حماتي وسر الاكل حكايات انجى الخطيب

“مراتي مكنش عندها لبن في صد*رها عشان ترضع ابننا ، وأنا كنت بلومها … لحد ما رجعت البيت بدري واكتشفت أمي كانت بتأكلها إيه…. 😱

​افتكرت إن مراتي كانت ضعيفة ومقصرة مع ابننا… بس لما رجعت البيت بدري واكتشفت أمي بتأكلها إيه، فهمت إن الوحش كان عايش في بيتي….

​— أي نوع من الأمهات اللي متقدرش ترضع ابنها؟

​الكلام ده طلع من بوقي الصبح بدري، والواد عمال يصرخ ويصوت صوات يقطع القلب، كنت حاسس إن الحيطان هتتشق من عياطه.

​النهارده أنا حاسس بالخزي والعار وأنا بفتكر الكلام ده.

​النهارده نفسي أدفع عمري كله وأرجع للحظة دي، وأبوس على رجل مراتي وأطلب منها السماح قبل ما الأذى يربى ويكبر.

​بس الليلة دي أنا كنت هلكان. تعبان من الشغل، ومن الديون، ومن عياط الواد، ومش نايم غير تلات ساعات بس، صاحي بهالات سودا تحت عيني وبسوق عشان أروح المكتب وجسمي كله مهدود.

​مراتي، آية، كانت ولدانة بقالها خمستاشر يوم بس.

​خمستاشر يوم.

​وكانت عاملة زي الخيال.

​قبل الولادة كانت خدودها ملبلبة، وعينيها بتلمع، وضحكتها الناعمة اللي بتطلع كل ما تتكسف من حاجة. بس بعد ما رجعت من المستشفى، بدأت تدبل. خدودها سقطت ودخلت لجوه. كانت بتمشي بالراحة، وضهرها محني. وإيديها دايماً سقعانة تلج. ساعات ألاقيها قاعدة على طرف السرير، بتبص لولادنا وبتبعي بذنب وقهر مكنتش ببقى مرتاح وأنا شايفه.

​— مفيش لبن يا رامي، كانت بتقولها بصوت مكسور ومشرخ. بحاول، بس مفيش حاجة بتنزل.

​مفهمتش.

​أو مكنتش عايز أفهم.

​ابني، مروان، كان بيمسك في صدرها ويمص بكل قوته. وبعدين يبعد، ووشه يحمر من الغل والعياط، ويعيط كأنه اترمى في الشارع. وآية تعيط هي كمان، بس من سكات. تغطي صدرها، وتعدل لبسها تاني، وتحاول من الناحية دي، وبعدين من الناحية التانية، وتعض على شفايفها.

​مفيش.

​أو مفيش حاجة تذكر.

​وبدل ما أخدها في حضني وأطبطب عليها، بدأت ألومها.

​— كلي كويس، كنت بقولها كده. ارتاحي. أي ست تقدر ترضع ابنها لو اهتمت بنفسها وبأكلها.

​يا ريتني كنت فاهم.

​أنا كنت قاسي أوي.

​أمي كانت عايشة معانا، وجت قبل الولادة بأسبوع. كان اسمها شريفة، ودايماً ست شديدة وبتمشي كلمتها – من الستات اللي تقعد تقول: أنا ربيت تلاتة ومشتكتش، وكأن ده بيديها الحق تدوس على تعب أي حد تاني.

​لما آية ولدت الواد، أمي صممت تقعد وتلازمنا.

​قالت: الأم الجديدة دي متفهمش حاجة في أي حاجة. أنا هخلي بالي منها. ركز أنت في شغلك يا ابني.

​وصدقتها.

​كل شهر كنت بديلها الفلوس ومصروف البيت. أكتر بكتير من اللي بنصرفه في العادي. خمستاشر ألف جنيه بالتمام والكمال. كنت بحولهم ليها أول كل شهر وأقولها:

​— يا أمي، اشتري كل اللي آية محتاجاه. شوربة، فراخ، فاكهة، لبن — أي حاجة. اتأكدي إنها بتأكل كويس عشان تشد حيلها وتقوم بالسلامة.

​كانت تطبطب على كتفي.

​— متقلقش يا ابني. أنا شايلاها في عنيا ومقعداها زي الملكة. بعملها شوربة الفراخ والخضار والبليلة وكل حاجة يوم بيوم. أي عروسة تتمنى حمى زيي.

​ابتسمت.

​وصدقتها.

​عشان كانت أمي.

​وده كان أول موقف أبان فيه جبان ومغفل.

​في البيت، مفيش حاجة اتحسنت.

​مروان كان بيصرخ كل ليلة. وآية تحاول ترضعه طبيعي، وتفشل، وتعيط، وكنا ساعات بنجيب لبن صناعي لما ربنا يرزقنا ونقدر على تمنه – بس أمي دايماً كانت بتقف في الزور وتعارض.

​— اللبن الصناعي ده غالي ومصاريف ع الفاضي، كانت بتقول كده. لو حاولت وضغطت على نفسها، اللبن هيجي. أيامنا مكنش فيه الكلام ده، والعيال طلعت زي الفل وبصحتها.

​آية كانت بتوطي راسها وتسكت.

​وبعد شوية بقيت أكرر كلام أمي من غير ما أحس.

​— اسمعي كلام أمي، قلتلها في ليلة من الليالي. هي أدرى وأفهم مننا.

​آية بصتلي وعينيها مليانة دموع.

​— أنا بحاول يا رامي.

​— يبقي حاولي أكتر من كده، ردت عليها بجفاء.

​الكلمة دي كسرتها.

​وشفت ده بعيني.

​شفتها بتكش وتصغر، وكأن فيه إيد مش متشايفة بتعصر في قلبها.

​بس مروان فضّل يعيط تاني، وأنا حطيت المخدة على وشي، كنت غضبان وزهقان من الدنيا، ومن الدوشة، ومن مراتي، ومن كل حاجة – ما عدا الشخص الوحيد اللي كان يستاهل الغضب ده فعلاً.

​في يوم الصبح بدري، بعد أكتر من ساعة عياط متواصل وصريخ، صريخي أنا اللي طلع.

​— خلاص بقى يا آية! زعقت بعلو صوتي. أنتِ مابتتحسيس؟ شوفي الواد. الواد خس وبقى عامل زي الفتلة. باين عليه عيان. أنتِ أنهي نوع من الأمهات اللي مش عارفة حتى تأكل كويس عشان تجيب لبن للواد؟

​كانت قاعدة على السرير ومروان بين إيدها، وهدومها مفتوحة ببهدلة، والدموع مغرقة رقبتها.

​همست وهي بتقول: أنا آسفة. أنا باكل والله… أنا بجد بحاول أكل.

​— أومال مفيش فايدة ليه والواد مش بيكبر؟

​مردتش عليا.

​وطت راسها وخلاص.

​أخدت المخدة بتاعتي وطلعت نمت على الكنبة بره.

​نمت.

​على أساس إني عرفت أنام يعني.

​عياط ابني كان بيخترق الباب وبيقطع في فروة راسي.

​ومراتي بتعيط، بصوت واطي ومكتوم، بس واصلني.

​تاني يوم نزلت الشغل من غير ما أبص في وشها أصلاً. أمي كانت في المطبخ بتعمل الشاي.

​قالتلي: آية دلوعة وحساسة زيادة عن اللزوم. متبوظهاش. الستات بعد الولادة بيحبوا يعيشوا دور الضحية عشان يلووا دراع الكل بالصعبانيات.

​— أنا كل اللي همني إن الواد يأكل، ردت عليها.

​— هيأكل ويبقى زي الفل. متوجعش دماغك. أنا هظبط الدنيا.

​كلمة “أنا هظبط الدنيا” ريحتني وهدتني.

​والنهارده الكلمة دي بتخليني عايز أرجع كل اللي في بطني من القرف.

​يوم الخميس ده، النور قطع في المكتب في نص اليوم. المحول ضرب في المنطقة الصناعية ومشونا كلنا بدري على الساعة حداشر.

​فكرت أتصل بالبيت الأول.

​وبعدين قلت لأ.

​عايز أرجع وأعملهالهم مفاجأة. عدت على الصيدلية واشتريت علبة كبيرة من اللبن الصناعي المستورد الغالي — نوع مكلف كنت زمان هقول عليه ملوش لزمة ومنظرة. واشتريت كمان فيتامينات لآية وشوية فاكهة وتفاح.

​سقت العربية وأنا راجع البيت وحاسس، لأول مرة من أيام، إني زوج صالح وبفهم.

​يا لكسرة نفس البني آدم لما يفتكر نفسه بطل وجاي ينقذ الموقف وهو جاي متأخر والخراب حصل خلاص.

​لما دخلت، الباب مكنش مقفول على الآخر.

​البيت كان هسسسس، صامت تماماً.

​مش الصمت الرايق بتاع عيل نايم ومرتاح.

​لأ، صمت يقلق.

​ثقيل ويكتم النفس.

​من النوع اللي تحس إن وراه مصيبة أو فضيحة مستخبية.

​حطيت الأكياس في الصالة ومشيت براحة ناحية المطبخ. قلت يمكن أمي نزلت السوق أو راحت تدردش مع الجيران. وافتكرت آية نايمة بترتاح.

​بس شفتها.

​مراتي كانت مستخبية ومزنوكة في كورنر في المطبخ، جمب التربيزة.

​كانت بتأكل بسرعة جنونية.

​بلهفة ووجع بطن.

​زي الحرامي اللي بيسرق لقمة.

​كانت ماسكة في إيدها طبق غويط ومعلقة قديمة مصدية. كل كام قطمة تبص ناحية الباب بفزع. ووشها كله مبلول — مش من صهد المطبخ. ده من كتر العياط.

​أنا اتسمرت في مكاني.

​— آية؟

​تنططت من الخضة. والمعلقة وقعت من إيدها رنت في الأرض.

​لما شافتني، وشها اصفّر وبقى زي الليمونة من الرعب.

​— رامي… أنت إيه اللي جابك دلوقتي؟

​بصيت على الطبق.

​حاولت تداريه وتغطيه بإيديها الاتنين.

​الحركة دي خلت النور ينور في دماغي فجأة.

​بس مش بالطريقة الصح في الأول.

​— أنتِ بتأكلي إيه؟ سألتها.

​— مفيش حاجة. أنا خلاص كنت هخلص وأقوم.

​— وريني الطبق ده.

​— لأ يا رامي، عشان خاطري بلاش…

​شديت الطبق من إيدها بالعافية.

​الريحة لفتت دماغي وقرفتني قبل ما عيني تشوف اللي فيه.

​كان رز بايت من أيام، ومحجر وملزق في بعضه. وشوية طبيخ صايع مية والدهن الساقع عايم على الوش. وحتت لحمة غامقة، مايلة للرمادي، ريحتها حمضانة ومزرنخة. وفي قعر الطبق عضم متفصص، وراس سمكة ناشفة، وحتت زبالة أكل ميتشحتش لـكلب، مش يتقدم لست لسه والدة ومقومة روح تانية من جسمها.

​المعدة قلبت وحسيت إني هتموع.

​— إيه القرف ده؟

​آية انفجرت في العياط والشهوقة.

​— مشان ربنا مكنش تقول لأمك.

​جسمي كله سقع ودمي هرب من عروقي.

​— إيه؟

​وقعت على ركبها تحت رجلي، وكأنها هي اللي عاملة الجريمة وغلطانة.

​— أرجوك يا رامي. متبينلهاش إنك شفتني وأنا باكل ده. هتزعل مني وتعملي مشكلة.

​بصيت للطبق.

​وبعدين بصيت ليها.

​جلدة على عضم. دبلانة. بتترعش زي القصبة.

​مراتي.

​أم ابني.

​— آية، قلتلها وصوتي مخنوق وطالع بالعافية، هو ده الأكل اللي كنتِ بتأكليه طول الأيام اللي فاتت؟

​حطت إيدها على وشها وخبت نفسها.

​وساعتها، سكوتها جاوبني وقطع الشك باليقين قبل ما تنطق بكلمة واحدة….

**********

سكتت ومردتش، بس جسمها كله كان بيتنفض وشهقاتها طالعة من حتة غريقة جوة روحها. في اللحظة دي، سمعت صوت رقعة قبقاب أمي في الطرقة، صوت حفظته من صغري وكان دايماً بيديني أمان، بس النهاردة كان صوته زي دقات ساعة الإعدام.

​أمي دخلت المطبخ وهي شايلة في إيدها كيس بلاستيك، وأول ما شافتني اتفاجئت، بس ملامحها اتغيرت بسرعة ورجعت لوشها الصارم اللئيم. بصت لآية اللي كانت لسة واقعة على الأرض، وبعدين بصت للطبق اللي في إيدي.

​— رامي! إيه اللي جابك بدري يا ابني؟ والنور قطع عندكوا ولا إيه؟ وبعدين إيه اللي موقفك كده؟ سيب الطبق ده من إيدك، دي زبالة كنت هرميها للقطط في الشارع.

​أنا كنت حاسس إن لساني مربوط، وعيني بتلف في المطبخ. بصيت على البوتاجاز، لقيت حلة فيها شوربة فراخ بلدي ريحتها تقلب الدماغ، وصينية بشاميل لسة سخنة.

​— الزبالة دي مراتي كانت بتاكلها يا أمي. آية كانت بتاكل عضم وسمك حمضان.

​أمي ضحكت ضحكة صفرا، وتقدمت خطوتين بكل برود، وشدت الكيس من إيدها وحطته على الترابيزة.

​— يوه يا رامي! أنت هتصدق المسهوكة دي؟ دي هي اللي غاوية قرف ونكوشية. أنا بعملها لقمة خفيفة عشان بطنها بعد الولادة، والشوربة دي كنت شايلاها لك أنت لما ترجع تعبان من الشغل. الست من دول تولد من هنا وعايزة تبرطع في الأكل وتخلص على مصروف البيت في أسبوعين. أنا بوفرلك قرشك يا حبة عيني.

​في اللحظة دي، آية رفعت راسها، والدموع كانت حفرت خطوط في وشها الدبلان، وبصوت مبحوح ومكسور بس طالع بمرارة السنين كلها قالت:

— بتوفري إيه يا حماتي؟ حرام عليكي.. ده أنا كنت بقوم نص الليل من جوعي أشرب مية من الحنفية عشان بطني بتتقطع، واللبن ينشف في صدري والواد يموت من الصريخ. كنتِ بتدخلي الأكل كله أوضتك وتقفلي عليكي بالمفتاح، وتقوليلي مالكيش غير طبق الرز البايت ده عشان تخسي وتتحركي. الفلوس اللي رامي بيجيبهالك كنتِ بتنزلي تشتري بيها دهب وتخبيه في دولابك!

​كلام آية نزل عليا زي مية نار بتكوي نفوخي. بصت لأمي اللي وشها اتقلب ميت لون، وعينها الغدارة بدأت تبرق بغل.

​— جرى إيه يا بت يا خطافة الرجالة؟ أنتِ هتتبلي عليا في بيتي وقدام ابني اللي ربيته وكبرته؟ بقى أنا شريفة أعمل كده؟ دنا كنت بقوم أغسلك هدومك الميتة بدمها. يا رامي، دي بتتمسكن عشان توقع بيني وبينك، دي حية!

​أنا صرخت بعلو صوتي، صرخة طلعت من جحيم كان قايد جوة صدري، صرخة هزت حيطان الشقة:

— بسسسسسس! كفاية كدب بقى.. كفاية!

​رميت الطبق في الأرض، اتهبد واتفشخ ميت حتة، والأكل المعفن اتبعثر على البلاط. مروان صحي جوة في الأوضة وبدأ يصرخ، صريحه المرادي مكنش بيعصبني، كان بيقطع في قلبي زي السكاكين.

​نزلت على ركبي قدام آية، مسكت إيديها التلج دي وبستها، ودموعي أنا اللي نزلت لأول مرة من سنين على إيدها.

— سامحيني يا آية.. أنا حمار.. أنا ندل وعمري ما كنت راجل معاكي. سامحيني يا بنتي.

​آية سحبت إيدها براحة وهي بتبكي بنشيج يقطع القلب، وقامت وهي ساندة على الحيطة، دخلت الأوضة وجابت مروان اللي كان وشه أزرق من العياط، ولمت كام حتة من هدومها وهدومه في شنتة قماش قديمة.

​أمي وقفت في الطرقة وحطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة تشفي:

— غوري في داهية، الباب يفوت جمل، تروحي لبيت أبوكي الجعانين يشوفوا مين هيأكلك هناك. سيبها تغور يا رامي، دي متستاهلكش.

​لفيت لأمي، وبصيت في عينها، ومكنتش شايف الأم اللي بحبها، كنت شايف وحش حقيقي، كائن معندوش ذرة رحمة.

— اللي هيغور من البيت ده هو أنتِ يا أمي.

​أمي اتصدمت وفكت إيدها، ووشها اتشنج:

— أنت بتطرد أمك عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟ بتبيع اللي شالتك تسع شهور؟

​— أنتِ اللي بعتينا يا أمي.. بعتي ابني اللي كان هيموت من الجوع، وبعتي مراتي اللي أمنتك عليها. الفلوس اللي كنت بديهالك تشتري بيها لقمة لآية تروحي تجيبي بيها دهب وتجوعي أم ابننا؟ اطلعي برة يا أمي.. اطلعي برة ومشورينيش وشك تاني لحد ما أموت.

​أمي لمت حاجتها وهي بتدعي عليا وتسب، وقبل ما تقفل الباب وراها بصتلي بنظرة غل وقالت: “هتجيلي راكع يا رامي”. الباب اترزع، والبيت رجع صامت تاني.

​دخلت الأوضة لآية، كانت قاعدة على السرير حاضنة الواد وبتعيط. قعدت جمبها، أخدت علبة اللبن الصناعي اللي اشتريتها، ودخلت المطبخ عملت ببرونة دافية بسرعة وجيت. أخدت مروان في حضني، وحطيت الببرونة في بوقه. الواد بدأ يمص بلهفة وجوع غريب، وهدي، وصوته سكت لأول مرة من خمستاشر يوم.

​بصيت لآية وقلت والدموع في عيني:

— أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي يا آية.. أنا عارف إن الجرح كبير، بس وحياة تراب أبويا، من النهاردة مش هخلي مخلوق يلمس شعرة منك، وحقك وحق ابننا هيرجعلك تالت ومتلت، بس ارجعيلي.. ارجعي لرامي اللي بيحبك.

​آية بصت للواد وهو نايم في حضني شبعان، وبعدين بصتلي وعينيها لسة مكسورة، بس كان فيها حتة أمل صغيرة.. أمل إن البيوت تتبني تاني بعد ما اتهدت.

********

آية مدت إيدها بالراحة ولمست راس مروان وهو نايم في حضني، نفس الخوف القديم لسة مالي عينيها، بس المرة دي كان مخلوط بذهول.. كأنها مش مصدقة إن الكابوس خلص، أو خايفة تصدق فالوهم يطير.

​سحبت الشنتة القماش اللي لمت فيها هدومها، وحطتها في الأرض جمب السرير. بصتلي وقالت بصوت واطي ومشرخ كأنه طالع من شق في حيطة:

— أنا مش قادرة أصدق يا رامي.. مش قادرة أصدق إنك شفتني وأنا باكل القرف ده ونصرتني. أنا كنت بموت في البيت ده كل يوم مية مرة، والوجع الأكبر مكنش جوعي.. الوجع الأكبر كان كلامك أنت ليا الصبح، لما قلتلي أنتِ أنهي نوع من الأمهات؟ الكلمة دي كانت بتدبحني وأنا شايفة ابني بيموت من الجوع وصدري ناشف مش جايب نقطة مية، وأنا مش بإيدي حاجة أعملها.

​نزلت راسي في الأرض، والكسوف والخزي خنقوني. حطيت مروان بالراحة وسط السرير، ولفيت ليها وأنا مش قادر أحط عيني في عينها:

— حقك عليا.. لو فضلت أعتذر لآخر يوم في عمري مش هيكفي. أنا كنت أعمى، غسلت دماغي بكلامها وعشت دور الراجل الشقيان التعبان ورميت حمول بيتي على واحدة تانية، ونسيت إنك أنتِ أمانتي. أنا اللي طلعت مش راجل يا آية، مش أنتِ اللي مقصرة.

​قمت وقفت، ودخلت المطبخ. شلت كيس الفاكهة والتفاح اللي كنت شاريه، وطلعت علبة الفيتامينات. دخلت على البوتاجاز، غرفت طبق شوربة فراخ سخن من اللي أمي كانت شايلاها ليا، وجبت عيش طازة، ورجعت الأوضة. حطيت الصينية قدامها على السرير.

​— كلي يا آية.. كلي واشبعي، الأكل ده كله ليكي. ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيشاركك في لقمة بعد النهاردة.

​بصت لطبق الشوربة، ومدت إيدها وهي بتترعش، مسكت المعلقة وبدأت تاكل. أول قطمة بلعتها، عينيها دمعت تاني، بس المرة دي مكنش عياط خوف، كان عياط بني آدم بيحس بآدميته بعد ما اتهانت. كنت قاعد جمبها، بقطع لها الفراخ وبناولها بأيدي، وكل قطمة بتاكلها كنت بحس إن روحي أنا اللي بترجعلي.

​لما خلصت، سندت ضهرها لورا على المخدة، ولأول مرة من يوم الولادة، شفت لون الدم بيرد في وشها الصفر، وعينيها بدأت تهدى.

​بصتلي وقالت:

— وأمك يا رامي؟ دي أمك.. مهما كان اللي عملته، أنت طردتها بسببي. بكرة لما تهدى وتفكر، هتقول آية هي السبب وتكرهني.

​مسكت إيدها وضغطت عليها جامد، وكانت لسة سقعانة، بس بدأت تدفى:

— أمي على عيني وراسي، ليها برها وفلوسها وتمن علاجها هيروح لها لحد عندها، لكن دخولها بيتي تاني.. لاء. اللي يهون عليه حفيد حتة من ابنه يسيبه يجوع، واللي يرضى يذل ست في ضعف ولادتها ويمص دمها ودم جوزها عشان يشتري دهب، يبقى ميعرفش ربنا. أنا مش هكرهك يا آية.. أنا هفضل مديون لك بعمري كله عشان استحملتي القرف ده ومرمتيش الواد في حضني ومشتي من أول يوم.

​مروان اتمطع في السرير، وطلع صوت صغير وهو نايم. بصينا لبعض وإحنا الاتنين ابتسمنا.. كانت أول ابتسامة تدخل البيت ده من خمستاشر يوم.

​قربت منها، وأخدتها في حضني بالراحة كأنها حتة زجاج خايف عليها تتكسر. آية حطت راسها على صدري، وبدأت تتنفس بانتظام، تنهيدة طويلة ومطمنة، كأنها أخدت أول نفس حقيقي ليها من يوم ما ولدت.

​— نامي يا آية.. نامي وارتاحي، وأنا صاحي جمبكم، ومش هسمح للوحوش تقرب منكم تاني طول ما فيا نفس.

*******’

مرت الساعات والليل بدأ يلملم حاجته ويمشي، والنور طالع من شباك الأوضة بالراحة، بيفرش خيوط بيضا هادية على السرير. لأول مرة من خمستاشر يوم، الشقة مفيهاش صوت صريخ، مفيهاش كبس وهلع نص الليل، مفيهاش صوت كتم العياط في المخدة.

​آية كانت نايمة بعمق، ملامحها اللي كانت مشدودة ومتشنجة بدأت تفك، وإيدها كانت مفرودة جمب مروان اللي نايم هو كمان ومكتفي، بطنه مليانة وبوقه مفتوح سنة صغيرة ومطمن.

​قمت من جمبهم براحة، خطوة ورا خطوة عشان البلاط ميعملش صوت. دخلت المطبخ.. المطبخ اللي شهد المهزلة. بصيت على الأرض، الأطباق المكسورة والأكل المدلوق كان لسة زي ما هو. نزلت على ركبي ولميت كل حتة إزاز، ومسحت البلاط وخليته بيبرق، وكأني بمسح وسخ الأيام اللي فاتت من بيتي.

​عملت كوباية شاي سادة، وقعدت في الصالة على الكنبة، ببص على باب الشقة المقفول. تليفوني رن.. شفت الاسم، كانت أختي الكبيرة، منى.

​نفخت بضيق ورديت بصوت واطي:

— أيوة يا منى.. صباح الخير.

— صباح الزفت يا رامي! صوت منى كان عالي ومغلول، أنت اتجننت؟ أنت إزاي تعمل كده في أمك؟ تطردها في الشارع عشان خاطر مرتك الست هانم؟ أمك جيلنا الفجر بتعيط ودموعها مغرقة وشها وتقول رامي رماني برة عشان حتة بت ميسواش!

— أمك قالتلك هي اتهانت ليه يا منى؟ سألتها ببرود غريب، برود طالع من قلب اتحرق وخلاص مبقاش باقي فيه حتة سليمة.

— هتقول إيه يعني؟ بتقول بتراعي بيتك وتوفرلك قرشك، ومرتك المدلعة مش عاجبها العجب وبتقومك عليها!

— أمك كانت بتأكل آية زبالة الأكل يا منى.. كانت بتأكلها عضم سمك ناشف ورز حمضان من اللي بنرميه في الزبالة، في الوقت اللي كانت بتاخد مني ١٥ ألف جنيه مصروف في الأسبوعين، وتنزل تشتري بيهم دهب وتخبيه في دولابها والواد بيموت من الجوع وصدري أمه ناشف مش لاقي نقطة لبن يرضعها.

​الخط سكت تماماً. منى ملقيتش كلمة تقولها، نفس السكوت اللي جالي لما شفت الطبق.

— رامي.. أنت بتتكلم جد؟ أمي تعمل كده؟ صوت منى اتهز ومبقاش فيه الغرور بتاع أول المكالمة.

— أنا شفتها بعيني وهي مستخبية في كورنر المطبخ وبتتنفض زي الحرامية وبتلم اللقمة العفنة من الأرض.. أمك قاسية يا منى، قاسية أوي، واللي يعيش مع وحش وميخدش باله يبقى أعمى، وأنا كنت أعمى وفتحت. أمي ليها مصاريفها وعلاجها هبعتهولها لحد عندك، لكن خطوة جوة البيت ده مش هتحطها تاني، والمرة الجاية اللي هتتصلي بيا عشان تلوميني، هسمعك كلام يزعلك.. سلام.

​قفلت السكة وفصلت التليفون خالص. مش عايز دوشة، مش عايز ناس تسمم عيشتي تاني.

​رجعت الأوضة، لقيت آية بدأت تفتح عينيها. بصت حواليها بفزع كأنها بتدور على الحلم اللي صحيت منه، بس لما شافتني قاعد ع الكرسي جمبها، وهديت ونزلت رجليها من على السرير.

​— صباح الخير، قلتها وأنا ببتسم لها.

— صباح النور.. أنت منمتش يا رامي؟

— لاء، منمتش، بس صاحي فايق وبصحتي لأول مرة من يوم ما ولدتي. قوليلي بقى.. نفسك تأكلي إيه النهاردة؟ أنا اللي هطبخ، وهعملك لقمة تترد في عضمك.

​آية بصتلي، ولأول مرة من يوم ما رجعت من المستشفى، شفت لمعة عينيها القديمة، الضحكة الناعمة اللي بتطلع لما تتكسف. قرّبت مني ومسكت إيدي، المرة دي إيديها كانت دافية.

​— مش عايزة أكل غالي يا رامي.. أنا عايزة بس أفضل حاسة إن البيت ده بتاعي، وإن مفيش حد واقفلي بالمرصاد في اللقمة وفي النفس.

— البيت بيتك يا أم مروان، وإحنا ملناش غير بعض.

​مروان صحي، وبدأ يفرك ويدعي في عينه ويطلع صوته الصغير. آية شالته بحنان، وقعدت على السرير، وفتحت زراير عبايتها براحة.. ومن غير خوف، من غير ما تبص وراها، ومن غير ما تداري صدرها.

​حطت الواد على صدرها.. والمرة دي، مروان ممصش بغل وعياط. الواد بدأ يرضع بهدوء ونفس منتظم، وصوت البلع كان مالي الأوضة.. اللبن رجع، لأن الروح ردت، والأمان رجع للبيت.

​وقفت وبصيت عليهم، وحسيت إن الديون والشغل والتعب وكل هموم الدنيا هانت.. طالما الحيتان اللي جوة البيت مشيت، والوحوش ادمجت برة، بيتنا هيرجع يقف على رجليه تاني، وأقوى من الأول.

**********

عدت الأيام، والبيت اللي كان عبارة عن مستشفى مجانين وصريخ، بقى حتة من الجنة. آية بدأت صحتها ترد، خدودها اللي كانت سقطت ودخلت لجوه بدأت تملى تاني وتورد، وضحكتها اللي كانت وحشاني رجعت تنور الوش من جديد. ومروان؟ مروان بقى ينام بالست والسبع ساعات متواصلين، وبقى يملى هدومه وصحته لوز اللوز، وبقينا لما نبص في وشه نلاقيه بيضحك ويزقزق بعد ما كان وشه دايماً أزرق ومخطوف من الجوع والعياط.
​في يوم، كنت راجع من الشغل العصر، شايل في إيدي شنط فاكهة وحاجات حلوة لآية. فتحت الباب براحة كالعادة، وشميت ريحة أكل تجنن.. ريحة تقلية ملوخية وفراخ محمرة في السمنة البلدي.
​دخلت المطبخ، لقيت آية واقفة بتغرف الأكل، ولابسة عباية نظيفة ومسرحة شعرها، ومروان نايم في سريره الصغير في الصالة جمبها.
​— الله الله.. إيه الروائح اللي تفتح النفس دي يا أم مروان؟
لفت وبصتلي والابتسامة مالية وشها:
— حمد الله على سلامتك يا حبيبي. أهو، عملتلك الأكلة اللي بتحبها، الشوربة النهاردة طالعة زي العسل.
حطيت الحاجه من إيدي وقربت منها، بوست راسها وقلت:
— تسلم إيدك وعينك يا غالية.. ربنا ما يحرمني منك ولا من لقمة بتعمليها.
​قعدنا ناكل وإحنا بنضحك وبنتكلم في مستقبل الواد، وعن الديون اللي بدأت تتدبر واحدة واحدة بعد ما وفرنا فلوس الدهب والمصاريف الوهمية اللي كانت بتتشفط مننا. وفجأة، التليفون الأرضي رن.
​بصينا لبعض.. التليفون الأرضي م بيرنش غير لما يكون فيه حاجه مهمة، لأن الموبايل بتاعي لسة مقفول في وش أي حد من طرف أمي.
قمت رديت:
— ألو.. السلام عليكم.
جالي صوت منى أختي، بس المرة دي مكنش فيه غل ولا زعيق، صوتها كان هادي ومكسور:
— رامي.. إزيك يا ابني؟ عامل إيه وأختك وآية والواد؟
— الحمد لله يا منى، في فضل ونعمة من رب العالمين. خير؟
تنهدت منى وقالت بصوت واطي:
— أمك يا رامي.. من ساعة ما جت عندي وهي قافلة على نفسها الأوضة. في الأول كانت بتدعي وتزعق، بس لما واجهتها بكلامك، وشافتني بفتش في شنطتها ولقيت علبة قطيفة فيها غوايش وسلاسل دهب جديدة بدمغات الشهر اللي فات.. انكسرت ومبقتش تنطق.
سكتت شوية ومردتش، فكملت منى:
— هي تعبانة يا رامي، وضغطها عالي، وبتقولي قولي لرامي يسامحني.. أنا كنت فاكرة إني بأمن مستقبله وبشيل قرشه للزمن، مكنتش فاكرة إن الواد هيموت في إيديها. هي عايزة تشوفك يا ابني.. أو على الأقل تسمع صوتك.
​بصيت لآية اللي كانت قاعدة بتسمعني، وعينيها جت في عيني. آية حست بالكلام من نبرة صوتي، وهزت راسها براحة.. كأنها بتقولي “دي أمك مهما كان، متقساش عليها”.
​أخدت نفس طويل، وقلت لمنى:
— يا منى، أنا مش جاحد، وأمي هيفضل ليها حق البر عليا. مصاريفها وعلاجها هيوصلولها أول كل شهر زي ما وعدت، ولو تعبت كلميني هنيجي نوديها لأحسن دكاترة.. بس رجوعها هنا لاء. بيتي ده اتهد وانخرب بسببها، وأنا صدقت وكنت هخسر مراتي وابني بسبب طيبتي وعمايا. أنا مسامحها بيني وبين ربنا عشان خاطر الآخرة، بس الأيام اللي عشناها في رعب مش هتتمسح بسهولة. سيبيها تهدى، والوقت كفيل يداوي، بس دلوقتي.. سيبونا نعيش ونربي ابننا في أمان.
​قفلت السكة، والتفت لآية. لقيتها قامت وقفت جمبي، حطت إيدها على كتفي وقالت:
— أنت صح يا رامي.. ربنا يخليك لينا ويجعلك دايماً سندنا.
— ويخليكي ليا يا قلب رامي.
​أخدتها في حضني، وبصينا سوا على مروان اللي كان بدأ يفتح عينه ويبص لنا ويناغي بصوته الملائكي الصغير. في اللحظة دي عرفت إن الراجل مش بس اللي بيجيب فلوس وشقيان برة، الراجل هو اللي بيعرف يحمي حيطان بيته، ويكون النور اللي بيقشع الظلمة حتى لو كانت الظلمة دي جاية من أقرب الناس ليه. دفنا الماضي ورا ضهرنا، وبدأنا نكتب من جديد قصة بيتنا.. بيت مبني على الأمان، والشبع، والأصول.
********
حكايات انجي الخطيب
وبالفعل، من اليوم ده، قفلنا كتاب الوجع وفتحنا صفحة جديدة خالص.
​مرت الشهور، ومروان كبر وبقى يملى البيت بضحكته ولعبه، وبقى يجري في الصالة ويمسك في رجلي وأنا راجع من الشغل. وآية رجعت آية بتاعة زمان.. الست الجميلة، الواثقة في نفسها، اللي شايلة بيتها وجوزها في عينيها. الديون اللي كانت خانقاني ربنا فرجها وسددتها بالقرش، والبركة دخلت بيتنا من وسع لأن النية كانت صافية والأمان بقى هو الأساس.
​أمي فضل وضعها زي ما هو؛ ببعتلها مصاريفها وأكلها وعلاجها لحد عندها وزيادة، وبسأل عليها في التليفون عشان مكنش عاق، بس خطوة جوة عتبة بيتي مأمنتلهاش تاني. الحظر اللي عملته حوالين بيتي وعيالي كان السد اللي حمانا من أي طوفان.
​وفي ليلة من ليالي الشتا، كنا قاعدين أنا وآية في الصالة، ومروان نايم في حضنها بعد ما شبع ولعب لحد ما هبط. بصيت لوشها الرايق، ولقيتها بتبتسم لي وهي بتمسد على راس الواد.
​قربت منها وبست راسها وقلت:
— عارفة يا آية؟ أنا كل ما بفتكر اليوم اللي رجعت فيه بدري، بحمد ربنا ميت مرة.. بحس إن ربنا بعتلي النور ده في المكتب وعطل الشغل عشان ينقذني وينقذ بيتي قبل ما يتهد على دماغنا.
​آية اتنهدت تنهيدة دافية، وبصتلي بعيون مليانة رضا وقالت:
— واليوم ده يا رامي، أنا مبقتش بفتكره بوجع.. أنا بفتكره على إنه اليوم اللي اتولدت فيه من جديد، اليوم اللي عرفت فيه إن جوزي راجل بجد، بيعرف يشوف الحق وينصره حتى لو على حساب نفسه.
​ابتسمت وأخدتها هي وابني في حضني، والبيت كله كان دافي وهادي. وفي اللحظة دي اتأكدت، إن البيوت مابتتبنيش بالفلوس ولا بالحيطان الخرسانة.. البيوت بتبنيها الرحمة، وبيحميها الأمان، وطالما الراجل صاحي وفاتح عينه لبيته، عمر ما في وحش هيقدر يدخل يسرق لقمته ولا يكسر فرحته. ودي كانت نهايتنا.. نهاية الكابوس، وبداية الحياة اللي نستحقها.
تمت
حكايات انجى الخطيب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *