مرات ابويا حكايات انجى الخطيب

“مرات أبويا طردتني على السطوح أنا وابني وقت العزومة الكبيرة.. بس مكنتش تعرف إن أخو جوزي هيفتح الباب الغلط.

​مرات أبويا قالتها بابتسامة باردة وهادية كأنها بتعدل طريقة قعدتي على السفرة مش بتقل من كرامتي قدام تلاتين بني آدم في البيت اللي أنا عايشة فيه، وقالتلي: ‘ملكيش مكان في الصالة الكبيرة لما يكون فيه ضيوف مهمين يا فاطمة، اعرفي مقامك.’

​كنت واقفة في الصالة الواسعة اللي كلها رخام في فيلا عيلة الشافعي ، وأنا حاضنة ابني سليم اللي عنده تمن شهور وكاتماه في صدري، سليم كان دافي طول الصبحية ووشه محمر وإيده الصغيرة ماسكة في بلوزتي وعينيه التعبانة نص مقفولة.

​بره في الجنينة كان فيه فرقة بتعزف مزيكا هادية وصوت كاسات العصير والضحك شغال، والناس الأغنياء بيضحكوا كأن مفيش أي حاجة وحشة ممكن تلمسهم في الدنيا، العيلة كلها كانت متجمعة عشان يحتفلوا بعيد ميلاد ابويا رأفت الشافعي الستين.

​البيت كان شبه الصور اللي بتنزل في مجلات الديكور الغالية، أقواس حجر بيضا وسلالم واسعة ونجف كريستال ولوحات ضخمة، وحتة هدوء غالي لدرجة تخليك تحس بالذنب لو اتنفست بصوت عالي.

​وعلى كلامهم هما.. أنا كنت البقعة اللي في البيت ده.

​أنا اسمي فاطمة، مولودة في منطقة شعبية ابويا رماني من وانا صغيرة مع امي الفقيرة اللي اتجوزها طفحت الدم واشتغلت نوبيتجيات بالليل عشان أكمل مصاريف كلية تجارة وإدارة أعمال، واتعلمت من صغري إزاي أحافظ على القرش عشان مفيش حاجة في طفولتي جت بالساهل.رغم ان ابويا مان راجل غني بس عمرة ما حن عليا بجنية واحد…..

لما امي ماتت روحت لابويا وللاسف عشت في بيتة خدامة لحد ما ما في يوم شافني ابن مرات ابويا وعجبتة وحبني وطلب يتجوزني

مرات ابويا رفصت في الاول بس بعد مدا قالت مش مهم ادام شبطان فيها خليه يتسلي يومبن واهي كدا مدا خدامة في البيت مش هتخصر

و​لما اتجوزت كريم كله قال عليا محظوظة.

​محظوظة.

​الكلمة دي فضلت ملاحقاني من أول يوم.

​’أنتي محظوظة إن كريم خد باله منك.’

​’أنتي محظوظة إنك اتجوزتي في العيلة دي.’

​’أنتي محظوظة إن طنط ميرفت رضيت بيكي.’

​بس ميرفت دي عمرها ما قبلتني.

​كانت مستحملاني عشان ابنها شبطان في لعبة وكانت مفكراه هيزهق منها ويرميها بعد شوية ، كانت بتعاملني بقرف وانا صابرة وساكتة ، لحد ما خلفت وقولت هترحم بس للاسف عمرها ما حنت عليا ولا علي ابني اللي هو حفيدها وكانت بتعاملة ولا كانة ابن الهدامة مش ابن ابنها يوم الحفلة كانت عاملة خطة تداريني بيها قبل ما الضيوف يوصلوا وكأني وصمة عار مش بنت جوزها ومرات ابنها…..

​كريم قال من آخر الطرقة وهو بيظبط ساعته: ‘ماما.. ملوش لزمة الكلام ده.’

​مقالش: ‘متكلميش مراتي بالطريقة دي.’

​مقالش: ‘دي أم ابني.’

​مقالش: ‘ابننا تعبان وسخن.’

​قال بس: ملوش لزمة الكلام ده، كأن المشكلة في طريقة كلام أمه مش في قسوتها وظلمها.

​ميرفت لفت وراحت ناحيته بسمّ أنيق من النوع اللي الناس بتفتكره شياكة وقالتله: ‘أنا مش بعمل حاجة يا حبيبي، أنا بس بنقذ الموقف عشان مراتك متعملش فضيحة، احنا عازمين مستثمرين ورجال أعمال وأعضاء مجلس إدارة، ناس تقال، مش محتاجين فاطمة تفضل تلف بالواد كأنها بتشحت بيه قدام باب جامع.’

​حسيت بسليم بيتحرك بضعف وهو ساند على صدري فقلت: ‘الواد سخن، أنا بس كنت عايزة كريم يشوفه قبل ما يبدأوا السلام والكلام.’

​ميرفت بصت لابني كأنه هو كمان عمل غلطة في الإتيكيت وقالت: ‘العيال كلها بتتعب، أمال الدادات لازمتهم إيه؟’

​فرديت: ‘هو معندوش دادة، أنا اللي بخلّي بالي منه.’

​فقالتلي: ‘بالظبط، يبقا خلّي بالك منه، بس مش تحت هنا.’

​كريم اتنهد وقال: ‘فاطمة، أرجوكي، ده حفلة كبيرة ارجوكي متلعبكيش الأمور بقا.’

​متلعبكيش الأمور.

​الكلمة دي بقت هي المزيكا الشغالة في خلفية جوازي كله.

​لما قفشت رسايل بين كريم وواحدة صاحبته أيام الجامعة قاللي: ‘متلعبكيش الأمور.’

​لما أمه فتشت شنطتي ‘بالغلط’ عشان فيه غويشة ألماظ ضاعت قاللي: ‘متلعبكيش الأمور.’

​لما أخوه رامي هزّقني وهزر وقال إني حملت عشان أدبّس كريم وكله ضحك، كريم وشوشني وقاللي: ‘متلعبكيش الأمور.’

​لما قعدوني جمب المطبخ في عزومة راس السنة عشان ‘السفرة الكبيرة اتملت’، كريم قاللي ابتسمي.

​جوازي كله بقا عبارة عن أمر واحد بس: ابلعي الوجع والاهانة عشان الأغنياء يعرفوا ياكلوا هما ومزاجهم رايق.

​فقلتله: ‘سليم محتاج أبوه.’

​كريم هرش في شعره وقال: ‘هبقا أشوفه بعدين.’

​فقلت: ‘هو سخن دلوقتي.’

​وطى صوته وقال: ‘فاطمة، متخلينيش أختار بين عيلتي وبين نكدك ومشاكلك.’

​في اللحظة دي فيه حاجة جوايا ماتت ومبقتش مستنية حاجة تاني، مش عشان الكلام جديد، عشان قالهالي في وشي وبكل وضوح.

​أنا عمري ما كنت عيلته.

​أنا كنت مراته لما يكون عايز حاجة , وكنت أم ابنه لما يحب ينزل بوست حلو انه اد اية اب مثالي

​أنا اللي كنت بظبطله فواتيره، وبفتكر مواعيده، وبشتري الهدايا لقرايبه، ومسهلاله دنيته.

​بس عيلة؟

​العيلة هي أمه.

​العيلة هي السفرة اللي عمري ما قعدت عليها بكرامتي.

​ميرفت قربت مني وريحة برفانها كانت قالبة المكان، ريحة فلوس وانتصار وقالت: ‘خدي الواد واطلعي بيه على روف السطوح، فيه ضل وكراسي ومحدش هيضايقك هناك، ولما تخلص الليلة والناس تمشي هنبقا نشوف هتنزلوا ولا لأ.’

​فسألتها: ‘الروف؟’

​فقالت: ‘متبقيش دراما ونكدية، أنا متأكدة إن المنطقة اللي اتولدتي فيها شوفتي فيها حر أكتر من كده.’

​كريم منطقش.

​السكوت ده كسرني أكتر من الشتيمة والاهانة نفسها، بصيت لجوزي وأنا لسه عندي أمل أشوف فيه ريحة رجولة أو لقطة أصل، جملة واحدة، رد فعل بني آدمين، مفيش، كان باصص في تليفونه.

​ميرفت شاورت لواحدة من الشغالات وقالت: ‘طلعيها فوق.’

​البنت الشغالة دي، ليلى، بصتلي بصة شفقة، مش قادرة ألومها، في البيت ده كله عايش عشان ينفذ الأوامر وبس.

​طلعت السلم وسليم بين إيديا، كل خطوة كانت أتقل من اللي قبلها، الروف كان نضيف بس فيه حتة ساقعة وغريبة، كام قصرية زرع، كرسيين خشب، حوض غسيل جمب الحيطة، وباب حديد بيقفل على السلالم.

​من فوق هنا، صوت الحفلة كان كأنه جاي من كوكب تاني، ليلى سابت شفشق مياه على الترابيزة ووشوشتني: ‘أنا آسفة يا ست فاطمة.’

​فقلتلها: ‘ملكيش ذنب يا ليلى.’

​وجريت هي نزلت تحت.

​قعدت وسليم في حجري ولمست دماغه، لسه سخن نار، مديت إيدي في الشنطة عشان أطلع الترمومتر، بس أول ما فتحت الشنطة قلبي سقط في رجلي.

​الفايل الأزرق بتاعي مش موجود.

​الفايل اللي فيه صور كشوفات الحسابات البنكية اللي قفشتها في مكتب كريم.

​التحويلات الغريبة.

​الفواتير المضروبة بتاعة شركة العيلة.

​الفلوس اللي بتتحول لحساب باسم ميرفت.

​والإيميلات اللي رامي كاتب فيها: ‘مشوا فاطمة من هنا قبل ما تبدأ تكشف المستور وتسأل أسئلة ملهاش لزمة.’

​جسمي تلمد، في اللحظة دي فهمت ليه ميرفت كانت عايزاني أطلع الروف.

​الموضوع مكنش مجرد تقليل مني وكسرة نفس.

​الموضوع كان وقت.

​وقت عشان يفتشوا شنطتي.

​وقت عشان يضيعوا الأدلة.

​وقت عشان يخلوني أبان مراته المجنونة الغيرانه لو فكرت أتكلم.

​قمت وقفت وسليم في حضني ورحت ناحية الباب الحديد، شدّيت المقبض، مفتحش، شديته تاني، مفيش فايدة، حد قفل عليا بالمفتاح من بره.

​النفس انقطع مني لثانية، مش عشاني، عشان ابني.

​زعقت: ‘يا ليلى! افتحي الباب!’

​وتحت المزيكا شغالة ومحدش سامع، سليم بدأ يعيط، خبطت على الباب بقبضة إيدي وناديت: ‘كريم!’

​محدش جه، وشمس بعد الظهر نازلة فوق السطوح حامية وصعبة، وأنا حاضنة ابني السخن اللي عمال يعيط وبسمع ضحك العيلة اللي قفلت عليا بالمفتاح عشان منبوظش حفلتهم المثالية.

​فجأة تليفوني اتهز، جاتلي رسالة من رقم غريب مكتوب فيها: ‘فاطمة، أنا رامي، أظن أمي لقت الفايل بتاعك، هو دلوقتي في مكتب أبويا، لو باقية على نفسك اكتمي خالص ومسمعش صوتك، كريم كدا كدا وافق ياخد الواد منك لو بدأتي تفتحي بقك وتتهمي حد.’

​رامي.

​أخو جوزي.

​الابن المدلل عند ميرفت بعد كريم، الواد الشيك اللطيف اللي بيعمل نفسه غلبان وهو بيلهف فلوس شركة العيلة كلها.

​بحلق في الرسالة.

​وبعدين بصيت تحت لسليم وهو بيصرخ في صدري ووشه الصغير محموق وتعبان.

​فيه حاجة جوايا اتجمدت وبقت قالب تلج.

​مبقتش خايفة.

​بقيت حاسمة.

​ابني مش هيكبر في بيت قفل الباب بالمفتاح على أمه فيه حاجة عادية ومقبولة.

​فتحت شات تاني.

​هدى المنصوري، المحامية

​بعتتلها مكاني، وصورة الباب المقفول، ورسالة رامي، وجملة واحدة:

​’ابدئي في كل حاجة.. دلوقتي.’

​بعد خمس دقائق بالظبط، والناس تحت رافعين كاساتهم بيشربوا وبيهنوا رأفت الشافعي، صوت سرينات البوليس والمطافي بدأ يرن في شوارع التجمع الخامس كلها ويهز المنطقة.

​ولما أخو جوزي فتح باب المكتب الغلط قدام عيون الضيوف كلهم وو…….

*******’

ووصل رامي لغرفته وهو بينهج، وشه كان جايب ميت لون لما شاف عربيات البوليس بتفرمل قدام باب الفيلا، فضل يدور بعينه على كريم لغاية ما لقاه واقف جمب البار بيضحك مع واحد من المستثمرين، شدّه من دراعه جامد لدرجة إن كاس العصير اتهز في إيد كريم وسال منه شوية على بدلتة الشيك.

​في إيه يا رامي؟ جرى لك إيه يا ابني خضيتني؟

​البوليس بره يا كريم! البوليس في الجنينة والمحامية هدى المنصوري معاهم، الباب الرئيسي اتقفل ومحدش عارف يخرج!

​بوليس إيه ومحامية إيه؟ أنت اتجننت؟ احنا في حفلة أبوك الستين، اهدى كدا ومتلعبكش الأمور.

​ابلع ريقك وفوق معايا! البنت فاطمة مش فوق.. قصدي فاطمة بعتت نجدة وبلاغ رسمي باحتجاز حرية وتعريض حياة طفل للخطر!

​نعم؟! احتجاز إيه؟ هي لحقت؟ ومين اللي قفل الباب أصلاً؟

​في اللحظة دي ميرفت لمحتهم واقفين بيتوشوشوا والوجع باين على وشوشهم، قربت منهم وهي بتعدل عقد الألماظ بتاعها وبتقول بصوت واطي ومسموم:

​في إيه يا ولاد؟ صوتكم عالي ليه والناس بتبص علينا؟ كريم، روح اقف جمب أبوك المصورين بيصوروا.

​يصوروا إيه يا ماما! رامي بيقول البوليس بره عشان فاطمة! أنتي قفلتي عليها بجد؟

​أنا مقفلتش، أنا قولت للبنت الشغالة تقفل عشان فاطمة متنزليش بهدومها دي وتبوظ منظرنا، دي ساعة زمن وهنفتح لها، اهدوا كدا ومتبقوش خايبين، أبوكم لو شم خبر باللي بيحصل ده هيطربق الدنيا فوق دماغنا، روح يا رامي هات الفايل الأزرق من مكتب أبوك بسرعة واطلع ارميه من سور الروف ورا الشجر، مش عايزين دليل واحد يمسكوه علينا لو البوليس دخل.

​رامي جري على جوه الفيلا، رجله كانت بتخبط في بعضها من الخوف، دخل الطرقة الطويلة اللي بتؤدي لمكتب رأفت الشافعي، فتح الباب بسرعة وهو مش شايف قدامه، والتوتر عماه تماماً لدرجة إنه مخدش باله من الضيوف اللي كانوا واقفين في الصالة الداخلية بيتفرجوا على اللوحات.

​دخل المكتب، ونبش في الدرج لغاية ما لقى الفايل الأزرق، ومسكه في إيده زي اللي ماسك قنبلة، ولف عشان يخرج من الباب التاني اللي بيطلع على المطبخ والروف.. بس من كتر رعبته ولخبطته، فتح الباب الغلط!

​بدل ما يفتح باب الممر الخلفي، فتح الباب القوس الكبير اللي بيطل مباشرة على الصالة الواسعة والبهو الرئيسي للفيلا، حيث كان واقف اللواء عادل، صاحب رأفت الشافعي، وجمبه اتنين من كبار المستثمرين والمحامية هدى المنصوري، ومعاهم اتنين ضباط برتب عالية داخلين من الباب الرئيسي.

​رامي اتسمر في مكانه، الفايل الأزرق في إيده، وشه بيجيب ألوان، وعرق غزير نازل على جبهته. هدى المنصوري بصت له بابتسامة نصر وسخرية، وشاورت بصباعها للضابط:

​أهو يا فندم، الأستاذ رامي رأفت الشافعي، ومعاه في إيده بالظبط المستندات والفايل اللي الأستاذة فاطمة بلغت عنه، واللي بسببه تم احتجازها هي وابنها الرضيع فوق السطوح في عز الشمس عشان يتستروا على تزوير واختلاس فلوس الشركة.

​في نفس الدقيقة، كان فيه عسكري تاني نازل من على السلالم وبإيده ليلى الشغالة اللي كانت بتعيط وبتترعش، ووراهم نازلة فاطمة..

​فاطمة كانت نازلة خطوة بخطوة، ضهرها مفرود لأول مرة من سنين، عينيها فيها نظرة قوة تزلزل، وحاضنة سليم اللي كان وشه لسه محمر بس نايم في حضنها بعد ما لفت له كمادات مياه سريعة. ميرفت أول ما شافتها نازلة، صرخت برستيجها اللي ضاع قدام الضيوف:

​أنتي إزاي تنزلي كدا؟ والبوليس ده داخل بيتي بصفتة إيه؟ يا رأفت! تعال شوف البنت دي بتعمل إيه في عيلتنا!

​رأفت الشافعي جه بيجري وهو مش فاهم حاجة، وشه كان مليان غضب وذهول من المنظر:

​في إيه هنا؟ إيه المهزلة دي يوم عيدي؟ فاطمة.. أنتي جايبة البوليس في بيتي؟

فاطمة وقفت في نص الصالة الرخام، وبصت لأبوها بكل برود وقالت بصوت قوي سمعه كل اللي واقفين:

​بيتك يا رأفت بيه؟ البيت ده أنا ليا فيه حق أمي اللي طفحت الدم بسبك، وحق ابني اللي بغوا يعرضوا حياته للخطر ويموتوه من السخونية فوق السطوح عشان يحموا سرقتهم. أنا مش جارية هنا، ولا بقعة في بيتك الغالي.

​كريم قرب منها وهو بيحاول يمسك دراعها ويتكلم بصوت واطي عشان يلم الموضوع:

​فاطمة.. أرجوكي، فضحتينى قدام الناس، تعالي على جنب وهنحل كل حاجة، أنا هعملك كل اللي أنتي عايزاه، بس مش كدا.. متلعبكيش الأمور!

​فاطمة نفضت إيده بقوة وقرف، وبصت في عينيه مباشرة:

​الجملة دي خلاص بح، مبقاش فيه أمور تتلعبك يا كريم، لأن مفيش أمور أصلاً تربطني بيك بعد النهاردة. المحضر اتعمل، والباب المقفول والمفتاح اللي في جيب الشغالة بأمر من أمك اتثبت، ورسالة رامي بتهديدي بإنك هتاخد ابني مني معايا على التليفون ومثبوتة في البلاغ.

​الضابط قرب من رامي وخد منه الفايل الأزرق بحزم:

​اتفضل معانا يا أستاذ رامي، وأنتي كمان يا مدام ميرفت، مطلوبين في القسم بتهمة احتجاز حرية وتعريض حياة طفل للخطر، وبناءً على المستندات دي، هيتفتح تحقيق رسمي في نيابة الأموال العامة.

​ميرفت رجعت لورا وهي حاطة إيدها على قلبها، شكل الشياكة والبرستيج كله داب في ثانية، وبقت تبص حواليها للضيوف اللي بدأوا ينسحبوا وهم بيتوشوشوا ويبصوا لها بقرف، ورامي كان بيبكي زي العيال الصغيرة وهو بيتحرك مع العسكري.

​فاطمة بصت لكريم اللي كان واقف مكسور ومذهول، وبصت للمكان كله، السلالم الواسعة، النجف الكريستال، الرخام الغالي.. وابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي أم ميرفت ورتهالها الصبح، وقالت له وهي بتمشي ناحية الباب الخارجي مع محاميتها:

​ابقى قول لأمك.. السطوح كان حر فعلاً، بس الهوا فوق كان أنظف بكتير من عيلتكم.

*********

خرجت فاطمة من باب الفيلا الواسع، وخطواتها الكعب بتاعها كان بيرن على الرخام بقوة مسمعتش منها لنفسها قبل كده. الهوا بره الفيلا كان لسه سخن، بس بالنسبة لها كان أول نفس نضيف تخليه يدخل صدرها من يوم ما دخلت البيت ده. سليم في حضنها بدأ يهدأ ويفتح عينيه الصغيرة بتعب، وبص لها كأنه بيشكرها إنها خرجته من السجن ده.

​وراها في الصالة، الدنيا كانت مقلوبة. صوت رأفت الشافعي كان جايب آخر الشارع وهو بيزعق لكريم ولميرفت اللي كانت بتبكي بانهيار بعد ما العسكري مسك إيد رامي عشان يركبوه بوكس البوليس.

​كريم جرى ورا فاطمة وخرج الجنينة وهو بينهج، وبدلتة الشيك بقت مبهدلة، ونادى عليها بصوت مخنوق بالخوف:

​فاطمة! استني عندك.. أنتي رايحة فين؟ فاطمة أنا جوزك! أنتي كدا بتهدي بيتك وعيلتك بإيدك!

​فاطمة وقفت في نص المشاية الرخام اللي في الجنينة، ولفت له ببطء شديد. المحامية هدى المنصوري وقفت جمبها ومربطة إيديها، وبتبص لكريم بنظرة كلها تحدي. فاطمة بصت له من فوق لتحت وقالت بنبرة هادية ومخيفة:

​بيتي؟ أنا مكنش ليا بيت هنا يا كريم. البيت اللي يتقفل فيه باب حديد على أم وابنها السخن عشان “المستثمرين ميتضايقوش”، ميبقاش بيت.. يبقى زريبة. وأنا كرمت نفسي وابني بره الزريبة دي.

​أنتي مش فاهمة حاجة! – كريم قالها وهو بيقرب خطوة وإيديه بترتعش – رامي وماما كانوا خايفين على مصلحة الشركة، وأنا مكنتش أعرف إنهم هيقفلوا عليكي! أنا قولتلك اطلعي الروف عشان تهدي والواد يشم هوا.. أنا ماليش ذنب في اللي حصل ده!

​فاطمة ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع وسخرية:

​مصلحة الشركة؟ يعني كنت عارف إنهم بيسرقوا؟ عارف إن أخوك وأمك بيلهفوا الفلوس وحاطين اسمي في النص عشان لو الحكاية اتكشفت ألبسها أنا؟ “متلعبكيش الأمور يا فاطمة”.. صح؟ هي دي الجملة اللي كنت بتغطي بيها على قذارتكم كل مرة؟

​في اللحظة دي، ميرفت خرجت وراهم وهي ساندة على الشغالة، وشها كان أصفر البودرة اللي حطاها مش دارية الخوف اللي في عينيها، صرخت بصوت مرعش:

​أنتي هتاخدي ابن ابننا وتروحي بيه فين يا جربوعة؟ سليم ده ابن عيلة الشافعي، مش هيعيش في الحواري اللي جيتي منها! البوليس مش هيعملنا حاجة، احنا عيلة الشافعي يا شحاتة!

​هدى المنصوري المحامية اتدخلت هنا، وطلعت ورقة من شنطتها وقالت بصوت جهوري وثقة:

​عيلة الشافعي دي زمانها انتهى يا مدام ميرفت. البلاغ اللي اتقدم مش بس احتجاز حرية، ده بلاغ للنائب العام بمستندات وفواتير وتحويلات بنكية بتثبت غسيل أموال واختلاس من أموال الشركاء. والملف التاني اللي في إيدي ده.. دعوى خلع، وبلاغ بطلب الولاية التعليمية والصحية للطفل سليم كريم الشافعي بسبب تعريض حياته للخطر. أشوفكم في المحكمة.

​كريم انهار وقعد على ركبه على النجيل الأخضر بتاع الجنينة، وبص لفاطمة كأنه طفل ضايع:

​فاطمة.. عشان خاطر سليم، بلاش الفضيحة دي، هدي الأمور وأنا هكتبلك الفيلا دي باسمك، هعملك كل اللي أنتي عايزاه، بس بلاش السجن لأمي وأخويا.

​فاطمة بصت له لآخر مرة، عينيها مكنش فيها كره، كان فيها قرف وبس. عدلت لفّة سليم في حضنها، وبصت لكريم وقالت:

​الفيلا دي، بكل الرخام والنجف اللي فيها، متساويش عندي ضفر سليم وهو تعبان وسخن وبيموت في حضني وأنت باصص في تليفونك. الفلوس بتعملكم أسياد على نفسكم بس، لكن ميعاد الرجولة والأصل فاتك يا ابن الشافعي من زمان.

​لفت ضهرها ومشيت، ركبت عربية البوليس اللي كانت واقفة لحمايتها وحماية ابنها، والعربية بدأت تتحرك وتخرج من البوابة الحديدية الكبيرة للفيلا. من قزاز العربية، فاطمة بصت وراها وشافت الضيوف وهم خارجين بيجروا، والبوليس وهو بياخد رامي وميرفت، وكريم وهو قاعد في الجنينة وراسه بين إيديه.

​سليم اتمطع في حضنها وطلع صوت صغير كأنه بيفوق، فاطمة باست دماغه اللي بدأت تهدأ وتبرد، وهمست له:

​خلاص يا قلب أمك.. الباب اتفتح، ومحدش هيقدر يقفله علينا تاني.

*********

اتحركت العربية وخرجت بره سور الفيلا، والسرينة بدأت تهدأ بالتدريج لحد ما سكتت خالص، وكأنها كانت بتعلن نهاية كابوس وعام جديد من حياة فاطمة. الشوارع بتاعة التجمع كانت واسعة وفاضية، والهوا اللي داخل من شباك العربية كان فيه ريحة براح حقيقية.

​فاطمة سندت رأسها على الكرسي، ودمعة واحدة سخنة نزلت من عينيها، مكنتش دمعة حزن ولا ندم، دي كانت دمعة الخلاص.. دمعة غسلت كل الإهانات، من أول قعدتها جمب المطبخ في راس السنة، لحد نظرة القرف في عين ميرفت وهي بتقولها “اعرفي مقامك”.

​التليفون في إيدها مكنش بيبطل رن. اسم “كريم” كان بينور على الشاشة ويفصل، وراه رسائل استعطاف، وبعدها رسائل تهديد من أرقام قرايبهم. قفلت التليفون خالص ورمته في الشنطة.

​المحامية هدى المنصوري لفت لها وهي قاعدة جمب الظابط قدام، وبصت لها بنظرة إعجاب وقالت:

​حمد لله على سلامتك يا فاطمة. أنتي قلبك حديد، حريم كتير في مكانك كان ممكن يركبهم الرعب ويفرطوا في حقهم عشان خايفين من حيتان عيلة الشافعي.

فاطمة اتنفست بعمق وبصت لسليم اللي بدأ يفتح عينيه التعبانة ويبتسم لها بضعف:

​اللي يشوف ابنه بيموت بين إيديه يا أستاذة هدى ومقفل عليه باب حديد، بيموت جواه الخوف. أنا مكنتش بدافع عن نفسي.. أنا كنت بنقذ ابني من عيلة كان ممكن تبيعه في أول مصلحة.

​العربية وقفت قدام المستشفى الحكومي القريب عشان يتكتب تقرير طبي رسمي بحالة سليم وإثبات السخونية والإهمال الطبي اللي تعرض له. نزلت فاطمة وشايلة ابنها، ووراها هدى اللي مسبتهاش لحظة.

​جوه المستشفى، الدكتورة كشفت على سليم وعملت له كمادات وعلقت له محاليل سريعة، وبصت لفاطمة بلوم:

​الواد حرارته كانت داخلة على 40 يا مدام! أنتي كنتي فين؟ ده لو كان قعد ساعة كمان بالوضع ده كان ممكن يدخل في تشنجات!

فاطمة غمضت عينيها بوجع وقالت:

​كنت في مكان مفيهوش رحمة يا دكتورة.. بس الحمد لله، لحقته.

​ساعتين فاتوا، وسليم نام وصحته استقرت تماماً، والتقرير الطبي طلع ومختوم بختم النسر، دليل جديد هينضم لملف القضية اللي هيطير رقابين في عيلة الشافعي.

​خرجوا من المستشفى على بيت أم فاطمة القديم.. الشقة الصغيرة اللي في المنطقة الشعبية، اللي ميرفت كانت بتعايرها بيها. أول ما فاطمة حطت رجليها في حارة بيتها القديم، حست بدفا ملقتهوش في فيلا الرخام. الجيران أول ما شافوها داخلة بشنطتها وابنها، كله جرى عليها:

​خطوة عزيزة يا فاطمة يا بنتي!

​منورة بيتك يا أم سليم، في إيه مالك؟ شكلك تعبان!

​فاطمة ابتسمت ليهم بدموع وقالت:

​أنا زي الفل يا جماعة، أنا رجعت لبيتي وأهلي.

​طلعت شقتها، فتحت الباب الخشبي القديم، ريحة ذكريات أمها وطيبتها كانت مالية المكان. حطت سليم على السرير البسيط، وقعدت جمبه. المكان مكنش فيه نجف كريستال ولا لوحات غالية، بس كان فيه كرامة.. والكرامة بتدفي أكتر من أي قصر.

​تاني يوم الصبح، مصر كلها كانت بتتكلم عن فضيحة “مجموعة شركات الشافعي للاستثمار”. المواقع الإخبارية نزلت صور رامي وميرفت وهم داخلين النيابة، والقبض على المحاسبين بتوع الشركة بناءً على المستندات اللي فاطمة سلمتها. كريم الشافعي مبقاش ملاحق على قضايا النيابة، ولا فضيحتهم قدام رجال الأعمال والمستثمرين اللي سحبوا فلوسهم من الشركة في نفس اليوم.

​الباب خبط، فاطمة فتحت لقت هدى المنصوري ومعاها جورنال الصبح، دخلت وهي بتضحك:

​صباح النصر يا فاطمة! ميرفت ورامي اتجدد حبسهم 15 يوم على ذمة التحقيق، وكريم أعلن إفلاس الفرع الرئيسي للشركة عشان يسدد الكفالات والديون اللي ظهرت. بعتلي المحامي بتاعه الصبح وعايز يترجاكي تتنازلي عن قضية الاحتجاز مقابل أي مبلغ تطلبيه.

​فاطمة قعدت، وخدت بق شاي بسعادة وبصت لابنها اللي بيلعب بلعبه على الأرض وقالت بكل برود:

​قولي للمحامي بتاعه.. فاطمة اللي كانت بتشحتوا بيها قدام باب الجامع بتقولكم: “موتوا في سجنكم”.. ومفيش تنازل، واللي بدأته هكمله لآخر خطوة. أنا مش عايزة منهم قرش، أنا هاخد ابني وحريتي، والفلوس اللي سرقوها من الغلابة، النيابة هتعرف ترجعها لأصحابها.

​هدى هزت رأسها باحترام:

​وهو ده الكلام.. كدا الأمور مش هتلعبك تاني أبداً يا فاطمة.

​فاطمة بصت من شباك شقتها الصغيرة على السماء الواسعة، وحست إن الشمس النهاردة مش حامية ولا حارقة زي شمس السطوح.. الشمس النهاردة كانت بتنور لها طريقها الجديد، طريق ميهمش فيه هما مين ولا معاهم كام، المهم فيه إن فاطمة الشافعي، رفعت راسها فوق الكل، ومبقتش البقعة اللي في البيت.. بقت هي النور اللي كشف حقيقتهم.

*********

بعد مرور سنة كاملة..

​الهدوء كان لافف الشقة الصغيرة في المنطقة الشعبية، بس المرة دي الشقة مكنتش مجرد ذكريات قديمة، دي بقت المقر الرئيسي لشركة “فاطمة الشافعي للاستشارات المالية وإدارة الحسابات”. فاطمة قاعدة ورا مكتبها الخشب البسيط، لابسة بدلة شغل أنيقة وبسيطة، وقدامها لابتوب وملفات حقيقية، ملفات بتاعة عملاء وثقوا في أمانتها وشطارتها بعد ما الكل عرف إنها هي اللي كشفت أكبر قضية فساد مالي في السوق.

​سليم كان بيتحرك في الأوضة، بقى عنده سنة وثمان شهور، بيمشي على رجليه وبيضحك بصوت عالي وهو بيحاول يمسك قفل الباب الخشب.. الباب المفتوح دايماً اللي مفيش مخلوق يقدر يقفله عليه تاني.

​الباب خبط، ودخلت هدى المنصوري وهي شايلة فايل جديد، بس المرة دي الفايل كان أحمر.. فايل النصر النهائي. رمت الفايل على المكتب بابتسامة واسعة وقالت:

​مبروك يا فاطمة.. الحكم النهائي صدر النهاردة. خلع رسمي من كريم الشافعي، والولاية الكاملة ليكي، والمحكمة رفضت كل طعون ميرفت ورامي.

​فاطمة اتنفست بعمق، وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها:

​والشركة بتاعتهم؟

​انتهت تماماً يا فاطمة. الفيلا الكبيرة بتاعة التجمع اتباعت في المزاد العلني عشان يسددوا ديون وقروض البنوك وغرامات قضايا التزوير. ميرفت ورامي لسه قدامهم سنتين في السجن، وكريم.. كريم بقى شغال موظف حسابات صغير في شركة بره القاهرة عشان يعرف يدفع نفقة سليم اللي المحكمة فرضتها عليه، وطبعاً مش ملاحق.

​في اللحظة دي، تليفون فاطمة رن. شافت الرقم.. كان رقم كريم. هدى بصت لها وقالت: “هتردي؟”

فاطمة هزت رأسها وفتحت الخط وحطت التليفون على السبيكر. صوت كريم جه من الناحية التانية، بس مكنش صوت الراجل الأناني الشيك بتاع زمان.. كان صوت إنسان مكسور، نبرته مليانة ندامة وتعب:

​فاطمة.. أنا عارف إن ماليش عين أكلمك، بس أنا كنت عايز اسمع صوت سليم.. وعايز أقولك إني آسف. أنا خسرت كل حاجة يا فاطمة، الفيلا، الفلوس، عيلتي، واسمي.. ومبقاش ليا حد. أرجوكي سامحيني.

​فاطمة بصت لسليم اللي كان واقف جمب المكتب وبيتفرج عليها بعيونه البريئة، وردت على كريم بنبرة هادية جداً وثابتة، نبرة مفيهاش غل ولا كره، لكن فيها حسم ينهي الحكاية:

​أنا سامحتك يا كريم.. بس سامحتك عشان نفسي وعشان ابني يعيش بنية صافية، مش عشان نرجع. الفلوس والفيلا والاسم اللي أنت زعلان عليهم مكنوش هما اللي عملوا الفضيحة.. قسوتكم وظلمكم هما اللي هدوكم. ربنا يسهلك طريقك، ونفقة ابنك هتوصلني كل أول شهر عن طريق المحامي.

​وقبل ما تسمع رده، قفلت السكة. قفلت السكة على الماضي كله.

​قامت فاطمة من ورا مكتبها، وشالت سليم في حضنها وخرجت بيه للبلكونة الصغيرة اللي بتطل على الحارة. الجيران تحت كانوا شغالين، وصوت الأغاني الشعبية البسيطة والضحك الحقيقي طالع من البيوت، والناس بتسلم عليها وبيدعوا لها.

​سليم حط إيده الصغيرة على وشها وباسها، فاطمة ضمت الصبي لصدقها وبصت للسما اللي بدأت تليل وتظهر فيها النجوم، وقالت له بصوت واطي:

​شفت يا سليم؟ أهو احنا بره الصالة الكبيرة وبره الفيلا الرخام.. بس الدنيا كلها بقت مكاننا، ومقامنا فوق.. فوق خالص ومحدش هيقدر ينزله الأرض تاني.

تمت

حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *