الانتقام من الخيانة حكايات انجى الخطيب

رجعت المطعم تاني عشان نسيت محفظتي… والمدير همسلي: “متصرخيش لما تشوفي جوزك عمل إيه.”
رجعت المطعم عشان نسيت محفظتي.
​وافتكرت إن ده الغلط الوحيد اللي عملته الليلة دي.
​بس اللحظة اللي خطيت فيها برة الأبواب الأزاز، وش المدير اتقلب وبقى شاحب.
​مبتسمش.
ولا أداني الشنطة بتاعتي.
قرب مني أوي وهمس:
​”يا هانم… هوريكي لقطات الكاميرات. بس من فضلك متزعقيش لما تشوفي جوزك عمل إيه.”
​ركبي كانت هتخونني وأقع.
​قبل عشر دقايق بس، كنت باحتفل بعيد جوازنا الثالث مع جوزي، علي، في واحد من أغلى المطاعم في الزمالك. من نوعية الأماكن اللي الويترز فيها بيتكلموا بصوت واطي، والإضاءة هادية، وكوباية العصير الواحدة بتكلف أكتر من ميزانية أسبوع خضار وفراخ.
​علي كان مثالي الليلة دي.
​مثالي زيادة عن اللزوم.
​شد الكرسي عشان أقعد. ومسك إيدي. وقال في نخب “لأخر العمر.”
​حماتي، الحجة كريمة، ابتسمت في وشي باللطف الجميل والمزيف اللي دايماً بتلبسه قدام الناس.
​وداليا – البنت الشابة اللي علي دايماً بيقدمني ليها على أساس إنها “أخته في الرضاعة” – أدتنّي خنجر فضة صغير كهدية.
​وقالتلي بابتسامة: “عشان يحميكي من الطاقة السلبية والحسد.”
​ضحكت.
​أنا ضحكت فعلاً.
​عشان لأول مرة من أسابيع، حسيت إني طبيعية تاني تقريباً.
​الصداع مكانش شديد أوي.
والدوخة بدأت تروح.
ومبقتش أصحى متلخبطة بعد كده، وأقعد أسأل نفسي هو أنا دخلت الأوضة دي ليه أو سبت مفاتيحي فين.
​افتكرت إن يمكن صحتي بدأت تتحسن أخيراً.
​وبعدين، وإحنا في العربية راجعين البيت، مديت إيدي في الشنطة عشان أشوف المحفظة.
​مكانتش موجودة.
​علي عرض عليا في نفس اللحظة إنه يرجع معايا, بس أنا قلتله لأ.
​قلتله “مش هأخر.”
​باس دماغي وابتسم.
​”متغيبيش يا حبيبتي. إنتي كنتي تعبانة ومرهقة أوي الفترة اللي فاتت.”
​الجملة دي كان المفروض تبان حنينة.
​بس بدال ده، خلت بطني تقلب.
​لما رجعت المطعم، كان المدير أستاذ مدحت مستنيني جنب المدخل.
​بس مكانش ماسك محفظتي.
​مسك دراعي بالراحة وأخدني على مكتب صغير ورا المطبخ. وبعدين قفل الباب.
​قال بهدوء: “مدام سلوى، أنا شفت حاجة مقدرتش أعديها ومكتمش عليها.”
​فتح لقطات كاميرات المراقبة.
​في الأول، شفت الترابيزة بتاعتنا.
​شفت نفسي وأنا بـقوم وبامشي رايحة الحمام.
​وبعدين شفت علي.
​بص حواليه.
​وبالراحة، وبكل حرص، مّد إيده جوة محفظتي.
​قلبي وقف.
​طلع علبة الفيتامينات اللي كنت باخدها كل يوم بالليل.
​وبعدين فتحها، وفضى الكبسولات على منديل، وبدلها بحبوب شبهها بالظبط كانت في جيب البدلة بتاعته.
​مبقتش قادرة أتنفس.
​بس ده مكانش حتى أوحش جزء في الموضوع.
​أمه مكانتش باين عليها الصدمة خالص.
​دي ضحكت.
​وداليا قربت منه وهمست بحاجة في ودنه، وهي بتبتسم وكأنهم لسه كسبانين ماتش.
​المدير مدحت حط كيس بلاستيك صغير على المكتب.
​جواه كانت الكبسولات الأصلية بتاعتي.
​قال: “أنا لقيت دول في باسكيت الزبالة بتاع حمام الرجالة. أنا كنت شغال في صيدلية زمان. اللي جوزك حطه في العلبة دي… دي مش فيتامينات.”
​دمي نشف في عروقي.
​وكمل: “دي أدوية مهدئة ومؤثرة على الأعصاب وقوية جداً. لو اتاخدت بانتظام، ممكن تعمل لغبطة، وبارانويا، وهلوسة، وفقدان ذاكرة، وتوهان…”
​سكت شوية.
​”مش كفاية عشان تموتك يا فندم. بس كفاية عشان تخلي كل اللي حواليكي يفتكروا إنك بتفقدي عقلك وبتتجنني.”
​وفجأة، كل حاجة بقيت واضحة ومفهومة.
​الهمسات الغريبة بالليل.
الأصوات اللي علي كان بيقولي إني بتخيلها.
المواعيد والاجتماعات اللي كان بيقول إني نسيتها.
الطريقة اللي الحجة كريمة كانت دايماً بتقول بيها: “يمكن محتاجة ندخلها مصحة أو مكان ترتاح فيه شوية.”
​مكانش فيه إرهاق ولا ضغط شغل.
​مكانش تعب.
​دول كانوا هما.
​كلهم.
​وعرفت بالظبط السبب إيه.
​أنا بملك مجموعة شركات الشناوي، الشركة اللي بابا بناها وعملها قبل ما يموت.
​لو قدروا يخلوني أبان مش مظبوطة عقلياً ومجنونة، علي كان هيقدر ياخد الوصاية ويسيطر على ثروتي، وشركتي، وحياتي كلها.
​وفي اللحظة دي تليفوني رن.
​علي.
​مدحت بصلي وهز رأسه لـلأ.
​وهمس: “متواجهيهوش دلوقتي خالص. خليه يفتكر إن مفيش أي حاجة اتغيرت.”
​بإيدين بتترعش، رديت.
​وقلت: “أيوة يا حبيبي”، وضغطت على صوتي عشان يبان هادي وطبيعي. “لقيت المحفظة. أنا جاية في الطريق أهو وراجعة البيت.”
​لما قفلت السكة، حطيت علبة الفيتامينات المزيفة تاني جوة شنطتي.
​وبعدين بصيت على الفيديو للمرة الأخيرة.
​جوزي كان فاكر إنه هيرجع البيت بوش الصبح لست ضعيفة ومغيبة.
​بس الليلة دي، أنا رجعت البيت ومعايا الدليل.
​وكنت جاهزة أوي ومستعدة أستعبط وأمثل.
​عشان أنا دلوقتي عرفت الحقيقة كاملة.
​وعلي مكنش عنده أي فكرة إن الست اللي حاول يكسرها ويدمرها كانت خلاص على وشك إنها تدمره هو الأول.
*******”
ركبت العربية وجسمي كله كان عبارة عن حتة تلج، بس دماغي بتغلي. الكيس اللي فيه الفيتامينات الحقيقية بتاعي مستخبي في قاع الشنطة، والعلبة المسمومة هي اللي على الوش. طول السكة وأنا باصص في المراية، ملامح وشي اللي كانت بتترعش من دقيقتين بدأت تتحول لجمود مرعب. “هتمثلي يا سلوى.. هتمثلي لحد ما تدبحيهم بدم بارد.”
​أول ما حطيت المفتاح في باب الشقة، الباب اتفتح بسرعة وكأن علي كان واقف وراه بيستناني. وشه كان لابس قناع القلق والمحبة اللي بقالي شهور مخدوعة فيه.
​”تأخرتي ليه يا حبيبتي؟ ق لقتيني عليكي جداً، ووالدتي كانت هتموت من القلق.”
​الحجة كريمة ظهرت من المطبخ، وفي إيدها كوباية أعشاب دافية، وابتسامتها الصفرا مغطية وشها:
​”سلامتك من الخضة يا بنتي.. تلاقيكي نسيتيها من الدوخة بتاعة الصبح. تعالي، تعالي اشربي الأعشاب دي عشان تهديكي وتنامي.”
​بصيت للكوباية، وبصيت لعلي اللي كان بيبتسم في هدوء، وفجأة لمحت داليا قاعدة في الصالون، حاطة رجل على رجل، وعينها بتلمع بنظرة انتصار مقرفة. في اللحظة دي، الخوف اتمسح تماماً، وحل محله غل بيحركني زي العرائس الماريونيت.
​ضحكت ببله، ورميت الشنطة على الترابيزة وقولت بصوت مهزوز ومصطنع:
​”آه والله يا ماما.. أنا بقيت بنسى بشكل مرعب. تخيلوا روحت لقيت الأستاذ مدحت ماسكها وبيضحك.. قالي يا مدام سلوى إنتي سبتيها على الترابيزة.”
​قعدت على الكنبة، وداليا قربت مني، حطت إيدها على كتفي وقالت بنبرة حنينة زيادة عن اللزوم:
​”معلش يا سلوى، إنتي بس محتاجة ترتاحي.. فكري في الموضوع اللي علي قالهولك، سيبيلنا إدارة الشغل كام شهر لحد ما تبقي كويسة.. الخنجر الفضة اللي ادهولك اشتغل ولا لسة؟”
​بصيت لداليا في عينها وقولت بابتسامة تائهة:
​”شغال يا داليا.. شغال أوي. ده أنا حتى حطاه تحت المخدة.”
​علي قرب مني، وباس دماغي، ومد إيده في الشنطة وطلع علبة الفيتامينات. فتحها وطلع منها حبايتين وحطهم في إيدي:
​”طب يلا يا حبيبتي، خدي فيتاميناتك دي عشان ننام، وبكرة يوم طويل.”
​أخدت الحبوب منه، وبصيت لوشوشهم تلاتتهم.. كانوا باصينلي بترقب، مستنيين اللحظة اللي هبلع فيها السم. رفعت إيدي بقي، وعملت نفسي ببلعهم مع بؤ مية من الكوباية اللي حماتي جابتهالي، بس في الحقيقة، الحبوب استقرت تحت لساني بمهارة عمري ما تخيلت إني أملكها.
​”تصبحوا على خير.. أنا هحاول أنام عشان الصداع بدأ يرجع.”
​دخلت الأوضة وقفلت الباب. أول ما اتقفل، تفيت الحبوب في مناديل ورميتها في جيب الروب. قعدت على السرير في الضلمة، وبدأت أسمع وشوشتهم برة في الصالون. صوت علي كان واطي بس واضح:
​”خلاص يا أمي.. الجرعة دي هتبهدلها بكرة خالص. المحامي جهز ورق التنازل والوصاية الطبية، ومجرد ما تقع بكرة في الشركة قدام الموظفين، هنطلبلها لجنة طبية فوراً.”
​صوت داليا ضحك بخبث:
​”أخيراً.. الشركات دي هتبقى بتاعتنا، والست هانم هتقضي بقية حياتها في أوضة ضلمة بمستشفى الأمراض النفسية.”
​دموعي نزلت في الضلمة، بس مكنتش دموع ضعف، دي كانت دموع النهاية ليهم. مسكت تليفوني، وفتحت الواتساب، وبعت رسالة لمدحت مدير المطعم: “أستاذ مدحت.. ابعتلي الفيديو فوراً على الرقم ده، وكلملي المحامي الكبير بتاع شركتنا، خليه يجهزلي محضر شروع في ق*تل وتزوير، وعايزة قوة من الشرطة تستناني بكرة الصبح تحت البيت.”
​حطيت التليفون تحت المخدة، ونمت على السرير وعيني مفتوحة في الضلمة، باصة للسقف.
​اللعون بدأ.. وبكرة الصبح، لما علي يفتكر إنه رايح يستولي على أملاكي، هيتفاجأ إنه رايح على حبل المشنقة، وهو وأمه وأخته في الرضاعة.
**” ” ‘
فتحت عيني الساعة سبعة الصبح. النور كان لسه بيشق طريقه بالعافية من شيش البلكونة، ومغرق الأوضة في ضي رمادي كئيب. بصيت جمبي.. علي مكنش موجود.
​قمت من السرير بكل هدوء، دخلت الحمام، ووقفت قدام المراية. وشي كان شاحب، وتحت عيني سواد من قلة النوم، بس عيني كانت صاحية.. صاحية أوي وبتلمع بلمعة عمري ما شفتها في نفسي قبل كده. فتحت جيب الروب، طلعت المنديل اللي فيه الحبايتين المزيفين، ورميتهم في الحوض وفتحت المية عليهم لحد ما دابوا واختفوا تماماً.
​لبست طقم أسود كامل، ورفعت شعري لفوق، وحطيت روج أحمر غامق.. لدرجة إني مكنتش ملاحقة على دقات قلبي اللي كانت بتدب في صدري زي الطبلة.
​فتحت باب الأوضة وخرجت.
​لقيتهم كلهم متجمعين في الصالون، كأنهم بايتين صاحيين بيخططوا. علي كان لابس بدلتو الشيك، وحماتي قاعدة على الكنبة بتسبح بسبحتها وبتدعي بوشها الخشب، وداليا واقفة جمب السفرة وبتشرب قهوة. أول ما رجلي خطت الصالون، التلاتة رقابهم لفت ناحيتي في نفس اللحظة.. عينيهم كانت بتدور على أثر “الجرعة” بتاعة بليل.
​عملت نفسي دايخة، وحطيت إيدي على دماغي وأنا بتسند على الحيطة:
​”صباح الخير.. أنا.. أنا حاسة إن دماغي تقيلة أوي النهاردة.. ومش شايفة قدامي.”
​علي قام بسرعة، وجري عليا مسك دراعي بخوف مصطنع:
​”سلامتك يا حبيبتي.. قولتلك بلاش تنزلي الشركة النهاردة، إنتي تعبانة والجرعات بتاعة الفيتامينات لسه مأخدتش وقتها.”
​حماتي هزت راسها بأسى مصطنع وقالت:
​”يا بنتي اسمعي كلام جوزك.. الشغل مش هيطير، صحتك وعقلك بالدنيا، إحنا خايفين عليكي لتنزلي وتعملي تصرف مش هو، والناس في السوق تاكل وشنا.”
​بصيت لعلي وقولت بصوت مرتعش وتايه:
​”لأ يا علي.. لازم أنزل. في ورق مهم جداً بتاع صفقة الشحن الجديدة لازم أمضيه بنفسي.. المحامي قالي لو المضي اتأخر، الشركة هتخسر ملايين.”
​لمحت نظرة سريعة وخبيثة اتبدلت بين علي وداليا. داليا نزلت فنجان القهوة وقالت بسرعة:
​”خلاص يا سلوى، طالما الموضوع مهم كده، علي هينزل معاكي.. يمسك إيدك ويسندك، وعشان لو تعبتي هناك يبقى جمبك.”
​هزيت راسي ببلاهة:
​”ماشي يا داليا.. ياريت يا علي تيجي معايا.. أنا بجد مش قادرة أركز.”
​ركبنا العربية، وعلي هو اللي كان سايق. طول السكة كان بيبصلي من تحت لتحت، ويلاقيني باصة لبعيد وسرحانة، فيبتسم في سرة وهو فاكر إن خلاص، العصفورة دخلت القفص والسم بدأ يشتغل. مكنش يعرف إن تليفوني في الشنطة كان مفتوح على خط “صامت” مع المحامي بتاعي من أول ما ركبنا، وكل كلمة بتتقال في العربية مسموعة.
​أول ما وصلنا قدام مبنى الشركة في المهندسين، لقيت تلات عربيات ميكروباص قاطعين السكة، وواقفين جمب عربية بوكس شرطة مشغلة السرينة بتاعتها من غير صوت.
​علي فرمل بالعربية فجأة ووشه اتخطف:
​”إيه ده؟ في إيه قدام الشركة؟”
​نزلت من العربية قبل ما يقف تماماً. وفي ثانية، لقيت اتنين رجلة بملابس مدنية، ومعاهم أمين شرطة ومحامي الشركة، قربوا من العربية.
​علي نزل وهو بيزعق وعامل نفسه مذهول:
​”في إيه يا فندم؟ إنتو مين؟ وواقفين كده ليه؟”
​المحامي بتاعي قرب منه وطلع قسيمة ضبط وإحضار، وقاله ببرود:
​”استاذ علي الشناوي.. معانا أمر بضبطك وإحضارك إنت والوالدة الحجة كريمة، والآنسة داليا، بتهمة الشروع في ق*تل المدام، والتزوير، ومحاولة النصب والاستيلاء على أملاك الغير.”
​علي وشه بقا بلون الورق، وبصلي وهو بيبرق وعينه هتطلع من مكانها:
​”سلوى! إيه الجنان ده؟ إنتي اتجننتي رسمي؟ إنتي مش دريانة إنتي بتقولي إيه! المحقق ده لازم يعرف إن مراتي مريضة نفسية وبتخرف ومبتخدش علاجها!”
​قربت منه بكل ثبات، ووقفت قدامه بالظبط. الابتسامة التايهة اختفت، وحل مكانها نظرة حادة زي الخنجر اللي داليا ادتهولي. طلعت من شنطتي كيس البلاستيك اللي فيه الحبوب الحقيقية، والعلبة اللي فيها الحبوب المزيفة، ورفعتهم في وشه:
​”المريض النفسي هنا هو إنت وعيلتك الواطية يا علي. الفيتامينات دي متحللة، وفيديو كاميرات المطعم بتاع امبارح وإنت بتبدل الحبوب في محفظتي بقا مع النيابة دلوقتي.. والخط اللي كان مفتوح طول السكة وسجل كلامك وإنت بتقول إن الجرعة هتبهدلني بكرة.. كل ده مع سيادة الضابط.”
​علي رجع لورا خطوة، وركبه خانته، وبدأ يعرق بغزارة والكدب هرب من عينه.
​بصيت لأمين الشرطة وقولت بلهجة آمرة:
​”اتفضلوا خلوه يحصل أمه وأخته في الرضاعة.. البوكس مستنيهم في البيت من نص ساعة زمانهم شرفوا هناك.”
​كلبشوا إيده ورا ضهره، وهو بيبصلي وبيصرخ زي العيل الصغير:
​”سلوى.. سامحيني.. أنا عملت كده عشانهم.. هما اللي وزوني.. سلوى!”
​وقفت على رصيف شركتي، باصة لعربية الترحيلات وهي بتاخده وبتتحرك. خدت نفس طويل، أعمق نفس خدته من شهور.. الصداع اختفى، والدوخة راحت، وحسيت فجأة إن الشمس اللي طالعة النهاردة.. طالعة عشاني أنا وبس.
*********
دخلت مبنى الشركة وخطوات جزمتي كانت بترن في الصالة الفاضية ببرود حاد. كل الموظفين كانوا واقفين على جنب، باصينلي بذهول وعلامات الاستفهام مالية وشوشهم بعد المنظر اللي شافوه برة. مالتفتش لحد، ومبصيتش ورايا. طلعت في الأسانسير لـمكتب رئيس مجلس الإدارة.. مكتبي أنا.
​أول ما قعدت على كرسي بابا الله يرحمه، حطيت شنطتي على المكتب، وطلعت منها المنديل اللي شلت فيه الحبوب الحقيقية، والتقرير المبدئي اللي المحامي بعتهولي على الواتساب. ساندت ضهري لورا وغمضت عيني لثواني، بحاول أستوعب إن الكابوس اللي عشته شهور انتهى في ليلة واحدة بفضل “محفظة منسية”.
​تليفوني رن.. كان المحامي.
​”أيوة يا متر، طمني.”
​”كله تمام يا فندم. القوة اللي راحت البيت قبضت على الحجة كريمة وداليا وهم بيحاولوا يلموا الذهب والفلوس من الخزنة، شكلهم عرفوا باللي حصل لعلي. التلاتة دلوقتي في القسم، والنيابة فتحت المحضر فوراً بناءً على تسجيلات الكاميرات وصوت مكالمة العربية.”
​”وعلي؟”
​”علي منهار تماماً في التحقيق، وبيرمي التهمة كلها على أمه وداليا، وبيقول إنهم اللي جابوا المهدئات من ورا ضهره. بس الفيديو مسجله وهو بيبدل الحبوب بإيده، فموقفه في الضياع.”
​قفلت السكة وأنا حاسة بنوع من القرف المشوب بالراحة. “بيرمي التهمة على أمه”.. أهو ده علي اللي عشت معاه تلات سنين وفاكراه راجل.
​الباب خبط، ودخلت السكرتيرة وهي بترتعش ومستنية تفهم إيه اللي بيحصل. بصيتلها بهدوء وقولت:
​”اطلبيلي دكتور التحاليل اللي بيجي الشركة فوراً يا نهى، وعايزة فنجان قهوة سادة.. مظبوط.”
​ساعتين بالظبط، وكان الدكتور سحب مني عينة دم عشان نطلع تقرير رسمي بنسبة الملوخ الدوائي والمهدئات اللي في جسمي، عشان نقفل الق*ضية دي بقفل حرز حاسر ملوش مخرج.
​على الساعة 4 العصر، نزلت من الشركة وروحت على البيت. الشقة اللي كانت من كام ساعة سجن ومصدر رعب، بقت فاضية وساكتة. دخلت أوضة النوم، فتحت الدولاب، وطلعت كل هدوم علي.. كل بدلة شيك كان بيلبسها بفلوسي، كل ساعة هاديته بيها.. رميتهم كلهم في وسط الصالة زي الزبالة.
​ولمحت على الكومودينو الخنجر الفضة الصغير اللي داليا ادتهولي امبارح. مسكته في إيدي، وبصيت لمعانه السخيف، وضحكت بصوت عالي.. ضحكة جاية من قلبي لأول مرة. هما فعلاً ادوني الخنجر عشان يحميني من طاقتهم السلبية.. بس بطريقتي أنا.
​قعدت على الكنبة، وفتحت الشاشات وبدأت أتابع مع المحامي إجراءات رفع دعوى طلاق للضرر، وبطلان أي تصرفات قانونية كان علي بيحاول يعملها في خفايا السطور.
​أنا خسرت تلات سنين من عمري مع ناس متسواش، وخسرت جُزء من سلامي النفسي.. بس كسبت نفسي من جديد. عرفت إن الضعف كان مجرد وهم هما اللي زرعوه في دماغي بالسموم بتاعتهم، وأول ما فقت.. دمرت المحرك ومحوت اللعبة.
​تليفوني نور تاني برقم غريب، رديت وجالي صوت علي المخنوق من العياط والبهدلة وهو بيتكلم من التليفون المسموح بيه في الحجز:
​”سلوى.. أبوس إيدك ارحميني.. أمي هتموت جوة، وأنا ضعت.. أنا بحبك والله، هما اللي عموا عيني..”
​سكت ثواني، وخدت بؤ من القهوة السادة اللي بقت بطعم الانتصار، وقولتله بكل برود:
​”سلملي على الحجة كريمة يا علي.. وقول لداليا إن الخنجر الفضة طلع حامي أوي.. لدرجة إنه دبحكم تلاتة برمشة عين.”
​قفلت السكة في وشه، وعملت للرقم بلوك، ورميت التليفون جمبي. وبصيت للشمس وهي بتغيب من الشباك، وأنا عارفة إن من بكرة.. هتبدأ حياة سلوى الشناوي الحقيقية، ومن غير أي سموم.
*********
مرت تلات شهور على الليلة دي.
​الشقة اللي شهدت على غدرهم بعتها وقفلت بابها ورايا للأبد، ونقلت في بيت جديد في مكان هادي، بعيد عن أي ذكرى تخصهم. تلات شهور كنت باخد فيهم علاجي بانتظام عشان أنظف جسمي من بقايا السموم اللي عاشوا شهور يسقوهالي، ومع كل يوم كان بيعدي، كان الصداع بيختفي، والتركيز بيرجع، وملامح سلوى القوية الشديدة اللي هدوها بالبطيء كانت بتتبني من جديد.. بس أقوى م الأول بمراحل.
​النهاردة الصبح، كنت قاعدة في مكتبي بالشركة، نفس المكتب اللي حاولوا يسرقوه مني. الباب خبط ودخل المحامي بتاعي، أستاذ عادل، وعلى وشه ابتسامة رضا واسعة، وحط قدامي ملف أزرق كبير.
​بصيت للملف وسألته بنبرة هادية:
​”ها يا متر؟ الحكم طلع؟”
​قعد أستاذ عادل وقال بنبرة انتصار:
​”الحمد لله يا فندم، الجلسة خلصت من ساعة. المحكمة أصدرت حكمها الرادع.. علي خد 7 سنين سجن مشدد بتهمة الشروع في الق*تل العمد مع سبق الإصرار والتزوير، والحجة كريمة وداليا خدوا 5 سنين لكل واحدة منهم بتهمة الاشتراك والمساعدة. ده غير طلاقك للضرر اللي حكم القاضي بيه من أول جلسة، وبطلان أي توكيل أو ورق كان علي حاول يزوره.”
​سندت ضهري لورا، وخدت نفس طويل وعميق.. نفس كان محبوس جوة صدري من سنين. مكنتش شمتانة، كنت حاسة بنوع من العدالة الإلهية اللي ريحت قلبي. الناس دي مكنتش تستاهل ندم ولا حتى دموع.
​”والصيدلي اللي كان بيصرفلهم الأدوية من غير روشتة يا متر؟”
​”النيابة جابته يا فندم، والمنشأة بتاعته اتقفلت وهو كمان لبس ق*ضية جنائية هتقعده في البيت كتير. قضيتك قفلت كل الثغرات.”
​هزيت راسي وشكرته، وأول ما خرج، قمت وقفت قدام الشباك الإزاز الكبير اللي بيبص على النيل.
​افتكرت للحظة شكل علي وهو مكلبش، وشكل أمه وهي بتصرخ وداليا اللي وشها كان جايب ميت لون.. واكتشفت إني مش حاسة بأي حاجة ناحيتهم. لا كره، ولا غل، ولا عتاب. هما بقوا مجرد صفحة سودا وقذرة في كتاب حياتي، واتقطعت واترمت في الزبالة.
​مسكت تليفوني، وبعت رسالة شكر ومكافأة مالية محترمة للأستاذ مدحت، مدير المطعم، الراجل اللي كان سبب في إني أكتشف الحقيقة.. لولا أمانته، ولولا “المحفظة” اللي نسيتها، كنت زماني النهاردة برمي كلامي في الهوا جوة مصحة نفسية، وهما عايشين بفلوسي.
​حطيت التليفون في الشنطة، ولميت ورقي، وقررت إن النهاردة مفيش شغل تاني. نزلت، ركبت عربيتي، وسوقت وأنا مشغلة مزيكا هادية، والشبابيك مفتوحة والهوا بيخبط في وشي.
​بصيت لنفسي في المراية.. الوجع اتمسح، والوهن مشي، وعيني رجعت تلمع تاني، بس المرة دي بلمعة واحدة عرفت قيمتها وقيمة وعيها، ومستحيل تسمح لمخلوق إنه يطفيها تاني.
​أنا سلوى الشناوي.. والليلة دي، أنا مش بس رجعت حياتي وثروتي، أنا رجعت روحي اللي كانت مخطوفة.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *