انتقام الام من عروسة ابنها الخائنة حكايات انجى الخطيب
مرات ابني المستقبلية حلقتلي شعري زيرو قبل الفرح، ومن غير ما تعرف أنا كان معايا 120 مليون جنيه.
اسمي إلهام الشربيني. عندي تمانية وستين سنة، وكنت فاكرة زمان إن أقدر أفرق بين القلق العادي والمصيبة الحقيقية.
الإيمان دا اتهد في اللحظة اللي صحيت فيها الصبح يوم فرح ابني، وبشكل تلقائي مديت إيدي على شعري الفضي ومالقيتش أي حاجة غير جلدي الفاضي.
جريت وحافية على المراية.
كان طار.
كل خصلة.
اتحلق وأنا نايمة.
على الكومودينو بتاعي كان فيه ورقة متطبقة مكانتش موجودة قبل كده. عرفت خط الإيد في ثانية.
شاهيناز.
الست اللي كان المفروض بعد كام ساعة بس تبقى مرات ابني.
”دلوقتي بقى شكلك شبه حقيقتك يا عجوزة يا مهزأة.”
إيديا كانت بتترعش وأنا بقرأ كلامها.
عشان اللي ماحدش في الفرح دا كله كان يعرفه هو اللي أنا كنت رتبت له خلاص لليوم اللي بعده علطول.
من خمس سنين، قبل ما جوزي عصام يموت، عملنا اتفاق أخير وهو إن لما ابننا حازم يتجوز أنا هأمن له مستقبله.
هدية قيمتها 120 مليون جنيه.
ميعاد تحويلها في البنك كان متحدد لليوم اللي بعد الفرح علطول.
وفي اللحظة دي، الورقة مبقتش مجرد قلة أدب وقسوة.
دي بقت فوقان وفهم.
أنا كنت فعلاً عاوزة أحب شاهيناز.
بعد ما عصام مات، حازم دفن نفسه في الحزن والشغل. بعدين قابلها في حفلة خيرية ولأول مرة من سنين شوفت ابني الروح بترد فيه تاني.
كانت زي القمر. وشيك. وكل حاجة بتعملها من غير مجهود في الظاهر.
بس الحاجات الصغيرة بدأت تبان.
تلقيح كلام مستخبي في شكل هزار عن سني.
ابتسامة بتختفي في ثانية أول ما حازم يديها ضهره.
كلام كله بيلف ويدور حوالين الفلوس والمنظرة والمظاهر.
وقت تجهيزات الفرح الموضوع بقى أوحش. عادات العيلة اترمت على جنب. الأكلات المفضلة لجوزي الله يرحمه اتلوت من المنيو. القاعة اللي بنحبها من زمان اتريقت عليها وقالت دي موضة قديمة.
كان إحساس إن كل حاجة ليها قيمة عندنا كان لازم تتقص وتتمسح.
وبعدين جه عشا الفرح والزفة.
سمعتها بالصدفة وهي بتضحك مع صاحباتها وصواحبتها.
واحدة منهم قالت “على الأقل هي شايلة كل المصاريف ومصاريف القاعة”.
شاهيناز ردت وقالت “وفيه كمان الفلوس اللي هتيجي بعدين، مية وعشرين مليون سبب يخلوني أستحملها”.
حكايات انجى الخطيب
…
دمي جمد في عروقي، والورقة لسة في إيدي بتترعش. الـ120 مليون جنيه اللي كنت فاكرة إنها مخبياهم ومحدش يعرف عنهم حاجة، كانت عداهم وعارفاهم بالمليم. دخلت الحمام، بصيت لوشي في المراية، القرعة دي مكنتش مجرد قلة أدب، دي كانت حركة مقصودة عشان تكسرني، عشان تخليني أتحرج أنزل الفرح وأقعد في بيتي مستخبية، وهي تخلو لها الساحة تقش كل حاجة.
مسحت دموعي بسرعة، ووشي اتخشب. الحزن اللي كان جوايا اتقلب لغل حامي. قفلت باب أوضتي بالمفتاح، وطلعت التليفون وطلبت رقم حازم.
”أيوة يا أمي؟ صباح الفل يا حبيبتي، أنا في المطبعة بستلم بنر المدخل وجاي علطول، أنتِ جهزتِ؟”
صوته كان فرحان، فرحة طفل صغير عاش سنين في الضلمة وأخيرًا شاف النور. لسانى وقف، ومقدرتش أقوله “عروسة أحلامك حلقتلي زيرو وأنا نايمة”.
”حازم… أنت بتحب شاهيناز يا ابني؟”
”بموت فيها يا أمي، دي العوض اللي ربنا بعتهولي بعد بابا. فيه حاجة ولا إيه؟ صوتك ماله؟”
”مفيش يا حبيبي، بسألك بس. قفل أنت وشوف وراك إيه.”
قفلت السكة وأنا باخد نفسي بصعوبة. شاهيناز كانت فاكرة إنها بكدة دمرتني، بس هي متقليش، إلهام الشربيني مابتتكسرش. فتحت الدولاب، طلعت شال حرير هندي تقيل من بتوع زمان، لفيته حوالين دماغي بكل وقار وعملت “تِربان” شيك جدًا، وحطيت ميك أب كامل، أكن مفيش أي حاجة حصلت. وكلمت المحامي بتاعي، أستاذ رفعت.
”أيوة يا رفعت… تلغي أمر التحويل اللي مجدول لبكرة الصبح فورًا. الـ120 مليون جنيه يرجعوا المحفظة الاستثمارية المقفولة، ومحدش يلمس مليم.”
”تحت أمرك يا إلهام هانم، بس خير؟ حصل حاجة؟”
”خير يا رفعت، خير قوي كمان. هتشوف بنفسك في القاعة.”
الساعة دقت تمانية بالليل. قاعة الفندق الفخمة كانت منورة، والمعازيم مالين المكان، والكل بيتوشوش على الشال اللي أنا لابساه، بس أنا كنت ماشية حاطة عيني في عين الكل وراسي في السماء. شاهيناز كانت واقفة بفستانها الأبيض المنفوش زي الملايكة، أول ما عيني جت في عينها، شوفت اللمعة الخبيثة والشماتة في نظرتها، كانت متوقعة ترعش في إيدي أو دموع، بس صدمتها لما شافتني واقفة بطولي ومبتسمة.
قربت مني وهي بتتمايل، وحازم كان واقف بيبارك للناس بعيد.
”مساء الخير يا طنط… مبروك. بس إيه اللوك الجديد ده؟ الشال ده مداري وراه إيه؟”
قالتها بصوت واطي وهي بتلوح بوشها وضحكتها الصفرا مالية وشها.
قربت من ودنها بالراحة، وهمست بثبات يرعب:
”مداري وراه الـ120 مليون جنيه اللي كنتِ مستنياهم بكرة الصبح يا شوشو.”
ضحكتها اختفت في ثانية، وملامحها اتشدت واتأست، وبقت تبصلي برعب:
”أنتِ… أنتِ بتقولي إيه؟”
”بقولك إن الحلاقة اللي حلقتيهالي دي، كلفتك 120 مليون جنيه. أمر التحويل اتلغى من ساعتين، والفلوس دي مش هتشوفي منها ولا نكلة، لا أنتِ ولا حازم طول ما هو على ذمتك.”
شاهيناز اتنفضت، وصوتها علي من الصدمة وهي بتنسى البرستيج بتاعها:
”أنتِ أكيد بتخرفي! حازم مش هيسكت، حازم لو عرف…”
”لو عرف إيه؟”
الصوت ده جه من وراها. حازم كان واقف، وشايل في إيده الموبايل بتاعي. أنا كنت سايبة تسجيل الصوت شغال ومفتوح على تليفونه طول ما أنا بكلمها.
”حازم… حبيبي… دي، دي بتتبلى عليا…”
شاهيناز بدأت تتهتت والدموع المزيفة نزلت في ثانية.
حازم بص لها بنظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده، نظرة كسرة وندم وقرف. قرب مني وبإيده اللي كانت بترعش، شد الشال من على دماغي بالراحة وسط شهقة كل القاعة اللي سكتت فجأة. المنظر كان صدمة للكل، أم العريس قرعة زيرو يوم فرحه.
حازم بص لشاهيناز وقال بصوت هز القاعة:
”الورقة اللي سبتيهالها على الكومودينو، والشرير اللي كتباها بخط إيدك، أنا لاقيتها في أودتها وأنا بدور على الشال التاني. كنت بضحك على نفسي وبقول مستحيل تكوني بالوساخة دي… بس طلعتي أوطى مما تتخيلي.”
”حازم أسمعني… الفلوس…”
”الفلوس غمت عينك يا زبالة! الفرح ده مش هيتكمل، والمدعكة دي هتفضلي فاكراها طول عمرك.”
حازم مسك إيدها وقلعها الدبلة و رماها في وشها وسط ذهول أهلها وأصحابها اللي واقفين مش فاهمين حاجة.
التفت ليا، وعينه مليانة دموع، وطى على راسي الباين للكل، وباسها قدام الناس كلها وقال:
”سامحيني يا أمي… حقك عليا أنا.”
أنا مسكت إيده وجمدت عليها، وبصيت لشاهيناز اللي كانت واقفة بفستانها الأبيض وسط القاعة، لوحدها، مكسورة ومفضوحة، والـ120 مليون جنيه بيطيروا من قدام عينيها للأسد.
حكايات انجى الخطيب
……..
أنا وحازم لفينا ضهرنا ومشينا في وسط القاعة اللي كانت مقلوبة، الهمس والوشوشة ماليين المكان، والكل بيبص على شاهيناز اللي واقفة في وسط فستانها المنفوش زي العروسة الحلاوة اللي اتهرست تحت الرجلين. أهلها كانوا بيجروا وراها، وهي كانت بتصرخ في صاحباتها من الغل، بس صوت صريخها كان بعيد.. بعيد أوي عن ودني.
ركبنا العربية، حازم ورا الدريكسيون وإيديه لسة بترعش، وأنا جمبه. السكوت كان تقيل، بس مكنش سكوت حزن، كان سكوت الخلاص.
”أنا آسف يا أمي.. أنا اللي عملت فينا كده.”
صوته كان مخنوق، وعينيه على الطريق ومش قادر يبصلي.
”متتأسفش يا حازم. المية وعشرين مليون جنيه دول، أبوك الله يرحمه كان شايلهم عشان يأمن مستقبلك.. بس النهاردة، هما أمنوا عمرك كله. الفلوس بتروح وتيجي يا ابني، بس الغفلة لو طالت بتموت صاحبها.”
مديت إيدي وطبطبت على إيده. بصلي وهو بيمسح دمعة فرت من عينه، وبص لراسي المحلوقة، فابتسمت له ونزلت الشال التاني اللي كان في إيده على دماغي ولفيته تاني بروقان.
”وبعدين يا واد، اللوك ده موضة برضه، وموفر في الشامبو.”
ضحك.. ضحكة صافية طالعة من قلبه لأول مرة من سنين.
تاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة م Pine وصافية في بلكونة بيتنا. قعدت أشرب القهوة مع حازم وأستاذ رفعت المحامي اللي كان جاي ومعاه أوراق المحفظة الاستثمارية.
”يعني يا إلهام هانم، نرجع أمر التحويل لحازم بيه تاني؟” رفعت سأل وهو بنظارته بيبصبلنا بابتسامة إعجاب.
”لأ يا رفعت. الفلوس دي هتفضل في الحفظ والصون. حازم هيبدأ مشروع جديد باللي معاه، والـ120 مليون دول هنشيلهم للي تستاهل بجد.. اللي هتدخل البيت ده عشان تشتري حازم، مش تشتري حتة ورقة في البنك.”
حازم مسك إيدي وباسها:
”أنا مش عايز فلوس يا أمي.. أنا كفاية عليا إن ربنا نجاني، وإنك واقفة بطولك جمبي.”
في اللحظة دي، وأنا ببعد عيني عنهم وبصيت في السحاب، حسيت إن عصام الله يرحمه سامعني ومبسوط. شاهيناز كانت فاكرة إنها لما تقص شعري هتكسر هيبتي، مكنتش تعرف إن الست اللي بنت الإمبراطورية دي مع جوزها من الصفر، هيبتها مش في كام خصلة شعر.. هيبتها في رأسها اللي دايماً مرفوعة فوق.
……….
عدى شهر كامل على ليلة الفرح اللي اتقلبت ليلة مفرمة. شاهيناز مأستسلمتش بسهولة، فضلت تبعت رسايل استعطاف لحازم، وتدلي بدموع تماسيح في رسايل صوتية وتقول إنها كانت “مضغوطة من الفرح” وإن أصحابها هما اللي وزوها، بس حازم كان عمل لها بلوك من كل حتة في حياته، بلوك ملوش رجعة.
في يوم، كنت قاعدة في الجنينة والمحامي رفعت معايا بنراجع حسابات الشركات الجديدة اللي حازم قرر يفتحها بجهده الخاص، تليفوني رن برقم غريب. فتحت الاسبيكر.
”طنط إلهام.. أنا شاهيناز.”
صوتها كان واطي، مكسور، ومفيهوش نبرة التعالي القديمة.
”عايزة إيه يا شاهيناز؟”
قلتها ببرود تام وأنا برتشف بق شاي.
”أنا وبابا وماما عايزين نيجي نعتذر لك.. أنا خسرت كل حاجة، الناس في النادي والمنطقة مبيتكلموش غير عليا، وحازم ضاع مني.. أنا مستعدة أعمل أي حاجة، والله العظيم هبقى تحت رجليكي.”
ضحكت ضحكة خفيفة هزت المكان:
”تحت رجليا؟ لا يا شوشو، أنتِ مكانك مش تحت رجلي، أنتِ مكانك برة حياتنا خالص. أنتِ مخسرتيش حازم عشان الناس بتتكلم، أنتِ خسرتيه عشان طمعك وغبائك عموا عينيكي. فاكرة ورقتك؟ ‘عجوزة مهزأة’؟ العجوزة المهزأة دي بقى هي اللي لسة مخلية ابنها واقف على رجليه، وهي اللي خلتك عبرة.”
”طب والفلوس؟ الـ120 مليون.. حازم ملوش ذنب يتحرم منهم بسببي!”
ظهرت حقيقتها تاني، الطمع اللي بيجري في دمها مقدرتش تداريه حتى وهي بتشحت الرضا.
”الفلوس في حرز حريز يا شاطرة، والكلب اللي بيجري ورا العضمة، لما بيكتشف إنها بلاستيك بيلف ويرجع من حتة ما جه. مع السلامة يا شاهيناز.”
قفلت السكة في وشها وعملت الرقم بلوك.
في نفس اللحظة، دخل حازم الجنينة، ووشه كان منور، ولابس بدلة الشغل الجديدة. جه عليا وطبع بوسة على راسي اللي بدأ الشعر الفضي ينبت فيها تاني زي الزرع الأخضر اللي بيطلع بعد المطر.
”بتضحكي لوحدك ليه يا لومة؟”
”بضحك على الدنيا يا بني.. لما بتصفي للواحد بعد غمة.”
”بالمناسبة يا أمي، أنا عازمك النهاردة على الغدا برة.. معايا مهندسة ديكور جديدة مسكتها شغل فرع الشركة الجديد، وعايزك تقعدي معاها وتقوليلي رأيك في ذوقها.. وكمان، في شخصيتها.”
بصيت في عينيه، شوفت لمعة تانية خالص، لمعة راجل نضج وفهم الدرس، ومش هيمشي ورا المظاهر تاني.
”ماشي يا قلب أمك، هقوم ألبس.. وأهو بالمرة أوريها اللوك الجديد بتاعي قبل ما يطول.”
ضحكنا إحنا الاتنين، والـ120 مليون جنيه بقوا مجرد أرقام في حساب بنكي مقفول، ملهومش أي قيمة قصاد ضحكة ابني وهو راجع لحضني، صافي، ونضيف، وسيد قراره.
………
وقفنا قدام المطعم الشيك اللي في الزمالك، المكان هادي ومطل على النيل، الهوا كان بيرد الروح. حازم نزل وفتحلي باب العربية، مسكت في إيده ودخلنا وأنا حاطة الشال بتاعي بثقة، مش دارية من الكسوف، لأ.. دارية عشان لسة المفاجأة مكملتش.
أول ما دخلنا، لقيت بنت قاعدة على ترابيزة ناحية النيل، لابسة فستان بسيط جداً، وشعرها ملموم، ومفيش على وشها غير ابتسامة صافية أول ما شافت حازم. كانت ماسكة لوحة تابلت وبترسم عليها خطوط هندسية.
”طنط إلهام؟ أهلاً وسهلاً بحضرتك، أنا مريم.”
قامت وقفت وسلمت عليا بحرارة، إيدها كانت دافية، وفي عينيها نظرة احترام حقيقي مش من النوع اللي بيبص على الماركات اللي أنا لابساها. قعدنا، وبدأ الكلام يجر بعضه. مريم كانت بتتكلم عن شغل الديكور بشغف، عن إزاي عايزة تعمل تصميمات مريحة للعين وتناسب هوية بلدنا، مكنتش بتجيب سيرة المظاهر، ولا اتمنظرت بشهادتها، بالعكس، كانت بتتكلم ببساطة تسر القلب.
حكايات انجى الخطيب
في وسط الكلام، حازم جاله تليفون مهم بخصوص الشغل، استأذن وقام يتكلم بعيد. مريم بصتلي، وسكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت واطي ومليان ذوق:
”طنط إلهام.. أنا عارفة إن حازم مر بظروف صعبة الفترة اللي فاتت، وهو حكالي عن حضرتك كتير.. حكالي إنك بـ100 راجل، وإنك السند الحقيقي ليه.”
بصيت في عينيها وابتسمت:
”وحازم حكا ليكي عن سبب اللوك الجديد بتاعي؟” وشاورت على الشال.
مريم وشها احمر خجل، وقالت بنبرة صادقة:
”حكالي يا طنط.. وأنا من ساعتها بكبر حضرتك في نظري فوق ما تتخيلي. الست اللي تدوس على وجعها وشكلها قدام الناس عشان تحمي ابنها من الغدر، دي مفيش تيجان في الدنيا تكفيها. الشعر بيطول يا طنط، بس الكرامة والأصل لو راحوا مابيرجعوش.”
الكلمة نزلت على قلبي زي المية الساقعة. في اللحظة دي، ديرت وشي وبصيت لحازم اللي كان راجع وهو مبتسم، وحسيت إن الإشارة جت.
رجع حازم وقعد، وبصلي بنظرة كلها تساؤل “إيه الرأي يا أمي؟”.
مديت إيدي على دماغي، وقدام مريم وفي وسط المطعم، شيلت الشال بالراحة. مريم مبرقتش، ومأظهرتش أي علامة شفقة أو صدمة، بالعكس، عينها لمعت بالاحترام وابتسمت ودواير وشها منورة.
”أستاذ رفعت المحامي هيكلمك بكرة يا حازم.”
قلتها وأنا باخد بق من العصير ومبتسمة.
حازم اتفاجأ وبصلي:
”بخصوص إيه يا أمي؟”
”بخصوص الـ120 مليون جنيه. هيفك المحفظة الاستثمارية، وهينقل نصهم لاسمك عشان تكبر شغلك الجديد.. والنص التاني، هيفضل متشال لحد ما يجي وقته، ووقتها قريّب قوي يا ابني.”
حازم بص لمريم، وبعدين بصلي، وعينيه دمعت من الفرحة والفهم. مريم كانت قاعدة مش فاهمة قصة الـ120 مليون، ومكنش فارق معاها الرقم أصلاً، كانت باصة لحازم وفرحانة لفرِّحته.
شاهيناز كانت فاكرة إنها لما تحلقلي زيرو هتنهي حياتي، مكنتش تعرف إنها كانت بتقص الحبل الدايب اللي كان رابط ابني بالهاوية، عشان يبدأ من جديد، على نظافة، ومع الناس اللي شبهنا.
حكايات انجى الخطيب
……..
مرت ست شهور كاملين. ست شهور كانوا كافيين إن كل حاجة تتغير وتترتب من جديد، والشعر الفضي اللي طار رجع نبت وبقى أتقل وأجمل من الأول، أكنه كان بيعلن ولادة جديدة لإلهام الشربيني.
كنا قاعدين في فيلا المعادي، الجو كان مغيم والليل لسة بيبدأ، والبيت كله مقلوب عشان كتب كتاب حازم ومريم. مكنش فيه هيصة وفلاشات وقاعة بمليون جنيه وتناكة ومظاهر كدابة؛ كان فيه دفا، حب حقيقي، وناس جاية تفرح من قلبها.
مريم كانت قاعدة في أوضتي، لابسة فستان أبيض بسيط جداً من غير بهرجة، وشكلها زي القمر. دخلت عليها وأنا لابسة فستاني السواريه، وراسي مرفوعة، وشعري الفضي متصفف وشيك جداً. أول ما شافتني، قامت وقفت وبستني من خدي.
”ما شاء الله يا طنط.. أنتِ النهاردة العروسة بجد، قمر وزي السكر.”
ابتسمت وطلعت من الشنطة القطيفة علبة صغيرة، فتحتها وطلعت منها غويشتين ألماز حر وعقد من بتوع زمان، الحاجات دي كانت من ريحة عصام الله يرحمه.
”دول ليكي يا مريم. مش عشان أنتِ بقيتي مرات ابني بس، لأ.. عشان أنتِ دخلتِ البيت ده وبصيتِ لحازم الراجل، مش لحازم صاحب الملايين.”
دموعها نزلت من الفرحة، ولفت دراعاتها حواليا وحضنتني:
”ربنا يخليكي ليا يا أمي.. أنا مش عايزة من الدنيا غير إن حازم يفضل مبسوط، وحضرتك تفضلي منورة حياتنا.”
في الصالون برة، كان المأذون قاعد، وحازم مستني على نار. رفعت المحامي كان واقف ورا حازم وهو لابس بدلة شيك ومبتسم. أول ما المأذون قال جملته الشهيرة “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، القاعة الصغيرة اتملت زغاريط وفرحة حقيقية تهز الحيطان.
حازم جِري عليا، حضنني ورفعني من الأرض وهو بيضحك من قلبه:
”عملتها يا لومة! اتجوزت الست اللي بجد، الست اللي ترفع الراس.”
”مبروك يا قلب أمك، ربنا يسعدكم ويهنيكم.”
في وسط الهيصة دي، رفعت المحامي قرب مني وهمس في ودني:
”إلهام هانم.. جالي تليفون من نص ساعة من محامي شاهيناز.”
التفت له ببرود: “وعايز إيه تاني بعد ما كل حاجة خلصت؟”
”بيقول إن أبوها أعلن إفلاسه بعد ما البورصة ضربت معاه، وشاهيناز بتمر بأزمة نفسية حادة ومحجوزة في مصحة، وطالبين بس أي مساعدة مادية، حتى لو سلف.”
بصيت لحازم ومريم وهم واقفين بيضحكوا وبيتصورا، والكل فرحان حواليهم، ورجعت بصيت لرفعت وقلت بثبات وهدوء:
”قوله إن إلهام الشربيني مابتشمتش في حد، بس برضه مابتديش أمانها للي غدر بيها. الـ120 مليون جنيه طلع منهم بكرة الصبح 5 مليون لدار رعاية المسنين والأيتام كصدقة جارية لروح عصام، والباقي في حساب حازم ومريم. أما شاهيناز.. فالدنيا حلاقلها زيرو من غير مقص، وده حسابها مع ربنا.”
لفيت ضهري لرفعت، ومسكت إيد حازم وإيد مريم، ووقفنا في وسط الصورة. كانت راسي مرفوعة لفوق، والشعر الفضي بينور تحت الإضاءة، والضحكة طالعة من جدر قلبي، عشان عرفت إن الكرامة والأصل هما الـ120 مليون الحقيقيين اللي مبيخلصوش.
تمت
حكايات انجى الخطيب