جوزي رماني حكايات صافي هاني

جوزي رماني في الشارع وطردني من البيت عشان كان مقتنع إني مابخلفش، ومش بس كده، ده عزمني على عشا عائلي عشان يوجب بيا ويعرفني على مراته الحامل! بس اللي ما يعرفوش إن بعد 6 سنين، هيقابل ابنه اللي أهله نفسهم خبوه عنه.
يعني الست هانم بتاعتك حامل، وأنت جايبني هنا عشان أهلك يكسروا نفسي ويهينوني؟
دي كانت أول كلمتين نطقت بيهم أول ما شفت شيرين قاعدة مكاني في صدر الترابيزة في بيت عيلة الشامي في التجمع الخامس. أنا كنت طول النهار واقفة في المطبخ على رجلي بعمل بط بالمرتة، ورقاق، ومحشي، وكمان صينية بسبوسة بالقشطة.. كنت بحاول للمرة المليون أكسب رضا عيلة طول عمرها بتبص لي على إني حتة لقمة وما استاهلش أشيل اسمهم.
جوزي، أحمد الشامي، عينه ما نزلتش في الأرض ولا اتهز.
شيرين كانت ل_dateبسة فستان أخضر زمرّدي، ومركبة ضحكة صفرا على وشها، وإيد حطاها على بطنها والإيد التانية متبتة في إيد جوزي. أما حماتي، الحاجة كريمة، فكانت مبتسمة ووشها منور كأنها شايفة الحق بيرجع لأصحابه أخيراً!
وقالت لي هي هتعمر بيت ابني وتجيب له الحتة العيل اللي نفسه فيه يا مريم.. أنت بقالك سنين مفيناش منك رجا.
في اللحظة دي حسيت كأن الأرض انشقت وبلعتني.
أحمد.. قولي إن ده مقلب ومصيدة كاميرا خفية!

وقف على حيله، بكل برود وشياكة وندالة، وقال شيرين حامل.. وهنتجوز أول ما تمضي على ورقة طلاقك.
بس أنا وأنت لسه متجوزين وعلى ذمتك!
حمايا كان باصص في كوبايته ومبرق، وولاد العم عاملين نفسهم مش سامعين وبيتودودوا، ومحدش فيهم فتح بوقه ولا دافع عني، ولا حد قال إن اللي بيعملوه ده قمة الافترا والظلم. الحاجة كريمة زقت في وشي دوسيه.
امضي واطلعي بكرامتك.. أنت ياما جبتي لنا الكلام ووطيتي راسنا.
فتحت الدوسيه، لقيت كل حاجة جاهزة ومتفصلة ورق الطلاق، وتنازل عن كل حقوقي ونفقتي، وإقرار بعدم الكلام أو الفضايح. اسمي مكتوب في كل صفحة، بس مش كأنني كنت مراته، كأنني مصيبة وعايزين يخلصوا منها.
مش هامضي.
وقبل ما أتحرك خطوة لورا، لقيت الحاجة كريمة ضربتني بالقلم لدرجة إني اتطوحت ووقعت على الكرسي، وبعدين مسكتني من لبسي وهي بتزعق وتصرخ فيا وتقول إني ماليش عازة، وأرض بور، وكنت حمل وتقيل على قلبهم. وأحمد؟ واقف يتفرج ومحركش ساكن، واقف يشوف أمه وهي بتهدر اللي باقي من كرامتي.
صحت فيه وأنا بترجاه الحقني ودافع عني!
جز على سنانه وقال بنبرة ناشفة ماتصعبيش الأمور على نفسك يا مريم.
ليلتها، رموني برة البيت والبلد غرقانة مطر.. شنط هدمي اترمت جمب البوابة كأنها زبالة. وأحمد قرب مني بس عشان يديني آخر قلم بكلمتين كدب.
أنا عمري ما حبيتك.. أنت اللي لزقتي لي وفضلتي ورايا لحد ما زهقت ووافقت.
فضلت قاعدة على الرصيف، مبلولة من المطر وبترعش، بوقي جاب دم ونفسي مكسورة لأبعد حد.. وماعرفش عدا وقت قد إيه لحد ما غبت عن الوعي.
لما فتحت عيني، لقيت نفسي في مستشفى حكومي، وممرضة صغيرة واقفة بتبص في الدفتر اللي في إيدها.
قالت لي بحذر يا مدام مريم.. أنت حامل في الأسبوع الخامس.
بصيت لها وأنا مش قادرة أستوعب الكلام مستحيل.. دكاترة مصر كلهم قالوا لي إني مابخلفش.
ابتسمت لي حتة ضحكة وقالت والله البيبي اللي في بطنك رأيه غير رأيهم.
عيطت من غير ما أطلع صوت..
الوريث اللي بقالهم سنين بيموتوا عليه، بيكبر جوة بطن الست اللي لسه رامينها في الشارع ودايسين على شرفها.
في نفس الأسبوع ده، فص ملح وداب.. غيرت رقم تليغوني، وسيبت القاهرة كلها، وغيرت اسم عيلتي. سافرت لآخر الدنيا، رحت الإسكندرية بالقرشين الصغيرين اللي حيلتي وروحي اللي لسه بتنبض جوايا.
بعد 6 سنين.. ابني مصطفى بقى نسخة طبق الأصل من أحمد نفس العينين، نفس البوق الجدي وهو ساكت، ونفس التكشيرة لما يركز في حاجة. بس هو بتاعي أنا.. معجزتي وسندي اللي بسببه ما وقعتش.
اشتغلت في مطابخ صغيرة، وبعدين في بوفيهات الحفلات، لحد ما بقيت بمسك بوفيهات حفلات خاصة لرجال أعمال ومسؤولين كبار. محدش من الناس دي كان يتخيل إن الشيف اللي بتعملهم أفخم العزومات دي، نامت شهور في أوضة بالإيجار وهي حاضنة حتة لحمة حمرا بين إيديها.
لحد ما جت ليلة، كنت في مسابقة طبخ كبيرة وفندق خمس نجوم في القاهرة، وأنا خارجة من القاعة خبطت في حد.
قلت من غير ما أرفع عيني أنا آسفة، مؤاخذة.
لقيت إيد قفشت في دراعي جامد..
مريم؟!
دمي اتجمد في عروقي..
أحمد الشامي واقف قدامي، وشه خاسس وعجز، بيبص لي وكأنه شاف عفريت.
همس وهو مش مصدق أنتِ ميتة!…
وفي اللحظة دي بس، فهمت إنهم مش بس شالوني من حياتهم.. دول دفنوا اسمي بالحيا.
ماكنتش مصدقة إيه اللي هيحصل بعد كده…
كملت وقفتي قدامه وثبت قلبي بالعافية، سحبت دراعي من إيده بكل برود وقلت له أظن حضرتك مشبه عليّ يا فندم، عن إذنك.
ولفيت وشي ومشيت وسط زحمة الحفلة وأنا برتعش، بس مش من الخوف، من كتر الصدمة.. أنا ميتة؟!، يعني هما قنعوه أو قنعوا الناس إني مُت عشان يداروا على عملتهم السودا ويجوزوه شيرين اللي كانت حامل في ابنهم!
رجعت الإسكندرية وأنا مش على بعضي، والخوف كله كان على مصطفى ابني. لكن الصدمة الكبيرة كانت بعد أسبوع واحد بس.. لقيت حمايا، الحاج محمود الشامي، واقف قدام مطبخي الصغير

لمحة نيوز

في الإسكندرية!
لما شفته رجلي مالتشيلنيش، لكن هو نزل على ركبه وبكى، وباس على إيدي وقال لي سامحيني يا ودلوقتي العيلة متهدمة وأحمد عايش على ذكراكي.. ولما شفت صورتك في التلفزيون في مسابقة الطبخ عرفت إن ربنا بيدينا فرصة تانية.. وبص ورايا ولقى مصطفى الصغير واقف، وشه نطق بكل حاجة.. حمايا شهق وقال ابن أحمد! نفس الملامح! العيلة ليها وريث من صلبها!
في اللحظة دي، دخل أحمد من باب المحل، كان ماشي ورا أبوه ومصعوق.. بص لمصطفى وبصلي، والدموع في عينه، وجري عايز يحضن ابنه وهو بيقول مريم.. أنتِ عايشة؟ وابني عايش؟!
وقفت في وشه بكل قوة، وحضنت ابني ورا ضهري وقلت له بأعلى صوت ده مش ابنك.. ده ابني أنا، اللي رمتوني في المطر وأنا حامل فيه.. ابن الست اللي ضربتوها وهنتوها.. انسى إن ليك ابن، وانسى إن كان ليك زوجة.. إحنا متنا بالنسبالكم من 6 سنين!
أحمد وقف مكانه كأن الصدمة شلته، وعينه رايحة جاية بيني وبين مصطفى، الدموع نازلة على وشه ومش قادر ينطق. أبوه، الحاج محمود، قعد على أقرب كرسي في المحل وحط راسه بين إيديه وهو بيعيط بحرقة وبيقول ده ذنبك يا مريم.. ذنبك وربنا بيخلصه

مننا.. البيت اتهد يا بنتي، وشيرين سرقتنا وهربت بعد ما فضيحتها بجلاجل، وأحمد كان بيموت في اليوم مية مرة وهو فاكر إنه هو السبب في موتك.
أنا قلبي كان بينبض في رجلي، بس قسيت قلبي وافتكرت ليلة المطر والدم اللي كان نازل من بوقي وقلم أمه.
قلت لهم بنبرة حامية زي النار والله؟ ودلوقتي افتكرتوا الذنب؟ لما لقيتوا نفسكم من غير وريث والبيت اتهد، جيتوا تدوروا على الأرض البور اللي رمتوها؟ مصطفى ملوش أب، ومصطفى مش هيشيل اسم الشامي، اطلعوا برة مكاني.
أحمد قدم خطوة ونزل على ركبه قدام مصطفى، وكان لسه هيمد إيده يلمس وشه، لكن مصطفى خاف ورجع استخبى ورا ضهري ومسك في المريلة بتاعتي وجز على سنانه بنفس طريقته وقال له أنت مين؟ وماتخليش مامي تعيط!
الكلمة دي قطعت أحمد حتت.. بصلي وهو على ركبه وقال أنا عارف إني ندل، وعارف إن ماليش عين أطلب السماح.. بس وحياة ابننا سيبيني أصلح اللي انكسر.. أنا هكتب له كل حاجة، هكتب لك المحلات والبيت، بس ما تحرمينيش من ابني.
ضحكت بوجع وقلت له فلوسك ومحلاتك دي بلّها واشرب ميتها.. أنا كبرت ابني بلقمة حلال من عرق شقايا في الميادين والمطابخ، ومحتاجة لكش في حاجة.. اطلع برة يا أحمد أنت وأبوك، وإلا هطلب لكم البوليس بتهمة التهجم.
الحاج محمود شد ابنه وقومه وهو مكسور، وبصلي وقال إحنا هنمشي يا مريم.. بس مش هنسيب ابننا، والدم عمره ما يبقى مية.. وأنا هخلي أحمد يطلق شيرين رسمي لو مكنتش اطلقت، ويرد لك اعتبارك قدام مصر كلها.
خرجوا من المحل وهم بيجروا رجليهم من الخيبة.. وأنا أول ما الباب قفل، انهرت على الأرض وفضلت أعيط، ومصطفى جه تحت باطي وحضني وهو بيقولي ماتعيطيش يا مامي.. أنا جمبك.
عرفت إن المواجهة لسه بدأت، وإن عيلة الشامي مش هيرجعوا القاهرة ب إيد الفاضية بعد ما شافوا الوريث.. بس أنا حطيت عهدي قدام ربنا اللي رماني في رخص ترابي، مش هيطول ضفري في عز نظافتي.
أحمد وقف مكانه كأن الصدمة شلته، وعينه رايحة جاية بيني وبين مصطفى، الدموع نازلة على وشه ومش قادر ينطق. أبوه، الحاج محمود، قعد على أقرب كرسي في المحل وحط راسه بين إيديه وهو بيعيط بحرقة وبيقول ده ذنبك يا مريم.. ذنبك وربنا بيخلصه مننا.. البيت اتهد يا بنتي، وشيرين سرقتنا وهربت بعد ما فضيحتها بجلاجل، وأحمد كان بيموت في اليوم مية مرة وهو فاكر إنه هو السبب في موتك.
أنا قلبي كان بينبض في رجلي، بس قسيت قلبي وافتكرت ليلة المطر والدم اللي كان نازل من بوقي وقلم أمه.
قلت لهم بنبرة حامية زي النار والله؟ ودلوقتي افتكرتوا الذنب؟ لما لقيتوا نفسكم من غير وريث والبيت اتهد، جيتوا تدوروا على الأرض البور اللي رمتوها؟ مصطفى ملوش أب، ومصطفى مش هيشيل اسم الشامي، اطلعوا برة مكاني.
أحمد قدم خطوة ونزل على ركبه قدام مصطفى، وكان لسه هيمد إيده يلمس وشه، لكن مصطفى خاف ورجع استخبى ورا ضهري ومسك في المريلة بتاعتي وجز على سنانه بنفس طريقته وقال له أنت مين؟ وماتخليش مامي تعيط!
الكلمة دي قطعت أحمد حتت.. بصلي وهو على ركبه وقال أنا عارف إني ندل، وعارف إن ماليش عين أطلب السماح.. بس وحياة ابننا سيبيني أصلح اللي انكسر.. أنا هكتب له كل حاجة، هكتب لك المحلات والبيت، بس ما تحرمينيش من ابني.
ضحكت بوجع وقلت له فلوسك ومحلاتك دي بلّها واشرب ميتها.. أنا كبرت ابني بلقمة حلال من عرق شقايا في الميادين والمطابخ، ومحتاجة لكش في حاجة.. اطلع برة يا أحمد أنت وأبوك، وإلا هطلب لكم البوليس بتهمة التهجم.
الحاج محمود شد ابنه وقومه وهو مكسور، وبصلي وقال إحنا

هنمشي يا مريم.. بس مش هنسيب ابننا، والدم عمره ما يبقى مية.. وأنا هخلي أحمد يطلق شيرين رسمي لو مكنتش اطلقت، ويرد لك اعتبارك قدام مصر كلها.
خرجوا من المحل وهم بيجروا رجليهم من الخيبة.. وأنا أول ما الباب قفل، انهرت على الأرض وفضلت أعيط، ومصطفى جه تحت باطي وحضني وهو بيقولي ماتعيطيش يا مامي.. أنا جمبك.
عرفت إن المواجهة لسه بدأت، وإن عيلة الشامي مش هيرجعوا القاهرة ب إيد الفاضية بعد ما شافوا الوريث.. بس أنا حطيت عهدي قدام ربنا اللي رماني في رخص ترابي، مش هيطول ضفري في عز نظافتي مرت الأيام وأنا رابطة على قلبي، ومخلية عيني وسط راسي. كنت عارفة إن عيلة الشامي مش هيهدوا، وفعلاً، بعد أسبوع واحد، لقيت المحامي بتاعي بيكلمني وبيقول لي إن أحمد رفع قضية إثبات نسب وطالب بتحليل DNA عشان يثبت إن مصطفى ابنه ويضم حضانته ليه!
الدنيا لفت بيا، اتصلت بالحاج محمود، أبوه، وأول ما رد قلت له بصوت بيترعش من الغل بقى دي دخلتكم بالمعروف؟ عايزين تخطفوا ابني مني بالقانون بعد ما رميتوني؟
الحاج محمود رد بنبرة مكسورة والله يا بنتي ما أعرف، أحمد اتجنن من يوم ما شاف الواد، وبقى زي المضروب سلك في دماغه، مابينامش وبيقفل على نفسه ويقول مصطفى مش هيعيش بعيد عني.. أنا هجيلك الإسكندرية ونتفاهم.
وبالفعل، جالي الحاج محمود لوحده في المحل، قعدت معاه وأنا حاطة شروط ومربّعة إيدي. الراجل طلع دفتر شيكات وورق تنازلات، وقال لي أحمد طلق شيرين طلقة بائنة ورمى عليها يمين الطلاق في المحكمة.. وده ورق بملكية الشقة اللي في التجمع، ومحلين باسمك، وشيك بمبلغ يأمن مستقبلك ومستقبل الواد.. بس بلاش محاكم وفضايح، وخلي أحمد يشوف ابنه.
بصيت للورق وقلت له أنا مش هبيع ابني

يا حاج.. المحاكم أنا مش خايفة منها، والتحليل أنا موافقة عليه عشان أثبت لعيلتكم كلها إنكم ظمتوني، بس مصطفى مش هيعيش معاكم، ولا هيعرف إن أبوه رماني في المطر.
وفعلاً، يوم الجلسة في محكمة الأسرة ب مصر الجديدة، الأجواء كانت مشحونة. أحمد جه ومعاه أمه، الحاجة كريمة.. أول ما شافتني، عينيها جت في الأرض، الست اللي كانت بتضربني وتهيني، واقفة قدامي دلوقتي مكسورة، عينيها كلها رجاء وخوف.
قربت مني الحاجة كريمة ودموعها على خدها وقالت بصوت واطي سامحيني يا مريم.. سامحيني يا بنتي، ربنا انتقم مني وجالي المرض وكنت هموت وأنا شايلة ذنبك.. احرمينا من أي حاجة بس بلاش تحرمينا من حتة العيل اللي شايل اسمنا.
أحمد كان واقف بعيد، وشه باهت، باصص للأرض ومش قادر يحط عينه في عيني. القاضي دخل، وقدمنا الأوراق، ووافقت على التحليل بس بشرط واحد ثبتّ في المحضر إن الحضانة الكاملة تفضل معايا، وإن أحمد ملوش حق الرؤية إلا بشروطي وفي مكاني.
بعد شهر، طلعت النتيجة، وبصمات الدم أكدت إن مصطفى ابن أحمد الشامي. المحكمة حكمت بنسب الواد، وبقى اسمه مصطفى أحمد الشامي.
في اليوم ده، بعد ما خرجنا من باب المحكمة، أحمد قرب مني وقال لي بنبرة مكسورة أنا راضي بأي قصاص منك يا مريم.. لو عايزة تسبيني في الرايحة والجاية أنا مستاهل.. بس خليني بس أشوفه مرة واحدة في الأسبوع، من بعيد لبعيد، ومش هقوله إني أبوه لحد ما أنتِ ترضي عني.
بصيت له ولقيت نفسي مش حاسة بأي شماتة، حاسة بس بنظافة ونصر من عند ربنا. سيبتهم ومشيت وأنا واخدة ابني في حضني.
النهاردة، بعد سنة من اليوم ده، مصطفى بيكبر قدام عيني، وأحمد بييجي كل جمعة يقعد في المحل عندي في الإسكندرية، يشتري منه وياكل من إيدي كأنه زبون غريب، بس عشان يلمح ابنه وهو بيلعب ويضحك. وأنا؟ بقيت من أشهر الشيفات في مصر، ومصطفى بقى سندي.
الدنيا دارت، واللي افتكروني أرض بور، بقوا يتمنوا كلمة من وريث الأرض دي.. وربنا رجعلي حقي تالت ومتلت ومن غير ما أوسخ إيدي.
وفي يوم من الأيام، وأنا واقفة في المطبخ بجهز أوردر كبير لعقيقة عائلة معروفة في جليك، لقيت أحمد داخل المحل، بس المرة دي ما كانش لوحده.. كانت معاه الحاجة كريمة، شايلاها السنين والمرض، وماشية على عكاز.
أول ما مصطفى شافهم، جِري عليا واستخبى ورايا كالعادة. أحمد وقف على الباب وبصلي بنظرة كلها رجاء وقال مريم.. أمي طالبة منك السماح، هي بتموت وكل أمنيتها في الدنيا إنك تسامحيها قبل ما تقابل ربنا، وتسمحيلها تحضن مصطفى ولو دقيقة واحدة.
الحاجة كريمة نزلت دموعها وراحت ومسكت إيدي وبستها قدام العمال وزباين المحل، الست اللي كانت في يوم من الأيام بتركبني أعلى خيلها وكسرت نفسي، واقفه دلوقتي بتبكي وبتقول سامحيني يا مريم.. ربنا عاقبني بالمرض وحرمني من النوم من كتر كوابيس ذنبك.. سامحيني وبلاش ذنبي يفضل ملاحق ابني أحمد.. هو ملوش ذنب، أنا اللي وزيته وأنا اللي عَميت عينه.
بصيت لأحمد لقيت وشه عرقان وعينه حمرا من كثر البُكا.. وبصيت لمصطفى اللي كان باصص لجدته ومستغرب دموعها.. في اللحظة دي حسيت إن ناري انطفت، وإن ربنا جابلي حقي لحد عندي وزيادة، والشماتة في المرض مش من طبعي.
سحبت إيدي براحة وقلت لها مسامحاكي يا حاجة.. مسامحاكي لوجه الله، عشان مش عايزة يربطني بيكم أي ذنب ولا حساب يوم القيامة..
حسابي معاكم قفلته في الدنيا خلاص.
أحمد حس كأن روحه ردت فيه، وبص لأمه وقال لها سمعتي يا أمي؟ مريم قلبها أبيض وطول عمرها بنت أصول.
الحاجة كريمة نزلت لمستوى مصطفى، وفتحت له إيديها وهي بترتعش.. أنا هزيت راسي لمصطفى وطمنته، فمشي خطوتين براحة وحضنها.. الست عيطت بصوت عالي وهزت المحل، وأحمد كان واقف بيبكي وبيبصلي بنظرة ندم وعشق عمري ما شفتها في عينه زمان.
بعد اليوم ده، الحاجة كريمة اتوفت بأسبوعين بس.. راحت لربنا وهي مرتاحة.
وأحمد؟ أحمد مابطلش يجي الإسكندرية، وبقى بيحاول بكل الطرق يثبتلي إنه اتغير.. بقى يشتري ألعاب لمصطفى، ويقعد يتكلم معاه، وبدأ مصطفى يتودد له ويعرف إنه أبوه.. بس أنا فضلت على موقفي.. قلبي اللي اتكسر ليلتها في المطر ومحدش سمى عليه، مش ممكن هيرجع بسهولة.
وفي ليلة، وأنا بقفل المحل وأحمد كان واقف بيساعدني في تنزيل الصاجات، وقف قدامي وقال لي بصوت دافي مريم.. أنا عارف إن السنين اللي فاتت مش هتمسح ليلة المطر، وعارف إني ماستهلكيش.. بس أنا عايش على أمل إنك في يوم تديني فرصة ثانية.. أنا مستعد أعيش هنا في الإسكندرية تحت رجليكي، بس نرجع عيلة.. عشان خاطري وخاطر مصطفى.
بصيت له في عينه، شفت أحمد التاني.. مش أحمد الشامي المغرور بفلوسه وأهله، شفت راشد مكسور وندمان بجد.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت له وأنا باخد شنطتي البيوت اللي بتهدها الأيام يا أحمد، مابتتبنيش في يوم وليلة.. سيب الأيام تداوي، ومصطفى يكبّر، والخير اللي يقدمه ربنا هيكون.
ركبت عربيتي اللي جبتها من شقايا وتغطي غرق المطر، ومشيت وأنا شايفة في مرايتها أحمد واقف بيبتسم، وعنده أمل..
خرجت من الحكاية دي وأنا مش كسراني الدنيا، بل بالعكس.. خرجت وأنا الشيف مريم، الست اللي بدأت من الصفر، وربت ابنها بكرامة، والكل بيعمل لها ألف حساب.. والحمد لله، اللي بيقفل باب بظلم، ربنا بيفتح وراه مية باب بالحق والعدل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *