الأم تبيع البيت ج٣ حكايات انجى الخطيب
مرت سنة كاملة.. سنة بحالها لفّت بأيامها وفصولها وأنا في مكاني الجديد، شقتي دي بقت عاملة زي الصومعة اللي غسلت فيها تعب السنين. مكنة الخياطة مابطلتش زن، وجارتي نادية بقت أختي اللي مخلفتهاش أمي.. بننزل سوا السوق، ونقعد في الجنينة اللي تحت العمارة، ونمشي الصبح بدري والشمس لسه بتصحى، مفيش حد بيستعجلني، ومفيش حد مستني أموت عشان يورثني وأنا حية.
هاني ومروة والعيال بقوا يجوا كل يوم جمعة، زي ما اتفقنا.. وفي أول جمعة بعد الصلح، رن جرس الباب. تكتين خفاف وراهم دقيقة صمت.. فتحت الباب لقيت هاني واقف وساند إيده ورا ضهره، والعيال واقفين بملابس نظيفة ومؤدبين، ومروة شايلة في إيدها صينية بسبوسة عاملاها في بيتها.
هاني ابتسم وقال بنبرة فيها كل الأدب اللي في الدنيا: “ندخل يا أمي؟ ولا مستنية حد؟”
ضحكت من قلبي ووسعت لهم: “ادخلوا يا حبايب قلبي.. بيتي مفتوح ليكم طول ما الأصول صاحية.”
في اليوم ده، مروة ملمستش حاجة في الشقة غير بإذني.. “أشيل دي هنا يا ماما فوزية؟” “أحط الشاي على أنهي عين؟”.. كانت بتتحرك بحذر واحترام كأنها داخلة متحف، مش بيت واحدة ست كبرت في السن وخلاص ملهاش كلمة. وهاني كان قاعد يتابع العيال، لو واحد فيهم صوتة علي أو مد إيده على حاجة من غير استئذان، يبرق له ويفكره بالاتفاق.
بعد الغدا، والعيال بيلعبوا في البلكونة، قعدت أنا وهاني ومروة نشرب الشاي. مروة بصت للأرض وقالت بصوت هادي: “عارفة يا ماما فوزية.. السنة اللي فاتت دي كانت أصعب سنة في حياتنا، بس كانت أكتر سنة اتعلمنا فيها.. هاني بقا راجل يشيل جبل، وأنا عرفت يعني إيه قرش شقا، وعرفت إن الست ملهاش غير كرامتها وبيتها.. طنط هدى أمي رجعت شقتها بعد ما المستأجر مشي، وبقت تقول لي: حماتك طلعت أجدع مننا كلنا، عرفت تأدبنا وتعلمنا الأدب من غير ما تغلط في حد.”
بصيت لهاني اللي كان بيبص لي وعينه مليانة فخر ونظرة رضا، وقال لي: “أنا سددت كل الديون يا أمي.. ودلوقتي فتحت ورشة صغيرة لتصليح الأجهزة الكهربائية مع واحد صاحبي، والشغل ماشي والحمد لله.. الدفتر اللي عندك ده، أنا كل شهر هحط فيه قرشين، مش عشان تاخديهم، عشان تظلي عارفة إن ابنك بقا راجل وبيشيلك، زي ما شيلتيه وهو عيل صغير.”
مديت إيدي وطبطبت على إيده: “الله يصلح حالك يا ابني.. الشدة بتصنع رجال، وإنت كنت محتاج الشدة دي عشان تفوق من وهم إن الدنيا بتتاخد بالدراع.”
لما مشيوا بالليل، قفلت الباب وراهم بالمفتاح الجديد.. لفيت التكتين بتوع كل يوم. بصيت لنفسي في المراية اللي في الطرقة، شوفت الست السبعينية اللي تجاعيد وشها مكنتش علامات عجز، دي كانت سطور حكاية نصر.. حكاية ست حمت نفسها وشقاها في الوقت اللي الكل افتكرها فيه استسلمت.
دخلت بلكونتي، وقعدت على الكرسي الهزاز.. الهوا بتاع بليل كان ساقع وجميل، والهدوء مالي المكان. حطيت إيدي على الدوسيه البيج اللي بقا محطوط على الكومودينو جمب سريري، ومبقتش محتاجة أفتحه.. الورق اللي جوة أدى رسالته وخلاص، والبيت القديم بقا ذكريات، والبيت الجديد بقا هو الحاضر والمستقبل.
غمضت عيني وأنا ببتسم وبقول لنفسي: “القهوة مفرتش النهاردة يا فوزية.. القهوة اتشربت في وقتها، ومظبوطة على الآخر.”
*********
نسمة الهوا الساقعة بتاعة نص الليل حرّكت طرف الطرحة البيضا على كتفي، والكرسي الهزاز كان بيروح وييجي بيا في هدوء، كأنه بيطبطب على مواجع السنين كلها ويقولها خلاص.. ارتاحي.
بصيت على العمارات البعيدة والأنوار اللي منورة زي لضم اللولي في خيط أسود.. افتكرت حارتنا القديمة، وصوت عربية النقل، والكراتين المرمية، ووش هاني وهو مبهور ومذهول وراسه في الأرض.. وافتكرت نفسي وأنا واقفة على العتبة والدوسيه البيج في حضني. الحمد لله.. الميزان اتعدل، والقرش اللي اندفع فيه عرق وجع الضهر رجع لأصحابه هيبة وكرامة.
فتحت عيني وبصيت على مكنة الخياطة جوة الصالة.. كانت منورة تحت اللمبة الصغيرة بتاعتها، والتوب القطيفة الأخضر متثبت تحت الإبرة مستني بكرا الصبح عشان أكمله.. بكرا فيه رزق جديد، وفيه ناس جديدة هتدخل بيتي تطلب شطارة إيدي، بس المرة دي هيدخلوا من الباب.. بعد ما يخبطوا.
قمت من على الكرسي الهزاز براحة، دخلت الصالة وقفلت باب البلكونة ورايا. مديت إيدي وطفيت النور.. الشقة ضلمت إلا من نور ربنا اللي جاي من برة ومطبع على الحيطان. مشيت في الطرقة بخطوات ثابتة وخفيفة، ودخلت أوضة نومي.
قبل ما أفرش جسمي التعبان على السرير، بصيت على الكومودينو.. الدوسيه البيج كان قاعد هناك في أمان، وجمبه المفاتيح الجديدة بتلمع في الضلمة.
مديت إيدي، أخدت المفاتيح وحطيتها تحت المخدة بتاعتي.. ونمت. نمت وأنا مطمنة، لا خايفة من بكرا، ولا مستنية حد يصحيني عشان يقول لي “أوضتك مبقتش بتاعتك”.. نمت وأنا عارفة إن فوزية عاشت بكرامتها.. وهتقابل رب كريم وهي مرفوعة الراس.
********
كانت شاشة الموبايل على الكومودينو بتنور وتطفي في صمت، معلنة إن الساعة بقت تنين بعد نص الليل. الغرفة دافية، ومفيش فيها صوت غير أنفاسي الهادية وصوت ساعة الحيطة اللي بتعد الثواني بانتظام.. “تك.. تك.. تك”.
قبل ما أغرق في النوم تماماً، مديت إيدي تحت المخدة ولمست السلسلة الفضة اللي فيها المفاتيح الجديدة.. ملمس الحديد الساقع في كف إيدي كان بيأكد لي إن كل ده حقيقة، مش حلم.. إن السقف اللي فوق راسي ملكي، وإن الأرض اللي شايلاني ثابتة ومبتتهزش.
غمضت عيني، وفي اللحظة دي بالذات، حسيت بروح جوزي الله يرحمه وكأنها بترفرف حواليا في الأوضة، وكأنه بيطبطب على كتفي ويقولي: “عفارم عليكي يا فوزية.. صونتي البيت وصونتي العيال وعلمتيهم الأدب.”
ابتسمت في الضلمة، وأخدت نفس طويل وغميق.. نفس مأخدتوش من أربعين سنة.. نفس ملوش تمن، طعمه حرية وراحة بال. سبت جسمي لسريري النضيف، واستسلمت لنوم عميق وبكر، وأنا عارفة إن بكرا لما الشمس تطلع، هصحي على مزاجي.. هعمل قهوتي ومستحيل تفور.. وهفتح بابي للدنيا، بس للناس اللي بتعرف الأصول.. وبتخبط الأول.
تمت
حكايات انجى الخطيب