. مفيش أسرار تاني، ومفيش بدروم، ومفيش ضلمة. من النهاردة، البيت ده مش هيشم غير ريحة اللبن الدافي، والأمان، والضحكة اللي هترجع تملى الحيطان من جديد.

تمت

حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *