شكلها عادي ج 3 حكايات روماني مكرم

فتحت الباب بحدة وأنا ناوي أنهي جنان لارا ده تماماً، لقيتها واقفة وشها شاحب، وعينيها فيها نظرة شماتة ممزوجة بكسرة. بصت لي وبصت لريم اللي كانت واقفة ورايا بخوف، وطلعت من شنطتها ظرف كبير ورمته في إيدي.

قالت بضحكة صفراء: “كنت فاكر إنك تقدر ترميني وتعيش حياتك وردي؟ الظرف ده فيه صور ومحادثات بيني وبينك من وقت ما كنا بنسهر ‘شغل’.. صور إنت ناسيها، وكلام إنت قلته في لحظات طيش عن ريم وعن حياتك المملة معاها.”

بصت لريم وقالت لها بنبرة مسمومة: “شوفي يا حبيبتي الراجل اللي راجعة له، شوفي كان بيقول عليكي إيه في غيابك، وشوفي كان بيوصف جمالي إزاي ويذم في ملامحك ‘العادية’.. لو قادرة تكملي بعد ما تشوفي القرف ده، يبقى إنتي فعلًا معندكيش كرامة.”

لارا مشت وهي حاسة إنها رمت قنبلة هتدمر البيت اللي لسه بيتبني. ريم مدت إيدها ببطء وسحبت الظرف من إيدي. وشها كان بيتحول من اللون الأبيض للأحمر، وإيدها كانت بتترعش.

فتحت الظرف.. وبدأت الصور والورق يقعوا على الأرض. شافت كلامي اللي كنت كاتبه في لحظة غباء، شفت وصفي لـ لارا إنها “امرأة الأحلام”، ووصف حياتي مع ريم إنها “سجن من الروتين والملل”.

ريم بصت لي، والدموع اللي في عينيها كانت المرة دي دموع “قرف”. رمت الورق في وشي وقالت بصوت مخنوق: “كنت عارفة إنك غلطت.. بس مكنتش متخيلة إنك كنت بتبعني بالرخيص كده يا كريم. إنت مكنتش بس بتخونني بعينك، إنت كنت بتشوه صورتي قدام واحدة غريبة عشان تتقرب منها!”

حاولت أتكلم، لساني كان مربوط. الكلام اللي في الورق كان حقيقي، كان طالع مني في وقت كنت فيه “مسخ” مش بني آدم. قلت لها بصوت باكي: “والله ده كان كلام شيطان، كنت بحاول أبهرها، كنت فاقد عقلي..”

قطعت كلامي بزعيق لأول مرة: “فقدت عقلك فدوست على كرامتي؟ وصفتني إني ‘عادية ولبسي قديم ودمي تقيل’؟ دي اللي كنت بتقول عليها حنينة وطيبة؟”

شالت شنطتها اللي لسه ما لحقتش تفتحها، وبصت للبيت اللي كنت لسه منضفه وفرشه ورد، وقالت بسخرية مريرة: “الورد ده ريحته بقت خانقة يا كريم. لارا كان عندها حق في حاجة واحدة.. إن الحقيقة مابتستخباش.”

خرجت ريم وهي بتجري على السلم، المرة دي مكنتش بتبكي بصمت، كانت بتصرخ بوجعها. ركبت عربيتها وطارت.

قعدت وسط الورق والصور المرمية في الصالة، كنت حاسس إني في كابوس. لارا دمرت آخر أمل ليّ، وأنا اللي اديتها السلاح ده بإيدي لما كنت فاكر إن الجمال الشكلي هو كل حاجة.

فضلت ليلتين مش بنام. ببعت رسايل لريم مابتتردش، بروح لأهلها بيطردوني. الدكتور يحيى عرف باللي حصل، وسمعت إنه راح لها وقال لها: “شوفتي الفرق بين اللي بيشوفك كنز، واللي كان بيشوفك عبء؟”

وفي اليوم الثالث، لقيت رسالة من رقم غريب، فتحتها لقيت صورة لريم وهي قاعدة في كافيه مع يحيى، والمرة دي كانت لابسة “دبلة” في إيدها اليمين. ومع الصورة رسالة من لارا مكتوب فيها: “مبروك.. أهو كل واحد لقى اللي شبهه.”

اتجننت.. نزلت الشارع زي المجنون، رحت لريم عند شغلها، وقفت قدام عربيتها ومنعتها تمشي.

نزلت من العربية وهي بتبص لي ببرود تامت، وقالت: “عايز إيه تاني يا كريم؟ مش كفاية اللي قريته؟”

قلت لها والدموع مغرقة وشي: “ريم.. الدبلة دي حقيقة؟”

رفعت إيدها وورتهالي وقالت: “يحيى عرف يداوي الوجع اللي إنت تسببت فيه. يحيى شاف الورق اللي لارا بعتهولي، وقالي: ‘لو هو مش شايف الجمال ده، يبقى هو اللي أعمى، وأنا مستعد أقضي عمري كله أثبتلك إنك أحلى ست في الدنيا’.”

قلت لها بصراخ: “بس إنتي مابتحبيهوش يا ريم! إنتي بتعملي كده عشان تنتقمي مني!”

ريم قربت مني، وبصت في عيني بقوة وقالت جملة هزت كياني:

“الانتقام إني أعيش سعيدة يا كريم.. ومع يحيى أنا بدأت أحس إني فعلًا ‘جميلة’.. مش عشان ملامحي، عشان هو خلاني أشوف نفسي صح. بكره جلستنا في المحكمة عشان نخلص كل حاجة.”

ريم مشت وسابتني واقف في نص الشارع، الناس بتبص لي بشفقة. حسيت إن الدنيا كلها بقت سودة. لارا ضيعتني، وأمي ضيعتني، وأنا ضيعت نفسي.

لكن وأنا راجع البيت، لقيت مكالمة من رقم لارا.. فتحت الخط وأنا ناوي أشتمها بأبشع الألفاظ، بس لقيت صوتها مرعوب وبتقول: “كريم.. الحقني.. أنا عملت حادثة كبيرة ومفيش حد راضي يقف جنبي، والشرطة هنا، وأنا.. أنا محتاجالك.”

وقفت مكاني.. هل أروح للي دمرت حياتي؟ ولا أسيبها تغرق زي ما غرقتني؟ ولا دي فرصة أخيرة عشان أفهم حاجة أنا لسه مش فاهمها؟

**حكايات رومانى مكرم**

 

بصيت للموبايل في إيدي وصوت لارا الباكي في ودني، وفي اللحظة دي حسمت أمري. قفلت السكة في وشها من غير ولا كلمة. مش انتقامًا منها، لكن لأني أخيرًا فهمت إن “لارا” وأمثالها هما مجرد اختبار لضعفنا، وإني لو رحت لها هبقى لسه محبوس في نفس الدايرة الغلط.

رحت المحكمة في الميعاد. وقفت قدام ريم للمرة الأخيرة. كانت لابسة أسود وهادية جدًا. القاضي سألنا عن الرغبة في الصلح، بصيت لريم نظرة طويلة، نظرة وداع واعتذار عن كل لحظة خليتها تشك فيها في نفسها.

قلت للقاضي: “أنا موافق على الطلاق يا سيادة القاضي.. ريم تستحق حد يشوفها بقلبه، وأنا للأسف عرفت قيمة قلبي متأخر أوي.”

ريم بصت لي ولأول مرة شفت في عينيها “سامح”. وقعنا الورق، وخرجنا من القاعة أغراب زي ما بدأنا، بس بوجع أكبر بكتير.

مرت سنة كاملة..

حياتي اتغيرت تمامًا. سيبت الشغل القديم، وبعدت عن كل الناس اللي كانوا بيقيسوا الست بجمال ملامحها بس. بقيت عايش لوحدي، بصلح في نفسي اللي انكسر. عرفت إن “الندم” هو أقسى مدرسة ممكن الواحد يتعلم فيها، بس هي اللي بتصنع الرجال بجد.

في يوم، كنت ماشي في جنينة عامة، وشفت من بعيد “ريم”. كانت قاعدة على نجيله، وجنبها “يحيى”، وبينهم طفلة صغيرة عندها كام شهر. ريم كانت لابسة لبسها البسيط، وشعرها مربوط عادي، بس وشها كان فيه “نور” ماشوفتوش وهي معايا أبدًا.. نور الرضا، نور الست اللي حاسة إنها “ملكة” في عين جوزها.

وقفت بعيد، مابغرتش المرة دي، بل بالعكس، دعيت لها من كل قلبي بالسعادة. لأن ريم كانت الدرس اللي ربنا بعتهولي عشان أفهم الحكمة الحقيقية من الحياة.

### **الحكمة من الحكاية**

الجمال يا صديقي مش “قشرة” بتتشاف بالعين، الجمال “سكن” بيتحس بالروح.

* **الجمال الشكلي:** زينة بتدبل مع الوقت، وبنتعود عليها بعد شهر، وبتتحول لشيء عادي.

* **جمال الروح:** هو اللي بيخلي البيت جنة، هو اللي بيخلي الأكل له طعم، وهو اللي بيخليك تسند ضهرك وإنت مطمن إن في “قلب” حارس لغيبتك قبل حضورك.

**نصيحة لكل راجل:**

إياك تكسر مراية ست كانت شايفة نفسها في عينك “جميلة”. لأنك لو طفيت النور اللي في عينيها، هتعيش بقية عمرك في ضلمة، والندم مش هيرجع لك الروح اللي إنت قتلتها بإيدك.

أحياناً بنجري ورا “السراب” اللي بيلمع بره، وبننسى إن “الكنز” الحقيقي هو اللي مستنينا في البيت بضحكة صافية وكوباية شاي وحب ملوش شروط.

**تمت**

**الكاتب رومانى مكرم**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *