بعد موت امي ج٢
خرجت عمتي للصالة وهي بتلطم على وشها بهستيرية، ودموعها نازلة بتمسح مكياج الفرح اللي كانت لسة حطاه. جوزي — اللي كان واقف قدام المراية بيظبط كرافتة البدلة — اتسمّر في مكانه، ووشه اتحول للون الإخضر في ثانية. جِري على أوضة أمه وهو مش مصدق، وبدأ يقلب في الدولاب ويرمي الهدوم على الأرض وهو بيزعق: “فين الفلوس يا أمي؟ فلوس القاعة والمؤخر والمصاغ! فين الدهب؟! أنتِ مستوعبة إحنا فرحنا كمان ساعتين وأهل العروسة على وصول؟!”.
البيت كان مليان بناس من قرايبنا والجيران اللي جايين يباركوا، وفجأة الفرح اتقلب لمناحة. عمتي قعدت في الأرض تصوت وتقول: “الشقة مفيهاش كسر باب ولا شباك! محدش دخل هنا غريب.. مفيش غيرها!”، وشاورت بإيدها المرتعشة عليا.
كل العيون في الصالة لفت وبصت لي. كنت واقفة في زاوية جنب المطبخ، ملامحي هادية تماماً، ومثلت الخضة والخوف ببراعة عمري ما تخيلت إني أملكها. حطيت إيدي على صدري وقولت بصوت مرعوب ودموع مصطنعة: “أنا يا عمتي؟! حرام عليكي، أنا هسرقك إزاي وأنا م بخرجش من البيت؟ وأروح فين بالفلوس والدهب وأنا ماليش حد في الدنيا!”.
جوزي جِري عليا وزقني في الحيطة بكل قوته، لدرجة إن ضهري وجعني، ومسكني من رقبتي وهو بيجأر زي الديب: “والله العظيم لو طلعتِ أنتِ اللي خبيتي الحاجه لأكون دافنك هنا وعامل فرحي عليكي جنازة! أنطقي.. الفلوس فين؟! فتشتي الدولاب إمتى؟!”.
نزلت على رجلي وبدأت أعيط وأصرخ: ” فتشوا الأوضة.. فتشوني أنا.. فتشوا المطبخ! لو لقيتوا معايا حاجة موتونى!”. كنت واثقة ومطمنة، لأن الكيس الأسود مكنش في الأوضة، ومكنش في مكان ظاهر. هما فعلًا سابوني وبدأوا يفتشوا بهمجية؛ دخل جوزي وأمه وأخواتي اللي كانوا وصلوا الفرح، وقلبوا الأوضة اللي بنام فيها.. رفعوا المرتبة، فتشوا الهدوم القديمة، ودخلوا المطبخ ورموا الحلل والأطباق في الأرض، لكن من ربكة عمتي وصدمتها مكنتش شايفة قدامها، وجوزي كان عقله طار من فكرة “الفضيحة” اللي مستنياه قدام نسايبه الجداد، فمحدش ركّز في كيس الزبالة القديم المركون ورا الأنابيب والكراكيب اللي تحت الحوض في عتمة المطبخ.
مالقوش حاجة. عمتي بدأت تصرخ: “الفلوس مش هنا! البت دي غسلت يديها وهرّبت الحاجه لحد بره.. اتصل بأبوها يجي يشوف المصيبة دي!”.
نص ساعة وبابا وصل، لابس العباية الجديدة وبيمسح عرق الصدمة من على وشه. أول ما دخل وشاف عمتي بتلطم وجوزي هيدمر الشقة، بصلي بنظرة كلها غل وجري عليا ضربني بالقلم وقال: “سودتي وشي قدام أختي؟ وكمان بتسرقي في يوم فرح ابنها؟! وديتي الفلوس فين يا مقصوفة الرقبة؟!”.
وقعت على الأرض، ورفعت عيني وبصيت له.. النظرة دي مكنتش نظرة طفلة مكسورة، كانت نظرة حد كشف اللعبة كلها. قومت وقفت على حيلي، ومسحت الدم من شفتي، ولأول مرة صوتي مكنش واطي، صوتي كان قوي وهادي، هدوء ما قبل العاصفة.
بصيت لبابا وقولت له: “أنا مسرقتش حد يا بابا.. أنا أخدت حقي”.
الصالة كلها سكتت. عمتي وقفت لطم وجوزي قرب مني وهو بروق دمه وقال: “حق إيه يا بت أنتِ؟! أنتِ حيلتك حاجة؟ ده أنتِ عايشة بجميلنا ولقمتك من خيرنا!”.
ضحكت ضحكة عالية، ضحكة خلتهم كلهم يترعبوا من شكلي. مشيت بخطوات ثابتة للمطبخ، ومحدش قدر يمنعني من ذهولهم. مديت إيدي ورا الأنابيب وسحبت الكيس الأسود. طلعت منه ورقة التنازل المزورة، ورفعتها في وش بابا وعمتي.
أول ما بابا شاف الورقة، وشه اتقلب ألوان، والعباية بدأت تترعش من ركبته اللي مش شايلَاه. قولت له بصوت مسموع للكل: “الورقة دي عليها إمضتي المزورة.. الإمضاء اللي أنت وعمتي زورتوها وأنا عيلة صغيرة بعد موت ستي، عشان تاخدوا نصيب أمي في البيت والفلوس اللي ستي كانت شايلاها ليا.. كنتوا فاكرين إني هفضل طول عمري الخدامة اللي بتاكل بواقي أخواتها وبتشيل قرفكم وهي ساكتة؟!”.
التفتّ لجوزي اللي كان واقف مبرق، وقولت له: “أنا مخدتش فلوس فرحك.. أنا أخدت ورثي اللي أمك وأبويا سرقوه مني، والدهب ده بتاع أمي اللي عمتي أخدته من ورايا.. الفلوس دي فلوسي، والبيت ده نصيبه ليا، والشقة اللي فوق دي بفلوس أمي أنا!”.
عمتي صرخت: “أنتِ كدابة! دي ورقة ملهاش لازمة، الفلوس دي شقا ابنها ومقدم العروسة!”.
رديت عليها بثقة: “الورقة دي هتروح للنيابة والطب الشرعي الصبح يا عمتي، وهثبت إنكم زورتوا حقي وسرقتوني.. والفلوس والدهب معايا ومش هتشوفوا منهم مليم واحد.. وريني بقى هتعمل الفرح إزاي يا عريس يا لُقطة، وهتقول لأهل العروسة إيه لما يسألوك عن المؤخر والشبكة وفلوس القاعة اللي المفروض تدفعها بعد ساعة!”.
جوزي اتقدم عليا وعينه كلها شر، ورفع إيده عشان يضربني ويموتني وياخد الكيس، لكن في اللحظة دي بالذات.. الباب خبط خبط ورزع قوي ورا بعضه.
أخويا فتح الباب وهو مرعوب، ودخل أبو العروسة وأخوها الكبير، ووشوشهم مكنتش تبشر بخير أبدًا. أبو العروسة بص لجوزي ولعمتي وقال بنبرة حادة هزت الشقة: “إحنا واقفين تحت بقالنا ساعة مستنيين العربيات والمواكب، والكوافير بيتصل بيقول الحساب مدفعش والعروسة محبوسة جوه.. إيه المهزلة دي؟! وفين الشبكة والدهب اللي قولتوا هنجيبهم من الشقة وننزل؟!”.
بصيت لجوزي ولعمتي ولبابا.. التلاتة كانوا واقفين زي الفراخ المبلولة، الكبرياء والظلم والشر اللي كان في عيونهم اتمسح وبقى بداله رعب وفضيحة هتوصل لكل حتة في المنطقة.
أبو العروسة لمح الهدوم المرمية في الأرض وشكل الصالة المقلوبة، وبص لي وأنا ماسكة الكيس الأسود وفي وشي أثر القلم، وقال: “هو في إيه في البيت ده؟! إنتوا بتخبو علينا إيه؟!”.
قربت من أبو العروسة، وفتحت بوقي عشان أحكي له كل حاجة وعمتي بتبص لي بنظرة رجاء وتوسل لأول مرة في حياتها..
قربت من أبو العروسة، وعمتي عيونها كانت بتترجاني، وبابا حاطط إيده على بوقه كأنه بيموت، وجوزي واقف عرقان وبدلة الفرح عليه بقت زي الكفن. بصيت لأبو العروسة وقولت له بكل برود:
“البيت ده مفيش فيه فرح يا عمي.. البيت ده فيه سرقة وفضيحة. العريس اللي واقف قدامك ده وأمه سرقوا فلوس الشبك والمؤخر وفلوس القاعة اللي كانوا واعدينكم بيها، والناس اللي أنت شايفهم متبهدلين دول كانوا بيفتشوا البيت لأن الفلوس اختفت.. مفيش مليم واحد يدفعوه للكوافير ولا للقاعة، وابنك وبنتك لو كملوا الجوازة دي هيعيشوا في المحاكم.”
أخو العروسة سمع الكلمتين دول ودمه فار، قرب من جوزي ومسكه من ياقة بدلته وزقّه: “الكلام ده صحيح يا فالح؟! إحنا بقالنا شهور بنجهز وبنتشرف بيكم، وفي الآخر تطلعوا نصابين ومش معاكم تدفعوا حساب الكوافير؟! فين الشبكة اللي قولتوا طالعين تجيبوها؟!”
جوزي لصحابه وقرايبه مكنش قادر ينطق، بص لأمه اللي قعدت في الأرض تبكي وتقول: “بنت عمك هي اللي سرقتنا يا حج! البت دي خطفت شقا عمرنا وولعت في البيت، هي اللي معاها الفلوس في الكيس ده!”
أبو العروسة بص للكيس اللي في إيدي وبص لورقة التنازل، ولمح أثر الضرب على وشي والدم السايل من شفتي. الراجل كان ذكي وفهم إن في مصيبة عائلية وتصفية حسابات هتدمر بنته لو دخلت البيت ده. بص لعمتي وقرفان وقال: “بنت أخوكم بتقول إنكم زورتوا حقها وسرقتوها، وأنتِ بتقولي هي اللي سرقتكم.. إحنا مالنا ومال قرفكم ده؟! بنتي مش هتدخل بيت عيلته حرامية وبياكلوا مال اليتيم!”
التفت لبابا وقال له: “وأنت يا راجل يا ناقص، سايب أختك وابنها يبهدلوا بنتك وتضربها في يوم زي ده عشان يداروا خيبتهم؟! الجوازة دي باظت، والماذون اللي مستني في القاعة هخليه يكتب ورقة طلاق بنتي حالا، والمنقولات والجهاز اللي فوق مش هيقعد منهم معلقة واحدة في الشقة دي.. يلا يا ابني!”
خرج أبو العروسة وأخوها وهما بيسبوا ويلعنوا، ونزلوا على السلم وصوتهم جاب آخر الشارع. عمتي لمت الجيران وقرايبنا وبدأت تصوت وتلطم: “فرح ابني انخرب! الفضيحة بقت بجلاجل في المنطقة كلها!”
جوزي أول ما شاف أهل العروسة مشيوا والجوازة اتهدت، اتعمى من الغضب. بصلي وعيونه كانت حمرا زي الدم، وسحب سكين من على ترابيزة المطبخ وجري عليا وهو بيصرخ: “هقت*ل*ك يا بنت (…)! ضيعتي عمري وفضحتينا، مش هسيبك عايشة!”
الناس اللي في الصالة صرخوا وبابا جري استخبى ورا الباب من الخوف. مكنتش خايفة، الغل اللي جوايا كان مديني قوة غريبة، لكن قبل ما يوصلي، أخويا الصغير — اللي مكنش ليه صوت طول عمره — وقف في وشه وزقه بكل قوته: “سيبها يا حرامي! أنت وأمك أكلتوا حقها وحق أمها، وبابا بايعها ليكم، كفاية لحد هنا!”
الزقة دي خلت جوزي يتوازن لورا، وفي اللحظة دي استغليت الهرج والمرج، وبكل قوتي جريت ناحية باب الشقة. كنت ماسكة الكيس الأسود في حضني كأني ماسكة روحي. نزلت السلم جري وأنا بسمع صوت جوزي وهو بيحاول يحصلني وعمتي بتصرخ وراه: “امسكوا الحرامية! هاتوا الفلوس!”
نزلت للشارع بالفستان القديم اللي رمهولي، والناس في المنطقة كلها كانوا واقفين يتفرجوا على عيلة العريس اللي بتتخانق وصوت لطب عمتي مالي المكان. جريت وأنا مش باصة ورايا، الدموع اللي كتمتها سنين كانت بتنزل بس المرة دي دموع حرية مش دموع ذل.
طلعت على الطريق الرئيسي وركبت أول عربية ميكروباص قابلتني، مكنتش عارفة أنا رايحة فين، بس كنت عارفة إني مستحيل أرجع للبيت ده تاني. قعدت في آخر الكنبة، وحطيت الكيس في حجري، وفتحت الموبايل الصغير القديم اللي كان معايا.
كلمت المحامي اللي كان جار ستي الله يرحمها، والراجل ده كان دايماً يقول لستي: “لو البنت دي احتاجت حاجة في يوم من الأيام، أنا موجود يا حاجّة”. حكيت له وأنا بترعش في خطف سريع اللي حصل، وقولت له معايا ورقة التنازل المزورة والدهب والفلوس.
المحامي سكت لحظة وقال لي بصوت حازم: “أنتِ عملتي الصح يا بنتي.. بس هما مش هيسيبوكي، وهيبلغوا عنك بالسرقة عشان يلووا دراعك بالورقة. اسمعي كلامي، متنزليش في أي مكان عام، وتجيبلي الشنطة والورق ده على مكتبي حالا، وإحنا اللي هنبدأ بالبلاغ عن التزوير وأكل مال قاصر قبل ما هما يتحركوا.”
نزلت من الميكروباص ورحت لمكتب المحامي في منطقة بعيدة عن منطقتنا. أول ما دخلت وشاف منظري والدم اللي على شفايفي، اتأثر جداً وقالي: “حقك هيرجع يا بنتي، وستي الله يرحمها هترتاح في تربتها.”
أخد مني ورقة التنازل، وبدأ يكتب عريضة البلاغ للنيابة العامة بتهمة التزوير واستغلال قاصر، وطلب انتداب الطب الشرعي لمعاينة الإمضاء. أما الفلوس والدهب، فقالي: “الفلوس دي هنشيلها في مكان أمان، لأنها جزء من حقك الشرعي المثبت في دفاتر ستي القديمة اللي معايا صور منها، وهنقدمها كدليل إنهم كانوا عازلينك ومستولين على مالك.”
وأنا قاعدة في مكتب المحامي، تليفوني مكنش بيبطل رن.. بابا، عمتي، جوزي.. رسايل تهديد وشتائم ووعيد بالق*تل. وفجأة، جت لي رسالة من رقم جوزي، بس المرة دي الكلام مكنش منه.. كانت رسالة صوتية من العروسة اللي كانت من شوية هتبقى ملكة الشقة اللي فوق.
فتحت الرسالة، وكان صوتها كله غيظ وغل وهي بتقول: “فاكرة نفسك انتصرتي يا خدامة؟ وحياة أمي لأخلي جوزك يدفنك حية، والشقة اللي فوق دي هاخدها هاخدها، والفلوس اللي سرقتيها هترجعيها ورجلك فوق رقبتك، إحنا بلغنا الشرطة عنك يا حرامية!”
قِفلت الرسالة وبصيت للمحامي وقولت له: “هما بلغوا.”
المحامي ابتسم ابتسامة واثقة وقال: “يبقوا فتحوا على نفسهم طاقة جهنم.. يلا بينا على النيابة.”