جوزي قالي انه مسافر
كان جوزي كريم قايل لي إنه مسافر شغل كام يوم فقلت أعدي على نجلاء مرات صاحبه الله يرحمه وآخد لها تورتة وشوية فطير طازة يمكن أهون عليها بعد ۏفاة جوزها
خبطت على الباب بهدوء وأنا شايلة التورتة والأكياس في إيدي
سمعت صوت كرسي بيتزق بسرعة من جوه وافتكرت إنها كانت نايمة أو قاعدة وبتقوم تفتح
المقبض اتحرك
والباب اتفتح
وفي اللحظة دي الدنيا وقفت
اللي كان واقف قدامي ماكانش نجلاء
كان جوزي كريم
الراجل اللي قال لي إنه مسافر شغل في محافظة تانية
كان واقف متجمد مكانه قدام باب شقتها لابس نفس القميص الأبيض اللي كويتهوله الصبح يا دوب أزراره مفتوحة وشعره مبهدل كأنه مستعجل
فضلنا نبص لبعض من غير كلام
وشه اتغير واتحول من الثقة لړعب
قال وهو بيتلعثم
منى… إنتي بتعملي إيه هنا
بصيت له بهدوء وقلت
جيت أطمن على نجلاء بعد ۏفاة جوزها قولت أكيد محتاجة حد يقعد معاها
وسكت ثانية
لكن دلوقتي الأهم عندي أعرف إنت بتعمل إيه هنا
بلع ريقه وقال بسرعة
ولا أي حاجة مفرمة الحوض عندها بازت وكلمتني عشان أصلحهالها
في أي يوم تاني يمكن كنت صدقته
لكن قبل ما أرد
سمعت صوت
خطوات جاية من جوه
وبعدين نجلاء نادت
يا كريم مين على الباب
خرجت من الطرقة بهدوء
كانت لابسة قميص نوم واسع ومحترم
بس اللي صدمني بجد ماكانش اللبس
كان بطنها الواضحة إنها حامل
بصيت لها وأنا مش مصدقة
وقلت بصوت واطي
نجلاء… إنتي حامل
اتوترت بسرعة واستخبت ورا كريم
وفجأة طلع صوت أعرفه كويس من المطبخ
حماتي أم كريم دخلت وهي شايلة طبق شوربة فراخ سخنة وقالت
يا كريم ساعد نجلاء تقعد ماينفعش تفضل واقفة كتير عشان البيبي
أول ما شافتني وقفت مكانها
علامات الصدمة ظهرت على وشها لحظة وبعدين اختفت
وحطت الطبق على الترابيزة وبصت لي بكل برود
وقالت
طالما عرفتي الحقيقة خلاص ملوش لازمة نمثل أكتر
وبصت في عيني وقالت من غير ذرة كسوف
الطفل اللي في بطن نجلاء ابن كريم
عيلتنا لازم يبقى ليها حفيد
وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة كانت باقية جوايا
لو إنتي مش قادرة تخلفي له يبقى فيه غيرك هيخلف
الكلام فضل بيرن في وداني
كريم سكت
ونجلاء نزلت عينيها في الأرض
وحماتي اللي كانت بتقول لي زمان إني زي بنتها كانت واقفة بتدافع عن خيانتهم بكل قوة
وقفت مكاني من غير ما أتكلم
لا صړخت
ولا عيطت
ولا حتى وقعت التورتة من إيدي
لأني في اللحظة دي فهمت إن اللي حصل ماكانش غلطة ولا لحظة ضعف
دي كانت خېانة متخططلها من زمان
كلهم كانوا عايشين حياة كاملة من ورا ضهري ومستنيين أول ما أعرف الحقيقة أمشي في هدوء
لكن هما ماكانوش يعرفوا إن قبل ما أمشي من البيت ده كنت هكشف سر أخطر بكتير مستخبي جواه
سر هيقلب حياتهم كلها وهيخليهم يدفعوا تمن خيانتهم غالي جدًا
الفصل الأول الهدوء الذي يسبق العاصفة
ظلت الكلمات تتردد في أذني كصدى بعيد يتردد داخل قاعة فارغة. لم يكن الصمت الذي سيطر على المكان
مبعثًا للسکينة، بل كان صمت الکاړثة، ذلك النوع من السکينة التي تسبق انفجار بركان غاشم.
نظرت إلى التورتة التي كانت بين يدي، ثم إلى أكياس الفطير الطازة التي حرصت على أن أختارها بعناية فائقة، ظنًا مني أنني سأدخل بها بيت حزينة محطمة لتواسيها. كم كنت غبية، وكم كانت السذاجة تكسو روحي. الفطير الذي تحسسته حرارته بيد كاد يبرد، تمامًا كما بردت دمش في عروقي وأنا أرى خېانة زوجية ليست عابرة، بل مؤسسة بالكامل، مرخصة من الأم، ومباركة من الجميع على حساب عمري، وصحتي، وأيامي التي أهديتها لهم بلا حساب.
تحركت خطوات بطيئة، غير مبالية بنظرات الړعب المرتجفة في عين كريم، ولا بنظرات التهرب المستترة لنجلاء، ولا حتى بنظرات البرود المتعجرف التي رمتني بها حماتي وكأنها صاحبة الحق الأوحد في هذا الكون.
تخطيت كريم الذي انكمش في مكانه وكأنه شاهد عيان على حاډث سير، ودخلت من باب الشقة. لم أكن أبكي، ولم أكن أرتجف. كان هناك نوع غريب من البرود القاټل قد تملكني، برود يشبه تجمد المياه في أعماق البحيرات القطبية.
قالت حماتي بنبرة محاولة لضبط إيقاع الموقف وكأنها تدير جلسة صلح عائلية
يا بنتي، اقعدي واهدي، العقل زينة. الموضوع أبسط بكتير من اللي في دماغك. كريم ما كذبش عليكِ في حاجة جوهرية. نجلاء كانت محتاجة، وجوزها الله يرحمه كان صاحبه الروحي، والوصية واجبة، والبيت ده…
التفتُ إليها ببطء شديد، وقطعت كلامها بنبرة صوت هادئة لكنها كانت تحوي حِدّة جعلتها تبتلع باقي جملتها
البيت ده؟ تقصدي بيت مين يا أمي؟ بيت صاحبه المرحوم اللي ساكنة فيه مراته وأخته و… ولا تقصدي الشقة اللي أنا فرشها قرش بقرش من تعب أبويا الله يرحمه ومؤخري اللي ما سدتهوش؟
لمحة نيوز
ولا تقصدي إيه بالضبط؟
توترت حماتي وقالت بحدة دفاعية
إنتِ بتقولي إيه وقلة الأدب دي جت منين؟ تعب أبوكِ إيه ومؤخر إيه؟ إحنا ناس محترمين، وكريم راجل وعمل الصح، ستر على أرملة صاحبه وحماها، وبكرة العيال دي تكون عزوة لبعضها!
عيال؟ تقصدي عيل واحد لحد دلوقتي، ولا فيه أكتر وأنا نايمة على وداني؟ قلتها ببرود، وأنا أتفحص وجه نجلاء التي انكمشت خلف الكنبة وكأنها تختبئ من شبح الماضي الذي عاد ليطاردها.
الفصل الثاني المفتاح الخفي
وسط ذهولهم من هدوء رد فعلي غير المتوقع، لم أكن أخطط للمشاجرة العادية. لم أكن أريد أن أصرخ أو ألقي بالأطباق على جدران الشقة كما تفعل النساء في المسلسلات. لقد أدركت في تلك اللحظة أن الصړاخ يمنحهم شعورًا بالقوة، يمنحهم مبررًا ليقولوا المچنونة التي لا تفهم، بينما البرود القاټل هو السلاح الوحيد القادر على زعزعة غرورهم.
نظرت إلى كريم وقلت بصوت حاسم
شنتتك موجودة جوه يا كريم؟ ولا لسه ما خلصتش هدوم السفر اللي في المحافظة التانية؟
ابتلع ريقه
بصعوبة وقال بصوت متحشرج
منى… تعالي نتكلم في البيت لو
سمحتِ، بلاش فضائح في الشارع… أقصدي في بيت المغفور له صاحبي…
بيت صاحبك؟ ضحكت بسخرية لاذعة هزت أركان المكان. بيت صاحبك اللي مشتريله شقة هنا ومسجلهاباسم مين يا كريم؟ باسمك ولا باسمها؟ ولا يمكن باسم أمك؟
تغير لون وجه كريم تمامًا، وبانت عليه علامات الهلع الحقيقي. لم تكن الخېانة الزوجية وحدها هي السر الكبير هنا؛ كانت لغة الأرقام، والأوراق، والمصالح الخفية أثقل بكثير من مجرد نزوة طارئة.
قالت حماتي وهي تتقدم نحوي پغضب
إنتي اتجننتِ بجد!