عميت لمده سنتين حكايات ميراا

عميت لمدة سنتين… ولما رجعلي بصري أخيرًا، أول حاجة شفتها دمرتني
أول حاجة شفتها…
بقالي سنتين وثلاث شهور وسبعتاشر يوم ما شفتش النور.
ولما الدكتورة د. هبة شالت آخر ضمادة من على عيني في مستشفى بالقاهرة، ما عيطتش على طول.
فضلت أبص للسقف الأبيض… بعدين لملامح البلطو الأبيض… وبعدها لإيدها وهي رافعة تلات صوابع قدام وشي.
قالت بابتسامة كام صباع يا مدام مريم؟
بلعت ريقي بصعوبة وقلت تلاتة.
ابتسمت الدكتورة.
أمي، اللي كانت قاعدة على شمالي، انفجرت في العياط.
أما أنا… فضلت ساكتة.
لأن النور كان بيوجع.
ولأن الألوان رجعت بسرعة مخيفة.
ولأن جوا المعجزة اللي الكل مستنيها… كان فيه خوف ما قلتوش لحد.
لمدة سنتين…
كنت عايشة في الضلمة، وصوت جوزي أحمد هو البوصلة الوحيدة.
هو اللي يقولي أحط إيدي فين…
الكوباية فين…
ألبس أنهي فستان…
مين زارني…
ومين نسي وجودي.
وأنا كنت بصدقه.
لأن الإنسان لما يفقد بصره…
بيتعلم يثق في الأصوات.
حتى لو كانت بتكدب.
في الصبح ده…
أحمد ماجاش المستشفى.
قالي إن عنده اجتماع مهم في المكتب، ووعدني إنه هييجي ياخدني الساعة ستة ومعاه ورد أبيض…
زي أول يوم.
لكن الدكتورة سمحتلي أخرج بدري.
قالت بهدوء ارجعي البيت على مهلك… وابعدي عن الإضاءة القوية… والأهم، بلاش أي انفعال النهارده.
كان المفروض أسمع كلامها.
أمي عرضت توصلني.
رفضت.
كنت عايزة أشوف بيتي لوحدي…
أشوف الحيطان اللي كنت حافظاها بإيديا قبل عيني.
أشوف السفرة اللي كنت بعجن عليها وأنا مش شايفة.
أشوف حياتي من أول وجديد.
ركبت تاكسي.
القاهرة كانت شكلها غريب…
العمارات…
الإشارات…
الناس…
كل حاجة كانت زاهية زيادة عن اللزوم.
وأنا طول الطريق بفكر في أحمد…
في وشه اللي ذاكرتي احتفظت بيه أصغر.
وفي صوته وهو بيقولي كل ليلة
متقلقيش يا مريم… أنا بقيت عينك.
الجملة دي كانت زمان بتطمني.
دلوقتي…
افتكرتها فحسيت ببرد يجري في جسمي.
طلعت السلم ببطء.
ولما وصلت قدام باب الشقة…
وقفت.
شميت ريحة قهوة.
وريحة برفان.

مش بتاعي.
ريحة فانيليا تقيلة.
فتحت الباب بالمفتاح.
الشقة كلها نور.
زيادة عن اللزوم.
الستاير مفتوحة…
والشبابيك مفتوحة…
وعلى الكنبة كان مرمي إيشارب أحمر من الحرير.
عرفته في ثانية.
أختي ندى…
عمرها ما لبست غير الأحمر.
ندى…
أختي الصغيرة.
اللي أحمد قالي من سنتين إنها سابت القاهرة وسافرت تعيش في إسكندرية بعد الخناقة اللي حصلت بينا.
كل مرة كنت أسأله عنها…
كان يتنهد ويقول
هي ما استحملتش تشوفك بالمنظر ده… بعض الناس بيهربوا من المصايب.
وكنت بعيط عليها.
وأدافع عنها.
وألتمسلها الأعذار.
وفجأة…
سمعت ضحكة.
ضحتها.
جاية من المطبخ.
قربت بهدوء.
كل خطوة كانت كأنها بتشق قلبي.
لحد ما وصلت لباب المطبخ.
وبصيت.
أحمد…
كان واقف بين رجلين أختي.
وندى كانت قاعدة فوق ترابيزة المطبخ…
لابسة الروب الأبيض بتاعي.
الروب اللي أحمد جابهولي بعد العملية.
وكان بيبوسها.
مش بوسة غلطة.
بوسة واحد راجع بيته.
إيده كانت عارفة جسمها كويس…
وهي بتضحك وبتلعب في شعره.
فضلت واقفة.
ساكتة.
العمياء…
بقت شايفاهم.
في اللحظة دي…
ما حسيتش بغضب.
حسيت ببرود مرعب.
بقعة قهوة على الرخامة.
مناكير أحمر.
موبايل أحمد جنب الحوض.
وعلى الشاشة رسالة مفتوحة.
هي عمرها ما هتشوف كويس علشان تفهم… أول ما نبيع كل حاجة هنمشي.
ندى سألته وهي بتشرب من مجي المفضل
متأكد إنها مش هترجع قبل الليل؟
ضحك أحمد وقال
مريم؟ دي من غيري ما تعرفش تنزل من العمارة.
ضحكت ندى.
إنت قاسي.
قال وهو بيهز كتفه
لأ… واقعي. هي معتمدة عليا في كل حاجة. وحتى لو بصرها بيتحسن، الدكتورة قالت هيشوف مجرد ظلال.
ساعتها فهمت.
أحمد…
ماكانش يعرف.
ماكانش يعرف إني شايفاه.
شايفة ضهره…
وشايفة الحزام…
وشايفة وش أختي…
وشايفة الحقيقة كلها.
قالت ندى
والأوراق؟
فتح درج وقال
كلها جاهزة. بكرة هقولها تمضي علشان نجدد التأمين. هي بتمضي في أي مكان بحط صباعها عليه.
نفسي اتقطع.
وسألته
وورث أمها؟
خفض صوته وقال
اتحول لحساب الإدارة. أول ما نثبت التوكيل العام… مش هيفضل باسمها حاجة. لا الشقة… ولا بيت الساحل… ولا نصيبها في المعرض.
في اللحظة دي…
فهمت.
هما ما سرقوش جوازي بس.
هما كانوا بيخططوا يسرقوا حياتي كلها.
إيدي شدت على مقبض الباب.
كنت أقدر أصرخ.
أو أكسر الكوباية.
أو أدخل أقولهم إن المعجزة حصلت.
لكن…
على الرخامة، جنب ماكينة القهوة…
كان فيه زجاجة بنية صغيرة.
عرفتها.
القطرة اللي أحمد كان بيدهالي كل ليلة.
وكان بيقولي إنها علشان تمنع الالتهاب.
قبلها بيوم…
الدكتورة قالتلي جملة غريبة
التحاليل فيها آثار مادة أنا ما كتبتهاش لحضرتك.
قربت خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
الأرض صرخت تحت رجلي.
أحمد لف.
ولما عينه جت في عيني…
وشه فقد لونه كله.
ندى صرخت وسحبت الروب عليها.
أنا مسكت الزجاجة.
قريت اللي عليها.
ماكانش اسمي.
ولا اسم أي دواء.
مجرد ورقة ملزوقة بسرعة.
ومكتوب بقلم أسود
جرعة ليلية… لإبطاء استعادة البصر.
اتحرك أحمد ناحيتي.
وقال بصوت مرتعش
مريم… حطيها مكانها.
رفعت عيني وبصيتله.
ولأول مرة من سنتين…
فهم إني شايفاه بوضوح.
ابتسمت.
مش لأني فرحانة.
لكن…
لأن لأول مرة…
هو اللي كان خايف.
وفي نفس اللحظة…
موبايلي اهتز.
رسالة من الدكتورة هبة ظهرت على الشاشة
ما تدخليش البيت لوحدك. نتائج التحاليل أكدت وجود تسميم متعمد. اتصلي بالشرطة فورًا.
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا ابتسامتي اختفت ببطء.
وأنا لسه ماسكة الزجاجة، قلت بهدوء
يعني… أنا ما كنتش بتأخر في الشفا بسبب حالتي؟
ولا حد رد.
أحمد كان بيبص للموبايل في إيدي… وبعدين للرسالة… وعارف إن كل حاجة انتهت.
قال وهو بيحاول يقرب
اسمعيني يا مريم… الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ضحكت ضحكة قصيرة.
بجد؟ أمال أشرحلي… كنت بتديني إيه كل ليلة؟
بلع ريقه وقال
الدكتور… كان…
قاطعته وأنا برفع الزجاجة قدامه.
اسم الدكتور إيه؟
سكت.
ندى كانت بترتعش وهي لابسة الروب بتاعي، وبعدين قالت
والله هو اللي قال لي إن العلاج عادي… أنا ماليش دعوة.
لفيت ناحيتها.
وإنتِ مالكيش دعوة وإنتِ لابسة هدومي… وعايشة في بيتي… ومع جوزي؟
نزلت عينيها في الأرض.
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات في السلم.
بعدها ثواني…
خبط قوي على باب الشقة.
افتح يا أستاذ أحمد… الشرطة.
وش أحمد اصفر.
بص لي بسرعة، وكأنه بيطلب مني أنقذه.
لكن فات الأوان.
فتحت الباب.
دخل ضابط ومعاه فردان من المباحث.
قال الضابط
مدام مريم؟
أيوه.
بلغتنا الدكتورة هبة، ومعانا إذن بضبط أي أدوية أو مستندات متعلقة بالبلاغ.
أشرت بإيدي ناحية الزجاجة.
دي اللي كان بيدهالي كل ليلة.
أخدها الضابط في كيس الأدلة.
وبعدين بص لأحمد.
حضرتك تستخدم الدواء ده بإشراف مين؟
اتلخبط أحمد.
أنا… أنا…
قال الضابط بهدوء
جاوب في القسم.
وأثناء تفتيش الشقة…
لقوا ملفًا داخل درج المكتب.
الملف كان باسمي.
وفيه توكيل عام مزور.
وعقود بيع للشقة.
وعقد تنازل عن نصيبي في معرض والدي.
وكلها عليها توقيعات تشبه توقيعي.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
يعني وأنا فاكرة إني بمضي على أوراق العلاج…
كنت بمضي على بيع حياتي.
بصيت لأحمد.
وقلت
كنت ناوي تسيب لي إيه؟
سكت.
ندى انفجرت في العياط.
وقالت
أنا آسفة… والله أحمد قال إنك مش هتخفّي أبدًا… وإن كل ده هيبقى باسمه في الآخر… وأنا صدقته.
بصيت لها.
ولأول مرة…
ما حسيتش إنها أختي.
كانت مجرد شخص اختار يبيع أخته مقابل الفلوس.
اقترب الضابط من أحمد.
وحط الكلبشات في إيده.
وقال
حضرتك متهم بالشروع في الإضرار بصحة زوجتك، والتزوير، والاستيلاء على ممتلكاتها.
وأنتِ يا مدام…
التفت إلى ندى.
هتفضلي معانا للتحقيق.
خرجوا الاتنين من الشقة.
وأول ما الباب اتقفل…
انهرت.
قعدت على الأرض أبكي.
مش على أحمد.
ولا على ندى.
بكيت على السنتين اللي ضاعوا من عمري…
وأنا فاكرة إني محاطة بأكتر اتنين بيحبوني.
بعد أسبوعين…
أكد تقرير الطب الشرعي إن الزجاجة كانت تحتوي على مادة تؤخر تعافي العصب البصري، واستعمالها من غير إشراف طبي كان ممكن يسبب ضررًا خطيرًا.
وأثبتت التحقيقات إن التوكيلات والعقود مزورة، وتم إيقاف أي تصرف في ممتلكاتي لحين انتهاء القضية.
رجعت أقف في شرفة بيتي.
أول شروق شمس أشوفه من سنتين.
الألوان كانت أهدى.
والنور ما بقاش بيوجع.
وقفت الدكتورة هبة جنبي بعد زيارة متابعة، وقالت بابتسامة
شايفة القاهرة عاملة إزاي؟
ابتسمت وأنا ببص للسماء.
وقلت
أول مرة أشوفها بجد…
لأني أخيرًا بقيت
لمحة نيوز

أعرف أفرق بين اللي كان بينور حياتي…
واللي كان بيعيشني في ضلمة مرّت ثلاثة أشهر.
كانت قضية أحمد وندى حديث كل الناس.
الصحف كتبت عن الزوج الذي أخّر شفاء زوجته طمعًا في ثروتها، لكنهم ما عرفوش غير جزء صغير من الحقيقة.
أما أنا…
فكنت كل أسبوع أكتشف كذبة جديدة.
اتصل بيا المحامي وقال
يا مدام مريم… في حاجة لازم تشوفيها.
روحت المكتب.
حط قدامي كرتونة قديمة كان أحمد مخبيها في مخزن المعرض.
فتحها…
وكان جواها عشرات الدفاتر.
دفاتر بخط إيدي.
أيام الجامعة…
وأول الجواز…
وخطط المشروع اللي كنت بحلم أفتحه.
قال المحامي
دي مش أهم حاجة.
طلع فلاشة صغيرة.
وشغلها على الكمبيوتر.
ظهر تسجيل من كاميرا المكتب.
أحمد كان قاعد قدام موظف البنك.
بيقوله
هي مش هتعرف تقرأ، حط الورقة قدامها وخليها تمضي في المكان اللي أقولك عليه.
الموظف سأله بتردد
ولو رجع لها بصرها؟
ضحك أحمد.
وقال
مستحيل… أنا متأكد.
قفلت الفيديو.
ومشيت من غير ما أتكلم.
لأني لأول مرة…
فهمت إنه كان واثق إن عمري ما هعرف الحقيقة.
بعدها بأسبوع…
رن جرس الشقة.
فتحت الباب.
لقيت ست كبيرة واقفة.
ملامحها مرهقة.
وقالت بصوت مكسور
أنا أم أحمد.
استغربت.
وقالت بسرعة
عارفة إنك مش هتسامحينا… بس ممكن أتكلم خمس دقايق؟
دخلت.
بصت حواليها.
ولما شافت الصور اللي رجعت علقتها بعد ما رجع بصري…
عيطت.
وقالت
أنا ربيت ابني غلط.
كنت عارفة إنه بيكدب.
وعارفة إنه بيخون.
بس عمري ما تخيلت إنه يوصل لكده.
طلعت ظرف من شنطتها.
وقالت
ده كان عنده في الأوضة.
فتحته.
كان فيه خطاب.
بخط أحمد.
لكن عمره ما بعته.
كان مكتوب فيه
مريم…
أنا كنت بحبك يومًا ما.
بس يوم ما فقدتي بصرك، حسيت إن حياتي انتهت.
بدل ما أبقى سند ليكي…
بدأت أبص لنفسي.
وبعدين للفلوس.
وبعدين ما بقيتش شايف غير مصلحتي.
لحد ما بقيت شخص حتى أنا بقيت أكرهه.
قفلت الخطاب.
ورجعته لأمه.
قلت بهدوء
الاعتراف بعد خراب العمر… ما بيرجعش العمر.
هزت رأسها وهي بتبكي.
وقبل ما تمشي قالت
ربنا يعوضك.
بعد ستة أشهر…
وقفت قدام لافتة جديدة.
مكتوب عليها
مركز النور لدعم مرضى فقدان البصر.
كان أول مشروع أعمله باسمي.
من فلوسي.
ومن حقي.
أي حد يدخل المركز…
كان يلاقي حد يعلمه يمشي.
ويقرأ بطريقة برايل.
ويتعامل مع الحياة من غير خوف.
وفي أول يوم افتتاح…
دخلت بنت صغيرة ماسكة إيد أمها.
البنت كانت لابسة نظارة سميكة.
وقالت لي
هو أنا هخف؟
ابتسمت.
ونزلت لمستواها.
وقلت
معرفش يا حبيبتي…
بس أعرف حاجة واحدة.
حتى لو الدنيا ضلمت شوية…
لازم تختاري كويس مين تمسكي إيده.
لأن أخطر أنواع العمى…
مش إن العين ما تشوفش.
أخطرها…
إن القلب يثق في الشخص الغلط مرّ عام كامل.
وفي صباح هادئ…
كنت قاعدة في مكتبي داخل مركز النور، أراجع ملفات المرضى، لما السكرتيرة دخلت وقالت
يا مدام مريم… في شخص طالب يقابلك، وبيقول إن الموضوع يخص القضية.
رفعت رأسي.
مين؟
اسمه شريف… وبيقول إنه كان محاسب في شركة جوز حضرتك.
سمحت له يدخل.
كان راجل في أوائل الأربعينات، باين عليه التوتر.
حط حقيبة جلدية على المكتب وقال
أنا استقلت من الشركة بعد القبض على أحمد… لكن ضميري معذبني من سنة.
فتح الحقيبة.
طلع منها ملفات وفلاشات.
وقال
أحمد ما كانش بيخطط ياخد بيتك ومعرض والدك بس… كان ناوي يعلن وفاتك قانونيًا لو فقدتِ بصرك تمامًا واتدهورت حالتك.
شهقت.
قال وهو بينزل عينه
كان مجهز تقارير طبية مزورة، وبيحاول يثبت إنك غير قادرة على إدارة أي حاجة، علشان يبقى هو الوصي على كل ممتلكاتك.
حسيت بقشعريرة.
سألته
وإنت ليه ساكت كل ده؟
رد بصوت مكسور
كنت خايف… لكن لما شفت اللي حصل، عرفت إن سكوتي كان جريمة.
سلمني كل المستندات، ومشى.
بعد شهر…
صدر الحكم.
امتلأت قاعة المحكمة.
كان أحمد واقف داخل القفص، وشعره بدأ يشيب.
ندى كانت في الجهة التانية، ما رفعتش عينها من الأرض.
القاضي تلا الحكم بهدوء.
إدانة أحمد في جرائم التزوير، والاحتيال، وتعمد الإضرار بزوجته، والشروع في الاستيلاء على أموالها.
وإدانة ندى لمشاركتها في التزوير وإخفاء الأدلة.
لما خلص…
لف أحمد ناحيتي لأول مرة من يوم القبض عليه.
كانت عيناه مليانة ندم.
قال بصوت واطي
سامحيني يا مريم…
بصيت له ثواني.
وقلت
أنا سامحت نفسي… لأنني وثقت فيك.
أما إنت…
فده بينك وبين ربنا.
وسبت القاعة من غير ما أبص ورايا.
في المساء…
رجعت البيت.
وقفت قدام المراية.
المراية اللي ما شفتش وشي فيها من أكتر من سنتين.
لمست آثار العملية حول عيني.
وابتسمت.
رجع لي بصري…
لكن اللي رجع أهم منه…
كرامتي.
وبينما كنت بقفل الشباك، دخلت أشعة الغروب تنور الصالة.
ابتسمت وأنا أهمس لنفسي
أوقات… ربنا بيأخر النور…
مش علشان يعاقبنا.
لكن علشان أول ما نشوف…
نعرف الحقيقة كاملة مرت سنتان.
الحياة أخيرًا بقت هادئة.
المركز كبر…
وبقى فيه عشرات المتطوعين، وكل أسبوع كنا نستقبل مرضى جداد فقدوا بصرهم، أو بدأوا رحلة العلاج.
وفي يوم جمعة…
كنت براجع ملفات التبرعات، لما موظف الاستقبال اتصل بيا.
قال
يا مدام مريم… في شاب مستني حضرتك برة، وبيقول إنه ابن حد تعرفيه.
خرجت.
لقيت شابًا في حوالي عشرين سنة.
ملامحه كانت مألوفة.
وقف أول ما شافني.
وقال بتوتر
حضرتك مدام مريم؟
أيوه.
مد إيده بورقة صغيرة.
أنا يوسف… ابن مدام روز.
اتجمدت مكاني.
مدام روز…
الشغالة اللي اشتغلت عندنا أكتر من عشر سنين، واللي أحمد اتهمها ظلمًا بالسرقة.
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة وقال
ماما ماتت من شهر.
نزلت دموعي.
قال بسرعة
قبل ما تموت، وصتني أجيلك.
فتح ظرفًا قديمًا.
كان جواه رسالة مكتوبة بخط مدام روز.
يا بنتي مريم…
أنا عمري ما زعلت منك.
كنت عارفة إنك صدقتي جوزك لأنك كنتي بتحبيه.
ولما جيتي تعتذري لي بعد اللي حصل، سامحتك من قلبي.
بس كان نفسي أشوف اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقة.
ولو الرسالة دي وصلت لك…
يبقى ربنا أظهر الحق.
أنا دعيتلك كل ليلة.
ودعيت إن ربنا يرد لك بصرك…
ويرد لك حقك.
ما قدرتش أكمل القراءة.
حضنت يوسف.
وقلت له
أمك كانت من أنضف الناس اللي عرفتهم.
هز رأسه وقال
هي كانت دايمًا تقول إنك مظلومة.
سألته
إنت بتشتغل؟
قال
لسه متخرج… وبدور على شغل.
ابتسمت.
وقلت
من النهارده… لو حابب، المركز محتاج حد أمين.
اغرورقت عيناه بالدموع.
وقال
دي كانت أمنية أمي.
بعد شهور قليلة…
وقف يوسف في مكتب الاستقبال، يستقبل الناس بنفس الابتسامة اللي كانت أمه تستقبلنا بيها زمان.
وفي آخر اليوم…
كنت ماشية في ممر المركز.
شفت لوحة كبيرة معلقة على الحائط.
مكتوب عليها
قاعة روز للتأهيل البصري.
وقفت قدامها.
ولأول مرة من سنين…
حسيت إن دائرة كاملة اتقفلت.
المظلومة رجعلها حقها.
والبريئة اتخلد اسمها.
أما أنا…
فبقيت أعرف إن أصعب لحظة في حياتي، لما فتحت عيني بعد سنتين…
كانت في الحقيقة بداية أجمل حياة ربنا كتبها لي مرّت خمس سنوات.
لم أعد أعد الأيام منذ عادت إليّ نعمة البصر.
صرت أعدّ الأرواح التي خرجت من مركز النور وهي تؤمن بالحياة من جديد.
وفي صباح خريفي هادئ…
وصلني اتصال من مستشفى القاهرة الجامعي.
قالت الطبيبة
يا مدام مريم… في مريضة صغيرة رافضة تعمل العملية، ومش راضية تسمع كلام حد. كل ما نكلمها تقول عايزة الست اللي رجعلها بصرها.
ذهبت في نفس اليوم.
دخلت الغرفة.
كانت الطفلة عندها تسع سنوات.
أول ما شافتني، سألتني بخوف
هو النور بيوجع؟
ابتسمت وجلست بجوارها.
وقلت
أيوه…
في الأول بيوجع.
لكن بعد شوية…
بتكتشفي إن اللي كان بيوجع بجد، هو الضلمة.
ابتسمت الطفلة لأول مرة.
ومدت إيدها تمسك إيدي.
بعد العملية بأسبوع…
خرجت وهي شايفة.
جريت في ممر المستشفى وهي تصرخ
يا ماما… أنا شايفة!
كل اللي في الدور صفقوا.
وأنا…
رجعت بي الذاكرة لأول يوم فتحت فيه عيني.
لكن الفرق كبير.
أنا أول حاجة شفتها كانت خيانة.
أما هي…
فأول حاجة شافتها كانت حضن أمها.
حمدت ربنا في سري.
وقلت
الحمد لله… مش كل البدايات المؤلمة بتتكرر.
في المساء…
رجعت البيت.
فتحت درج قديم كنت محتفظة فيه بكل حاجة تخص الماضي.
صورة زواجي.
نسخة من تقرير المستشفى.
الرسالة اللي باعتها الدكتورة هبة.
وآخر حاجة…
كانت الزجاجة البنية الفارغة، محفوظة

داخل كيس الأدلة بعد ما انتهت القضية.
فضلت أبص لها شوية.
ثم فتحت الشباك.
ورميتها في صندوق إعادة تدوير المخلفات الطبية اللي المركز كان بيتعامل معاه.
ابتسمت.
لأني أخيرًا…
تخلصت من آخر شيء كان بيربطني بالماضي.
قفلت الدرج.
لكن المرة دي…
ما كانش فيه وجع.
ولا كراهية.
كان فيه سلام.
لأن بعض الناس…
بيخرجوا من حياتك بعد ما يعلموك أغلى درس.
إن البصر نعمة…
لكن البصيرة هي اللي بتنقذ الإنسان مرّت عشر سنوات.
وفي مساء شتوي هادئ…
كنت أقف أمام نافذة مكتبي في مركز النور، أراقب المطر وهو يغسل شوارع القاهرة.
شعري اختلط فيه الأبيض بالأسود.
لكن قلبي…
كان أخف مما كان عليه في أي يوم مضى.
رن هاتفي.
رقم غريب.
ترددت للحظة، ثم أجبت.
جاءني صوت خافت أعرفه جيدًا، رغم مرور كل هذه السنوات.
مريم…
أغلقت عيني.
كان أحمد.
قال بصوت متعب
عارف إنك ممكن تقفلي السكة في وشي… لكن دي آخر مرة هطلب منك حاجة.
لم أرد.
فأكمل
أنا تعبان… والدكاترة قالوا إن عندي أيام قليلة. نفسي أشوفك خمس دقايق بس.
ظللت صامتة.
ثم قلت بهدوء
ابعتلي عنوان المستشفى.
بعد ساعة…
دخلت غرفته.
لم أعرفه من أول نظرة.
الرجل الذي كان يملأ المكان حضورًا…
صار مجرد جسد هزيل فوق سرير أبيض.
رفع عينيه نحوي.
ابتسم ابتسامة باهتة.
لسه جميلة… زي ما انتي.
لم أعلق.
قال بعد لحظات
فاكرة لما كنت بقولك إني عينك؟
هززت رأسي.
نزلت دمعة من عينه.
أنا كنت أعمى… مش إنتِ.
ظل الصمت بيننا طويلًا.
ثم أخرج ظرفًا من تحت الوسادة.
ومده ناحيتي.
دي وصيتي.
فتحتها.
وجدت أنه أوصى ببيع كل ما تبقى من ممتلكاته، والتبرع بثمنها لمركز النور.
وفي آخر الصفحة…
كان مكتوبًا بخطه
يمكن ما عرفتش أصلح اللي كسرته…
بس أتمنى أساعد حد تاني يشوف النور.
رفعت رأسي.
وجدته ينظر إليّ في انتظار كلمة.
قلت بهدوء
الفلوس هنوصلها للناس اللي تستحقها.
أما الماضي…
فهو انتهى من زمان.
ابتسم.
وأغمض عينيه.
ولم يفتحهما مرة أخرى.
بعد أشهر…
افتتحنا جناحًا جديدًا داخل المركز.
لم نضع عليه اسم أحمد.
ولا اسمي.
كتبنا فقط على المدخل
جناح البدايات الجديدة.
لأن الإنسان…
مهما أخطأ…
قد يترك بعده خيرًا ينفع غيره.
وقفت أمام اللافتة، وحولي عشرات المرضى وأسرهم.
رفعت بصري إلى السماء.
وابتسمت.
في يومٍ ما…
كنت أظن أن أول شيء رأيته بعد عودة بصري قد دمّر حياتي.
لكن الحقيقة…
أنه أنقذها.
فلولا تلك اللحظة…
لعشت بقية عمري في ظلامٍ لا علاقة له بالعينين بعد افتتاح جناح البدايات الجديدة بأيام…
وصلني ظرف أبيض من المحكمة.
استغربت.
القضية انتهت من سنين.
وأحمد توفى.
فتحت الظرف.
كان فيه خطاب قصير، ومعاه مفتاح صغير قديم.
الخطاب كان من محامي أحمد.
مدام مريم…
قبل وفاة الأستاذ أحمد، طلب مني أسلمك المفتاح ده بعد مرور سنة كاملة على رحيله.
وقال هتعرف هي يفتح إيه.
فضلت أبص للمفتاح.
ما كانش عليه أي علامة…
غير رقم صغير محفور
17
قضيت أسبوع كامل أحاول أتذكر.
لحد ما فجأة…
افتكرت.
رقم 17…
كان رقم مخزن صغير في المعرض القديم بتاع والدي.
المعرض اللي اتقفل بعد وفاة بابا.
ركبت العربية وروحت.
المكان كان مهجور.
التراب مالي كل حاجة.
لكن المخزن رقم 17…
لسه موجود.
دخلت المفتاح.
لف…
والباب اتفتح.
أول ما دخلت…
حسيت إن الزمن رجع عشرين سنة.
كل حاجة كانت زي ما هي.
مكتب والدي.
الكرسي الخشب.
حتى ماكينة الحساب القديمة.
وفوق المكتب…
كان فيه صندوق خشب.
فتحت الصندوق.
لقيت ألبومات صور.
وأشرطة فيديو قديمة.
وخطابات من بابا.
وفي آخر الصندوق…
كان فيه ظرف مكتوب عليه
يفتح بمعرفة مريم فقط.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
كان بخط والدي.
يا مريم…
لو وصل لك الخطاب ده…
يبقى ربنا كتب لك عمرًا جديدًا.
أنا عارف إنك قوية.
لكن القوة الحقيقية مش إنك تنتقمي.
القوة إنك ما تسمحيش للي ظلمك يغير قلبك.
الفلوس ممكن تروح.
والبيوت ممكن تتباع.
لكن الإنسان لو خسر أخلاقه…
يبقى خسر كل حاجة.
فضلت أقرأ…
ودموعي بتنزل.
آخر سطر كان
أنا فخور بيكي…
سواء كنت شايفة…
أو حتى لو الدنيا كلها كانت ضلمة.
قفلت الخطاب.
وضميته لصدري.
ولأول مرة من وفاة والدي…
حسيت إنه لسه معايا.
قبل ما أمشي…
لفت نظري إطار صورة قديم.
أنا وبابا.
وأنا عندي حوالي عشر سنين.
كان كاتب وراها بقلمه
البنت دي هتعدي أيام صعبة…
بس عمرها ما هتنهزم.
ابتسمت.
وأخدت الصورة معايا.
وأنا خارجة من المخزن…
قفلت الباب بالمفتاح.
لكن المرة دي…
ما كنتش بقفل على ذكريات.
كنت بقفل آخر باب يربطني بالألم.
ورجعت بيتي…
وأنا متأكدة إن ربنا أحيانًا بيأخر كشف الحقيقة…
علشان لما تظهر…
تكون بداية حياة جديدة، مش نهاية حياة قديمة مرّت شهور.
وفي ليلة هادئة…
كنت أرتب مكتبة البيت.
وبين الكتب القديمة، سقط ألبوم صور صغير لم أفتحه منذ سنوات.
جلست على الأرض وبدأت أقلب صفحاته.
صورة فرحي.
صورة أول رحلة بعد الجواز.
صورة عيد ميلادي الثلاثين…
ثم توقفت.
كانت هناك صورة لم أنتبه لها من قبل.
أنا…
وأحمد…
وأختي ندى.
التقطت في بيت والدي قبل وفاته بعام.
في الصورة، كان الجميع يبتسم.
لكن شيئًا شد انتباهي.
ندى كانت تنظر إلى أحمد…
وليس إلى الكاميرا.
نظرة طويلة.
غريبة.
أغلقت الألبوم.
ولأول مرة…
لم أشعر بالغضب.
ولا بالحزن.
فقط شعرت بالشفقة.
كم من السنين ضاعت…
لأن بعض الناس اختاروا الطريق الأسهل.
في صباح اليوم التالي…
دخلت المركز.
وجدت موظفي الاستقبال مجتمعين حول سيدة مسنة.
ما إن رأتني حتى وقفت.
وقالت
إنتِ مريم؟
أيوه.
مدت لي ظرفًا.
أنا جارة والدتك القديمة… لقيت ده وأنا بنضف شقتي.
كان ظرفًا أصفر قديمًا.
عليه تاريخ يعود إلى اثنتي عشرة سنة.
فتحت الظرف.
وجدت رسالة بخط أمي.
لكنها لم تكن موجهة لي.
كانت موجهة إلى أحمد.
قرأتها ببطء.
يا أحمد…
أنا مأمناك على بنتي.
مريم قلبها أبيض، وبتصدق بسهولة.
يمكن في يوم تضعف…
أو تحتاجك أكتر من أي وقت.
أوعى في يوم تستغل احتياجها.
لو حبيتها…
احميها.
ولو بطلت تحبها…
سيبها بكرامتها.
وقفت مكاني.
أعدت قراءة السطور مرة أخرى.
أمي…
كانت تعرف طبيعة شخصيتي.
وكانت تثق فيه.
لكن هو…
هو الذي خان تلك الثقة.
رفعت عيني نحو السيدة.
فسألتني
والدتك كانت ست عظيمة… صح؟
ابتسمت والدموع تلمع في عيني.
وقلت
كانت أعظم مما كنت أتخيل.
في المساء…
ذهبت إلى قبر أمي.
وضعت باقة من الياسمين الأبيض، الزهور التي كانت تحبها.
جلست أمام قبرها طويلًا.
ثم همست
متقلقيش يا أمي…
أنا بقيت بخير.
رجع لي بصري.
ورجع لي حقي.
ورجع لي نفسي.
وسامحت…
لكن عمري ما هنسى الدرس.
هبّت نسمة هواء خفيفة.
حركت أوراق الشجر من حولي.
ابتسمت.
وقفت.
ومشيت.
ولم ألتفت خلفي.
لأن بعض القبور…
لا نزورها لنعيش في الماضي.
بل لنشكر أصحابها…
لأنهم علمونا كيف نكمل الطريق مرّت ثلاث سنوات أخرى.
وفي صباح يوم الأحد…
كنت أراجع ملفات المركز، عندما دخل يوسف مسرعًا وقال
مدام مريم… في واحد برة بيقول إنه يعرف والد حضرتك، ومش راضي يمشي غير لما يشوفك.
استغربت.
أغلب الناس اللي كانوا يعرفوا بابا رحلوا أو كبروا في السن.
قلت
دخله.
دخل رجل تجاوز السبعين، يستند إلى عصا خشبية.
أول ما شفته، حسيت إن ملامحه مألوفة.
ابتسم وقال
أكيد مش فاكراني… أنا عم سيد، كنت شريك والدك زمان.
رحبت بيه، وقعد قدامي.
طلع من جيبه مفتاحًا صدئًا، وحطه على المكتب.
أبوكي سلمني المفتاح ده قبل ما يموت بأسبوع، وقال لي لو حصل لمريم أي حاجة، متدهوش ليها. لكن لو شفتها واقفة على رجليها، وقلبها لسه أبيض… سلمهولها.
ابتسمت وأنا أمسك المفتاح.
قلت
هو أنا لسه عندي أسرار ما عرفتهاش؟
ضحك الرجل.
والدك كان راجل بعيد النظر.
أخذني إلى مخزن قديم في أطراف القاهرة.
فتحنا الباب.
لم يكن مليئًا بالذهب أو الأموال كما توقعت.
بل كان مليئًا بلوحات.
عشرات اللوحات.
كلها مرسومة بيد والدي.
لم أكن أعرف أصلًا أنه كان يرسم.
إحدى اللوحات جعلتني أتجمد.
كانت لامرأة تقف وسط الظلام، لكن من عينيها يخرج نور يضيء الطريق لمن حولها.
وفي أسفلها، بخطه
ليس كل من يرى يبصر… وليس كل من فقد بصره ضاع.
لم أتمالك نفسي.
جلست أبكي.
قال عم سيد
أبوكي كان بيرسم دي بعد ما عرف بمرضك… وكان مؤمن إن ربنا هيقومك من أي محنة.
قبل أن أغادر، سلمني دفترًا صغيرًا.
قال
ده آخر حاجة كتبها.
فتحت أول صفحة.
كان مكتوبًا
لو مريم بتقرأ الكلام ده…
يبقى هي انتصرت.
ولو انتصرت…
قولوا لها إن أبوها عمره ما خاف عليها من المرض.
كان خوفه الوحيد…
إن الناس الغلط

يكسروا قلبها.
لكن القلوب اللي ربنا بيحفظها…
بتتجبر.
أغلقت الدفتر وضممته إلى صدري.
نظرت إلى السماء.
وابتسمت.
وقلت في سري
حاضر يا بابا…
اتكسر قلبي…
لكن ربنا جبره.
وأحسن جبر… كان إنه علّمني أعيش من جديد، من غير خوف، ومن غير كره، ومن غير ما أفقد نفسي مرت سنوات…
وأصبح مركز النور واحدًا من أكبر المراكز التي تساعد فاقدي البصر في مصر.
لم يعد الناس يأتون للعلاج فقط…
بل كانوا يأتون ليستمعوا إلى قصص الأمل.
وفي كل محاضرة كنت ألقيها…
كان الجميع يسألني السؤال نفسه
إزاي قدرتي تسامحي؟
وكنت دائمًا أبتسم وأقول
أنا ما سامحتش اللي حصل…
أنا بس رفضت أعيش سجينة له.
وفي صباح أحد الأيام…
وصلتني دعوة من كلية الحقوق.
طلبوا مني أحضر ندوة عن حقوق المرضى وجرائم استغلال ذوي الإعاقة.
وافقت.
دخلت المدرج…
وكان مليئًا بالطلاب.
بدأت أحكي لهم قصتي.
من أول يوم فقدت فيه بصري…
لحد اليوم اللي استعدت فيه حياتي.
وفي آخر الندوة…
وقفت طالبة وسألتني
لو رجع بيكي الزمن… وكنتي عرفتي إن كل ده هيحصل… كنتي هتتجوزي أحمد؟
ساد الصمت.
كل العيون كانت موجهة نحوي.
ابتسمت.
وقلت بهدوء
زمان كنت هقول لأ.
لكن النهارده…
هقول أيوه.
الطالبة اتفاجئت.
وأنا كملت
مش علشان هو يستحق.
لكن علشان من غير التجربة دي…
ماكنتش هعرف قوتي.
ماكنتش هقابل الناس اللي غيروا حياتي.
ماكنش مركز النور هيبقى موجود.
ويمكن مئات الناس ماكانوش هيلاقوا حد يساعدهم.
الوجع عمره ما كان نعمة…
لكن ربنا قادر يطلع من الوجع خير عمرنا ما نتخيله.
امتلأت القاعة بالتصفيق.
بعد انتهاء الندوة…
وأنا خارجة…
جريت بنت صغيرة في حدود عشر سنين ناحيتي.
كانت ماسكة كتابًا.
وقالت وهي تلهث
ممكن توقعيلي؟
ابتسمت.
أخذت الكتاب.
ولاحظت عنوانه.
العين التي رأت الحقيقة.
نظرت إليها باستغراب.
قالت البنت بابتسامة واسعة
دي قصة حضرتك… إحنا خدناها في نادي القراءة.
فتحت أول صفحة.
كان فيها إهداء مكتوب
إلى كل إنسان ظن أن حياته انتهت بسبب محنة… تذكر أن النهاية الحقيقية هي أن تستسلم.
وقّعت اسمي.
ثم سألتها
إيه أكتر حاجة عجبتك في القصة؟
فكرت لحظة…
ثم قالت
مش لما رجعلك بصرك…
لما رجعلك إيمانك بنفسك.
شعرت بعقدة في حلقي.
ربتُّ على رأسها.
وقلت
حافظي على الجملة دي طول عمرك.
وفي تلك الليلة…
وقفت في شرفة بيتي.
نظرت إلى سماء القاهرة.
كانت مليئة بالنجوم.
تذكرت أول يوم فتحت فيه عيني بعد سنتين من الظلام.
كنت أظن أن أول شيء رأيته دمرني.
لكن بعد كل هذه السنوات…
أدركت الحقيقة.
ما دمرني لم يكن ما رأته عيناي…
بل الخداع الذي كنت أعيشه.
أما أول شيء أنقذني…
فلم يكن النور.
بل الحقيقة.
لأن الحقيقة…
قد تؤلم في البداية.
لكنها، في النهاية…
هي الطريق الوحيد إلى الحرية بعد تلك الندوة بأسبوع…
بينما كنت أغلق مكتبي استعدادًا للعودة إلى المنزل، دخل يوسف وعلى وجهه علامات الحيرة.
قال
مدام مريم… في راجل كبير مستني تحت من ساعة، وكل ما أقوله حضرتك مشغولة يقول هستنى… حتى لو للصبح.
نزلت.
كان رجلًا في أواخر السبعينيات، يرتدي بدلة قديمة لكنها نظيفة، ويمسك بيده حقيبة جلدية مهترئة.
ما إن رآني حتى وقف بصعوبة.
وقال
إنتِ مريم بنت الحاج محمود؟
ابتسمت.
أيوه.
مد الحقيبة نحوي.
أنا اسمي فؤاد… كنت محاسب عند والدك من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
استضفته في المكتب.
وبعد دقائق من الصمت، فتح الحقيبة وأخرج دفترًا قديمًا.
كانت صفحاته صفراء من الزمن.
قال
والدك كان يكتب مذكراته كل فترة… والدفتر ده وقع مني يوم الجنازة، وما عرفتش أوصلهولك.
فتحت أول صفحة.
كان التاريخ قبل وفاة والدي بشهرين.
بدأت أقرأ.
النهارده مريم كانت قاعدة معايا في المعرض، وقالتلي إنها خايفة من المستقبل.
قلت لها يا بنتي… الإنسان مش بيخسر لما الدنيا تاخد منه حاجة.
بيخسر لما الخوف ياخد منه نفسه.
ابتسمت وسط دموعي.
قلبت الصفحة.
لو في يوم مريم قرأت الكلام ده… يبقى أنا مش موجود.
بس عندي رجاء واحد.
لو حد ظلمها… متخليش الظلم يحولها لنسخة من الظالم.
لأن أكبر انتصار… إنك تفضل إنسان.
أغلقت الدفتر.
وبقيت صامتة.
قال العم فؤاد
أبوكي كان بيحبك بطريقة عمرى ما شوفتها من أب لبنته.
نظرت إليه وقلت
وأنا لحد النهارده… كل ما أحتاج قرار صعب، بسأل نفسي بابا كان هيعمل إيه؟
ابتسم وهو يهم بالرحيل.
وقبل أن يخرج، التفت نحوي وقال
هو أكيد فخور بيكي دلوقتي.
في تلك الليلة…
وضعت دفتر والدي بجوار سريري.
ولم أقرأه كله.
قررت أقرأ صفحة واحدة كل ليلة.
كأنني أستعيد سنوات حرمتني الحياة من الجلوس معه.
وفي آخر صفحة وصلت إليها بعد أسابيع…
وجدت جملة قصيرة جدًا.
يا رب… لو كتبت لمريم وجعًا. .. اكتب بعده جبرًا يخلّيها تنسى كل اللي فات.
أغلقت الدفتر.
نظرت إلى السقف.
وابتسمت.
ثم همست بصوت خافت
استجاب يا بابا…
يمكن اتأخر…
لكن استجاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *