صحيت من المستشفى لقيت نفسي بكليه واحده
لفّيت ببطء، وأنا ماسكة جنبي من الوجع.
لقيت الدكتور شريف واقف بعيد شوية، وجنبه ست في أواخر الخمسينات، ملامحها كلها هيبة وثقة.
الدكتور قرب وقال:
“أنا آسف… لكن مقدرتش أسيبك تمشي كده.”
الست مدتلي كارت وقالت:
“أنا المستشارة نهى عزت… رئيسة نيابة سابقة، ودلوقتي محامية متخصصة في قضايا الأخطاء الطبية.”
استغربت.
قالت بهدوء:
“كل اللي حصل معاكي مش مجرد ظلم… ده سلسلة جرائم.”
بصيت لها بعدم تصديق.
“يعني إيه؟”
طلعت فلاشة صغيرة من شنطتها.
“في المستشفى دي نظام بيسجل كل توقيع إلكتروني وكل دخول على الملفات الطبية.”
الدكتور شريف قال:
“وأنا قبل ما تمشي… خدت نسخة قانونية من سجل العمليات.”
فتحنا اللاب توب.
ظهر قدامنا توقيت الموافقة على التبرع.
الموافقة اتعملت…
بعد ما دخلت أوضة العمليات وأنا فاقدة الوعي بساعة كاملة.
يعني استحالة أكون أنا اللي مضيت.
لكن المفاجأة الأكبر كانت اسم الشخص اللي استخدم بطاقة الهوية الإلكترونية.
موظف اسمه سامح.
موظف أرشيف.
بعد يومين…
النيابة قبضت عليه.
في الأول أنكر.
لكن لما واجهوه بالكاميرات…
انهار.
واعترف إن أبويا دفع له مبلغ كبير، مقابل إنه يزور الموافقة ويستخدم بصمة إلكترونية
مزورة بمساعدة موظف في قسم السجلات.
القضية قلبت المستشفى كلها.
الإدارة حاولت تنكر.
لكن الصحافة وصلت.
وكل يوم كانت تظهر ورقة جديدة.
وفجأة…
الدكتور المسؤول عن العملية طلب يقابل النيابة.
واعترف باعتراف صدم الجميع.
قال إنه كان فاكر إني وافقت بالفعل.
وإن كل الأوراق كانت سليمة قدامه.
ولما عرف الحقيقة بعد العملية…
حاول يبلغ الإدارة.
لكن هددوه بالفصل وتشويه سمعته.
وده كان سبب إنه جري ورايا بعد خروجي من المستشفى.
القضية بقت رأي عام.
لكن كنت لسه مكسورة.
معنديش بيت.
ولا شغل.
ولا فلوس.
وفي يوم…
وأنا قاعدة في شقة صغيرة استأجرهالي الدكتور شريف مؤقتًا…
رن جرس الباب.
لقيت واحدة ست كبيرة واقفة.
أول ما شافتني…
حضنتني وعيطت.
وقالت:
“أنا خالة والدتك.”
افتكرت إنها جاية تدافع عنهم.
لكنها قالت:
“أنا بقالي عشرين سنة مقاطعاهم.”
دخلت وقعدت.
طلعت ظرف قديم.
وقالت:
“أمك وأبوك عمرهم ما حكولك الحقيقة.”
فتحت الظرف.
كان فيه عقد شراء قطعة أرض.
باسمي.
مؤرخ من خمسة وعشرين سنة.
قالت:
“جدك قبل ما يموت كتب الأرض دي باسمك… لأنه كان شايف إنهم بيفرقوا بينك وبين أحمد.”
الأرض كانت وقتها في أطراف القاهرة.
لكن دلوقتي.
..
بقت في قلب منطقة استثمارية.
قيمتها تجاوزت خمسين مليون جنيه.
وأبويا عمره ما قال لي.
بل حاول يخليني أوقع أكتر من مرة على أوراق تنازل وأنا فاكرة إنها أوراق بنكية.
لولا إن جدي كان حاطط شرط يمنع بيعها إلا بحضوري الشخصي.
بعد أسبوعين…
المحكمة جمدت كل تصرفات أبويا المالية.
والبنك رجع فلوسي.
وشركة التأمين رجعت تغطي علاجي بعدما ثبت التلاعب.
أما الشركة اللي كنت شغالة فيها…
فاكتشفت إن الاستقالة اتبعت من إيميل مزور.
رجعت شغلي مع ترقية وتعويض.
أما أحمد…
فكان أول مرة يزورني.
دخل أوضة المكتب وهو مطأطئ راسه.
قال:
“أنا كنت فاكر إنهم قالولك الحقيقة.”
بصيتله من غير كلام.
طلع ظرف.
وقال:
“أنا عرفت بعد العملية بيوم.”
“وسكت.”
نزل دموعه.
“لما عرفت إنهم زوروا توقيعك… حاولت أبلغ.”
“لكن أبويا هددني إنه هيحرمني من كل حاجة.”
قلت بهدوء:
“واخترت الفلوس.”
سكت.
ساب الظرف ومشي.
فتحت الظرف.
كان فيه توكيل رسمي.
تنازل فيه عن أي حق له في ميراث والده مستقبلًا لصالح سداد التعويضات اللي المحكمة هتحكم بيها.
مكنتش سامحته.
لكن عرفت إنه لأول مرة اتحمل نتيجة اختياراته.
بعد شهور…
صدر الحكم.
السجن لوالدي خمس عشرة سنة
بتهمة التزوير والاشتراك في استئصال عضو بشري دون موافقة صحيحة والاستيلاء على الأموال.
والدتي نالت عقوبة بالسجن لاشتراكها في التزوير وإخفاء الأدلة.
الموظف المزور والدكتور المتورط بالإهمال نالوا أحكامًا أيضًا، بينما حصل الدكتور شريف على البراءة لأنه أثبت أنه خُدع بالأوراق ثم أبلغ بالحقيقة فور اكتشافها.
أما نرمين…
فطلبت تقابلني.
وافقت.
دخلت وهي لابسة كمامة بسبب ضعف مناعتها.
أول ما قعدت قالت:
“أنا أقسم بالله كنت فاكرة إنك وافقت.”
طلعت ملف.
فيه رسائل بينها وبين أمي.
كانت كل مرة تسأل:
“سماح وافقت؟”
وأمي كانت ترد:
“أيوه… هي اللي أصرت.”
عرفت إنها كانت ضحية كذبة زيي.
قالت وهي بتعيط:
“أنا هعيش بالكِلية دي طول عمري… لكن عمري ما هعرف أنسى إنها كانت سبب وجعك.”
قلت لها:
“إنتِ مش عدوتي.”
“اللي سرق… هو اللي يتحاسب.”
بعد سنة كاملة…
بعت الأرض.
وأسست مركزًا مجانيًا لدعم ضحايا التلاعب الطبي ومساعدتهم قانونيًا ونفسيًا.
وفي افتتاح المركز…
وقفت قدام الناس.
بصيت ناحية اللافتة المكتوب عليها اسمي.
وافتكرت اليوم اللي سيبوني فيه على الرصيف.
وقتها كانوا فاكرين إنهم أخدوا مني كل حاجة.
لكن الحقيقة…
إنهم أخدوا
كلية واحدة.
وسابولي قلبًا أقوى، وعقلًا عرف يجيب حقه بالقانون.
وفي آخر اليوم، رجعت شقتي الجديدة، ووقفت قدام الشباك أبص للقاهرة.
ابتسمت لأول مرة من شهور.
لأن العدالة اتأخرت…
لكنها وصلت.
وانتهت الحكاية، وكل واحد حصد نتيجة اختياره، من غير ما يفضل أي باب مفتوح أو سر مخفي.