عالجت زعيم حكايات ميرااا

. عالجت زعيم أخطر عصابة في المدينة… وفي صباح اليوم التالي، حاصر 300 رجل منزلي
انتهت نوبتي بعد يوم طويل، حتى أصبحت ملابس التمريض وكأنها جزء من جسدي.
خرجت من الباب الجانبي لمستشفى حكومي في القاهرة الساعة الحادية عشرة ليلًا، ولففت شالي الأحمر حول رقبتي مرتين، بينما كانت حقيبتي تتدلى بإهمال فوق كتفي. ما إن وطأت قدماي الخارج حتى لفحني هواء الشتاء البارد.
كان المطر الذي هطل نهارًا قد تحول إلى طين على الأرصفة، والريح تحمل معها رائحة الوقود والمطهرات بعيدًا عن المستشفى، وكأن المدينة تريد أن تنسى وجوده.
عبرت الشارع الخالي ودخلت الزقاق الضيق المؤدي إلى موقف سيارات العاملين. كنت أسلك هذا الطريق المختصر منذ سنوات، رغم توسلات أمي أمينة الدائمة أن أتوقف عن المرور منه، ورغم أن أختي إيمان كانت دائمًا ترسل لي رسائل صوتية مضحكة كلما عرفت أنني سأعود وحدي ليلًا.
لكن في تلك الليلة…
كنت وحدي تمامًا.
كل ما أردته هو العودة إلى المنزل، خلع حذائي، شرب كوب شاي ساخن، والنوم دون التفكير في المرضى الذين تركتهم خلفي.
وفجأة…
سمعت أنينًا خافتًا.
كان ضعيفًا لدرجة أن أي شخص قد يظنه صوت الريح بين الجدران.
توقفت في مكاني.
أمسكت بحقيبتي بقوة وأرهفت السمع.
عاد الأنين مرة أخرى…
هذه المرة أوضح قليلًا.
كان يأتي من خلف صندوق قمامة صدئ في آخر الزقاق، حيث لا يصل ضوء المصباح.
قال لي عقلي امشي… لا تتدخلي.
ذكرني بأمي التي تنتظرني، وبنوبة عملي صباح الغد، وبأن امرأة وحدها في هذا المكان في ذلك الوقت لا يجب أن تبحث عن مصدر صوت مجهول.
لكن…
كنت قد سمعت إنسانًا يتألم.
ومن يتجاهل صرخة استغاثة، لا يستحق أن يعمل في مهنة التمريض.
تقدمت بحذر.
اصطدمت قدمي بشيء معدني على الأرض.
ثم رأيته.
رجل ضخم يستند إلى الحائط، رأسه مائل إلى الجانب، وساقاه ممدودتان أمامه، وكأنه استسلم تمامًا.
كان معطفه مفتوحًا…
وقميصه الأسود يلمع بطريقة أعرفها جيدًا.
دم.
جثوت بجواره فورًا.
تسلل

برد الأرض إلى جسدي، لكني تجاهلته.
تنفسه كان متقطعًا، ورائحة الدم امتزجت برائحة المطر والطين.
رفعت طرف قميصه بحذر.
الجرح الممتد على جانبه لم يكن نتيجة شجار عادي.
لقد أصيب بطلق ناري.
همست
يا أستاذ… سامعني؟
فتح عينيه بصعوبة.
ولأول مرة رأيت ذلك اللون الأزرق الحاد.
رغم الألم والحمى، ثبت نظره عليّ مباشرة.
ولم يطلب النجدة.
بل قال بصوت مبحوح
امشي… بسرعة.
قلت وأنا أبحث داخل حقيبتي عن أي شاش أو قفازات
أنا ممرضة… سيبني أشوف الجرح.
قال بصعوبة
هيرجعوا.
سألته
مين؟
لكنه لم يجب.
حاول إبعاد يدي، لكنه لم يملك القوة.
وضعت كفي على الجرح، فاكتشفت أن الرصاصة مرت بمحاذاة جسده ولم تستقر داخله، لكن النزيف كان شديدًا.
إذا تُرك في هذا البرد…
فلن يعيش.
نزعت الشال الأحمر من حول رقبتي، وطويته، ثم ضغطت به بقوة على الجرح.
تأوه من الألم.
وفجأة…
أمسك معصمي بقوة.
قوة جعلت أنفاسي تتوقف.
كرر بصوت أخفض
اهربي…
لم تكن قبضته تهديدًا.
كانت تحذيرًا.
قلت بثبات
لا.
ظل ينظر إليّ.
كنت أشعر أنه يقيمني، وكأنه يحاول معرفة من أكون.
لم أخفض عيني.
وقلت بهدوء
أنا خسرت أبويا لأن محدش لحقه… ومش هسيب راجل تاني يموت قدامي.
تغير شيء في ملامحه.
لم يكن امتنانًا…
بل احترامًا.
حينها فقط لاحظت السلسلة الذهبية التي خرجت من تحت قميصه.
كانت تحمل حرفًا واحدًا
ك
غطاها بيده فورًا، وكأنها أغلى من حياته نفسها.
في تلك اللحظة…
أدركت أن الرجل الذي أمامي ليس شخصًا عاديًا.
ابتلعت ريقي، وتظاهرت بأنني لم أر شيئًا.
سألته
تقدر تمشي؟
أجاب
أقدر.
ابتسمت بسخرية
كذاب.
تحرك طرف فمه بابتسامة خفيفة.
كانت ابتسامة أخافتني أكثر من الدم.
قلت
عربيتي آخر الشارع… هساعدك. لكن تفضل ضاغط على الجرح، وممنوع تقفل عينيك.
هز رأسه بصعوبة.
سألني
ليه بتعملي كده؟
أجبته
لأن لو أنا ما ساعدتكش… مين هيساعدك؟
وضعت ذراعه فوق كتفي.
كان أطول وأضخم مما توقعت.
كل خطوة كانت معركة.
كان جسده يحترق من الحمى.
وبصعوبة أدخلته إلى سيارتي القديمة.
أدرت المحرك، وانطلقت عبر الشوارع الجانبية.
لم أعد إلى المستشفى.
ولم أتصل بالشرطة.
كنت أعلم أن كل قرار أتخذه يخالف كل ما تعلمته.
لكنني أكملت.
عندما وصلت إلى المنزل، فتحت أمي أمينة الباب وهي تمسك مسبحتها.
شهقت قائلة
يا بنتي… إيه اللي حصل؟!
قلت بسرعة
يا أمي… سخني مياه حالًا… وهاتي علبة الإسعافات.
خرجت أختي إيمان من غرفتها حافية القدمين.
وما إن رأت الرجل حتى اتسعت عيناها.
قالت
يا نهار أبيض… الراجل ده لسه عايش؟
أجبتها وأنا أساعده على الدخول
وعايزاه يفضل عايش… ساعديني.
لأول مرة في حياتها…
لم تناقشني.
سحبنا الكنبة إلى منتصف الصالة، وفرشنا عليها المناشف، ثم مددنا الرجل فوقها.
ترك معطفه بقعًا كبيرة من الدم على القماش.
لم أهتم.
كانت أمي تتمتم بالدعاء وهي تغلي الماء.
بينما أمسكت إيمان هاتفها لتسلط ضوءه على الجرح حتى أستطيع علاجه.
لكن…
لم أكن أعلم أن مع طلوع الشمس، سيقف أمام منزلنا أكثر من 300 رجل مسلح يبحثون عن الشخص الذي أنقذ حياة أخطر زعيم مافيا في المدينة.
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل في أول تعليق مع أول خيط من ضوء الفجر، استيقظت على صوت غريب.
لم يكن طرقًا على الباب…
بل كان أشبه باهتزاز الأرض.
فتحت عيني ببطء، ثم سمعت أمي تصرخ من الشرفة
يا سلمى… تعالي بسرعة!
ركضت نحوها.
وما إن نظرت إلى الشارع…
حتى تجمد الدم في عروقي.
اصطفت عشرات السيارات السوداء الفاخرة على جانبي الطريق، وخلفها صفوف من الرجال يرتدون بدلات سوداء، يقفون في صمت تام.
كانوا بالمئات.
لاحقًا عرفت أن عددهم تجاوز الثلاثمائة رجل.
كل واحد منهم يضع سماعة في أذنه، ويداه متشابكتان أمامه، وكأنهم جيش كامل.
أما سكان الحي…
فكانوا يراقبون المشهد من النوافذ والأسطح، والهمسات تملأ المكان.
مين الناس دي؟
هو في وزير جاي؟
ولا حصلت حملة أمنية؟
ثم…
توقفت سيارة سوداء طويلة أمام منزلنا.
نزل منها رجل خمسيني، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، وشعره الأبيض مصفف بعناية.
نظر إلى المنزل، ثم انحنى برأسه احترامًا.
بعدها…
انحنى كل الرجال خلفه في اللحظة نفسها.
مشهد واحد…
جعل الحي كله يصمت.
التفتت إليّ أمي وهي ترتجف.
قالت
يا بنتي… إنتي دخلتينا في إيه؟
قبل أن أجيب…
رن جرس الباب.
رنّة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لتجعل قلوبنا تقفز.
تقدمت ببطء.
وقبل أن ألمس المقبض، جاءني صوت الرجل المصاب من خلفي.
كان قد استعاد وعيه.
قال بصوت هادئ رغم ضعفه
افتحي.
التفت إليه بدهشة.
كان جالسًا على الكنبة، وقد لففت جرحه جيدًا، لكن هيبته لم تختفِ رغم شحوب وجهه.
سألته
دول مين؟
أغمض عينيه للحظة ثم قال
رجالي.
شعرت بأن ساقي فقدتا توازنهما.
همست
إنت… مين؟
نظر إليّ طويلًا قبل أن يجيب
اسمي كريم الحديدي.
وما إن نطق اسمه…
حتى شهقت أمي.
وسقط كوب الشاي من يد إيمان وتحطم على الأرض.
قالت أمي بصوت مرتعش
كريم الحديدي؟!… زعيم الإمبراطورية؟!
لم يجب.
اكتفى بالنظر إلى الباب.
رن الجرس مرة أخرى.
قال بهدوء
لو ما فتحتيش… هيقلقوا.
فتحت الباب بحذر.
وقف الرجل الخمسيني أمامي.
وما إن رآني…
حتى انحنى مرة أخرى قائلًا
حضرتك الآن تحت حماية عائلة الحديدي.
تلعثمت
أنا… أنا مجرد ممرضة.
ابتسم باحترام وقال
ومن الأمس أصبحتِ المرأة التي أنقذت حياة السيد كريم.
ثم أشار بيده.
فتقدم أربعة رجال يحملون صناديق كبيرة.
قال
هذه هدية بسيطة.
نظرت داخل أول صندوق…
فوجدته مليئًا بالأموال.
أغلقته فورًا وقلت بحدة
خدوه.
نظر الرجل إليّ باستغراب.
قلت بثبات
أنا ساعدته لأنه إنسان… مش علشان فلوس.
وفي تلك اللحظة…
خرج كريم بنفسه إلى الباب، رغم إصابته.
نظر إلى رجاله وقال بصوت حازم
أعيدوا الصناديق.
ساد الصمت.
لم يعترض أحد.
ثم التفت إليّ لأول مرة بابتسامة حقيقية وقال
كنت أعرف أنك سترفضين.
وأضاف وهو ينظر إلى الرجال الواقفين في الشارع
من اليوم… أي شخص يمس هذا البيت بسوء، يعتبر أنه أعلن الحرب عليّ شخصيًا.
لكن…
قبل أن ينهي كلماته، دوّى صوت انفجار هائل في آخر الشارع…
وتحول الصباح الهادئ إلى ساحة فوضى، بينما صرخ أحد الحراس
سيدي… لقد وجدونا!دوّى الانفجار حتى اهتزت نوافذ المنازل.
وتصاعد عمود من الدخان
لمحة نيوز

الأسود من آخر الشارع.
في أقل من ثانية…
تحرك الرجال الثلاثمائة كأنهم جسد واحد.
أُغلقت مداخل الشارع، وانتشر الحراس خلف السيارات، بينما ارتفعت أصوات أجهزة الاتصال اللاسلكية.
صرخ أحدهم
احموا السيد كريم!
لكن كريم لم يتحرك خطوة.
كان ينظر إلى الدخان بعينين باردتين، ثم قال بهدوء
ده انفجار تمويه… الهجوم الحقيقي هيكون من الناحية التانية.
وبالفعل…
بعد ثوانٍ، انطلقت ثلاث سيارات رباعية الدفع بأقصى سرعة من الجهة المقابلة.
توقفت بعنف أمام المنزل.
وترجل منها رجال ملثمون يحملون أسلحة.
صرخت أمي وهي تجذب إيمان إلى الداخل
اقفلوا الباب!
أما أنا…
فوقفت في مكاني، عاجزة عن استيعاب ما يحدث.
رفع قائد الحرس يده، لكن كريم أوقفه بإشارة واحدة.
وقال بصوت منخفض
محدش يضرب.
نظر إليه الجميع بدهشة.
ترجل رجل من السيارة الأولى.
كان طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود، وعلى خده الأيسر ندبة طويلة.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
كنت عارف إنك لسه عايش.
ابتسم كريم هو الآخر.
لكنها لم تكن ابتسامة ود.
قال
وأنا كنت عارف إن أول واحد هيجي يتأكد بنفسه… هو أنت.
اقترب الرجل خطوات وقال
الرصاصة كانت المفروض تخلص عليك.
أجابه كريم
واضح إن اللي دفعلهم الفلوس اختار قناص فاشل.
اشتعل الغضب في عيني الرجل.
ثم وقعت عيناه عليّ.
سأل
هي دي اللي أنقذتك؟
لم يجب كريم.
لكن مجرد صمته كان كافيًا.
ابتسم الرجل ابتسامة مرعبة وقال
يبقى لازم تموت… عشان المرة الجاية محدش يفكر ينقذك.
وما إن أنهى جملته…
حتى دوّى صوت إطلاق نار.
لكن الرصاصة لم تصب أحدًا.
بل أصابت الأرض أمام قدمي الرجل الملثم.
التفت الجميع نحو مصدرها.
كانت قوة كبيرة من الشرطة قد وصلت إلى مدخل الشارع، يتقدمها ضابط برتبة لواء.
رفع مكبر الصوت وقال
ارموا السلاح فورًا… المكان محاصر بالكامل!
ساد صمت ثقيل.
نظر الرجل الملثم إلى كريم، ثم قال بابتسامة ساخرة
المعركة لسه في أولها.
قفز إلى سيارته، وانطلقت السيارات الثلاث بأقصى سرعة، بينما بدأت سيارات الشرطة في مطاردتها.
اختفى صوت المحركات تدريجيًا…
لكن التوتر لم يختفِ.
اقترب اللواء من كريم وقال بصوت خافت
واضح إن الخيانة جاية من أقرب الناس ليك.
تغيرت ملامح كريم لأول مرة.
وسأل
تقصد مين؟
أخرج اللواء ظرفًا بنيًا من سترته.
وقال
لقيناه في مخزن العصابة اللي هاجمك… وفيه اسم الشخص اللي خطط لاغتيالك.
فتح كريم الظرف ببطء…
وما إن قرأ الاسم…
حتى شحب وجهه للمرة الأولى.
كان الاسم لشخص لم يكن يتخيل يومًا أنه سيخونه… شقيقه الأصغر ظل كريم يحدق في الورقة لعدة ثوانٍ.
لم ينطق بحرف.
لكن قبضته اشتدت حتى تجعد الظرف بين أصابعه.
اقتربت منه بحذر وسألته
في إيه؟
رفع رأسه ببطء.
كانت نظراته مختلفة تمامًا.
مليئة بالصدمة… أكثر من الغضب.
قال بصوت خافت
مستحيل.
مد اللواء يده وقال
كنا نتمنى يكون الخبر غلط… لكن عندنا تسجيلات وتحويلات مالية تثبت إن الشخص اللي سرب مكانك هو أخوك ياسين.
شهقت أمي
أخوك؟!
أغمض كريم عينيه للحظة، ثم قال
ياسين كان معايا من أول يوم… مستحيل يعمل كده علشان فلوس.
أجاب اللواء
وده اللي خلانا نحقق أكتر.
ثم أخرج صورة أخرى.
ناولها إلى كريم.
وما إن رآها…
اتسعت عيناه.
كانت صورة لياسين داخل أحد المستشفيات الخاصة…
واقفًا بجوار طفل صغير على جهاز تنفس.
قال اللواء
ابن ياسين مصاب بمرض نادر، والعلاج في الخارج تكلفته خيالية.
ساد الصمت.
ثم أكمل
الناس اللي حاولوا يقتلوك استغلوا ضعفه… خيروه بين حياة ابنه… أو حياتك.
أطرق كريم رأسه.
ولأول مرة رأيت الدموع تلمع في عيني رجل ظننته لا يعرف معنى الضعف.
همس
كان لازم يطلب مني… كنت هبيع كل اللي أملكه علشان ابنه.
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
كان الاسم
ياسين.
فتح المكالمة ووضعها على السماعة.
جاء صوت ياسين متقطعًا من شدة البكاء
سامحني يا كريم… والله ما كنت عايز أعمل كده… خطفوا ابني… وقالولي لو ما سلمتكش… هيموت.
أغمض كريم عينيه وقال بهدوء
ابنك فين دلوقتي؟
رد ياسين
في مزرعة قديمة على طريق الإسماعيلية… لسه عندهم.
وقبل أن يكمل…
انقطع الخط.
نظر كريم إلى رجاله وقال بحزم
اللي بينا وبين ياسين يتحاسب بعدين… دلوقتي هنرجع الولد.
ثم التفت إليّ.
وقال
أنتِ السبب إني لسه عايش… وعلشان كده في طفل عنده فرصة يعيش هو كمان.
لم أفهم قصده.
لكنه أضاف
هتحتاجيني معانا… الطفل حالته الصحية خطيرة، ومفيش حد أثق فيه غيرك.
نظرت إلى أمي.
كانت خائفة…
لكنها أمسكت يدي وقالت
روحي… يمكن ربنا كتبلك تنقذي روح تانية.
بعد دقائق…
انطلقت قافلة السيارات السوداء نحو المزرعة، دون أن يدرك أحد أن الفخ الحقيقي لم يكن في المزرعة… بل كان ينتظرهم من الداخل، على يد شخص لم يخطر ببال أي واحد منهم انطلقت القافلة بسرعة عبر الطريق الصحراوي.
كانت أكثر من عشرين سيارة تتحرك في صفين، بينما جلست أنا في المقعد الخلفي إلى جوار كريم، أراجع حقيبة الإسعافات التي أحضرتها على عجل.
لم ينطق أحد طوال الطريق.
وفجأة…
رن جهاز الاتصال اللاسلكي.
جاء صوت أحد رجال الاستطلاع
سيدي… وصلنا للمزرعة.
أمر كريم الجميع بالتوقف على بعد مائتي متر.
ثم قال
محدش يدخل قبل ما نتأكد إن الطفل جوه.
أرسل أربعة رجال للتفتيش.
مرت خمس دقائق…
ثم عشر.
ولم يعد أحد.
قطب كريم حاجبيه.
وأرسل مجموعة ثانية.
لكن قبل أن تتحرك…
خرج أحد الرجال الأربعة من بين الأشجار وهو يترنح.
كان مصابًا بطلق ناري في كتفه.
صرخ قبل أن يسقط
كمين… اهربوا!
وفي اللحظة نفسها…
انفجرت الأرض أمام السيارة الأولى.
وتطاير التراب في كل مكان.
لكن كريم لم يذعر.
فتح باب السيارة ونزل بهدوء، ثم صاح
غطوا الممر… واسحبوا المصابين!
وبينما بدأ رجاله في الاشتباك مع المهاجمين، سمعت صوت طفل يبكي من داخل مخزن قديم في طرف المزرعة.
التفتُّ نحو الصوت.
قلت لكريم
في طفل هناك!
نظر إليّ، ثم إلى رجاله المنشغلين بالقتال.
وقال بسرعة
خدي اتنين من الحراس… وروحي.
ركضت مع الحارسين نحو المخزن.
كان الباب مغلقًا بسلسلة حديدية.
أطلق أحد الحراس رصاصة على القفل، فانكسر.
اندفعت إلى الداخل.
كانت الرائحة خانقة.
وفي زاوية مظلمة…
وجدت طفلًا لا يتجاوز السابعة من عمره، مقيد اليدين، وأنبوب أكسجين صغير بجواره.
كان وجهه شاحبًا جدًا.
ركعت بجواره بسرعة.
تحسست نبضه.
كان ضعيفًا.
فككت قيوده، وأعطيته الأكسجين، ثم حملته بين ذراعي.
همس بصوت بالكاد يُسمع
بابا…
قلت له مبتسمة رغم خوفي
باباك مستنيك… هنرجعك ليه.
خرجت من المخزن…
لكنني تجمدت في مكاني.
كان أحد المسلحين يقف أمام الباب، ويوجه سلاحه نحوي مباشرة.
ابتسم بسخرية وقال
واضح إنك غالية عند كريم… وده هيخليني أكسب الصفقة.
شددت الطفل إلى صدري.
لم يكن معي أي وسيلة للدفاع.
رفع الرجل إصبعه على الزناد…
لكن قبل أن يطلق النار، دوّى صوت طلقة واحدة.
سقط المسلح أرضًا.
وراءه وقف كريم، ممسكًا بسلاحه، رغم أن الدم كان ينزف مجددًا من جرحه الذي لم يلتئم بعد.
اقترب منا وهو يتنفس بصعوبة، ونظر إلى الطفل، ثم ابتسم لأول مرة منذ التقينا.
وقال
الحمد لله… لحقناه.
لكن ابتسامته اختفت سريعًا عندما جاءه أحد رجاله راكضًا وهو يصرخ
سيدي… وصلتنا معلومة مؤكدة… اللي خطط لكل اللي حصل مش المنافسين… في واحد أكبر منهم كلهم… والاسم هيقلب الدنيا توقف كريم مكانه.
كانت أنفاسه متقطعة من النزيف، لكنه لم يبدُ مهتمًا بجرحه.
نظر إلى الرجل وقال بحدة
مين؟
ابتلع الحارس ريقه، ثم قال
مش مجرد زعيم عصابة…
ده رجل أعمال معروف، وكل الناس فاكرة إنه من أكبر المتبرعين للمستشفيات والجمعيات الخيرية.
ساد صمت ثقيل.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قال كريم بصوت منخفض
قول الاسم.
أجاب الحارس
فؤاد السيوفي.
شهقت دون إرادة.
عرفت الاسم.
كان من أكبر الداعمين للمستشفى الحكومي الذي أعمل فيه، وصوره معلقة في المدخل الرئيسي بعدة لوحات تكريم.
بل إنه زار قسمنا قبل شهر، وصافح جميع الممرضات والأطباء.
همست
مستحيل…
نظر إليّ كريم وسأل
إنتِ تعرفيه؟
أومأت برأسي.
قلت
كان بيزور المستشفى باستمرار… والكل بيقول إنه راجل خير.
ابتسم كريم ابتسامة باردة.
وقال
وده السبب اللي مخليه يستخبى من سنين.
ثم أخرج أحد رجاله هاتفًا.
عرض علينا مقطعًا مصورًا التقطته طائرة صغيرة للمزرعة.
ظهر فيه رجل يرتدي قبعة سوداء وهو يغادر المكان قبل دقائق

من وصولنا.
وعندما قرّب الصورة…
ظهر وجهه بوضوح.
كان هو بالفعل فؤاد السيوفي.
شعرت بأن قدمي لا تحملاني.
إذا كان الرجل الذي يموّل المستشفى هو نفسه من يقف خلف كل هذا…
فكم شخصًا يثق به دون أن يعرف حقيقته؟
لكن قبل أن نتحدث أكثر…
رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة.
كان رقم المستشفى.
أجبت بسرعة.
جاءني صوت مديرة التمريض وهي تصرخ
سلمى… أوعي ترجعي المستشفى!
تجمدت في مكاني.
سألتها
ليه؟
قالت وهي تلهث
في ناس وصلوا من نص ساعة… بيسألوا عنك بالاسم… وادّعوا إنهم من الشرطة.
تبادل كريم النظر مع رجاله.
ثم قال بهدوء
هما عرفوا إنك شوفتي وشه.
وأضاف وهو ينظر إليّ مباشرة
من اللحظة دي… حياتك القديمة انتهت.
وفي تلك اللحظة، وصلت رسالة إلى هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها بيد مرتجفة.
لم يكن فيها سوى صورة واحدة…
صورة لمنزل أمي.
وقد كُتب أسفلها
المرة دي أنقذتِ حياته… لكن المرة الجاية، لن تجدي من ينقذ عائلتك.
انقطع نفسي.
ورفعت رأسي نحو كريم.
فقال بوجه جامد
هنرجع البيت… حالًا.
لكنهم لم يكونوا يعلمون أن من أرسل الرسالة لم يكن يراقب المنزل فقط…
بل كان قد دخل إليه بالفعل قبل وصولهم ضغط كريم على دواسة الوقود بكل قوته.
وانطلقت السيارات السوداء عائدة إلى القاهرة، تتقدمها سيارات الحراسة وتحيط بها من كل جانب.
لم ينطق أحد طوال الطريق.
أما أنا…
فلم أفارق شاشة هاتفي.
اتصلت بأمي مرة.
ثم مرتين.
ثم عشر مرات.
لكن الهاتف كان مغلقًا.
همست وأنا أكاد أبكي
يارب… احفظهم.
نظر إليّ كريم وقال بثبات
طالما مفيش دليل إنهم اتأذوا… هنفترض إنهم بخير.
لكن صوته، لأول مرة، لم يكن واثقًا.
بعد أقل من ساعة…
دخلت القافلة إلى شارع منزلنا.
لكن الشارع لم يكن كما تركناه.
سيارات الشرطة تملأ المكان.
والجيران مجتمعون في صمت.
نزلت من السيارة قبل أن تتوقف تمامًا، وركضت نحو البيت.
صرخت
يا أمي!
خرج ضابط من الباب محاولًا إيقافي.
لكن كريم قال له
سيبها.
دخلت المنزل.
كانت الصالة مقلوبة رأسًا على عقب.
الأدراج مفتوحة.
الزجاج مكسور.
كل شيء مبعثر…
لكن لم تكن هناك آثار دماء.
بحثت في كل الغرف بجنون.
ثم سمعت صوتًا خافتًا من المطبخ.
ركضت نحوه.
فوجدت أمي وإيمان جالستين على الأرض، وأيديهما مقيدتان بالحبال.
أسرعت بفك قيودهما.
احتضنت أمي وهي تبكي.
قالت بصوت مرتجف
دخلوا أربعة رجال… كانوا بيدوروا على حاجة.
سألها كريم
قالوا إيه؟
أجابت إيمان
كانوا بيكرروا سؤال واحد…
فين الدفتر؟
نظر كريم فجأة إليّ.
ثم إلى الكنبة التي كان مستلقيًا عليها الليلة الماضية.
اقترب منها بسرعة.
رفع الوسادة…
ثم ابتسم لأول مرة منذ ساعات.
أخرج من أسفلها دفترًا جلديًا أسود صغيرًا.
تذكرت أنه عندما أسعفته، سقط شيء من جيبه، ووضعته تحت الوسادة دون أن أنتبه لأهميته.
سألته
إيه ده؟
أجاب وهو يقلب صفحاته
ده سجل كامل… فيه أسماء كل الناس اللي بيشتغلوا مع فؤاد السيوفي، وحساباتهم وتحويلاتهم.
شهقت إيمان
يعني علشان الدفتر ده… كانوا مستعدين يقتلونا؟
هز كريم رأسه.
وقال
أكتر من كده… الدفتر ده ممكن يوقع إمبراطورية كاملة.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف كريم.
نظر إلى الرقم.
ثم رد.
جاءه صوت هادئ يقول
مبروك… لقيت الدفتر.
ساد الصمت.
ثم أكمل المتصل
لكن افتحه على الصفحة الأخيرة… هتلاقي مفاجأة.
فتح كريم الصفحة الأخيرة ببطء.
وتغير لون وجهه.
مددت يدي وأخذت الدفتر منه.
كانت هناك صورة قديمة باهتة…
تجمع بين رجل شاب يحمل طفلًا صغيرًا…
وبجواره فتاة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.
حدقت في الصورة.
ثم شعرت بأن الأرض تدور بي.
لأن تلك الطفلة…
كانت أنا تجمدت في مكاني.
حدقت في الصورة مرة… ثم مرتين.
لا…
لم يكن الأمر مجرد شبه.
كان الفستان الأزرق نفسه الذي احتفظت أمي بصورته في ألبوم قديم.
وكانت الدمية الصغيرة بين يدي كما أتذكرها تمامًا.
همست
دي… دي صورتي.
التفت الجميع نحوي.
قال كريم وهو ينظر إلى الصورة
إنتِ متأكدة؟
أومأت برأسي ببطء.
لكن السؤال الذي حطم كل شيء كان
مين الراجل اللي واقف جنبي؟
ساد الصمت.
قال كريم
لا أعرف.
في تلك اللحظة، رفعت أمي الصورة، وما إن وقعت عيناها عليها حتى شحب وجهها.
جلست على أقرب كرسي وهي تضع يدها على صدرها.
قلت بقلق
يا أمي… إنتِ تعرفيه؟
حاولت أن تنكر.
لكن الدموع سبقتها.
همست بصوت مكسور
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
صرخت إيمان
يعني إيه؟
أغلقت أمي عينيها للحظة، ثم قالت
أبوكي… الله يرحمه… ماكانش أبوكي الحقيقي.
شعرت وكأن العالم انهار فوق رأسي.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
إيه؟!
أكملت وهي تبكي
لقيناكي وإنتِ صغيرة بعد حادث كبير… والراجل اللي رباكي أصر إنه يعتبرك بنته، وما رضيشي حد يعرف الحقيقة.
لم أستطع الكلام.
كانت الكلمات أثقل من أن تُصدق.
نظر كريم إلى الصورة مرة أخرى.
ثم قال
يبقى الشخص اللي في الصورة… ممكن يكون والدك الحقيقي.
وفي أسفل الصورة كان مكتوب بخط قديم
عائلة النور صيف 2001.
قال أحد رجال كريم
عائلة النور… الاسم ده اختفى من أكتر من عشرين سنة.
وقبل أن يشرح…
انقطع التيار الكهربائي عن المنزل كله.
غرق المكان في الظلام.
ثم سمعنا صوت تصفيق بطيء…
قادم من باب المنزل.
أضاء أحد الحراس مصباحه.
فظهر رجل أنيق يقف عند المدخل، يبتسم بهدوء، وخلفه عشرات المسلحين.
خلع قفازه الجلدي وقال
واضح إنكم وصلتم للحقيقة أسرع مما توقعت.
نظر إليه كريم ببرود.
وقال
فؤاد.
ابتسم الرجل وقال
أخيرًا… التقينا من جديد.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال جملة جعلت الجميع يصمت
أهلاً بعودتك يا ابنتي.
يتبع…ساد صمت ثقيل.
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
نظرت إلى الرجل الذي يقف أمام الباب، ثم قلت بصوت مرتجف
إنت… بتقول إيه؟
ابتسم فؤاد ابتسامة هادئة، وقال
أنا لا أكذب في الأمور المهمة.
تحرك كريم خطوة إلى الأمام، ووضع نفسه بيني وبينه.
قال ببرود
ولا خطوة زيادة.
لم يبدُ على فؤاد أي خوف.
رفع يديه ببطء، ثم قال
لو كنت عايز أقتلها… كنت عملت كده من زمان.
نظرت إليه بغضب.
إنت اللي بعت ناس يهددوا أمي!
هز رأسه وقال
أنا بعت ناس يجيبوا الدفتر… لكن أوامري كانت واضحة محدش يلمس أهل البيت.
التفت كريم إليه وقال
بعد كل اللي عملته… مستني حد يصدقك؟
تنهد فؤاد، ثم أخرج من جيب سترته ظرفًا قديمًا.
رماه على الطاولة.
قال
افتحوه.
فتح كريم الظرف بحذر.
كان بداخله شهادة ميلاد قديمة، وصورة أخرى، وخطاب مكتوب بخط اليد.
أخذت الخطاب بيدي المرتجفتين.
كان في آخره توقيع باسم
الدكتور محمود النور.
بدأت أقرأ
إذا وصل هذا الخطاب إلى ابنتي، فاعلمي أنني أخفيتكِ لحمايتك، لا لأحرمك من عائلتك. هناك من يريد القضاء على كل أفراد عائلة النور، لأنهم رفضوا المشاركة في تجارة الدم والسلاح…
لم أستطع إكمال القراءة.
كانت دموعي تحجب الكلمات.
قال فؤاد بهدوء
والدك الحقيقي كان صديقي… ثم أصبح عدوي عندما اكتشف شبكة فساد ضخمة.
نظر إليه كريم باستهزاء.
ولذلك مات؟
خفض فؤاد رأسه لأول مرة.
وقال
لا… قُتل.
ثم رفع عينيه وأضاف
لكن… أنا لم أقتله.
وقبل أن يرد كريم…
دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يلهث.
سيدي… في قوة كبيرة جاية على البيت.
سأله كريم
شرطة؟
هز الحارس رأسه.
لا… مسلحين.
نظر فؤاد من النافذة، ثم ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
واضح إنهم عرفوا إن الحقيقة بدأت تظهر.
رفع كريم سلاحه.
ورفع رجال فؤاد أسلحتهم أيضًا.
للحظة…
ظننت أن معركة ستندلع بين الطرفين.
لكن فؤاد قال بصوت مرتفع
أي حد يطلق رصاصة النهارده… هيساعد عدونا الحقيقي.
نظر إليه كريم طويلًا.
ثم أنزل سلاحه ببطء.
وقال
يبقى هنواجههم سوا… لحد ما نعرف مين المستفيد الحقيقي.
وفي الخارج…
توقفت عشرات السيارات أمام المنزل.
وترجل منها رجال ملثمون، يتقدمهم شخص لم يظهر وجهه.
رفع مكبر صوت وقال
سلموا الدفتر… والبنت… وإلا البيت كله هيختفي خلال خمس دقائق.
واختتمت الليلة بأصعب قرار كان على كريم اتخاذه
هل يسلّم الدفتر لينقذ الجميع…
أم يحتفظ به، ويخاطر بحياة كل من في المنزل؟تجمدت في مكاني.
حدقت في الصورة مرة… ثم مرتين.
لا…
لم يكن الأمر مجرد شبه.
كان الفستان الأزرق نفسه الذي احتفظت أمي بصورته في ألبوم قديم.
وكانت الدمية الصغيرة بين يدي كما أتذكرها تمامًا.
همست
دي… دي صورتي.
التفت الجميع نحوي.
قال كريم وهو ينظر إلى الصورة
إنتِ متأكدة؟
أومأت برأسي ببطء.
لكن السؤال الذي حطم كل شيء كان
مين الراجل اللي واقف جنبي؟
ساد الصمت.
قال كريم
لا أعرف.
في تلك اللحظة، رفعت أمي الصورة،

وما إن وقعت عيناها عليها حتى شحب وجهها.
جلست على أقرب كرسي وهي تضع يدها على صدرها.
قلت بقلق
يا أمي… إنتِ تعرفيه؟
حاولت أن تنكر.
لكن الدموع سبقتها.
همست بصوت مكسور
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
صرخت إيمان
يعني إيه؟
أغلقت أمي عينيها للحظة، ثم قالت
أبوكي… الله يرحمه… ماكانش أبوكي الحقيقي.
شعرت وكأن العالم انهار فوق رأسي.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
إيه؟!
أكملت وهي تبكي
لقيناكي وإنتِ صغيرة بعد حادث كبير… والراجل اللي رباكي أصر إنه يعتبرك بنته، وما رضيشي حد يعرف الحقيقة.
لم أستطع الكلام.
كانت الكلمات أثقل من أن تُصدق.
نظر كريم إلى الصورة مرة أخرى.
ثم قال
يبقى الشخص اللي في الصورة… ممكن يكون والدك الحقيقي.
وفي أسفل الصورة كان مكتوب بخط قديم
عائلة النور صيف 2001.
قال أحد رجال كريم
عائلة النور… الاسم ده اختفى من أكتر من عشرين سنة.
وقبل أن يشرح…
انقطع التيار الكهربائي عن المنزل كله.
غرق المكان في الظلام.
ثم سمعنا صوت تصفيق بطيء…
قادم من باب المنزل.
أضاء أحد الحراس مصباحه.
فظهر رجل أنيق يقف عند المدخل، يبتسم بهدوء، وخلفه عشرات المسلحين.
خلع قفازه الجلدي وقال
واضح إنكم وصلتم للحقيقة أسرع مما توقعت.
نظر إليه كريم ببرود.
وقال
فؤاد.
ابتسم الرجل وقال
أخيرًا… التقينا من جديد.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال جملة جعلت الجميع يصمت
أهلاً بعودتك يا ابنتي.
يتبع…ساد صمت ثقيل.
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
نظرت إلى الرجل الذي يقف أمام الباب، ثم قلت بصوت مرتجف
إنت… بتقول إيه؟
ابتسم فؤاد ابتسامة هادئة، وقال
أنا لا أكذب في الأمور المهمة.
تحرك كريم خطوة إلى الأمام، ووضع نفسه بيني وبينه.
قال ببرود
ولا خطوة زيادة.
لم يبدُ على فؤاد أي خوف.
رفع يديه ببطء، ثم قال
لو كنت عايز أقتلها… كنت عملت كده من زمان.
نظرت إليه بغضب.
إنت اللي بعت ناس يهددوا أمي!
هز رأسه وقال
أنا بعت ناس يجيبوا الدفتر… لكن أوامري كانت واضحة محدش يلمس أهل البيت.
التفت كريم إليه وقال
بعد كل اللي عملته… مستني حد يصدقك؟
تنهد فؤاد، ثم أخرج من جيب سترته ظرفًا قديمًا.
رماه على الطاولة.
قال
افتحوه.
فتح كريم الظرف بحذر.
كان بداخله شهادة ميلاد قديمة، وصورة أخرى، وخطاب مكتوب بخط اليد.
أخذت الخطاب بيدي المرتجفتين.
كان في آخره توقيع باسم
الدكتور محمود النور.
بدأت أقرأ
إذا وصل هذا الخطاب إلى ابنتي، فاعلمي أنني أخفيتكِ لحمايتك، لا لأحرمك من عائلتك. هناك من يريد القضاء على كل أفراد عائلة النور، لأنهم رفضوا المشاركة في تجارة الدم والسلاح…
لم أستطع إكمال القراءة.
كانت دموعي تحجب الكلمات.
قال فؤاد بهدوء
والدك الحقيقي كان صديقي… ثم أصبح عدوي عندما اكتشف شبكة فساد ضخمة.
نظر إليه كريم باستهزاء.
ولذلك مات؟
خفض فؤاد رأسه لأول مرة.
وقال
لا… قُتل.
ثم رفع عينيه وأضاف
لكن… أنا لم أقتله.
وقبل أن يرد كريم…
دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يلهث.
سيدي… في قوة كبيرة جاية على البيت.
سأله كريم
شرطة؟
هز الحارس رأسه.
لا… مسلحين.
نظر فؤاد من النافذة، ثم ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
واضح إنهم عرفوا إن الحقيقة بدأت تظهر.
رفع كريم سلاحه.
ورفع رجال فؤاد أسلحتهم أيضًا.
للحظة…
ظننت أن معركة ستندلع بين الطرفين.
لكن فؤاد قال بصوت مرتفع
أي حد يطلق رصاصة النهارده… هيساعد عدونا الحقيقي.
نظر إليه كريم طويلًا.
ثم أنزل سلاحه ببطء.
وقال
يبقى هنواجههم سوا… لحد ما نعرف مين المستفيد الحقيقي.
وفي الخارج…
توقفت عشرات السيارات أمام المنزل.
وترجل منها رجال ملثمون، يتقدمهم شخص لم يظهر وجهه.
رفع مكبر صوت وقال
سلموا الدفتر… والبنت… وإلا البيت كله هيختفي خلال خمس دقائق.
واختتمت الليلة بأصعب قرار كان على كريم اتخاذه
هل يسلّم الدفتر لينقذ الجميع…
أم يحتفظ به، ويخاطر بحياة كل من في المنزل؟وقف الجميع في صمت.
كانت كلمات الرجل خارج المنزل تتردد في أرجاء الشارع
أمامكم خمس دقائق.
نظر كريم إلى الدفتر، ثم إليّ.
وقال بهدوء
مش هسلمهم حاجة.
لكن فؤاد هز رأسه وقال
لو احتفظت بالدفتر… هيموت ناس أبرياء.
رد كريم بحدة
ولو سلمته… هيموت آلاف بعد كده.
ساد الصمت.
وفجأة…
تقدمت أنا.
مددت يدي وأخذت الدفتر من على الطاولة.
التفت الجميع نحوي.
قال كريم بقلق
سلمى… بتعملي إيه؟
قلت بثبات
اللي بيدوروا عليه هو الدفتر… مش إحنا.
ثم فتحت الموقد في المطبخ.
وألقيت الدفتر داخله.
صرخت إيمان
إنتِ اتجننتي؟!
اشتعلت النار في الأوراق خلال ثوانٍ.
حاول كريم الاقتراب، لكن الوقت كان قد فات.
تحول الدفتر إلى رماد.
نظر إليّ في ذهول.
قلت وأنا ألتقط أنفاسي
الناس دي مستعدة تقتل أي حد علشانه… طول ما هو موجود، هنفضل مطاردين.
ابتسم فؤاد لأول مرة.
وقال
ذكية…
لكن كريم ظل صامتًا.
ثم…
ضحك فجأة.
استغرب الجميع.
أخرج من جيبه قطعة صغيرة تشبه ذاكرة إلكترونية USB.
وقال
كنت متوقع إن الدفتر يقع في إيد حد… صورت كل صفحاته من أسبوع.
نظر الجميع إليه بدهشة.
وأضاف
الدفتر الحقيقي كان مجرد طُعم.
في الخارج، سمعنا صوت انفجار عند البوابة.
اقتحم المسلحون المنزل.
بدأ إطلاق النار.
اختبأت أمي وإيمان داخل إحدى الغرف.
بينما تولى رجال كريم وفؤاد الدفاع عن المنزل.
استمرت المواجهة دقائق طويلة.
ثم…
دوّت صفارات الشرطة من كل اتجاه.
تراجعت المجموعة المهاجمة بسرعة، وبدأ أفرادها في الفرار.
وبعد انتهاء الاشتباك…
دخلت قوات الأمن وسيطرت على المكان.
سلّم كريم وحدة التخزين إلى الضابط المسؤول، وقال
كل الأدلة هنا… والباقي عندكم.
مرت عدة أشهر.
تفككت الشبكة الإجرامية، وأُلقي القبض على عدد كبير من المتورطين في قضايا فساد وغسل أموال.
عدتُ إلى عملي في المستشفى.
وعادت أمي وإيمان إلى حياتهما الهادئة.
أما كريم…
فاختفى عن الأنظار.
وفي صباح أحد الأيام، بينما كنت أبدأ نوبتي الجديدة، وصلت إلى قسم الاستقبال باقة زهور بيضاء.
لم يكن عليها اسم.
فقط بطاقة صغيرة كُتب فيها
أنقذتِ حياتي في ليلة… فأنقذتِ مستقبل مدينة كاملة. شكرًا.
ابتسمت بهدوء.
ثم ارتديت قفازاتي، ودخلت لأعتني بمريض جديد.
فمهما كانت القصص التي نعيشها…
تبقى أعظم معركة هي إنقاذ حياة إنسان. النهاية بما أنني أنهيت القصة السابقة بالفعل بكلمة النهاية وحُلّت العقدة الرئيسية، فمن غير المنطقي الاستمرار فيها وكأن النهاية لم تحدث.
إذا أردت الحفاظ على جودة الحبكة، فيمكن كتابة جزء ثانٍ يبدأ بعد أشهر من النهاية، مثل
بعد ستة أشهر من إسقاط أكبر شبكة إجرامية في المدينة، ظنت سلمى أن كل شيء انتهى… حتى دخل رجل غامض إلى المستشفى يحمل ظرفًا قديمًا وقال لها كريم الحديدي مات… وهذه آخر وصية تركها باسمك.
ومن هنا تبدأ قصة جديدة مليئة بالأسرار، تكشف أن هناك منظمة أخطر من المافيا التي واجهها كريم، وأن الحقيقة لم تكن سوى البداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *