كشف الخيانة بالصدفة حكايات انجى الخطيب
جوزي بعتلي بالغلط تحويل بـ 48,500 الف على مع وصف في خانة الملاحظات: 😮⚠ “سبوع ريتاج بنتنا.” كنت واقفة في المطبخ بعمل “المكرونة بالبشاميل” لأمه وهو بيكلمني على الواتساب وبيقول إنه هيتأخر عشان “عنده اجتماع مهم مع عملاء في الشركة .” معلنتش صوتي. ومعيطتش قدامه. أنا فتحت أبلكيشن البنك بتاعي بس، وأخدت سكرين شوت 😡⚠… وبدأت أعد في سري كل الحاجات اللي لسه ميعرفش إني مسجلاها وعارفاها.
التحويل وصل الساعة 7:42 بالليل.
كنت واقفة جنب الحوض، مريلتي متبهدلة دقيق، وببص على وش المكرونة وهو بيحمر في الفرن لعشا يوم الجمعة.
كانت حماتي، “طنط فوزية”، قاعدة في الصالة زي الملكة، وبتبص على فرش الشقة بقرف.
— أوه يا نهى، الشقة دي حاسة إنها ضلمة أوي والإضاءة الصفرا دي بتوجع العين، قالتها من غير ما ترفع عينها من الموبايل. — عشان كده ابني “ماجد” بيطحن نفسه في الشغل، عشان يخرجك من الشقة الشعبية دي في يوم من الأيام.
طفيت البوتجاز. أخدت نفسي.
الشقة مكنتش وحشة، دي شقتنا في حدائق الأهرام، وكل طوبة فيها، وكل قسط دفعناه، كان من مرتبي أنا في الوقت اللي ماجد كان بيقنعني فيه إنه “بيستثمر في مشروع العمر.”
مشروع العمر. يا لها من نكتة.
تليفوني اتهز على الترابيزة.
البنك: تم استلام تحويل بقيمة 48,500 الف
حواجبي اتقفلت، لأن ماجد بقاله فترة “مفلس” وبيرفض يدفع نصيبه في جمعية البيت. فتحت الإشعار وأنا فاكرة إنه أخيراً دفع نصيبه في القسط.
بعدين شفت الوصف:
“سبوع ريتاج بنتنا 💙”
في الصالة، طنط فوزية ماتت من الضحك وهي بتتفرج على فيديو تيك توك.
وحسيت بالأرض بتميل.
ريتاج.
الاسم ده سمعته قبل كده في رسايل قديمة.
ريتاج، حبيبة ماجد القديمة، اللي أمه كانت بتجيب سيرتها “بالصدفة” في كل عزومة.
“ريتاج كانت شيك وبنت ناس.”
“ريتاج كانت عارفة إزاي تدلع جوزها، مش زي النكد اللي بشوفه هنا.”
وأنا، نهى، زوجة بقالي 8 سنين، اللي بعت دهبي عشان أسدد ديونه، وبشيل فواتير الكهرباء والمية، وبتحمل انتقادات أمه اللي بتعاملني كأني “خاطفة” ابنها.
بحلق في الشاشة. مردتش. معملتلوش بلوك.
التحويل كان من حساب “الشركة” اللي كان بيقولي إنها خسرانة ومفيش سيولة.
ضحكت ضحكة مسمومة.
— مالك يا بنتي واقفة كده ليه؟ طنط فوزية سألتني من الصالة. هو الأكل اتحرق؟
— لأ يا طنط، بيستوي براحته، رديت بهدوء.
بعد خمس دقائق، ماجد اتصل. سبته يرن. اتصل تاني. سبته يرن.
بعدين الرسالة جت:
“حبيبتي، أنا حولتلك مبلغ بالغلط من حساب الشغل. متفتحيش الأبلكيشن ولا تعملي أي حاجة، هفهمك لما أرجع.”
متفتحيش.. كأني عيلة صغيرة!
رديت عليه:
“أكيد.. أنا مستنياك هنا مع ماما.”
مردش لمدة دقيقة، وبعدها جت رسالة تانية:
“متقوليش لها أي حاجة.”
ساعتها بس فهمت إن “طنط فوزية” عارفة!
لأن بعدها علطول، جالها تليفون، ووطت صوتها وقالت:
— آه يا ابني، بس إزاي غلطة زي دي تحصل؟ أنا قولتلك راجع الأرقام قبل ما تبعت.
وقفت ورا باب المطبخ الموارب.
— لا لا، أنا هلهيها، همست حماتي في التليفون. — البت دي على نياتها ومش هتاخد بالها من حاجة، أنت تعال بس بسرعة.
على نياتها. ده اللي كانت بتوصفني بيه دايماً.
حطيت المكرونة في الصواني. زودت جبنة موتزاريللا زيادة لحماتي، بالطريقة اللي بتحبها. محطيتش في طبقي، زوري كان مقفول.
ماجد وصل بعد 22 دقيقة.
دخل ريحته ميكس بين “برفان حريمي” وخوف. قميصه مبهدل، ولابس الساعة اللي جبتها له بـ”تحويشة عمري” في عيد جوازنا، ونفس الابتسامة الصفرا اللي بيترسم بيها لما يكون عايز يضحك على حد.
— حبيبتي، قال وهو بيحاول يقرب: موقف محرج أوي، ده كان تحويل لعميل والاسم دخل غلط..
اتنحيت وبصيت في عينه.. الهدوء اللي قبل العاصفة كان في عيني.وو……
*******
اتنحيت وبصيت في عينه.. الهدوء اللي قبل العاصفة كان في عيني. وبكل برود الدنيا سحبت كرسي من السفرة وقعدت، حطيت رجل على رجل، ولفيت شاشة الموبايل ناحيته وهي منورة على رسالة البنك والوصف اللي فيها مكتوب بالبنط العريض: “سبوع ريتاج بنتنا”.
ماجد وشه جاب ميت لون، شفايفه اتنفضت وهو بيحاول يبلع ريقه، وعينه بتروح وتيجي بين الموبايل وبين عيني.
— “نهى.. أنتِ فاهمة غلط.. ريتاج دي بنت العميل، والوصف ده أنا كتبته عشان..”
قاطعته بضحكة واطية، ضحكة باردة لدرجة إنها خلت طنط فوزية اللي كانت لسه داخلة من باب الصالة تقف في مكانها وتبرق.
— “بنت العميل؟ والعميل ده اسمه إيه يا ماجد؟ ريتاج برضه؟ ولا الاسم دخل غلط في السيستم زي ما قولت؟ سبوع ريتاج بنتنا يا ماجد؟ بنتك أنت وهي؟”
طنط فوزية دخلت في النص بسرعة، وحاولت تطبطب على كتفي وهي بتنهج:
— “جرى إيه يا نهى يا بنتي؟ صلي على النبي كده، الواد راجع من شقا وتعب طول النهار، وبعدين غلطة حسابات تودي وتجيب، متخربيش بيتك على كلمة اتكتبت غلط!”
لفيت وشي لحماتي وبصيت لها من فوق لتحت، ونفضت إيدها من على كتفي ببطء:
— “تعب وشقا؟ وهو الشقا دلوقتي بقى بالبرفان الحريمي يا طنط؟ وبعدين خدي هنا.. أنتِ مش لسه قايلاله في التليفون ورا الباب (أنا هلهيها والبت دي على نياتها)؟”
الحمات اتصدمت، لسانها اتعقد وبقت تبص لابنها وتفرك في إيدها.
ماجد حس إن الأرض بتسحب من تحت رجله، صوت نبرته اتمسكنت وبدأ يقرب مني:
— “نهى.. أرجوكي اسمعيني، أنا غلطت، أنا آسف.. الشيطان شاطر، ريتاج ظهرت في حياتي تاني لما كنتِ أنتِ مشغولة عني بالبيت والجمعيات.. وتزوجنا عرفي من سنة.. وهي لسه والدة من أسبوع.. والفلوس دي كانت مصاريف المستشفى والسبوع.”
قومت وقفت فجأة، الكرسي اتهبد ورايا على الأرض وعمل صوت رن في الشقة كلها. ماجد رجع خطوة لورا من الخضة.
— “مشغولة عنك؟ مشغولة بالجمعيات اللي بسدد بيها ديونك؟ مشغولة ببيع دهبي عشان شركتك الخسرانة اللي بتطلع فجأة كسبانة وفيها سيولة لما تخص الست هانم؟ ريتاج الشيك بنت الناس اللي كنتوا بتبخعوا فيا عشانها؟”
— “يا نهى استهدي بالله..” ماجد قالها وصوته بيترعش وهو بيمد إيده يمسك دراعي: “أنا مستعد أصلح كل حاجة، والله هطلقها، أنا مقدرش أستغنى عنك ولا عن البيت ده.”
سحبت إيدي منه بقرف وبصيت في الساعة:
— “تطلقها أو تقعد معاها، مابقاش يخصني. أنت جيت في 22 دقيقة يا ماجد، صح؟ أحب أقولك إن في الـ 22 دقيقة دول، الـ 48,500 جنيه اتحولوا لحسابي الشخصي.. ومش بس كده، أنا كلمت المحامي بتاعي، والتحويل ده مع الإسكرينات القديمة ورسايل الواتساب اللي أنا مجمّعاها من شهور وعارفة بيها كل قصة حبكم، هتبقى أحلى ق*ضية طلاق للضرر، وبكره الصباحية هتوصلك دعوى تبديد المنقولات، عشان الشقة دي طوبة طوبة طالعة من شقايا أنا.”
طنط فوزية شهقت وصوتها علي:
— “تخربي بيت ابني وتاخدي شقاه؟ يا قليلة الأصل! ده إحنا اللي عملنالك قيمة!”
بصيت لطنط فوزية بابتسامة صافية جداً، وشاورت على السفرة:
— “المكرونة بالبشاميل جاهزة في المطبخ يا طنط، كليها بالهنا والشفا أنتِ وابنك.. بس كلوها بسرعة عشان قدامكم بالظبط نص ساعة، والبوليس هيكون هنا يطردكم من الشقة دي بتمكين، لإن الشقة باسمي، والبيت ده مابقاش فيه مكان لخاين.. ولا لأمه.”
سحبت شنطتي وموبايلي من على الترابيزة، ومشيت ناحية الباب بكل ثبات. وقفت قبل ما أفتح الباب ولفيت وشي ليهم وهما واقفين زي التماثيل مش مستوعبين الصدمة:
— “مبروك عليك ريتاج يا ماجد.. ومبروك عليها المكرونة بالبشاميل.”
قفلت الباب ورايا برزعة هزت العمارة، ونزلت السلم وأنا حاسة لأول مرة من 8 سنين.. إني بتنفس هوا نضيف.
*******”
نزلت السلم وجريت على الشارع، الهوا الساقع خبط في وشي، حاسة إني كنت مدفونة وصحيت. ركبت عربيتي وقعدت ورا الدريكسيون، قفلت الإيـزاز وبدأت أضحك.. أضحك بهستيريا لدرجة إن دموعي نزلت. دموع مش ندم ولا كسرة، دي دموع بني آدم كان شايل جبل على كتافه وفجأة الجبل ده اتهد.
موبايلي مابطلش رن. اسم “ماجد” بينور ويطفي على الشاشة زي تارات المولد. كنسلت عليه وعملتله بلوك هو وأمه.. خلاص، صفحتهم اتقفلت وبدأت مرحلة الحساب.
طلعت على بيت أختي الكبيرة، “مروة”. أول ما فتحت الباب وشافت مريلة المطبخ اللي لسه لابسها وعليها بقع الدقيق، اتخضت:
— “نهى؟! في إيه يا بنتي؟ وشك عامل كده ليه؟ وماجد فين؟”
دخلت رميت الشنطة على الكنبة وقلعت المريلة ورميتها في الأرض:
— “ماجد بيعمل سبوع بنته ريتاج دلوقتي يا مروة.. اتجوز عليا عرفي من سنة، من فلوسي، ومن دهبي اللي اتهان عشان يسدد ديونه.”
مروة حطت إيدها على بوقها وصوتها طلع مخنوق:
— “يا نهار أسود.. الكلب! وعملتي إيه؟ صوّرتي عليه الناس؟”
— “لأ، الصويت ده للغلابة اللي مبيعرفوش ياخدوا حقهم.. أنا أخدت الفلوس اللي حولها بالغلط، وهرفع عليه قض*ية خلع وطرد من الشقة، والشقة باسمي وعقودها معايا في الحفظ والصون.”
مروة عيونها لمعت بفخر وقربت حضنتني:
— “جدعة.. بنت أبوكي صحيح. والعمل دلوقتي؟”
— “العمل إني هقعد عندك الليلة دي، وبكرة المحامي هيتحرك.”
تاني يوم الصبح، الساعة 10 بالظبط. كنت قاعدة في مكتب الأستاذ “عاصم” المحامي، والملفات كلها قدامه على المكتب. الراجل كان بيبص للإسكرين شوتس وهو مبهور:
— “أنا بقالي عشرين سنة في المحاكم، ماشوفتش ست بالثبات والانتقام الذكي ده! التحويل اللي بـ 48,500 وبوصف (سبوع ريتاج بنتنا) ده حبل المشنقة اللي هو لفه حوالين رقبته بإيده. ده إثبات زواج وإثبات تبديد أموالك في نفس الوقت.”
— “أنا مش عايزة منه مليم يا أستاذ عاصم.. أنا عايزة الشقة، وعايزة كرامتي اللي داست عليها أمه 8 سنين ترجعلي.”
— “اعتبريها رجعت.. بكرة بالكتير هيكون معاه محضر بإخلاء الشقة، ودعوى الطلاق للضرر هتنزل في الجدول.”
بعد يومين.. رجعت عند الشقة في حدائق الأهرام، بس المرة دي مكنتش لوحدي، كان معايا المحضر، وعسكري، وقفل وجنزير جديد.
أول ما المحضر خبط على الباب، فتح ماجد وهو ببيجامة بيته، وشه كان دبلان، وتحت عينه أسود، وأمه واقفة وراه باصة برعب.
— “في إيه؟ مين حضراتكم؟” ماجد سأل وصوته رايح.
المحضر فتح الدفتر وبصوت جهوري:
— “معانا أمر تنفيذ تمكين وإخلاء للعقار رقم… بناءً على الطلب المقدم من السيدة نهى… مالكة العقار، لتعدي غير ذي صفة عليه.”
ماجد بصلي بعين مكسورة، وحاول يستعطفني قدام الجيران اللي بدأت تفتح الأبواب وتتفرج:
— “نهى.. بلاش الفضايح دي، إحنا عشرة 8 سنين.. نمشي في المحاكم بالمعروف!”
قربت منه خطوة، وبصوت واطي وواضح يسمعه هو وأمه بس:
— “العشرة دي أنت اللي بوظتها يوم ما ريحتك رجعت ببرفان حريمي والفلوس راحت لسبوع بنتك. يلا يا ماجد.. خريطة طريقك اتغيرت، اتفضل خد طنط فوزية واطلعوا برة.. الشقة دي شعبية ومتلقش بمقامكم الشيك.”
طنط فوزية بدأت تصوت وتلطم على وشها:
— “حرامية.. سرقت شقة ابني وطردتنا في الشارع! يا ناس يا عالم شوفوا الفاجرة!”
العسكري اتدخل وبصوت حازم:
— “جرى إيه يا ست أنتِ؟ لمي حاجتك واطلعي بالذوق بدل ما نعملكم محضر عدم تنفيذ ومقاومة سلطات وتبيتوا في القسم الليلة!”
في خلال ساعة، كان ماجد وأمه شايلين شنط هدومهم في أكياس سوداء كبيرة، واقفين على السلم والكسرة مالية عينيهم. ماجد بصلي بقلة حيلة وقال:
— “خربتي البيت يا نهى.. وغلبتيني.”
بصيتله وأنا بقفل الباب الجديد وبغير المفتاح:
— “أنا مخربتش البيت.. أنا نضفته من الزبالة اللي كانت فيه.”
رزعت الباب في وشهم، ولفيت ضهري للشقة. المكان مكنش ضلمة زي ما طنط فوزية كانت بتقول.. الإضاءة الصفرا كانت دافية، وكل ركن في الشقة كان بيضحكلي. قعدت على الكنبة، فتحت موبايلي، وعملت دليت لكل الصور اللي بتجمعني بيه.
أنا نهى.. وعمري الجديد بدأ النهاردة.
*******” ”
عدى أسبوعين.. أسبوعين مفيش فيهم صوت رنة تليفونه، ولا خناقة مع أمه على مصاريف البيت، ولا نظرة قرف من فرش الشقة. كنت بنام وأنا مش خايفة من بكرة، وبصحى وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري بجد مش خنق.
في يوم السبت الصبح، تليفوني رن برقم غريب. كنت هكنسل بس قلبي حس إن وراه حاجة. فتحت الخط وجالي صوت ناعم، فيه بحة عياط ومكسور:
— “مدام نهى؟ أنا ريتاج..”
سكت ثانية، أخدت نفس طويل وضبطت نبرة صوتي عشان تطلع بأعلى درجات البرود:
— “أهلاً يا ريتاج.. مبروك السبوع، متأخرة شوية بس معلش، المشاغل بقى.”
الخط سكت لحظة، وبعدين سمعت شهقة عياط منها:
— “أنا مكنتش أعرف يا مدام نهى.. والله العظيم ما كنت أعرف إنه واخد فلوسك ودهبك، ولا إنه طاردك من الشقة.. ماجد فهمني إنكم اطلقتوا من سنتين ومبينكمش غير قضايا نفقة، وإن الشقة دي شقته وهو اللي شاريها من تعبه!”
ضحكت ضحكة خفيفة:
— “وهو في راجل خاين بيقول الحقيقة يا ريتاج؟ عموماً، أنتِ بتكلميني ليه دلوقتي؟ متهيألي الـ 48,500 جنيه وصلولك خلاص لما هو اتصرف وجابهم من تحت الأرض عشان شكل برستيجه قدامك.”
— “ماجد اتمسك امبارح بالليل في القسم يا مدام نهى..” قالتها بصوت بيترعش. “المحامي بتاعك رفع قض*ية تبديد منقولات وبديد شيكات كان ماجد ماضيها ليكي من زمان.. وأمه طردتني من الشقة الإيجار اللي ماجد مأجرهالي لما عرفت إن الفلوس خلصت وماجد اتقبض عليه.. أنا متبهدلة بالبنت ومفيش معايا مليم، وماجد أمه بتقولي (انتي قدمك نحس عليه من يوم ما اتجوزتيه).”
حسيت للحظة إن الديرة دارت، وإن الست “الشيك، بنت الناس” اللي كانوا بيعايروني بيها، بقت دلوقتي في نفس الموقف اللي هما تمنوه ليا.. متبهدلة، ومطرودة، ومكسورة. بس مكنش جوايا أي شماتة، كان جوايا إحساس غريب بالعدالة.
— “بصي يا ريتاج،” قاطعتها بهدوء: “أنا مش بيني وبينك خصومة.. خصومتي كانت مع الراجل اللي ضحك عليا وعليكي، ومع أمه اللي ورطت ابنها وشجعت خيبته. ابنها دلوقتي بيدفع ثمن إنه استحل شقايا وتعب سنيني.. ونصيحة من ست جربت قبلك: لمي كرامتك، واخلعي من المركب الغرقانة دي، لإن الست فوزية مش هترحملك بنتك.”
قفلت السكة من غير ما أسمع ردها.
بعد شهرين بالظبط..
كنت واقفة في نفس المطبخ، بس المرة دي مكنش فيه مريلة متبهدلة دقيق، ومكنتش بعمل مكرونة بالبشاميل لحد مبيثمنش. كنت لابسة فستان شيك، وبظبط طقم العشاء الجديد اللي اشتريته بفلوسي، شقتي بقت منورة، والإضاءة الصفرا اللي كانت بتضايق طنط فوزية شيلتها وحطيت مكانها إضاءة بيضاء مبهجة وواسعة.
الباب خبط.. فتحت لقيت الأستاذ عاصم المحامي واقف وبإيده الملف الأخضر، وعلى وشه ابتسامة نصر:
— “مبروك يا مدام نهى.. حكم الطلاق للضرر صدر رسمي النهاردة، وبقيتي حرة قانوناً.. وماجد مضى على تسوية هيقسط فيها كل مليم أخده منك ومن دهبك عشان يخرج بكفالة من قض*ية التبديد.”
أخدت منه الحُكم، وبصيت على اسمي المكتوب في خانة “المُدعية”.. “نهى”.
بصيت للأستاذ عاصم وابتسمت:
— “الله يبارك فيك يا أستاذ عاصم.. اتفضل، تشرب إيه؟”
— “ولا أي حاجة يا فندم، أنا بس كنت حابب أسلمك الحُكم بنفسي.. وبالمناسبة، ماجد بعتلك رسالة معايا، قالي أقولها ليكي لو وافقتي.”
— “رسالة إيه؟”
— “بيقولك.. سامحيني، أنا خسرت كل حاجة.. الشغل، والفلوس، وريتاج سابتني ورفعت قض*ية خلع، وأمي تعبانة من الصدمة.. ونفسي أرجعلك.”
بصيت للحُكم اللي في إيدي، وبعدين بصيت لباب الشقة المقفول، وضحكت من قلبي:
— “قوله يا أستاذ عاصم.. إن المكرونة بالبشاميل خلصت من زمان.. والبيت ده مابقاش يقبل زبالة.”
قفلت الباب، ودخلت صالتي المنورة.. قعدت على الكنبة وأنا حاطة رجل على رجل، وبصيت للسما من البلكونة، وحسيت إن الكون كله بيصقفلي. أنا نهى.. اللي بدأت حياتها من اللحظة اللي افتكروها فيها إنها انتهت.
تمت
حكايات انجى الخطيب