اخت جوزي كان لسانها

أخت جوزي كان لسانها سليط بطريقة مش طبيعية.
تقابل أي حد، لازم ترمي عليه كلمة تجرحه، ومن غير ما تبص للمكان ولا للناس اللي قاعدين ولا حتى تفكر إذا كان كلامها ينفع يتقال ولا لأ.
وفي يوم، وإحنا قاعدين كلنا على سفرة واحدة في عزومة عائلية، فضلت باصة في وش حماتها المستقبلية شوية، وفجأة قالت لها وهي بتضحك
إنتِ في السن ده ولسه بتحطي ميكاب؟! هو إنتِ ناوية تغري مين يعني؟
السفرة كلها سكتت في ثانية.
ولا صوت معلقة.
ولا صوت طبق.
ولا حتى حد عرف يضحك مجاملة.
أما هي، ففضلت تضحك كأنها قالت نكتة الموسم.
حماتها المستقبلية حطت الشوكة من إيدها بهدوء، مسحت بوقها بالمنديل، وبصتلها وقالت جملة واحدة.
ومن اليوم ده…
لسان أخت جوزي السليط مبقاش سليط زي الأول.
01
أخت جوزي، منة، كانت من النوع اللي بوقه بيتكلم قبل ما مخه يلحق يفكر.
مش هقول إنها إنسانة شريرة من جواها.
بالعكس، ساعات كانت بتعمل حاجات كويسة فعلًا.
لكن المشكلة إن تأثير كلامها كان ساعات أسوأ من تأثير شخص نيته أصلًا وحشة.
أنا متجوزة أحمد بقالي تلات سنين، وخلال التلات سنين دول، عدد الناس اللي منة جرحتهم بكلامها يكفي يعمل طابور يلف حوالين العمارة كلها.
مرة طنط سعاد، جارتنا، اشترت فستان جديد وكانت فرحانة بيه.
منة أول ما شافتها بصتلها من فوق لتحت وقالت
ياااه… بالوسط ده؟ ربنا يكون في عون الفستان!
الست ضحكت بالعافية، لكن وشها اتغير.
ومرة عامل الدليفري اتأخر دقيقتين بس.
منة فتحتله الباب وقالت
إنت بالسرعة دي شغال دليفري؟ ده لو كل الزباين زيي كان زمان حسابك اتقفل من كتر الشكاوى!
وفي كل مرة كانت حماتي تدخل بسرعة علشان تلحق الموقف وتقول
معلش، منة طبيعتها كده. لسانها صريح شوية بس قلبها أبيض، متاخدوش على كلامها.
أنا شخصيًا أخدت على كلامها.
خصوصًا في أول سنة جواز.

كنا قاعدين وسط قرايب جوزي على السفرة، وفجأة منة بصتلي وقالت قدام الكل
بشرة مرات أخويا دي من أول ما تبصلها تعرف إنها مبتعرفش تهتم بنفسها خالص.
أحمد، جوزي، خبطها برجله من تحت السفرة وقال
اخرسي يا منة.
لكن هي ضحكت وقالت
إيه؟! هو الواحد لما يقول الحقيقة يبقى غلطان؟
حماتي غيرت الموضوع بسرعة.
وحمايا نزل راسه في طبقه وكمل أكل كأنه مسمعش حاجة.
وأنا افتكرت الموقف كويس.
مش علشان أشيل منها.
لكن علشان أفهم النظام اللي ماشي في البيت ده.
منة مسموحلها تقول اللي هي عايزاه.
لكن لو حد رد عليها، يبقى هو اللي مكبر الموضوع.
هو اللي حساس.
هو اللي بيقف على الواحدة.
وهو اللي بيحاسب عيلة صغيرة على كلمة.
مع إن منة وقتها كان عندها ستة وعشرين سنة!
لكن بالنسبة لأهلها، لسه طفلة.
أنا مكنتش بدخل معاها في خناقات.
لكن ده مش معناه إني غبية.
لأني فهمت شخصيتها بسرعة.
النوع ده لو اتخانقت معاه، هيعلي صوته أكتر منك.
لو حاولت تفهمه بالمنطق، هيقول إنك بتتفلسف.
ولو تجاهلته، هيعتبر إنه كسب وإنك معرفتش ترد.
علشان كده كنت مستنية.
مستنية اليوم اللي يظهر فيه شخص أقوى مني وأشد منها، ويعلمها إن مش كل الناس هتقبل قلة الذوق وتسميها صراحة.
ومكنتش متوقعة إن الشخص ده هيظهر بالسرعة دي.
في شهر أكتوبر اللي فات، منة اتعرفت على شاب اسمه كريم.
كريم كان شاب هادي ومحترم، كلامه قليل، وعنده محل فاكهة في البلد.
بعد حوالي تلات شهور من ارتباطهم، الموضوع دخل في الجد.
وجاء وقت مقابلة الأهل.
منة كانت عاملة نفسها مش متوترة.
لكن يومها غيرت هدومها تلات مرات.
حماتي كانت واقفة جنبها تساعدها تختار.
مسكت لها طقم وقالت
ده حلو أوي، يخلي شكلك أهدى وأنضج.
منة بصت لنفسها في المراية وشدت ياقة البلوزة وقالت
يا ماما أنا رايحة أقابل أهل عريس، مش داخلة انترفيو شغل!
وفي الآخر لبست سويت شيرت وبنطلون جينز وخرجت.
العيلتين اتفقوا يقابلوا بعض في مطعم معروف في البلد.
حجزنا أوضة خاصة.
السفرة كانت مدورة، وكنا حوالي عشرة أشخاص.
من ناحيتنا كان حمايا وحماتي، وأنا وأحمد، وطبعًا منة.
ومن ناحية كريم كان كريم، وأبوه وأمه، وعمته وجدته.
والدة كريم كان اسمها نادية.
بعد كده عرفت إن اسمها بالكامل نادية عبد الحميد.
كانت ست في أوائل الخمسينات، لابسة جاكيت نبيتي غامق، شعرها مرفوع ومرتب، وحاطة ميكاب بسيط جدًا.
الروج مكانش لونه صارخ، لكنه كان مخلي وشها منور وشكلها مهندم.
من أول ما شوفتها حسيت إن الست دي مش سهلة.
مش قصدي إنها شريرة.
لكن كان واضح إنها ست شخصيتها قوية.
قعدتها مستقيمة.
لما بتضحك، بتضحك بهدوء ومن غير مبالغة.
وصوتها مكانش عالي، لكن كل كلمة بتقولها كانت بتوصل بوضوح لكل اللي قاعدين.
قعدت تتكلم مع حماتي.
مدحت منة وقالت إنها بنت جميلة.
ومدحت حمايا وقالت له
ربنا يباركلك في ولادك، واضح إن حضرتك راجل محظوظ بعيلتك.
حماتي وشها نور من الفرحة وفضلت تقول
ربنا يخليكي، ده من ذوقك.
منة كانت قاعدة جنب كريم.
وفي البداية كانت هادية جدًا.
لدرجة إني قلت لنفسي
كويس.
النهارده شكلها هتعدي على خير.
الأكل نزل، وكلنا بدأنا ناكل.
حمايا ووالد كريم دخلوا في كلام عن أسعار الشقق والأراضي وحركة البيع والشراء في البلد.
وحماتي ونادية قعدوا يتكلموا في حاجات البيت.
من الجو، لأسعار الخضار، لمصاريف المعيشة.
أما منة، فأكلت كام لقمة وبعدين بدأت تتململ.
لأن منة أصلًا متقدرش تقعد ساكتة أكتر من عشر دقايق.
في الأول قعدت تقلب الجمبري بالشوكة وقالت
هو الجمبري ده مش طازة ولا إيه؟ القشرة طرية أوي.
كريم مال عليها وقال بصوت واطي
منة، متدوريش على حاجة في الأكل. كلي وخلاص.
منة برطمت، لكنها سكتت.
عدى شوية وقت.
وبعدين بدأت عينيها تلف حوالين السفرة.
وأنا أول ما شوفت النظرة دي عرفت.
منة بتدور على موضوع.
لا.
مش موضوع تتكلم فيه.
بتدور على حد تعلق عليه.
دي كانت طريقتها في التعامل مع الناس.
هي شايفة إن التعليق على شكل الناس أو لبسهم أو تصرفاتهم حاجة مضحكة، وإن ده اسمه تلطيف الجو.
لفت بعينيها على كل الموجودين.
وفي الآخر، عينيها وقفت على نادية.
نادية كانت بتاخد شوية أكل من طبق قدامها.
والروج اللي حطاه كان باين تحت إضاءة المطعم.
منة فضلت باصة لها ثانيتين.
وبعدين ابتسمت.
أنا حافظاها.
نفس الابتسامة.
طرف بوقها بيعلى ناحية واحدة، وعينيها بتضيق شوية، وبعدها ترمي الكلمة.
قالت
طنط… إنتِ حاطة ميكاب تقيل النهارده شوية، مش كده؟
نادية رفعت عينيها وبصتلها وابتسمت.
لا يا حبيبتي، ده روج بسيط بس.
كان ممكن الموضوع يقف هنا.
أي إنسان طبيعي كان هيضحك ويغير الموضوع.
لكن منة مبتعرفش تقف.
ضحكت وقالت
طب وإنتِ في السن ده لسه بتحطي ميكاب ليه؟ هو إنتِ ناوية تغري مين يعني؟
الأوضة كلها سكتت.
فجأة.
حتى صوت الشوك وهي بتخبط في الأطباق اختفى.
أنا كنت ماسكة الكوباية، وإيدي وقفت في نص الطريق.
ابتسامة حماتي اتجمدت.
حمايا كح كحة صغيرة.
وش كريم بقى أبيض.
وشوفت عمة كريم بتحط الشوكة على الطبق، ونظرتها لمنة اتغيرت تمامًا.
أما منة؟
لسه مش فاهمة المصيبة اللي عملتها.
فضلت تضحك وتبص حوالين السفرة، كأنها مستنية حد يضحك معاها.
لكن محدش ضحك.
نادية نفسها متحركتش بسرعة.
حطت الشوكة بهدوء.
وبعدين أخدت المنديل ومسحت طرف بوقها على مهَل.
رفعت عينيها لمنة.
وابتسمت.
الغريب إن ابتسامتها مكنتش ابتسامة واحدة متعصبة.
لأ.
كانت ابتسامة ست فهمت اللي قدامها كويس جدًا، وقررت ترد عليه بالمقاس.
قالت بصوت هادي
بصي يا منة، أنا النهارده حطيت ميكاب علشان دي أول مرة أقابلك فيها… وحبيت أكون مهندمة، احترامًا ليكي ولأهلك.
وسكتت لحظة.
وبعدين كملت
إنتِ محطتيش ميكاب، وأنا لا علقت ولا اهتميت. لكن إنك مش قادرة تتحكمي في
لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *