الأم تبيع البيت ج١ حكايات انجى الخطيب

دخل ابني من غير ما يخبط وسابني وهو بيقول: “أمي .. مراتي والعيال وحماتي جايين يعيشوا هنا.. خلاص الموضوع اتحدد.” قوليلي بقى أنهي أوضة اللي هيقعدوا فيها؟ ضحك لما فكرته إني أنا اللي دافعة تمن البيت ده ومشي وهو فاكر إنه كسب.. بس لما وقفت عربية النقل قدام باب بيتي وخرجت وفي إيدي دوسيه مكنش فيه أي حد جاهز للي هيحصل بعد كده.

​ساب موتور العربية ريحة جاز سخنة برة بوابتي ونزلت شمس السبت على الكراتين وكأنها عاوزة تنور كل قلة الأدب دي.. كنت واقفة على العتبة والمفاتيح الجديدة جوة الشنطة والدوسيه البيج ضاماه على صدري والقهوة بتغلي ورايا في المطبخ.

​ما رفعتش صوتي.. في سن السبعين الواحد بيتعلم إن السكوت في وقته الصح ممكن يكون أعلى من الصريخ.

​قلت “مش هيبقى ليه لزمة كل ده”.

​بربش هاني بعينه وكأن الخمس كلمات دول مستحيل يطلعوا مني.. كان ابني ديماً بيدخل بيتي من غير ما يخبط عشان أنا اللي عودته على كده لسنين.. اديته المفاتيح لما اتجوز وسلفته فلوس لما اتأخر في الإيجار وقعدت بالعيال لما مروة كانت بتشتغل ورديتين.. فتحت الباب مرات كتيرة لدرجة إنه فهم حبي ليه على إنه إذن دائم.

​يوم التلات اللي فات جالي بنفس البرود وقالها لي في وشي: “أمي ومراتي والعيال وحماتي جايين يعيشوا هنا.. خلاص الموضوع اتحدد.”

​ما سألنيش لو كنت أقدر وما سألش لو كنت عاوزة ده ومسألش لو كنت لسه محتاجة أوضة الخياطة أو تربيزتي أو الصالة أو سرير الضيوف اللي بتنام عليه سحر ساعات لما بنصحى بدري عشان نتمشى.

​هو خلاص وزع بيتي.

​العيال كانوا رايحين أوضة الخياطة وطنط هدى حماته هتقعد في أوضة الضيوف وهو ومروة هيناموا في الصالة “لحد ما يظبطوا أمورهم”.. ولما فكرته إن البيت ده باسمي واندفع فيه القرش فوق القرش بعد أربعين سنة من تنظيف بيوت الناس ابتسم هاني.

​الابتسامة دي وجعتني أكتر من خبطة الباب.

​عشان الأذية من القرايب مابتجيش في شكل قساوة واضحة.. دي بتيجي وهي بتقولك إحنا دم واحد ومش غُرب اوعي تكوني وحشة لحد ما تكتشفي في يوم إن طيبتك دي ليها صاحب طمعان فيها.

​جت مروة يوم الأربع ومعاها علبة دوناتس وصوت ناعم أوي.. كلمتني عن النقلة يوم السبت وإزاي إن مامتك “محتاجة تستقر” والعيال فرحانين وإزاي كلنا كنا “هنظبط مع بعض”.. سألتها سؤال واحد بس: “هو حد سألني الأول لو كنت موافقة؟”

​وشها نشف وماردتش.

​ساعتها فهمت إن هاني كذب عليها هي كمان.. قالها إني فرحانة وإني كبرت في السن ولوحدي والبيت كبير عليا أوي وإن كل حاجة تمام ومترتبة.

​بس مكنش فيه أي حاجة من دي.

​يوم الخميس راجعت عقودي وأوراقي المتشالة في كيس بلاستيك جوة درج مفرش التربيزة.. الساعة تمانية وسبعتاشر دقيقة بالليل صورت كل أوضة.. مكنة الخياطة والقماش المتطبق حسب ألوانه والوصولات المدفوعة مقدماً والجرايد القديمة وحتى الكرسي اللي كان بينام عليه جوزي قبل ما يمرض ويتوفى.

​الجمعة الساعة عشرة وأربعين دقيقة الصبح سحر رافقتني ورحنا البنك.. الساعة اتناشر وربع خرجنا من مكتب الشهر العقاري ومعانا نسخ مختومة وسجل الملكية والتعليمات المكتوبة ووصل تغيير الكالون اللي كان ميعاده بعد الظهر في نفس اليوم.. ما عملتش فضيحة.. كله موثق وممضي ومشهود عليه.

​فيه ستات مابتنفجرش لما تتزنق في الحيطة.. دول بيبقوا دقيقين وبيرتبوا صح.

​في الساعة خمسة وستة وتلاتين دقيقة قفل النجار الباب لآخر مرة بالكالون القديم.. المفتاح اللي كان مع هاني لسنين وقف عن الشغل من غير ما يطلع أي صوت.. حطيت المفاتيح الجديدة جوة حقيبتي جمب الدوسيه.

​ويوم السبت الساعة تسعة الصبح وصلوا كلهم.

​الأول العربية النقل وبعدها نزل هاني بثقة راجل متخيل نفسه خلاص بقى الآمر والناهي في أوضتي.. وبعدين مروة والعيال في إيدها وجت طنط هدى براحة وبتسند على عكازها وبتبص على واجهة بيتي كأنها بتنقي هتحط حاجتها فين.. وجيه وراهم اتنين من ولاد العم وتلاتة من الجيران الفضوليين واتنين حمالين مستنيين حد يقولهم أنهي كرتونة يشيلوها الأول.

​المشهد اتجمد قدام بابي.. واد من العيال ضم شنطة ضهره على صدره ومروة مابقتش تبتسم لما شافت إيدي على الدوسيه وطنط هدى لوحت بؤها.. الشغالين بصوا لبعض ومكنوش مرتاحين وفي إيديهم كرتونة مكتوب عليها “المطبخ” متعلقة بين الرصيف والعربية.. حتى صوت الموتور حسيته هدي وسكت.

​ضحك هاني عشان الباقي يضحك معاه بس محدش عمل كده.

​”أمي اتنزلي شوية مش هنعمل الفضيحة دي في الشارع” قالها هاني.

​بصيت للكراتين والشنط وعكاز طنط هدى وهو بيخبط في الأرض ولعب العيال اللي باينة من كيس أسود وبعدين بصيت لابني.

​”الشارع كان فكرتك إنت يا هاني.. أنا بس جبت اللي كان ناقص.”

​ورحت مخرجة أول ورقة من الدوسيه.. مكنتش رسالة حزينة ومكنش طلب استعطاف ومكنش تهديد مكتوب في لحظة شجاعة.. دي كانت وثيقة مختومة وبتاريخ الجمعة الساعة اتناشر وربع واسمي الكامل مكتوب فوق وعنوان بيتي تحت.

​هاني لحق يقرا العنوان الرئيسي اللي فوق.

​الضحكة طارت من على وشه.

​مروة خدت خطوة ناحيتي وهي وشها أصفر زي الليمونة وقالت: “إيه ده؟”

​رفعت الورقة عشان ابني يشوفها كويس وأخدت نفسي وقلت —

*******. رفعت الورقة عشان ابني يشوفها كويس وأخدت نفسي وقلت: “دي ورقة بيع البيت يا هاني.. أنا بعت البيت ده امبارح الضهر، والفلوس كلها دخلت البنك باسم سحر أختي عشان تشتري لي شقة صغيرة على قدّي في كومباوند هادي، ومحدش يعرف مكانها غيري.. واليومين دول هقعد عندها لحد ما أستلم.”

​هاني وقف مكان البرق ما ضربه، عينه بتروح وتيجي بين الورقة وبين وشي، والكرتونة اللي في إيد الحمالين اتزحلقت شوية وكادت تقع. مروة شهقت وحطت إيدها على بؤها وهي بتبص لأمها، وطنط هدى اتسندت بكل عزمها على العكاز ووشها جاب مية لون: “بعتي البيت؟! بعتي بيت أبوك يا هاني؟!”

​زعق هاني وصوته شرخ في وسط الشارع: “أمي! إنتي اتجننتي؟ بعتي البيت إزاي ومن ورايا؟ والناس دي.. والكراتين دي تروح فين؟! إنتي بتلوي دراعي قدام مراتي وحماتي؟”

​قربت خطوة واحدة، وبصيت في عينه بثبات السبعين سنة كلهم: “أنا مبلويش دراع حد يا ابن عمري.. إنت اللي جيت تكسر ضهري في بيتي.. بعته عشان إنت وزعته من غير ما تسألني، وكنت ناوي تقعدني في حسنة من وقتك وفضلة من أوضك.. البيت ده بتاعي، شقيت فيه طوبة طوبة والناس بتدوس على كرامتي وأنا بنضف بيوتهم عشان أكبرك.. ولما كبرت، جيت تدوس على كرامتي إنت في بيتي؟”

​مروة صرخت وهي بتعيط ولفت لهاني: “مش قلت لي إنها موافقة؟ مش قلت لي إنها تعبانة ومحتاجانا نونسها والبيت كبير عليها؟ ضحكت عليا ومشيتني وراك وأنا بلم عفشي وأقول لأمي تعالي عيشي معانا؟”

​هاني بقا يلف حوالين نفسه زي الديك المذبوح، الجيران بدأوا يتوشوشوا والعمال نزّلوا الكرتونة على الرصيف وبقوا يتفرجوا. هاني قرب مني وعينه حمرا: “طب والمفاتيح؟ افتحي الباب ننزّل الحاجه لحد ما نشوف حل.. مش هانبات في الشارع!”

​طلعت المفاتيح الجديدة من الشنطة، ولمعتها في الشمس قدام عينه: “المفاتيح دي بتاعة المالك الجديد.. هيستلم بعد ساعة بالظبط.. والكالون اتغير من امبارح يا هاني.. مفتاحك القديم ده ميسواش تمن حديدته دلوقتي.”

​رميت المفتاح القديم اللي كان معاه تحت رجليه على الرصيف. طنط هدى زعقت بنبرة كلها غل: “يا عيب الشوم.. بقا بتطردي ابنك والعيال في الشارع عشان كام قرش؟”

​التفت ليها وبصيت لها من فوق لتحت: “ابني يروح مطرح ما يروح، هو راجل وعنده مراته يشيلها.. لكن أنا مش ملزمة أشيلك يا طنط هدى.. بيتك أولى بيكي.. واللقمة اللي تفيض من صاحب البيت يحرم على الضيف.. وإنتو مجيتوش ضيوف، إنتو جيتوا غزاة.”

​لفت وشي لهاني اللي كان بيبص للأرض ودموعه نزلت من الغل والصدمة.. مكنش متخيل إن أمه “الغلوانة الطيبية” تطلع بالصلابة دي. قلت له بنبرة واضحة ومسموعة للكل: “القهوة بتاعتي فارت على البوتاجاز جوة.. وأنا ماشية.. الشنطة دي فيها أوراقي وهدومي.. والعفش اللي جوة كله مبيوع مع البيت.. امشوا من قدام الباب عشان المالك الجديد على وصول ومش عاوزة مشاكل مع ناس غريبة.”

​مشيت خطوتين، والناس وسعت لي وكأنهم خايفين من الهيبة اللي نازلة عليا فجأة.. وقفت تاكسي على أول الشارع، وقبل ما أركب، بصيت ورايا للمرة الأخيرة.. شفت هاني وهو قاعد على كرتونة المطبخ وحاطط راسه بين إيديه، ومروة بتصرخ فيه، والعمال بيحملوا الحاجه تاني في العربية.

​ركبت التاكسي وقفلت الباب.. ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إني بتنفس هوا نضيف.. ريحة الجاز السخنة راحت، ومفضلش غير ريحة حرريتي.

*********

سواق التاكسي بص لي في المراية، ملامحه كانت شايلة فضول الدنيا كله، بس هز راسه وسألني بنبرة هادية: “على فين يا حجة؟”.

سندت ضهري لورا، وضميت الدوسيه البيج لصدري أكتر وكأنه حبل النجاة اللي شدني من الغرق، وقلت له: “اطلع بينا على مصر الجديدة يا ابني.. عنوان أختي معاك في الورقة دي.”

​طول الطريق، كان شريط الأربعين سنة اللي فاتوا بيتعرض قدام عيني.. افتكرت ريحة الكلور والمساحيق اللي كلت جلد إيدي، وافتكرت وجع ضهري وأنا بوطي أنضف شقق ناس غريبة مكنتش أعرفهم، بس كان كله بيهون وأنا بحوش القرش على القرش في كيس قماش مخبياه تحت البلاطة، عشان يجي اليوم اللي أقول فيه “عندي بيت”.

كنت فاكرة إن البيوت بتتحامي في حيطانها.. مكنتش أعرف إن الطعنة هتيجي من اللي ربيتهم جوة الحيطان دي.

​تلفوني مسبش رن.. شاشة الموبايل كانت بتنور باسم “هاني”، ووراها رسايل مروة.. قفلت الصوت خالص، وقلبت الشاشة على وشها. مكنتش عاوزة أسمع اعتذار كداب، ولا عاوزة أسمع شتيمة طالعة من غل.. أنا أخدت حقي، والست لما بتاخد حقها بعد صبر طويل، مابتلتفتش وراها.

​وصلت بيت سحر.. فتحت لي الباب ودموعها في عينها، سحر اللي كانت معايا خطوة بخطوة، وشهدت على عذاب الأيام اللي فاتت. أخدتني في حضنها وقالت لي وهي بتطبطب على كتفي: “عملتيها يا فوزية؟”

نزلت دمعة واحدة من عيني، دمعة غسلت كل القهر، وقلت لها: “عملتها يا سحر.. وكسرت الإيد اللي اتمدت تسرق شقايا وهو فاكرني عجزت ومكسورة الجناح.”

​دخلت الصالة، ريحة البخور وهدوء الشقة رجعوا لي روحي. قعدت على الكنبة، وسحر جابت لي كوباية ليمون دافي.. شربت بق واحد وبصيت من الشباك على الشارع الواسع.. فجأة حسيت بوزن التقيل اتشال من فوق صدري.

​بعد ساعتين، الموبايل نور تاني.. بس المرة دي كان رقم غريب.. رديت.

“أيوة يا فوزية هانم؟ أنا أستاذ أشرف، المالك الجديد للبيت.”

قلبي دق بسرعة وسألته: “أهلاً يا أستاذ أشرف.. خير؟ حصلت مشكلة؟”

صوت الراجل كان هادي ومحترم، قال لي: “لا يا فندم، مفيش مشاكل.. أنا بس حبيت أطمنك إننا استلمنا البيت، وابنك كان واقف برة مع مراته وعفشهم.. حاول يتكلم معايا ويقول لي إن البيت بيته، بس أنا فرجته على عقد البيع النهائي المسجل وعقد إشهار الملكية.. ولما لقى الكلام قاطع ومعندناش هزار، لَمّ حاجته ومشي هو وعيلته.. بس سابوا كراتين كتير على الرصيف مش عارفين يودوها فين.”

​تنحت شوية، ورسمت ابتسامة خفيفة على وشي وقلت له: “متردش عليهم يا أستاذ أشرف.. البيت بيتك دلوقتي، ومفاتيحك معاك، والشارع واسع يشيل كراتينهم ويشيل طمعهم.. مبروك عليك البيت يا ابني.”

​قفلت السكة.. وبصيت لسحر اللي كانت بتبتسم بفخر..

الكل كان فاكر إن الست لما بتكبر وتوصل للسبعين بتبقى حمل خفيف ممكن أي حد يزيحه ويقعد مكانه.. بس هاني نسى إني أنا اللي علمته المشي، وإني أنا اللي بنيت السقف اللي كان عاوز يهدّه فوق راسي.

​حطيت الموبايل في الشنطة، وقمت وقفت ورحت ناحية المطبخ وأنا بقول لسحر: “اعملي لي بقا شوية قهوة مظبوطة يا سحر.. عشان قهوتي امبارح فارت على البوتاجاز ومحقتش أشربها.”

حكايات انجى الخطيب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *