بداية جديدة حكايات انجى الخطيب
جوزي أخد طليقته بالي وراحوا يتفسحوا ويعملوا شوبينج — على ما رجع البيت، كنت انا وبنته مشينا….
الأيباد خبط في ترابيزة المطبخ جامد لدرجة إني افتكرت الشاشة اتشرخت.
لمدة تلات ثواني كاملة، مكنتش قادرة أخد نفسي.
كان أهو، منور قدامي: تأكيد حجز في منتجع لشخصين بالغين في فيلا فاخرة على البحر في بالي. حمام سباحة خاص. مساج للمتزوجين. عشا على ضوء الشموع على الشاطئ. باقة ترحيب بالشامبانيا.
الاسم اللي على الحجز كان اسم جوزي.
تامر هريدي.
الاسم التاني مكانش اسمي.
مي بطرس.
صاحبته القديمة.
إيديا كانت بترتعش جامد لدرجة إني كنت هوقع الأيباد تاني. أنا كنت لسه ماسكاه بس عشان أدور على ورقة شيت الحساب بتاعة بنتنا فريدة اللي عندها تمن سنين، اللي تامر كان سحبها سكانر وحفظها الليلة اللي قبلها عشان الطابعة بتاعتنا مكنش فيها حبر. كنت مستنية ألاقي كسور، يمكن إيميل من المدرسة، يمكن واحد من عروض مبيعات الأدوية اللي مابتخلصش بتاعة تامر.
بدل كل ده، لقيت نهاية جوازي.
قعدت متنحة في الشاشة لحد ما الكلام زغلل في عيني. بالي. شخصين بالغين. عشا رومانسي على الشاطئ.
بعد كده شفت السكرين شوتس.
رسايل.
رسايل كتير أوي.
مي: مش قادرة أصدق إننا أخيراً هنعمل كده.
تامر: استني بس لما نيرمين تعرف. هتتجنن.
مي: أنت فظيع.
تامر: يمكن محتاجة تفتكر إن لسه عندي خيارات تانية.
صدمتي زادت لحد ما صدري وجعني بجد.
وكان فيه أكتر.
تامر: هي بقت مملة أوي من ساعة ما فريدة اتولدت.
تامر: مابتفهمش في أي حاجة.
تامر: أنتِ طول عمرك كنتِ بتفهميني أكتر.
بعد كده الرسالة اللي خلت دمي يتجمد في عروقي.
تامر: الرحلة دي هتخليها تتروش. يمكن الغيرة تخليها تفوق.
قعدت متجمدة على ترابيزة المطبخ، وحواليّ مجات القهوة النص فاضية، وبولة الكورن فليكس بتاعة فريدة، والكراكيب العادية بتاعة الحياة اللي قضيت تمن سنين بحاول أحافظ عليها. بره الشباك، كان فيه صوت مكنة قص النجيل طالع من أول الشارع. وعربية دليفري معدية من شارعنا الهادي في الضواحي بره القاهرة. الدنيا كانت ماشية عادي وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
بس جوايا أنا، في حاجة انكسرت وشرخت جامد.
“ماما؟” فريدة نادت عليّ من الصالة. “لقيتِ الشيت بتاعي؟”
قفلت غطا الأيباد بسرعة ورزعته.
“دقيقة واحدة يا حبيبتي،” قلتها بس صوتي كان طالع كأنه بتاع حد تاني خالص.
حطيت إيد مفرودة على صدري وحاولت أخد نفسي.
تامر كان قايلي إن السفرية دي مؤتمر شغل في سنغافورة. عشر أيام، قال كده. اجتماعات إجبارية. مديري شركات أدوية كبار. عشا عمل وتعارف. حتى عمل نفسه زعلان ومذنب إنه هيفوت حفلة المدرسة بتاعة فريدة.
“أنا متضايق أوي إني لازم أسافر،” قالها وهو بيبوس راسي من فوق وهو بيبص في تليفونه. “بس الموضوع ده ممكن يفرق جامد في مستقبلي المهني.”
سنغافورة.
مش بالي.
مش مي.
مش فيلا رومانسية جوزي ناوي فيها يذلني ويكسرني زي أي ست غلبانة في لعبة هو فاكر إنه متحكم فيها.
فتحت الأيباد تاني.
الرسايل كانت من أربع شهور فاتوا.
أربع شهور من المحنحة. والتخطيط. والشكوى مني. والتريقة عليّ. ويقول عليّ معقدة وشكاكة لما سألته هي ليه مي فجأة بقت تظهر تحت كل بوستاته على الفيسبوك بكومنتات فيها هزار خاص وإيموجيات قلوب.
“دي مجرد زميلة قديمة،” تامر قال وقتها. “أنتِ اللي بقيتي مريضة شك.”
وأنا اعتذرت له وقتها.
أنا فعلاً اعتذرت له.
بطني وجعتني وأنا بتقلب وبقرأ أكتر.
قالها إني أهملت نفسي. قالها إني معنديش طموح. قالها إنها محظوظة إنه لسه قاعد معايا. قالها إنه مستخسر نفسه وإنه وحشه يكون مع حد مثير وممتع.
أنا كنت سبت شغلي في الهندسة المعمارية بعد ما فريدة اتولدت عشان شغل تامر كان بيطلب سفر مستمر. كنت بحضر له شنطه، وأستقبل عملائه، وأدير بيتنا، وأربي بنتنا، وأوفر في كل قرش، وأفضل مبتسمة لما يرجع البيت تعبان ومش قادر يكون أب أو زوج.
وفي الآخر يقول عليّ مملة.
“ماما؟” فريدة ظهرت عند الباب، وضفايرها بتتنطط على كتافها. “أنتِ كويسة؟ شكلك غريب.”
قفلت الأيباد ورسمت على وشي ابتسامة هادية بالعافية.
“أنا كويسة يا روح قلبي. بس افتكرت حاجة نسيت أعملها.”
بصت لي بعينيها البني الواسعة دي اللي دايماً بتلقط حاجات أكتر ملي أنا عايزاها تشوفها.
“ممكن نعمل الكسور دلوقتي؟”
“طبعاً.”
ساعدت بنتي تبسط الكسور في الوقت اللي جوازي كان بيتحرق فيه في هدوء في ركن الأوضة.
على ما فريدة مشيت على المدرسة، كنت بطلت أرعش.
ده خوفني شوية.
كنت متوقعة عياط وصويت. يمكن أرمي هدوم تامر في الشارع زي ما الستات بتعمل في الأفلام.
بس اللي حسيت بيه كان أبرد بكتير من وجع القلب.
كان وضوح شديد.
تامر كان عايزني أكتشف خيانته. كان عايزني أغير. كان عايزني أتدمر. كان عايزني أحارب مي وكأنه جايزة في سحب، مش راجل لسه كاشف عن نفسه إنه قاسي، وأناني، وتافه جداً.
كان عايز يتفرج عليّ وأنا بنهار.
تمام.
خليه يتفرج.
بس مش العرض اللي هو مستنيه.
الليلادي، نمت جنبه في السرير وهو عمال يكتب رسايل تحت البطانية زي المراهقين. النور الأزرق كان منور وشه، الحاد والمغرور.
“أنتِ ساكتة النهاردة،” قالها من غير ما يبص لي حتى.
“تعبانة بس.”
“أنتِ دايماً تعبانة.”
قلبت صفحة في الكتاب اللي مكنتش بقرأه أصلاً. “أنت مسافر امتى تاني؟”
“الخميس الجاي،” قالها بسرعة زيادة عن اللزوم. “ما أنا قلت لك. سنغافورة.”
“تمام. المؤتمر الكبير.”
“بالظبط.”
الكدبة طلعت من بوقه ناعمة وسهلة زي المية.
بصيت لجنب وشه واستغربت أنا بلعت كام كدبة عشان بحبه، وعشان كنت بثق فيه، وعشان البديل كان هيكون مؤلم أوي ومكنتش هقدر أواجهه.
“يمكن أدهن الصالة وأنت مسافر،” قلت له.
كشر وقال: “ليه؟”
………….
“عشان محتاجة تغيير يا تامر، حاسة إن البيت طاقته بقت خنقة.”
هز كتفه ورجع يبص في شاشة تليفونه وهو بيبتسم ابتسامة صفرا غبية: “اعملي اللي أنتِ عايزاه، بس بلاش مصاريف ملهاش لزمة، المؤتمر ده مكلفني كتير.”
قفلت الكتاب وحطيته على الكومودينو، ونمت وأنا مدية له ضهري، وسامعة طقطقة صوابعه على الشاشة اللي مابتقفش. في اللحظة دي، الدموع اللي كانت محبوسة في عيني نشفت تماماً، وحل مكانها برود زي التلج. البرود اللي بيخلي الواحدة مننا تفكر بعقل ملوش قلب.
الخميس الصبح، البيت كان شعلة نشاط. تامر كان بيقفل شنطته وهو لابس قميصه السيمي فورمال، وريحة برفانه مالية المكان.
“فريدة، هتوحشيني يا هانم، مش عايزة حاجة من سنغافورة؟”
فريدة جريت عليه حضنته: “عايزة عروسة يا بابا، وسلسلة فيها اسمي.”
“من عيوني يا روحي.” بصلها بحنان مزيف، وبعدين التفت لي وباس خدي بسرعة وهو بيجر الشنطة: “نيرمين، تليفوني هيفصل شبكة وأنا في الطيارة، أول ما أوصل هكلمك. خلي بالك من البنت.”
“توصل بالسلامة يا حبيبي، متقلقش علينا.. البيت في حفظ وصون.”
ابتسمت له ألترا ابتسامة، الابتسامة اللي تخليه يطمن تماماً إن المغفلة اللي سابها في البيت لسه نايمة على ودانها.
أول ما باب الشقة اتقفل وصوت الأسانسير نزل، الابتسامة دي اختفت.
بصيت لفريدة اللي كانت قاعدة بتتفرج على الكارتون: “فيري، حبيبة ماما.. تيجي نعمل مغامرة؟”
البنت عينيها لمعت: “مغامرة إيه؟”
“هنلم كل هدومنا ولعبك، وهنروح نقعد في بيت تيتة كام يوم، وبعدين هنسافر مكان جديد وجميل أوي.”
“وبابا؟”
“بابا مسافر شغل طويل يا حبيبتي، يلا بينا.”
الـ 48 ساعة اللي بعد كده كانوا عبارة عن ملحمة. كلمت شركة شحن، ونزلوا خدوا كل حاجة تخصني وتخص بنتي.. لبسنا، دهبامي، أوراقي الرسمية، وحتى تابلت فريدة وشاشتها. مسبتش في الشقة غير كراكيبه هو، وهدومه، وسريره الفاضي.
رحت للبنك، وسحبت نص الحساب المشترك اللي بيننا، مليم بالمليم، حقي الشرعي اللي كنت بحوشه معاه من شغل الهندسة اللي سيبته علشانه.
وبعدها رحت لمكتب محامي صاحبتي.. “عايزة رفع دعوى طلاق للضرر، وقضية نفقة وتمكين، كل حاجة تترفع في نفس اللحظة اللي الطيارة بتاعته تلمس فيها أرض بالي.”
يوم السبت بالليل..
الشقة كانت فاضية، صدى صوتي كان بيرد في الحيطان. وقفت في وسط الصالة، وبصيت للمكان اللي عشت فيه تمن سنين بتهان وبتقال عليا مملة ومعقدة. قفلت الأنوار، وأخدت شنطة إيدي، وخرجت وقفلت الباب ورايا.. ومبصيتش ورايا ولا بصة.
الحد الصبح، الموبايل بدأ يرن.
تامر.
سبته يرن.. مرة.. اتنين.. تلاتة.. لحد ما الرنة العاشرة فصلت. بعدها بدقيقة، الرسايل بدأت تنزل زي المطر على الواتساب.
“نيرمين!! أنتِ فين؟”
“يعني إيه البيت فاضي؟ فين العفش؟ فين فريدة؟”
“أنتِ اتجننتي؟ البواب بيقولي إنك مشيتي بشنط وعربيات نقل! ردي عليا!”
فتحت الشات بكل هدوء. كتبت رسالة واحدة بس، وصورت معاها الشاشة بتاعة الأيباد اللي عليها حجز الفندق باسمه واسم مي، ومعاها سكرين شوت من كلامه عليا إني “مملة ومبفهمش”.
“أنا مشيت يا تامر. مشيت أنا وبنتك، وسبتلك البيت تدهنه براحتك باللون اللي يعجبك. الشامبانيا وعشا الشموع في بالي خسارة فيهم النكد، اتبسط بالرحلة.. وأول ما ترجع، المحامي بتاعي هيكون مستنيك بـ ‘المفاجأة الكبيرة’ اللي هتخليك تتروش بجد. طلاقنا مش هيبقى في الهدوء اللي أنت متخيله.”
عملت له بلوك من كل حتة.
بصيت لفريدة اللي كانت قاعدة جمبي في عربية أوبر، ماسكة إيدي وبتضحك وهي بتبص من الشباك على طريق الإسكندرية، الهوا كان بيطير شعرها، والشمس كانت منورة وشها الصغير.
أخدت نفس طويل، لأول مرة من سنين، حسيت إن صدري واسع، وإن الهوا نضيف، وإن الوجع اتمحى وحل مكانه بداية جديدة.. بداية حقيقية.
…………
الطريق الزراعي كان هادي، وصوت فيروز شغال في كاسيت العربية وصوت الهوا اللي داخل من الشباك كان بيغوش على أي أفكار في دماغي. فريدة نامت وسندت رأسها على كتفي، كنت ببص لوشها وصوابعها الصغيرة المحبوسة بين إيديا، وحاسة بغرزة وجع خفيفة في قلبي، مش عشان تامر، لأ.. عشان البنت دي ذنبها إيه تعيش في شظايا حرب هي ملهاش يد فيها؟ بس رجعت وقلت لنفسي: إنها تشوف أمها قوية وبتاخد حقها، أحسن بمليون مرة من إنها تكبر وتشوف أمها مكسورة ومتهانة وبتقبل بالفتات لمجرد إنها خايفة.
وصلنا بيت ماما في سموحة في الإسكندرية. أول ما الباب اتفتح وماما شافت الشنط وفريدة نايمة على كتفي، مقالتش ولا كلمة. مأديرتش تحقيق، ولا سألتني “ليه؟” و”إزاي؟”. حضنتني جامد، وفضلت تطبطب على ضهري ونفسها طالع دافي في رقبتي.
“نورتي بيتك يا قلب أمك.. كل حاجة هتتصلح.”
يومين كاملين وأنا قافلة تليفوني تماماً. كنت محتاجة أهدا، ومحتاجة تامر يستوي على نار هادية. كنت متخيلة شكله وهو هناك في الفيلا الفاخرة اللي على البحر، الموبايل مش بيسكت من مكالمات البواب، والجيران، وأهله اللي قلبت الدنيا عندهم. رحلته الرومانسية اللي كان مخطط يرجع منها وهو حاسس إنه “سي السيد” اللي مفيش منه اتنين، اتحولت لكابوس.
يوم التلات الصبح، فتحت التليفون.
الشبكة لسه بتجمع، وفجأة الموبايل اتهز في إيدي كأنه هيتفجر. كمية إشعارات ومكالمات ورسايل تفوق الوصف. تامر، وأمه، وأخته، وحتى صحابه في الشغل.
دخلت على الواتساب، لقيت رسايل تامر اتقطعت بعد ما عملتله بلوك، بس كان باعت رسايل تانية لأمي على تليفونها، شفتها لما ماما دخلت عليا الأوضة ووشها خطف لونه.
”نيرمين، تامر اتصل بيا من رقم غريب.. صوته كان هيروح من الزعيق والعياط، بيقول إنه نزل مصر تالت يوم السفرية على طول، وإنه واقف تحت البيت ومستنيكي.”
بصيت لماما بثبات غريب عليا: “ومين قالك إني هروح له البيت؟ أنا هقابله يا ماما، بس في مكان عام، والمحامي بتاعي هيبقى قاعد على الترابيزة اللي جنبنا.”
بعدها بساعتين، كنت قاعدة في كافيه هادي على البحر في جليم. الهوا كان شديد وبيطير طرحتي، والبحري كان عالي وصوته مغطي على دوشة المكان. كنت لابسة فستان أسود ونضارة شمس، وحاطة قدامي على الترابيزة ملف أزرق فيه كل الورق اللي يوديه في داهية. المحامي بتاعي، أستاذ رأفت، كان قاعد ورايا بمسافة ترابيزتين، بيشرب قهوته وعينه علينا.
شفت تامر وهو داخل.
مكانش تامر المغرور، الحاد، اللي ريحته برفان غالي. كان شكله مبهدل، قميصه مكرمش، شعره منكوش، وعينيه حمرا وفيها كمية غل وخوف غريبة. أول ما وصل عندي، رزع الشنطة بتاعته على الأرض وقعد على الكرسي وهو بينهج.
”أنتِ فاكرة نفسك بتلعبي مع مين يا نيرمين؟” صوته كان واطي بس مليان سم. “أنتِ اتجننتي؟ بتسرقيني؟ بتاخدي بنتي وعفش بيتي وتفضحينا قدام الناس؟”
قلعت نضارة الشمس بالراحة وحطيتها على الترابيزة، وبصيت في عينيه مباشرة: “صوتك ميعلاش يا تامر، عشان الإسكندرية ضيقة، وأنا مش باقية على حاجة. والسرقة دي لما أكون باخد حاجة مش بتاعتي.. أنا أخدت حقي، وحق بنتك، ونص الحساب المشترك اللي شقيت فيه معاك. أما العفش، فده جهازي اللي أبويا الله يرحمه جابهولي بدم قلبه، ومستخسراه يقعد في شقة هتدخلها واحدة زي مي.”
وشه اتقلب لونه للرمادي، وحاول يبلع ريقه وهو بيبص حواليه: “مي؟ أنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ دي نزوة.. غلطة وشيطان دخل بيننا، وأنا كنت عايزك تغيري عليا عشان حاسس إنك مابقتيش مهتمة بيا! أنتِ دمرتي بيتك عشان سكرين شوتس؟”
ضحكت بصوت مسموع، ضحكة خلت الناس في الترابيزات اللي جنبنا تبص علينا. الضحكة دي استفزته لدرجة إن إيده بدأت تترعش.
”نزوة؟” قلتها وأنا بقرب وشي منه. “أربع شهور تخطيط وشتيمة وتريقة فيا وفي شكلي وفي طريقتي وفي أمومتي لبنتك، وبتقولها إني مملة ومعنديش طموح.. وأنت اللي أجبرتني أسيب شهادتي وشغلي عشان تتدلع أنت؟ أنت مش زعلان على بيتك يا تامر، أنت زعلان على كبريائك اللي اتهان. زعلان إن الست الغلبانة المطيعة اللي كنت فاكر إنك بتلعب بيها، هي اللي كشت ملك في الآخر ونهت اللعبة.”
فتح بوقه عشان يتكلم، بس أنا مديتلوش فرصة. زقيت الملف الأزرق ناحيته.
”ده ورق القضية. طلاق للضرر، ومعايا كل إثباتات خيانتك، والرسائل الصونية، وحجوزات الفنادق، يعني القضية كسبانة من أول جلسة. ومعاها قرار تمكين من الشقة، وقضية نفقة لفريدة مفيش قاضي هيرحمك فيها بناءً على مفردات مرتبك اللي أنا عارفاها بالمليم.”
بص للورق وكأنه بيبص لحبل المشنقة. عينيه كان فيها رعب حقيقي لما أدرك إن كل خطوة أنا خطيتها كانت مدروسة ومش انفعال ستات وخلاص.
”نيرمين.. فكري في فريدة، بلاش فضايح في المحاكم، خلينا نحل الموضوع ودي.” صوته نبرته اتغيرت، وبقى فيها رجاء ذليل.
”فريدة خط أحمر يا تامر. هتشوفها بالقانون، وفي مواعيدها، وبشرط.. اسم مي ده لو اتنطق قدام البنت أو شفتها معاك في يوم من الأيام، هحرمك منها لآخر يوم في عمرك بالقانون وبرضه بألاعيبي اللي أنت لسه مشفتش منها حاجة.”
قمت وقفت، لبست نضارة الشمس بتاعتي، وأخدت شنطتي. بصيت له بصه أخيرة، بصه مفيهاش ذرة حب ولا عتاب، كانت بصه لشخص غريب تماماً معرفوش.
”المحامي بتاعي قاعد وراك، تقدر تتفاوض معاه لو عايز طلاق ودي وبشروطي أنا.. عشان لو دخلنا المحكمة، أنا مش هسيبلك حتى الهدوم اللي أنت لابسها دي.”
سيبته قاعد مكانه، باصص للملف الأزرق والدموع بدأت تنزل من عينيه من الصدمة وقلة الحيلة. خرجت من الكافيه، الهوا بتاع البحر خبط في وشي، ولقيت نفسي ببتسم ابتسامة حقيقية من قلبي. الشمس كانت دافية، والطريق قدامي كان واسع.. لأول مرة من تمن سنين، كنت حاسة إني نيرمين المهندسة، القوية، صاحبة قرارها.. والرحلة الجديدة لسه بادية حالا.
…………
المهندس مسك اللوحة وبدأ يشرح لي التفاصيل، وأنا كنت براجع وراه وعيني بتلمع.. حاسة بإن كل خط مرسوم على الورق ده بيعبر عن حياتي الجديدة اللي بتبنيها إيديا خطوة بخطوة. الشغل كان متعب، والمسؤولية كبيرة، بس التعب ده كان بيغسل من جوايا تمن سنين من الركنة والإهمال.
عدت الشهور، وحياتي استقرت على ريتم جديد ونضيف. فريدة بدأت تتأقلم على مدرستها في إسكندرية، وبقت تروح لتامر الويك-إند كل أسبوعين زي ما اإتفقنا. في الأول، كان بيحاول يستغل الوقت ده عشان يبعت لي رسايل استعطاف، أو يخلي فريدة تقول لي “بابا زعلان ونفسه نرجع”، بس أنا كنت واضحة وحاسمة.. فريدة بتروح تشوف أبوها، مش مرسال غرامي لشخص مات بالنسبة لي.
في يوم جمعة، وأنا رايحة أستلم فريدة منه في النادي بعد ما فترة الرؤية خلصت، شفته قاعد على الترابيزة مستنيني. مكانش لوحده، كانت قاعدة معاه والدته، حماتي السابقة.
أول ما شافتني داخلة بكعب عالي وفستان فورمال أنيق ووشي منور، قامت وقفت ولطمت على صدرها بخفة: “بسم الله ما شاء الله.. إيه يا نيرمين، بقيتي قمر كده وإحنا مش عارفين؟ ده تامر وشه اتقطع من يوم ما مشيتي.”
تامر بص لي بعيون مكسورة، وقال بصوت واطي: “أهلاً يا نيرمين.. شكلك متجوزة الشغل جديد.”
ابتسمت لهم الابتسامة الباردة والمهذبة اللي اتعلمت ألبسها: “أهلاً يا طنط، أهلاً يا تامر. الشغل بيرد الروح يا تامر، بيخلي الواحد يحس بقيمته بدل ما يضيع عمره مع ناس بتهد فيه.”
حماتي حاولت تلطف الجو: “يا بنتي المسامح كريم، وتامر غلط وعِرف غلطه، والبت محتاجة أبوها وأمها في بيت واحد.. فكري عشان خاطر فريدة.”
بصيت لحماتي وبصيت لتامر، وأخدت إيد فريدة اللي جريت عليا وحضنتني: “فريدة معاها أبوها ومعاها أمها يا طنط، بس في بيتين محترمين. فريدة مش محتاجة تكبر في بيت فيه كدب وخيانة وإهانة لكرامة أمها.. ده الدرس الأهم اللي لازم تتعلمه في حياتها. عن إذنكم، عشان ورانا تمرين سباحة.”
أخدت بنتي ومشيت، وسامعة صوت حماتي وهي بتزعق لتامر بصوت واطي: “عاجبك كده؟ ضيعت من إيدك ست مفيش ضفرها، عشان حتة البت التانية اللي سابتك أول ما فلوسك نقصت!”
وأنا ماشية في ممرات النادي، فريدة بصت لي وقالت: “ماما.. بابا كان بيعيط وهو بيكلم تيتة عليكي قبل ما أنتِ تيجي.”
نزلت لمستواها، وطبطبت على خدها: “بابا ساعات بيبقى زعلان يا فريدة، بس هو كويس، وأنتِ بتحبيه وهو بيحبك، وده المهم.. يلا بينا عشان نلحق التمرين؟”
“يلا يا أحلى ماما في الدنيا!”
السنة خلصت، والمشروع اللي في الساحل اتسلم، وفي الحفلة الكبيرة اللي عملتها الشركة بمناسبة النجاح، رئيس مجلس الإدارة سلمني درع التميز كأفضل مهندسة تصميم في الـ سيزون ده. وأنا واقفة على المسرح، والفلاشات بتنور في وشي، والناس بتسقف، بصيت لماما وفريدة اللي كانوا قاعدين في أول صف وبيسقفوا بدموع وفرحة.. وحسيت وقتها إن حجز الفندق اللي في بالي مكانش نهاية حياتي.
ده كان أحسن حاجة حصلت لي.. كان القلم اللي فوقني عشان أعرف أنا مين، وأقدر نفسي صح.
لما رجعنا البيت بالليل، فريدة خدت الدرع وحطته على مكتبها الصغير، وقالت لي: “ماما.. أنا لما أكبر عايزة أطلع مهندسة شاطرة وقوية زيك بالظبط.”
حضنتها ونمت جمبها وأنا حاسة برضا تام. اللعبة اللي تامر بدأها عشان يكسرني، انتهت بإنها عملت مني إنسانة مفيش أي حاجة في الدنيا تقدر تكسرها تاني. وقبل ما أغمض عيني، بصيت للشباك وللسما الواسعة، واتنفست بابتسامة.. الست اللي بيفتكروها “مملة”، طلعت هي اللي بتكتب السطر الأخير.
………
الشهور جرت ورا بعضها، وفريدة كبرت وبقت في إعدادي، طولها بقى يقرب من طولي، وشخصيتها بقت واثقة وقوية، نسخة مصغرة من نيرمين الجديدة. تامر حياته فضلت مكانها؛ اتقى في شغله شوية، بس عمره ما رجع تامر بتاع زمان اللي شايف نفسه على الدنيا. كل ما كان بيجي ياخد فريدة، كان بيبص لي بنظرة فيها ألف كلمة عتاب وندم، بس النظرات دي مكنتش بتهز فيا شعرة. أنا اتخطيت، وبقيت في حتة تانية خالص.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبي الخاص اللي فتحته في جليم بعد ما اسمي كبر في السوق، وجالي تليفون من أستاذ رأفت المحامي.
“مساء الخير يا بشمهندسة، جالي تليفون من محامي تامر.. تامر بيمر بأزمة صحية شديدة، جلطة خفيفة ودخل المستشفى، وفريدة هناك معاه وبتعيط، تامر طالب يشوفك.”
المكالمة نزلت عليا هادية. مكنش فيه شماتة، ولا كان فيه وجع. فيه إنسانية وبس. قفلت اللابتوب، وأخدت عربيتي وطلعت على المستشفى في سموحة.
دخلت الأوضة، كانت حماتي السابقة قاعدة ودموعها على خدها، وفريدة ماسكة إيد أبوها وبتعيط. تامر كان نايم على السرير، باهت، وضهوره ومامته حواليه مكسورين. أول ما شافني داخلة، عينيه لمعت بدموع حقيقية، وحاول يتعدل.
شاورت لفريدة تاخد تيتة وتخرج بره الأوضة شوية. قعدت على الكرسي اللي جنبه، وبصيت له بهدوء: “ألف سلامة عليك يا تامر. شد حيلك عشان بنتك.”
صوته كان طالع بالعافية ومبحوح: “نيرمين.. أنا ضيعت كل حاجة. ضيعتك وضيعت بيتي، وعشت السنين دي كلها بحلم باللحظة اللي تسامحيني فيها. أنا كنت غبي وأنانى، وافتكرت إن الدنيا هتفضل تضحكلي.”
بصيت له وابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة سلام نفسي: “أنا مسمحاك يا تامر من زمان. مسمحاك مش عشانك، عشان نفسي. الغل والحقد بياكلوا صاحبه، وأنا حياتي بقت مليانة حاجات حلوة أوي مستخسرة أضيعها في الزعل.”
دموعه نزلت: “يعني ممكن نرجع؟”
هزيت رأسي بالنفي وأنا بقوم: “الرجوع ده للناس اللي سابوا بعض وهما لسه في بينهم خيط موصول. إحنا الخيط اللي بيننا اتقطع وداهب من زمان.. اللي باقي بيننا هو فريدة، هفضل أحترمك عشانها، وهفضل واقفة جنبك في تعبك عشانها. قوم بالسلامة عشان بنتك محتاجاك.”
خرجت من الأوضة، وأنا حاسة إن الدائرة اتقفلت تماماً. مفيش نهايات مفتوحة، ومفيش انتقام أحسن من إنك تسيب اللي أذاك لندمه، وأنت تكمل طريقك لفوق.
أخدت فريدة في حضني بره، وقلت لها: “بابا هيبقى كويس يا حبيبتي، الدكاترة طمنوني.”
بصت لي وعينيها مليانة فخر: “أنا بحبك أوي يا ماما. أنتِ دايماً بتعرفي تتصرفي وتخلي كل حاجة صح.”
رجعنا بيتنا بالليل، وقفت في البلكونة وبصيت للبحر اللي ملوش آخر. الهوا الساقع خبط في وشي، وحسيت براحة تامة. القصة اللي بدأت بألم وخيانة في مطبخ صغير، انتهت هنا.. على شط البحر، وأنا ست حرة، ناجحة، ومفيش أي قوة في الدنيا تقدر تكسر خطوتها اللي جاية.
تمت
حكايات انجى الخطيب