وصية امي حكايات انجى الخطيب
أنا (29 سنة) كنت الوحيدة اللي شلت أمي وراعيتها لمدة تلات سنين. دكاترة، وأدوية، ومستشفيات، وكنت بنام على الكنبة عشان بس أكون قريبة منها وأسمع نفسِها طول الليل.
أخويا مراد (32 سنة) كان حجته دايماً “مش عارف أخد إجازة من الشغل”. مجاش زارها غير مرتين بس، منهم مرة قعد عشرين دقيقة وماشي.
وقت قراية الوصية عند المحامي، مكنش كل همي الفلوس، كنت مستنية بس أي دليل يثبت إنها حست بيا وتقديري عندها.
المحامي بدأ يقرا: “لابني مراد، أسيب بيت العيلة بكل الأرض المبنية عليه.”
مراد اتنفس براحة وكأنه كسب جايزة، ورجع بضهره لورا وهو بيتبسم.
وقال: “أخيراً.. البيت ده هيجيب قرشين حلوين لو دخلناه كردون مباني.”
بعدها المحامي كمل قراية:
”ولبنتي هناء، اللي كانت سندي وإيدي ورجلي وطبطبة قلبي…”
أنا اتعدلت في قعدتي وانتبهت.
”… أسيب لها مكنة الخياطة القديمة بتاعتي، وبرطمان الزراير الإزاز اللي على الرف، بكل اللي جواه.”
وهنا الوصية خلصت.
مراد ورث بيت يسوى له فوق الـ 10 مليون جنيه.
وأنا ورثت مكنة خياطة وبرطمان زراير مليان تراب.
ضحك وقالي إنه هيساعدني وأنا بشيل “الكراكيب” دي في عربيتي، وعرفني إنه هيعرض البيت للبيع يوم الإتنين الجاي.
ما جادلتوش ومردتش عليه، كنت تعبانة ومستهلكة لدرجة تمنعني من إني أعمل مشكلة أو أخناق.
لما روحت بيتي، قعدت على الأرض وأنا حاضنة البرطمان وببكي لدرجة إن إيدي كانت بترتعش، ولما قمت عشان أحطه على الرف، أفلت من إيدي.
البرطمان اتدشدش مية حتة.
والزراير اتطوحت في كل حتة على الأرض.
وفي اللحظة دي، لمحت حاجة غريبة وسطهم.
زرار منهم مكنش بلاستيك زي الباقي.
كان ملفوف عليه لزق سولوتيب.
وبإيد بتترعش، بدأت أفك اللزق ده.
ولقيت جواه ورقة مطبقة وصغيرة.
أول سطر فيها وقف الدم في عروقي….
*********
فتحت الورقة المطبوخة بإيد بتترعش، وعيني غرقانة في الدموع. أول ما قريت الكلام، حسيت إن الدنيا لفّت بيا، رجلي مأشالتنيش وقعدت على الأرض وسط زجاج البرطمان المكسور والزراير المتطوحة. الكلام كان مكتوب بخط إيد أمي الضعيف، بس كل حرف فيه كان طالع من قلبها:
”لبنتي هناء، يا قلب أمك وسندي اللي مشالتش مني يوم. أنا عارفة إنك زعلانة دلوقتي، وعارفة إن مراد فاكر نفسه كسب. البيت اللي مراد خده ده عليه ديون وقروض للبنك بضمان الأرض، والحجز عليه هيتنفذ خلال شهر، يعني هياخدوا منه كل حاجة ومش هيطول منه مليم واحد، وده ذنب قهرتك وقلة أصله معايا ومعاكي. أما الزرار اللي في إيدك ده، فده مش زرار عادي.. ده مفتاح خزنتي السرية اللي في البنك الأهلي، باسمك إنتي وبس. الخزنة فيها دهبي كله، وشهادات استثمار باسمك تسوى 5 مليون جنيه، شايلاهم لليوم ده عشان تأمني مستقبلك. البرطمان ده كان أمانتي ليكي، والزراير دي هي الأيام اللي عشناها سوا.. كل زرار بحكاية. خدي حقك يا بنتي، وعيشي راسك مرفوعة.”
فضلت بَبُص للورقة ومش مصدقة، ضحكت وسط دموعي ضحكة قهر وفرحة في نفس الوقت، وضميت الورقة والمفتاح لصدري وأنا بنهج.
تاني يوم الصبح، كنت واقفة قدام البنك، لابسة أسود في أسود بس عيني فيها نظرة قوة مكنتش موجودة من سنين. الموظف أخد مني المفتاح والبطاقة، وبعد نص ساعة خرجت وفي إيدي شنطة سودا فيها الأمل اللي كنت فاكراه ضاع.
تليفوني رن، بصيت على الشاشة لقيت اسم “مراد”. رديت ببرود تام: “أيوة يا مراد.”
صوته كان طالع مخنوق وبيترعش، والغرور اللي كان فيه عند المحامي اتمسح تماماً: “هناء.. إلحقيني يا هناء! أنا روحت البيت مع المحامي عشان أجهزه للبيع، لقيت ناس من البنك واقفين ومعاهم قرار حجز على البيت والأرض! أمك كانت واخدة قرض كبير بضمان البيت ومسددتوش! البيت هيضيع مني يا هناء.. أنا هتبهدل! إنتي معاكي أي فلوس؟ مكنة الخياطة دي متجيبش أي حاجة؟”
خدت نفس طويل، وابتسمت وأنا ببص للشنطة اللي في إيدي، وقولتله بكل هدوء: “معيش حاجة يا مراد.. مش إنت قولت دي كراكيب؟ سيبني بقى في كراكيبي، وشوف إنت هتحل مشاكلك إزاي.”
قفلت السكة في وشه، ولأول مرة من تلات سنين، حسيت إن نفسي طالع مرتاح، وإن أمي سابتلي الدنيا كلها في برطمان زراير.
*******
مراد فضل يتصل ويدق على التليفون ورا بعض، الشاشة تنور وتطفي باسمه وأنا حاطة الموبايل جمبي على تابلوه العربية وببص له ببرود تام. مكنتش حاسة بأي ذنب، مكنتش حاسة غير بنوع من السلام الداخلي إن ربنا جاب لي حقي تالت ومثلث، ومن غير ما ألف ولا أدور.
دورت عربيتي وطلعت على شقتي. أول ما دخلت، قعدت على السفرة وفضيت الشنطة السودا قدامي؛ علب القطيفة اللي فيها دهب أمي، أساورها، غوايشها، وسلاسلها اللي كنت بشوفها لَبساها وهي صحتها مسعداها، وجمبهم شهادات الاستثمار باسمي. كل حاجة كانت بتلمع تحت نور اللمبة، وكأنها بتبتسم لي وبتقولي “مفيش تعب بيروح الأرض”.
يومين وعدوا، وجالي مراد لحد البيت. الباب خبط خبطات ورا بعضها فيها لهفة وقلق، فتحت لقيت شكله متبهدل، قميصه مكرمش وعينيه رابية من قلة النوم.
دخل وهو بيلف في الصالة زي المجنون: “هناء.. المحامي بيقولي الموقف صعب، البنك مش هيهزر وهيبيعوا البيت في المزاد العلني لو مدفعناش الفوائد والمتأخرات.. البيت يسوى ملايين يا هناء، مينفعش يترمي للبنك كده بتراب الفلوس! إنتي لازم تساعديني، مش يمكن أمي كانت شايلة قرشين في مكان إحنا مش عارفينه؟ دوري في مكنة الخياطة القديمة دي، فكي الخشب بتاعها، يمكن تلاقي حاجة!”
بصيت له وربعت إيدي وسندت ضهري على الحيطة: “أمي مشالتش حاجة يا مراد، وأنا دورت في المكنة وفكيتها حتة حتة ومفيش فيها غير الإبر والخيط.”
مسح وشه بإيده وصرخ بقلة حيلة: “يعني إيه؟ يعني أنا أطلع من المولد بلا حمص؟ وأموت من القهر والبيت اللي كنت هبقى مليونير بسببه يضيع مني في ثانية؟”
قربت منه خطوتين وبصيت في عينيه بكل ثبات: “عارف يا مراد.. الفرق بيني وبينك إنك كنت بتبص لأمي على إنها ‘بنك’ متحرك، مستني تموت عشان تصرف شيك الورث. أما أنا، فكنت بشوفها أمي.. اللي ملهاش غيري. إنت خَدت الطمع، وربنا جازاك بيه.. وأنا خَدت الرضا، وأهو ربنا رضاني.”
مراد مكنش فاهم كلامي أوي، أو من كتر الصدمة مكنش مركز في معاني الكلام. سابني ونزل وهو بيبرطم ويشتم في حظه وفي الدنيا.
أنا قفلت الباب وراه بالمفتاح، ولميت الزراير الميت حتة من على الأرض، وحطيتهم في علبة صغيرة قطيفة من علب الدهب. الزراير دي هفضل شايلاها العمر كله، مش عشان قيمتها المادية، عشان دي الأمانة اللي عرفتني إن أمي كانت حاسة بكل ليلة سهرت فيها جمبها، وبكل دمعة نزلت من عيني عشانها. رحمة الله عليكي يا أمي، سبتيني وأنا مش محتاجة لمخلوق.
**********
بعد شهرين، الحياة مشيت بيا في سكة تانية خالص. بفلوس شهادات الاستثمار، أجرت مكان شيك وفي موقع حيوي، ونقلت فيه مكنة الخياطة بتاعت أمي؛ المكنة اللي كانت وش السعد عليا. فتحت مشروعي الصغير لتفصيل وتصميم الفساتين، وسميت الأتيليه “حكايات هناء”، وبقت مكنة أمي هي القطعة الأنتيكة الأساسية اللي بتزين المكان وكل الزباين بتنبهر بيها.
في يوم وأنا قاعدة في الأتيليه بتابع الشغل، الباب فتح ودخل مراد. المرة دي مكنش بيزعق ولا متجهم، كان باين عليه الانكسار التام، ووشه هزلان والهم راكبه من ساسه لراسه.
وقف قدام مكتبي وهو مش قادر يحط عينه في عيني، وقال بصوت واطي ومبحوح: “مبروك الأتيليه يا هناء.. بقيتي بسم الله ما شاء الله ناجحة والناس كلها بتتكلم عن ذوقك وشغلك.”
هزيت راسي بهدوء: “الله يبارك فيك يا مراد.. خير؟ إيه اللي جابك؟”
فرك إيديه ببعض بقلة حيلة وقعد على الكرسي وكأنه مش قادر يقف: “البنك باع البيت والأرض في المزاد العلني الأسبوع اللي فات.. البيت اللي كنت فاكره هيخليني فوق، ضاع ومطولتش منه مليم واحد، وكمان عليا مصاريف وقضايا بسبب الشيكات اللي كنت ماضيها على نفسي وعشمان هسدها من بيع البيت.. أنا مديون يا هناء، وجاي أطلب منك تسامحيني.. وتساعديني لو تقدري، أنا أخوكي برضه.”
بصيت له وخدت نفس طويل، وفتحت درج مكتبي وطلعت العلبة القطيفة الصغيرة اللي شلت فيها زراير أمي القديمة. فتحتها قدامه، فبص لها باستغراب ومبقاش فاهم حاجة.
قولتله وأنا بشاور على الزراير: “شايف دول يا مراد؟ دول الزراير اللي إنت ضحكت عليهم وقولت ‘كراكيب’. الزراير دي هي اللي فتحت لي الخزنة السرية بتاعت أمي اللي في البنك.. أمي سابت لي دهبها كله وشهادات بـ 5 مليون جنيه باسمي، لأنها كانت عارفة إنك بايعها وبايعني ومكنتش بتسأل عنها وهي بتموت.”
مراد اتسمر في مكانه، عينه اتسعت من الصدمة، وبدأ ينهج وهو مش مصدق: “إيه؟! 5 مليون وجملة دهب؟! يعني أمي كانت شايلا كل ده وإنتي أخدتيه؟ ومقولتليش؟”
وقفت بكل شموخ وقولتله: “أقولك بصفتك إيه؟ إنت خَدت اللي إنت عايزه.. جريت ورا الحيطان والأرض، والبنك خدهم منك عقاباً ليك على قسوة قلبك. أما أنا فخَدت البرطمان برضا ونفس طيبة، فربنا كرمني ورزقني من وسع. أنا مش هسيبك تتسجن يا مراد، هسدد لك ديونك وشيكاتك عشان إنت أخويا في الأول والآخر وأمي متعتبش عليا في قبرها، بس برضه مش هيدخل جيبي مليم من فلوسك، ومفيش ليك مكان في حياتي ولا في مشروعي.”
مراد نزل راسه الأرض وبكى بالدموع، دُموع ندم متأخر ملوش أي قيمة. سددت له فلوسه وخرج من حياتي، وفضلت أنا وسط قماشي وزرايري ومكنتي، عايشة مستورة وناجحة، وعارفة إن اللي بيشيل أمه في الدنيا، ربنا بيشيله فوق الراس العمر كله.
*******
مرت السنين، وبقى أتيليه “حكايات هناء” من أكبر براندات الأزياء في مصر. المكنة السنجر القديمة بتاعة أمي لسه واقفة في صدر المكان، متحاطة بإضاءة مخصصة وكأنها حتة آثار نادرة، وكل ما ببص لها بفتكر البداية.. وبفتكر البرطمان اللي غير حياتي.
مراد سافر برة مصر بعد ما سددت له ديونه؛ اشتغل في كافيه صغير في دولة عربية عشان يبدأ من الصفر، صوته في التليفون لما بيكلمني في الأعياد مابقاش فيه غير الندم، بس الندم اللي خلاه أخيراً يعرف قيمة العيلة وقيمة الرضا.
في يوم، كنت واقفة في الأتيليه بجهز فستان زفاف لعروسة، ولمحت بنتي الصغيرة “نادية” قاعدة في الركن، مجمعة شوية زراير ملونة على الأرض وبتلعب بيهم وهي بتضحك.
قربت منها، قعدت على ركبي، ولميت الزراير في إيدي وضميتهم لقلبي وأنا ببتسم وببص للسما.
الدنيا مش حيطان وأطيان، الدنيا جبر خاطر وطاعة ونية صافية.. وأمي سابتلي الغنى كله في برطمان.
تمت
حكايات انجى الخطيب